و التضحية بالمال تضحية كبيرة ذات دلالات عميقة لأن المال في حقيقته هو القدرة على الاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا من مطعم ومشرب وملبس ومسكن ومركب ، بل هو السبب في كسب المحامد و الثناء عند الناس ، فضلاً عن رضا الإنسان عن نفسه وهو يعطى ويدفع الحاجة عن المحتاجين .
وقد أثنى الله تبارك وتعالى على من ينفق المال ابتغاء وجه الله ، وفي وجوهه التي شرعها الله تعالى ، بل سمى الله تعالى المال خيراً فقال جل شأنه { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم الذين ينفقون أموالهم بالليل و النهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } البقرة 272-274 .
ووعد الله تعالى في هذه الآيات الكريمة بأن يصل ثواب هذا الإنفاق للمال بصاحبه كاملاً ، وهؤلاء المنفقون للمال في وجوهه لهم عند الله أجر عملهم ولا ينالهم خوف من أمر مستقبلهم ، ولا حزن على شئ فاتهم ، والصديق رضى الله عنه كان رأس هؤلاء المنفقين .
ولقد أشاد القرآن بالإنفاق في سبيل الله تعالى عموماً ، وبخاصة في الأوقات التي يكون فيها المسلمون قلة أو ضعفاء يقع عليهم الاضطهاد ، في هذه الأحوال يكون الإنفاق في سبيل الله ذا أهمية أكبر من أهميته في الأوقات الأخرى ، قال الله تعالى { وما لكم لا تنفقون في سبيل الله و لله ميراث السموات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى و الله بما تعملون خبير } الحديد 1. .
قال الكلبي : نزلت هذه الآية في فضل أبى بكر الصديق لأنه كان أول من أنفق المال على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله .
قال عمر رضى الله عنه : كنت قاعداً عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر ، وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال ، فنزل جبريل عليه السلام : فقال : ما لي أرى أبا بكر عليه عباءة خللها في صدره بخلال ؟
فقال صلى الله عليه وسلم : :" أنفق ماله علىّ قبل الفتح " وقال فخر الرازى في تأويلها : وأعلم أن الآية دلت على أن من صدر عنه الإنفاق في سبيل الله ، والقتال مع أعداء الله قبل الفتح يكون أعظم حالاً ممن صدر عنه الأمر بعد الفتح .
" وجعل علماء التوحيد هذه الآية دالة على فضل من سبق إلى الإسلام وأنفق وجاهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الفتح وبينوا الوجه في ذلك وهو عظم موقع النصرة للرسول صلى الله عليه وسلم بالنفس وإنفاق المال في تلك الحال ، وفي عدد المسلمين قلة ، وفي الكافرين شوكة وكثرة عدد ، فكانت الحاجة إلى النصرة المعاونة أشد بخلاف ما بعد الفتح فإن الإسلام صار في ذلك الوقت قوياً والكفر ضعيفاً "
وأخرج أبو داود في الزهد بسنده من عروة بن الزبير رضى الله عنه قال : أسلم أبو بكر وله أربعون ألف درهم ، قال عروة : وأخبرتني عائشة رضى الله عنه أنه مات وما ترك ديناراً ولا درهماً .وقد أعتق أبو بكر رضى الله عنه ست رقاب في سبيل الله وهم :
عامر بن فهيرة ، ونذيرة ، و النهدية ، وابنة النهدية ، وجارية بنى المؤمل ، وأم عيسى ، وكان بلال رضى الله عنه سابعهم .
وفي رواية أن أبا بكر رضى الله عنه اشترى بلالاً وهو مدفون بالحجارة بخمس أواق ذهب فقالوا : لو أبيت إلا أوقية لبعناكه ، فقال : لو أبيتم إلا مائة أوقية لأخذته .
ولئن كانت التضحية بالمال في سبيل الله تعنى انخلاع الإنسان من شئ يحبه ويحتاج إليه فإن التضحية بالجاه و المكانة بين الناس من أجل الدين تضحية كبرى وهكذا كان أبو بكر رضى الله عنه فهو من قريش في مكانة رفيعة لخلقه وعلمه بالأنساب وأمانته في تجارته وثروته وكرمه .
قال عنه ابن اسحق في السيرة : " كان أبو بكر رجلاً مؤلفاً لقومه محبباً سهلاً ، وكان أنسب قريش لقريش ، وأعلمهم بما كان منها من خير وشر ، وكان تاجراً ذا خلق ومعروف وكانوا يألفونه لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته "
لقد ضحى أبو بكر بهذه المنزلة ، وتلك الوجاهة الاجتماعية ، ودخل في دين الإسلام ، وتعرض من ذلك للإهانة و الضرب حتى أشرف على الموت .
روى الأصبهاني في الحلية بسنده عن أسماء بنت أبى بكر رضى الله عنها قالت :" أتى الصريخ آل أبى بكر ، فقيل له أدرك صاحبك ، فخرج من عندنا وإن له لغدائر ، فدخل المسجد وهو يقول : ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ! فلهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على أبى بكر فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئاً من غدائره إلا جاء معه وهو يقول : تباركت يا ذا الجلال والإكرام " .
فهذا شأن أبى بكر رضى الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة في التضحية بماله وجاهه ومكانته في عشيرته بل في قريش كلها من أجل دينه ، وتلاه باقي العشرة المبشرين بالجنة : عمر بن الخطاب ، عثمان بن عفان ، على بن أبى طالب ، عبد الرحمن بن عوف ، طلحة بن عبيد الله ، الزبير بن العوام ،سعد بن أبى وقاص ، سعيد بن زيد ، أبو عبيدة بن الجراح رضى الله عنهم أجمعين .
ولقد كان الصحابة جميعاً رضوان الله عليهم يضحون بأموالهم ومكانتهم ووجاهتهم بل بأنفسهم من أجل هذا الدين ، ولا يتسع المجال هنا لسرد تفاصيل إنفاقهم وسنكتفي بضرب الأمثلة القليلة التي تبين فضلهم رضوان الله عليهم بعد قليل .