العلاقات الاجتماعية الحميمة هي علاقة الأبوة والبنوة والزوجية والأخوة والعشيرة وهو الأقربون الأدنون .
كل هذه العلاقات الوشيجة يمكن أن نضحي بها المسلم في سبيل الله وفي سبيل دينه إن تعارضت ودعوته ومسيرته وطريقه وإن حاربوا صده عن سبيل فلو فعل فهو مأجور عند الله تعالى لاستجابته لما طلب منه ولو لم يفعل فإن الله تعالى يتهدده بعذاب عليه أن ينتظره هو وأمثاله من الفاسقين الذين خرجوا عن أمر الله تعالى .
ومعنى ذلك أن المؤمن مطالب بأن يفضل حق الله تعالى وحبه سبحانه وتعالى على حق نفسه وذويه وأن يحب الله أشد مما يحب نفسه وذويه قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدى القوم الفاسقين } التوبة 23- 24 ].
وهاتان الآيتان الكريمتان فيهما كثير من المضامين التي تتصل بالتضحية في سبيل الله مثل :
التضحية بالقرابة مهما كانت وشيجة .
والتضحية بالمال والتجارة .
والتضحية بالمساكن الطيبة .
التضحية بكل ذلك إيثارا للإيمان بالله وما يوجبه على المؤمن .
كل هذه الآيات من سورة ((براءة)) وهي السورة الكريمة التي جاءت بوجوب البراءة من المشركين والكافرين .
-فالآية الأولى من هاتين الآيتين الكريمتين وهي :{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون } التوبة 33 ].
قال المفسرون :
إن هذه الآية الكريمة جاءت جواباً عن شبهة قامت في بعض النفوس مؤدى هذه الشبهة أن البراءة من الكفار في بداية الإسلام كانت متعذرة فقد يكون الرجل في ذلك الوقت مؤمنا وأبوه أو ابنه أو أخوه أو زوجته على الكفر وحصول البراءة في مثل هذه الحالة متعذر أو ممتنع فجاءت هذه الآية لتنزل هذه الشبهة وتبين أن الله تعالى لما أمر المؤمنين بالتبرى من المشركين بل أوجبه إيجابا قال بعضهم : كيف يمكن ذلك ؟ وكيف تكون مقاطعة تامة بين الرجل وأبيه أو ابنه أو أخته أو زوجته ؟
فأوضح الله تعالى أن هذه المقاطعة ممكنة بل واجبة بسبب كفرهم وإصرارهم على عدم الدخول في الإيمان .
وقال العلماء : هذا النهي { لا تتخذوا آباءكم ..} الآية لا يمنع أن يتبرأ الرجل من أبيه في الدنيا كما لا يمنع من قضاء دين الكافر ولا من استعماله في أعماله بل وأن يحسن إليه ويبره ويقسط إليه والولاء هو القرب الشديد المؤدى إلى النصرة بما يعتقد من يواليه وذلك قد نهي الله عنه ومن يتولهم من المسلمين فهو من الظالمين وهناك فرق بين الموالاة والمودة وهي تتصل بحركة القلب أما البر والقسط فهما يتصلان بحركة الجوارح والمنهي عنه هو حركة القلب يقول ابن عباس رضى الله عنه أي يكون مشركا مثلهم لأه رضى بشركهم والرضا بالكفر كفر كما هو مقرر معروف عند المسلمين والآية الثانية وهي : { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم ..} إلى نهاية الآية الكريمة وقد تضمنت هذه الآية الكريمة تقرير الجواب عن الشبهة التي ذكرت في الآية السابقة وذلك أن جماعة من المسلمين قالوا : يا رسول الله : كيف يمكن البراءة منهم بالكلية ؟ في حين هذه البراءة توجب انقطاعنا عن آبائنا وإخواننا وعشيرتنا وذهاب تجارتنا وهلاك أموالنا وخراب ديارنا وإبقائنا ضائعين ؟
فبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يجب تحمل جميع هذه المضار الدنيوية ليبقى الدين سليما .
وأوضحت الآية الكريمة أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله فتربصوا بهذا الذي تحبون حتى يأتي الله بأمره أي انتظروا عقوبة عاجلة أو آجلة والمقصود من ذلك وعيد الله لهم على اختيار مصالح دنياهم دون مصالح دينهم .
وقوله تعالى : { والله لا يهدى القوم الفاسقين } أي لا يهدى الخارجين عن طاعته إلى معصيته وهذا يتضمن تهديدا ووعيدا .
وهذه الآية الكريمة تدل على أنه إذا وقع التعارض بين مصلحة واحدة من مصالح الدين وجميع مهمات الدنيا وجب على المسلم أن يرجح الدين على الدنيا .
وقد أثارت هذه الآية الكريمة الأمور الداعية إلى مخالطة الكفار أو التي تخدع في مخالطتهم وهي أمور أربعة هي :
الأول : إنهم أقارب وذكروا من هؤلاء الأقارب أربعة أصناف هم : الأباء ، والأبناء والإخوان والأزواج ، وسائر القرابة وقد عبر عنهم بالعشيرة لأن هذا اللفظ يدل عليهم جميعا .
والثاني : الميل إلى إمساك الأموال المكتسبة والثالث : الرغبة في تحصيل الأموال بالتجارة ونحوها والرابع : الرغبة في المساكن الطيبة والخوف من فقدها .
وهذه الآية الكريمة ترغب في إنفاق المال والتضحية به في سبيل الله تعالى وتحذر من أن تكون أعراض الحياة الدنيا من قرابات وتجارات وأموال ومساكن أحب إلى المؤمن من الله ورسوله والجهاد في سبيله بل تتوعد من كان هذا شأنه .
هذا فضلا عن التضحية بالصداقات والجوار والعلاقات الاجتماعية بشتى ألوانها وأنواعها إذا تعارضت مع العقيدة والقيم والأخلاق { فذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير } الشورى 15 .