هذا العنوان ليس من عندنا، إنما هو من عند((عالم)) أوروبى- أمريكى- لا يجادل((علماء)) الحضرة الحديثة فى مكانته((العلمية)) ولا فى((حداثة)) نظرياته- أو دراساته بتعبير أدق- ولا فى جديتها.
إنه عنوان كتاب مشهور للدكتور((ألكسيس كاريل))().
والكاتب يعرفنا بنفسه وبكتابه فى مقدمة هذا الكتاب. وسنحتاج أن ننقل قسماً كبيراً من هذا التعريف فى هذا الفصل، لأهميته فى الاستدلال الذى نرمى إليه، وذلك قبل أن نقتبس آراء هذا((العالم)) الكبير عن((جهلنا المطبق)) بالإنسان...
((ليس فيلسوفاً، ولكنى رجل علم فقط، قضيت الشطر الأكبر من حياتى فى المعمل، أدرس الكائنات الحية، والشطر الباقى فى العالم الفسيح، أراقب بنى الإنسان، وأحاول أن أفهمهم.. ومع ذلك فإننى لا أدعى أننى أعالج أموراً خارج نطاق حقل الملاحظة العلمية.
((إننى أحاول أن أصف فى هذا الكتاب ما هو معروف بعد أن أفصله بكل وضوح عن كل مديح. كما أعترف بوجود المجهول غير المعروف.
((ولقد اعتبرت((الإنسان)) ملخصاً للملاحظات والتجارب، وفى جميع الأوقات والبلدان، بيد اننى لم أصف إلا ما رأيته بناظرى، أو عرفته مباشرة من أولئك الذين كنت على صلة بهم. وكان من حسن حظى، أن سمح لى مركزى بأن أدرس- دون بذل أى مجهود، او الطمع فى أى ثناء- ظواهر الحياة فى تعقيدها المخيف. فلاحظت كل وجه من وجوه النشاط البشرى بصفة عملية، كما أننى ملم بكل ما يكتنف الفقير والغنى، الصحيح والسقيم، المتعلم والجاهل، ضعيف العقل والمجنون، الذكى والمجرم... الخ.. كذلك فأننى أعرف الفلاحين والعمال، الكتبه وأصحاب المتاجر، الماليين وأصحاب المصانع، الساسة ورجال الحكم، الجنود وأساتذة الجامعات، المدرسين ورجال الدين، البرجوازيين والأرستقراطيين.. ولقد ألقت بى الظروف فى طريق الفلاسفة والفنانين، والشعراء والعلماء، والعباقرة والقديسين.. كما درست فى الوقت نفسه التركيب الميكانيكى الغائر فى أعماق الأنسجة وتلافيف المخ، الذى هو فى الحقيقة الأساس العميق للظواهر العضوية والعقلية.
((إننى مدين لفنون الحياة العصرية، لأنها مكنتنى من مشاهدة هذا المنظر العظيم، كما أتاحت لى فرصة توجيه انتباهى إلى عدة موضوعات فى وقت واحد.. إننى أعيش فى العالم الجديد والقديم أيضاً.. وأمتاز بأننى أقضى معظم وقتى فى((معهد روكفلر للبحث الطبى)) كواحد من العلماء الذين جمعهم((سيمون فلكسنر)) معاً فى هذا المعهد.. فهناك أفكر فى ظواهر الحياة حين يحللها الخبراء الذين لا يبارون، أمثال((ملتزر)) و((جاك لويب)) و((نجيوشى))، وكثيرون غيرهم. ولما اتصف به((فلكسنر)) من عبقرية ونبوغ، فقد درست الكائنات الحية بنظرة فسيحة الأفق. بشكل لم يسبق له مثيل- فالمادة تفحص وتستقصى فى كل قسم من معامل هذا المعهد، بحثاً عن ارتقائها وتطورها من ناحية صنع الإنسان.
((وبمساعدة أشعة إكس يكشف علماء الطبيعة عن بناء جزئيات مواد أنسجتنا الأكثر بساطة- أى العلاقات الاتساعية للذرات التى تدخل فى تركيب هذه الجزئيات- ويعكف الكيماويون، والكيماويون الطبيعيون، على تحليل المواد الأكثر تعقيداً، التى توجد بداخل الجسم، كهيموجلوبين الدم، وبروتينات الأنسجة، واخلاط الجسم، والتخمرات التى تسبب ذلك الانقسام المستمر، وإيجاد ذلك المجموع الكلى الهائل من الذرات.
((وهناك كيماويون آخرون لم يقصروا اهتمامهم فى تركيب الجزئيات وحدها، وإنا انصرفوا إلى التفكير فى علاقات تلك التركيبات إحداها بالأخرى، عندما تدخل عصارات الجسم.. أو باختصار.. ذلك التعادل الطبيعى- الكيماوى الذى يحفظ دائماً تركيب مصل الدم، بالغم من التغير الذى يطرأ على الأنسجة بصفة مستمرة.
((وهكذا ألقى الضوء على الجوانب الكيماوية للظاهرة الفسيولوجية، لأن كثيرين من علماء وظائف الأعضاء يدرسون-مستعينين فى ذلك بفنون شديدة الاختلاف- التركيبات الأكبر التى تنتج من مجموع الجزئيات وترتيبها، كذا خلايا الأنسجة والدم، أو بمعنى آخر: مادة الحياة نفسها.. إنهم يختبرون هذه الخلايا، وطرق اتحادها، والقوانين التى تحكم علاقاتها بما يحيط بها، وتأثير الوسط الكونى على هذا المجموع، كذا تأثيرات المواد الكيماوية على الأنسجة والشعور.
((وهناك اخصائيون آخرون، وقفوا أنفسهم على البحث فى تلك الكائنات الضئيلة: الفيروس والبكتريا، التى تعزى اصابتنا بالأمراض المعدية إلى وجودها فى دمنا. كذا الوسائل الرائعة التى يستخدمها الإنسان فى مقاومتها.. وأيضاً الأمراض القاتلة كالسرطان، وأمراض القلب، والتهاب الكلى.
((وأخيراً فإن مشكلة((الفردية))() الخطيرة، وأساسها الكيماوى تهاجم الآن بنجاح.
((وقد اتيحت لى فرصة استثنائية للاستماع إلى رجال عظماء تخصصوا فى هذه الأبحاث، وتتبع النتائج التى أسفرت عنها تجاربهم.. وهكذا بدت لى الجهود التى تبذلها المادة الجامدة فى نظام الجسم، وخواص الكائنات الحية، وتناسق جسمنا وعقلنا.. بدت لى هذه الأشياء فى أوج جمالها.
وعلاة على ذلك فقد درست أكثر الموضوعات المختلفة، من الجراحة، إلى فسيولوجية الخلية، إلى الميتافيزيقا().
((ولقد كان ذلك مستطاعاً بسبب التسهيلات التى وضعت لأول مرة تحت تصرف العلم لكى يؤدى رسالته))... (ص5-ص8).
* * *
هذا الرجل الذى أتيحت له فرصة الانتفاع بكل هذه التيسيرات، والذى اطلع على نتائج هذه البحوث مجتمعة حول((الإنسان)) هو الذى يصدر بعد ذلك كتاباً يسميه((الإنسان ذلك المجهول))(). والذى يقرر أن حقيقة علمنا عن الإنسان لا شئ! وأننا نعيش فى((جهل مطبق)) بهذا الكائن، الذى هو نحن!
ولندعه هو يتكلم:
((هناك تفاوت عجيب بين علوم الجماد وعلوم الحياة.. فعلوم الفلك والميكانيكا والطبيعة، تقوم على آراء يمكن التعبير عنها، بسداد وفصاحة، باللغة الحسابية. وقد أنشأت هذه العلوم عالماً متناسقاً كتناسق آثار اليونان القديمة. إنها تنسج حول هذا العالم نسيجًا رائعاً من الإحصاءات والنظريات.
((بيد أن موقف علوم الحياة يختلف عن ذلك كل الاختلاف، حتى ليبدو كأن الذين يدرسون الحياة قد ضلوا فى غاب متشابك الأشجار، أو أنهم فى قلب دغل سحرى، لا تكف أشجاره التى لا عداد لها عن تغيير أماكنها وأحجامها! فهم يرزحون تحت عبء أكداس من الحقائق، التى يستطيعون أن يصفوها، ولكنهم يعجزون عن تعريفها أو تحديدها فى معادلات جبرية. فمن الأشياء التى تراها العين فى عالم الماديات، سواء كانت ذرات أم نجوماً، صخوراً أم سحباً، صلباً أم ماء... أمكن استخلاص خواص معينة كالثقل والأبعاد الاتساعية.. وهذه المستخلصات- وليست الحقائق العلية- هى مادة التفكير العلمى.. وملاحظة الأشياء تمدنا فقط بأقل صور العلم شأنا، ونعنى بها الصورة الوصفية. فالعالم الوصفى يرتب الظواهر. بيد أن العلاقات التى لا تتغير، بين الكميات غير القابلة للتغيير- أى القوانين الطبيعية- تظهر فقط عندما يصبح العلم أكثر معنوية. وما ذلك النجاح العظيم السريع الذى نراه فى علمى الطبيعة والكيمياء إلا لأنهما علمان معنويان كميان. فعلى الرغم من أنهما لا يدعيان أنهما يكشفان القناع عن الطبيعة النهائية للأشياء، فإنهما يمداننا بقوة التنبؤ بحوادث المستقبل، وتقرير كيفية وقوعها طبقاً لإرادتنا. وبتعلمنا سر تركيب المادة وخواصها استطعنا الظفر بالسيادة تقريباً على كل شئ موجود على ظهر البسيطة.. فيما عدا أنفسنا..
((ولكن علم الكائنات الحية بصفة عامة- والإنسان بصفة خاصة- لم يصب مثل هذا التقدم.. إنه لا يزال فى المرحلة الوصفية.. فالإنسان كل لا يتجزأ، وزفى غاية التعقيد، ومن غير الميسور الحصول على عرض بسيط له، وليست هناك طريقة لفهمه فى مجموعه، أو فى أجزائه، فى وقت واحد. كما لا توجد طريقة لفهم علاقاته بالعالم الخارجى.
ولكى نحلل أنفسنا فإننا مضطرون للاستعانة بفنون مختلفة، وإلى استخدام علوم عديدة. ومن الطبيعى أن تصل كل هذه العلوم إلى رأى مختلف فى غايتها المشتركة، فإنها تستخلص من الإنسان ما تمكنها وسائلها الخاصة من بلوغه فقط. وبعد أن تضاف هذه المستخلصات بعضها إلى بعض، فإنها تبقى أقل غناء من الحقيقة الصلبة.. إنها تخلف وراءها بقية عظيمة الأهمية، بحيث لا يمكن إهمالها.
((إن التشريح والكيمياء، والفسيولوجيا. وعلم النفس، والبيداجوجيا(فن التعليم) والتاريخ وعلم الاجتماع، والاقتصاد السياسى.. لا تلم بجوانب موضوعها كلها. و((الإنسان))- كما هو معروف للإخصائيين- أبعد من أن يكون((الإنسان الجامد)). فِ((الإنسان الحقيقى)) لا يزيد أن يكون رسماً بيانياً، يتكون من رسوم بيانية أخرى أنشأتها فنون كل علم. وهو- فى الوقت نفسه- ((الجثة)) التى شرحها البيولوجيون(علماء الحياة)، و((الشعور)) الذى لاحظه علماء النفس وكبار معلمى الحياة الروحية، و((الشخصية)) التى أظهر التأمل الباطنى لكل إنسان أنها كامنة فى أعماق ذاته.. إنه- أى الإنسان- عبارة عن((المواد الكيماوية)) التى تؤلف الأنسجة وأخلاط أجسامنا.. إنه تلك الجمهرة المدهشة من((الخلايا والعصارات المغذية)) التى درس الفسيولوجيون(علماء وظائف الأعضاء) قوانينها العضوية.. إنه ذلك((المركب من الأنسجة والشعور)) الذى يحاول علماء الصحة والمعلمون أن يقودوه إلى الدرجات العليا اثناء نموه مع الزمن.. إنه ذلك((الكائن الحى العالمى)) الذى يجب أن يستهلك بلا انقطاع السلع التى تنتجها المصانع، حتى يمكن أن تظل الآلات- التى جعل لها عبداً- دائرة بلا توقف.. ولكنه قد يكون أيضاً شاعراً، وبطلاً أو قديساً.. إنه ليس فقط ذلك المخلوق شديد التعقيد الذى تحلله فنوننا العلمية، ولكنه أيضاً تلك((الميول والتكهنات وكل ما تنشده الإنسانية من طموح.
((وكل آرائنا عنه مشربة بالفلسفة العقلية.. وهذه الآراء جميعاً تنهض على فيض من((المعلومات غير الدقيقة)) بحيث يراودنا إغراء عظيم لنختار من بينها ما يرضينا ويسرنا فقط. ومن ثم فإن فكرتنا عن((الإنسان)) تختلف تبعاً لاحساساتنا ومعتقداتنا.. فالشخص المادى والشخص الروحى يقبلان نفس التعريف الذى يطلق على بلورة من((الكلوريد)). ولكنهما لا يتفقان أحدهما مع الآخر فى تعريف((الكائن الحى)).. وعلم وظائف الأعضاء فى((عمليات الجسم الميكانيكية)) وعلم وظائف الأعضاء الذى يبحث فى((مذهب الحياة نفسه)) لا يمكن أن ينظر إلى جسم الإنسان من زاوية واحدة. وكذلك فإن الكائن الحى كما يراه((جالك لويب))، يختلف اختلافاً عظيماً عما يراه((هانز)) و((ريش)).
((وفى الحق لقد بذل الجنس البشرى مجهوداً جباراً لكى يعرف نفسه، ولكن بالرغم من أننا نملك كنزاً من الملاحظة التى كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين فى جميع الأزمان، فإننا استطعنا أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسننا.. إننا لا نفهم الإنسان ككل.. إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة. وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا. فكل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير فى وسطها حقيقة مجهولة!!
((وواقع الأمر أن جهلنا مطبق. فأغلب الأسئلة التى يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشرى تظل بلا جواب. لأن هناك مناطق غير محدودة فى دنيانا الباطنية. ما زالت غير معروفة. فنحن لا نعرف حتى الآن، الإجابة عن أسئلة كثيرة مثل:
((كيف تتحد جزئيات المواد الكيماوية لكى تكون المركب والأعضاء المؤقتة للخلية؟
((كيف تقرر((الجينس))(ناقلات الوراثة) فى نواة البيضة المقلحة، صفات الفرد المشتقة من هذه البويضة؟
((كيف تنتظم الخلايا فى جماعات من تلقاء نفسها، مثل الأنسجة والأعضاء؟ فهى كالنمل والنحل تعرف مقدماً الدور الذى قدر لها أن تلعبه فى حياة المجموع، وتساعد العمليات الميكانيكية الخفية على بناء جسم بسيط ومعقد فى الوقت ذاته.
((ما هى طبيعة تكويننا النفسانى والفسيولوجى؟ إننا نعرف أننا مركب من الأنسجة، والأعضاء، والسوائل والشعور. ولكن العلاقات بين الشعور والمخ مازالت لغزاً. إننا ما زلنا بحاجة إلى معلومات كاملة تقريباً عن فسيولوحية الخلايا العصبية.. إلى أى مدى تؤثر الإرادة فى الجسم؟ كيف يتأثر العقل بحالة الأعضاء؟ على أى وجه تستطيع الخصائص العضوية العقلية التى يرثها كل فرد أن تتغير بواسطة طريق الحياة والمواد الكيماوية الموجودة فى الطعام والمناخ، والنظم النفسية والأدبية؟
((إننا ما زلنا بعيدين جداً عن معرفة ماهية العلاقات الموجودة بين الهيكل العظمى والعضلات والأعضاء، ووجوه النشاط العقلى والروحى.. وما زلنا نجهل العوامل التى تحدث التوازن العصبى، ومقاومة التعب، والكفاح ضد الأمراض.
((إننا لا نعرف كيف يمكن أن يزداد الإحساس الأدبى، وقوة الحكم، والجرأة.. ولا ما هى الأهمية النسبية للنشاط العقلى والأدبى.. كذلك النشاط الدينى.
((أى شكل من أشكال النشاط مسئول عن تبادل الشعور أو الخواطر؟
((لا شك مطلقاً فى أن عوامل فسيولوجية وعقلية معينة هى التى تقرر السعادة أو التعاسة، النجاح أو الفشل.. ولكننا لا نعرف ما هى هذه العوامل.. إننا لا نستطيع أن نهب أى فرد ذلك الاستعداد لقبول السعادة بطريقة صناعية.
((وحتى الآن فإننا لا نعرف أى البيئات أكثر صلاحية لإنشاء الرجل المتمدين والمتقدم.
((هلا فى الإمكان كبت روح الكفاح والمجهود، وما قد نحس به من عناء بسبب تكويننا الفسيولوجى والروحى؟.
((كيف نستطيع أن نحول دون تدهور الإنسان وانحطاطه فى المدينة العصرية؟
((وهناك أسئلة أخرى لا عداد لها، يمكن أن تلقى فى موضوعات تعتبر فى غاية الأهمية بالنسبة لنا.. ولكنها ستظل جميعاً بلا جواب.. فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان، غير كاف، وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية فى الغالب...)) ص(13-18).
* * *
ولكن لماذا كان جهلنا مطبقاً بحقيقة الإنسان؟ لماذا كانت الحقيقة تسير فى موكب من الأشباح، بحيث لا نستطيع رؤيتها بوضوح؟ ولماذا كان الذين يدرسون الحياة كمن ضلوا طريقهم فى غاب متشابك الأشجار، أو فى قلب دغل سحرى، لا تكف أشجاره التى لا عداد لها عن تغيير أماكنها وأحجامها؟
هل كان ذلك لقصور وسائلنا العلمية فى فترة من الفترات؟ أم لظروف وقتية من ظروف حياتنا الإنسانية؟ ومن ثم يكون هناك أمل كبير وفرص كثيرة لتكملة تلك الوسائل، وتغيير هذه الظروف، ثم الوصول إلى معرفة الحقيقة الإنسانية كاملة واضحة محددة؟
أم أن هناك أسباباً ثابتة فى طبيعة الحقيقة الإنسانية من جهة، وفى طبيعة تفكيرنا وعقولنا من جهة أخرى، هى التى تنشئ تعذر الوصول إلى هذه الحقيقة بمثل الوضوح والدقة المعهودين فى عالم المادة؟
يقرر العالم الكبير وجود هذه الأسباب وتلك، ويقرر أنه لا أمل فى إزالة هذا النوع الأخير من أسباب تعذر هذه الحقيقة. يقرر هذا فى أسلوب العالم، الذى واجه هذه الحقيقة، وعرف طاقة العلم وحدوده فى مجالها.. ومع أن الإقتباس من كلامه سيطول، فإننا نؤثر أن ندعه هو يتكلم فى هذه النقطة بأسلوبه الخاص ومن جهة نظره التى قد نوافقه على بعضها، ونخالفه فى بعضها:
((قد يعزى جهلنا فى الوقت ذاته، إلى طريقة حياة أجدادنا. وإلى طبيعتنا المعقدة وإلى تركيب عقلنا..
((مهما يكن من أمر، فقد كان على الإنسان أن يعيش. وهذه الضرورة طالبته بقهر العالم الخارجى. وإذ لم يكن له مفر من الحصول على الغذاء والمأوى، كما لم يكن له مفر من قتال الحيوانات المتوحشة وغيره من بنى الإنسان.. ولآماد طويلة لم يفز أجدادنا الأوائل بوقت فراغ، كما لم يشعروا بأى ميل إلى دراسة أنفسهم، إذ كانوا يستخدمون عقولهم فى أمور أخرى كصناعة الأسلحة والأدوات، واكتشاف النار، وتدريب الماشية والجياد، واختراع المركبات، وزراعة الحبوب.. إلخ.. وقبل أن يهتموا بتركيب أبدانهم وعقولهم بوقت طويل، فكروا فى الشمس والقمر والنجوم، والتيارات المائية، وتوالى الفصول الأربعة.. ولهذا تقدم علم الفلك بخطى واسعة، فى عهد كان علم الفسيولوجيا لا يزال غير معروف بتاتاً.. فقد قهر جاليلو الأرض وهى مركز المجموعة الشمسية. وذلك على أنها تابع متواضع من توابع الشمس. بينما لم تكن لدى معاصريه أية فكرة، ولو أولية، عن تركيب ووظائف العقل والكبد، وغدة الثايارويد (الغدة الدرقية). ونظراً لأن الجسم البشرى يؤدى وظائف بطريقة مرضية فى أحوال الحياة الطبيعية، ولا يحتاج لأى اهتمام، فقد تقدم العلم فى الاتجاه الذى وجهه إليه حب الاستطلاع البشري – أى فى اتجاه العالم الخارجي.
((ومن بين ملايين الملايين من الجنس البشرى الذين سكنوا هذا العالم بالتعاقب، كان يولد أشخاص قلائل، من حين لآخر، وهبتهم الطبيعة() قوى مدهشة نادرة، كسرعة إدراك الأشياء المجهولة، والخيال الذى ابتدع عوالم جديدة، والقدرة على اكتشاف العلاقات الخفية الموجودة بين ظواهر معينة.. وقد استكشف هؤلاء الرجال العالم المادى.. وهو عالم بسيط التركيب. ومن ثم فقد استسلم بسرعة لهجمات العلماء، وسلم أسرار قوانين معينة من قوانينه. وقد مكنتنا معرفة هذه القوانين من استخدام عالم المادة لفائدتنا. فإن التطبيق العملى للاكتشافات العلمية يدر ربحاً على أولئك الذين يحسنونها ويرتقون بها. وفضلاً عن لك، فإن استخدامها يؤدى إلى تسهيل حياة الجميع.. إن هذه الاكتشافات تسعد الجمهور، لأنها تزيد من راحته ورفاهيته. وبالطبع أصبح كل شخص أكثر اهتماماً بالاكتشافات التى تقلل من بذل المجهود الآدمى، وتخفف العبء عن العامل، وتزيد فى سرعة وسائل المواصلات، وتلطف من خشونة الحياة، أكثر من اهتمامه بالاكتشافات التى تلقى بعض الضوء على أجسامنا وإحساساتنا.. وهكذا أدى قهر() العالم المادى، الذى استأثر باهتمام وإرادة الإنسان بصفة مستمرة، إلى نسيان العالم العضوى والروحى نسياناً تاماً.
((وحقيقة الأمر أنه لم يكن مناص من معرفة ما يحيط بنا. ولكن ذلك لا يعنى أن معرفة طبيعتنا أقل أهمية.. ومع ذلك فقد اجتذب المرض والألم والموت، وإلى حد ما تلك اللهفة الغامضة من نمو تلك القوة الخفية التى تسمو على عالمنا المادى.. كل هؤلاء اجتذبوا انتباه بنى الإنسان- إلى درجة ما- نحو العالم الداخلى لأجسامهم وعقولهم.
((وقد قنع الطب فى بادئ الأمر، بالمشكلة العملية، أى إراحة الإنسان من المرض عن طريق الوصفات. ولكنه- أى الطب- أدرك أخيراً، أن الطريقة الفعالة لمنع المرض أو الشفاء منه، هى فهم الجسمان الطبيعى والجسم المريض فهماً تاماً .. وبعبارة أخرى إنشاء العلوم التى تترف باسم ((علم التشريح)) و((علم كيمياء الحياة)) و ((علم وظائف الأعضاء)) و((علم الأمراض))..
((وعلى كل حال كان يبدو لأسلافنا أن لغز وجودنا، ومتاعبنا الأدبية ولهفتنا على المجهول، وظاهرة علم ما وراء المادة، أكثر أهمية من الآلام البدنية والأمراض. ومن ثم فقد اجتذبت دراسة الحياة الروحية والفلسفة أنظار رجال عظماء أكثر مما اجتذبتهم دراسة الطب. فعرفت قوانين ((التصوف)) قبل أن تعرف قوانين علم وظائف الأعضاء .. ولكن أمثال هذه القوانين عرفت فقط عندما ظفر الإنسان بوقت فراغ كاف، جعله يحول قليلاً من اهتمامه إ لى أشياء أخرى غير قهر العالم الخارجي.
((وثم سبب آخر للبط الذى اتسمت به معرفتنا لأنفسنا.. وذلك أن تركيب عقولنا يجعلنا نبتهج بالتفكير فى الحقائق البسيطة، إذ أننا نشعر بضرب من النفور حين نضطر إلى تولى حل مشكلة معقدة مثل تركيب الكائنات الحية والإنسان.. فالعقل- كما يقول برجسون- يتصف بعجز طبيعى عن فهم الحياة.. وبالعكس فإننا نحب أن نكشف فى جميع العوالم، تلك الأشكال الهندسية الموجودة فى أعماق شعورنا.. إن دقة النسب البادية فى تماثيلنا، وإتقان آلاتنا، يعبران عن صفة أساسية لعقلنا.. فالهندسة غير موجودة فى دنيانا وإنما أنشأناها نحن. إذ أن وسائل الطبيعة لا تكون أبداً بالدقة التى تتصف بها وسائل الإنسان. فنحن لا نجد فى العالم ذلك الوضوح وتلك الدقة اللتين يتصف بهما تفكيرنا.. ومن ثم فإننا نحاول أن نستخلص من تعقد
الظواهر، بعض النظم البسيطة التى تربط بعض عناصرها بالأخرى علاقات معينة، تكون قابلة للوصف حسابياً. وقدرة الاستخلاص هذه التى يتمتع بها العقل البشرى مسئولة عن ذلك التقدم الرائع الذى أحرزه علماء الطبيعة والكيمياء.
((ولقد لقيت الدراسة الطبيعية- الكيماوية للكائنات الحية نجاحاً مماثلاً، فقوانين الطبيعة والكيمياء متماثلة فى عالم الكائنات الحية وعالم الجماد- كما خطر ببال كلود برنار منذ أمد بعيد- وهذه الحقيقة توضح لماذا اكتشف علم وظائف الأعضاء الحديثة مثلاً، أن استمرار قلوية الدم وماء المحيط تفسرها قوانين متماثلة، وأن النشاط الذى تستهلكه العضلات المتقلصة يقدمه تخمر السكر.. الخ، وأن النواحى فى الأشياء الأخرى الموجودة فى العالم المادى. تلك هى المهمة التى نجح علم الوظائف العام فى تحقيقها.
((إن دراسة الظواهر الفسيولوجية الحقة- أى تلك الظواهر التى تنتج من تنظيم الكائن الحى- تواجه عقبات أكثر أهمية، إذ أن شدة ضآلة الأشياء التى يجب تحليلها، تجعل من المستحيل استخدام الفنون العادية لعلمى الطبيعة والكيمياء.. فأى طريقة يمكن أن تكشف القناع عن التركيب الكيماوى لنواة الخلية الجنسية، والكروموسومات، والجنيس التى تؤلف هذه الكروموسومات؟ مهما يكن فإن المجموع الكلى للمواد الكيماوية الشديدة الضآلة، على أعظم جانب من الأهمية، لأنها تحتوى على مستقبل الفرد والجنس. كما أن قابلية أنسجة معينة لسرعة العطب- مثل المادة العصبية- عظيمة إلى درجة أن دراستها فى حالة الحياة مستحيلة تقريباً.
((ونحن لا نملك أى فن يمكننا من النفوذ إلى أعماق المخ وغوامضه، أو إلى الاتحاد المتناسق بين خلاياه.. وعقلنا الذى يحب ذلك الجمال البسيط للتراكيب الحسابية، ينتابه الفزع حينما يفكر فى تلك الأكداس الهائلة من الخلايا، والإحساسات التى يتكون منها الفرد.. ومن ثم فإننا نحاول أن نطبق على هذا المخلوط، الأفكار التى ثبتت فائدتها فى مملكة الطبيعة والكيمياء والميكانيكيات.. كذا فى النظم الفلسفية والدينية.. ولكن مثل هذه المحاولة لا تلقى نجاحاً كبيراًُ، لأن أجسامنا لا يمكن أن تختزل إلى نظام طبيعى- كيماوى، أو إلى كيان روحى.. بالطبع إن على((علم الإنسان)) أن يستخدم آراء جميع العلوم الأخرى، ولكن عليه أيضاً أن ينمى آراءه الخاصة، لأنه علم جوهرى مثل علوم الجزئيات والذرات والإلكترونيات.
((صفوة القول: أن التقدم البطىء فى معرفة بنى الإنسان- إذا قرون الرائع فى علوم الطبيعة والفلك والكيمياء والميكانيكا- يعزى إلى:
1- حاجة أجدادنا إلى وقت فراغ.
2- وإلى تعقد الموضوع.
3- وإلى تركيب عقولنا.
((وهذه العقبات أساسية. وليس هناك أمل فى تذليلها. وسيظل التغلب عليها شاقاً يستلزم جهوداً مضنية..
((إن معرفة نفوسنا لن تصل أبداً إلى تلك المرتبة من البساطة المعبرة، والتجرد، الجمال، التى بلغها علم المادة. إذ ليس من المحتمل أن تختفى العناصر التى أخرت تقدم علم الإنسان.. فعلينا أن ندرك بوضوح أن علم الإنسان((هو أصعب العلوم جميعاً)).
* * *
وهكذا يتضح من تقريرات هذا العالم الكبير، الذى أتيحت له فرصة الاطلاع على نتائج البحوث الضخمة، أن هناك فارقاً أساسياً بين علوم المادة وعلوم الحياة. وأن هناك بالذات فارقاً أساسياً بين طبيعة علوم المادة، وطبيعة علم الإنسان، وبين طبيعة موقف العقل من هذه وتلك. وأن هذا الفارق كامن فى أمرين ثابتين، لا يتعلقان ببيئة ولا زمان، ولا بظروف وقتية مرهونة بالزمان والمكان.. هما:
1- تعقد الموضوع.
2- طبيعة تركيب عقولنا.
وأن تقدم الإنسان فى علوم المادة، وإبداعه فى العالم المادى، وصحة بحثوه ونظرياته فى ذلك الحقل، لا تقتضى تقدمه فى علم الإنسان، ولا صحة بحوثه ونظرياته فى هذا الحقل. وأن هذا الحق غير ذاك. فى طبيعتهما أولاً، ثم فى مدى التقدم الذى وصل إليه الإنسان بالفعل ثانياً. ثم فيما ينتظر تقدم الإنسان فى كليهما ثالثاً.
وأن((جهلنا مطبق)) بالإنسان كما يقرر((العالم)) الكبير...
* * *
هذا الواقع((العلمى)) عن: ((الجهل المطبق)) بالإنسان- مع العلم النسبى بالمادة- نتيجة متوقعة، وثمرة طبيعية، لحقيقة دور الإنسان فى الأرض، وغاية وجوده الإنسانى فى الكون، كما تبدو من خلال التصور الإسلامى.. والإسلام.. يرتب على هذه الحقيقة نتائجها، فيطلق يد الإنسان فى عمارة الأرض، واستخدام طاقاتها وخاماتها. والتحليل فيها والتركيب، والتحوير فيها والتعديل.. بينما هو يضع لهذا الإنسان منهج حياته، الذى يحكم هذه الحياة، ولا يكل إليه هو وضع هذا المنهج، لأنه مزود بطاقات معينة ليتحكم فى المادة عن علم- نسبى طبعاً- بينما هو غير مزود بمثل هذه الطاقات لمعرفة نفسه، حتى يتحكم فى أمرها عن علم كما يتحكم فى المادة.
فالإنسان- فى التصور الإسلامى- هو سيد هذه الأرض، بخلافته فيها عن الله، وكل ما فيها مسخر له، بقدرة الله تعالى، وقد أوتى إمكان العلم بشئونها، هبة من الله سبحانه، والاستمتاع بطبيعاتها وجمالها، نعمة منه خالصة.. وليست الأرض وحدها مكل ما فيها من أحياء وأشياء.. ولكن كذلك السماوات مهيأة لمساعدة الإنسان فى خلافته فى الأرض، ومراعياً فى بنائها دور الإنسان فى هذه الخلافة. إنه أمر عظيم هائل.. ولكنه كذلك!
((هو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعاً، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات. وهو بكل شئ عليم. وإذ قال ربك للملائكة: إنى جاعل فى الأرض خليفة. قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها، ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إنى أعلم ما لا تعلمون. وعلم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال: أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم. فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم: إنى أعلم غيب السماوات والأرض، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون؟ وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر، وكان من الكافرين..))
(البقرة29- 34)
((الله الذى سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون. وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعاً منه. إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون)).
(الجاثية: 12- 13)
((والأنعام خلقها لكم، فيها دفء ومنافع، ومنها تأكلون. ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون. وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، إن ربكم لرؤوف رحيم. والخيل والبغال والحمير لتركبوها، وزينة، ويخلق ما لا تعلمون. وعلى الله قصد السبيل. ومنها جائر. ولو شاء لهداكم أجمعين. هو الذى أنزل من السماء ماء، لكم منه شراب، ومنه شجر فيه تسيمون. ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب، ومن كل الثمرات، إن فى ذلك لآية لقوم يتفكرون. وسخر لكم الليل والنهار، والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره، إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون. وما ذرأ لكم فى الأرض مختلفاً ألوانه، إن فى ذلك لآية لقوم يذكرون، وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منها حلية تلبسونها، وترى الفلك مواخر فيه، ولتبتغوا من فضله، ولعلكم تشكرون. وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم، وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون. وعلامات وبالنجم هم يهتدون))...
(النحل: 5-16)
ولكن هذا الإنسان- فى التصور الإسلامى كما هو فى الحقيقة- على كل ما استودعه الله من أمانة الخلافة الكبرى فى هذا الملك العريض. وعلى كل ما سخر له من القوى والطاقات والأشياء والأحياء فيه، وعلى كل ما أودعه هو فيه من طاقات المعرفة والاستعداد لإدراك الجوانب اللازمة له فى الخلافة من النواميس الكونية.. على كل هذا هو مخلوق ضعيف، تغلبه شهواته أحياناً، ويحكمه هواه أحياناً. ويقعد به ضعفه أحياناً، ويلازمه جهله بنفسه فى كل حين.. ومن ثم لم يترك أمر نفسه ومنهجه فى الحياة لشهواته وهواه وضعفه وجهله.. ولكن أكمل الله عليه نعمته ورعايته، فتولى عنه هذا الجانب،
الذى يعلم- سبحانه- أن الإنسان لا يقدر عليه قدرته على المادة، ولا يعلم بمقتضياته علمه بقوانين المادة.
وأول ما ظهر من ضعفه وعجزه وخضوعه للإغراء والشهوات، ما يصوره القرآن الكريم من استسلامه لإغواء الشيطان له بشهوة الخلد وشهوة الملك، ونسيانه أنه عدوه الذى يتربص به، ونسيانه كذلك تحذير الله له.. وهو تصوير للحقيقة الخالدة فى الإنسان- ما لم يعتصم بالله ومنهجه للحياة- وإلا فهو الشقاء والنكد فى الحياة الدنيا وفى الحياة الأخرى:
((ولقد عهدنا إلى آدم من قبل، فنسى ولم نجد له عزماً. وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. فسجدوا، إلا إبليس أبى. فقلنا: يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك، فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى. إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى. وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى. فوسوس إليه الشيطان: قال: يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟ فأكلا منها، فبدت لهما سوآتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وعصى آدم ربه فغوى. ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى. قال: اهبطا منها جميعا، بعضكم لبعض عدو، فإما يأتينكم منى هدى: فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى. ومن أعرض عن ذكرى فإنه له معيشة ضنكا، ونحشره يوم القيامة أعمى. قال: رب لم حشرتنى أعمى وقد كنت بصيرا؟ قال: كذلك آتتك آياتنا فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى. وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى))..
(طه: 115- 127)
وتتواتر الإشارات على جهل الإنسان بأمر نفسه ومستقبله ومصيره ومآلات أفعاله، مع تأثره بالشهوات وبالهوى وبالضعف بحيث لا يصلح- بجهالته هذه وضعفه وهواه- لأن يتولى وضع منهج لحياته هو، وإن كان مزوداً بالقدرة على استخدام المادة، ومعرفة قوانينها اللازمة له فى الخلافة.. فى إطار المنهج الذى رسمه الله لحياته..
((ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا...))
(الروم: 6- 7)
((ويسألونك عن الروح: قل: الروح من ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً))...
(الإسراء: 85)
((وما تدرى نفس ماذا تكسب غداً، وما تدرى نفس بأى أرض تموت، إن الله عليم خبير))...
(لقمان: 34)
((آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً))...
(النساء: 19)
((فعسى أن تكرهوا شيئاً، ويجعل الله فيه خيراً كثيراً))...
(النساء: 12)
((وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون))...
(البقرة: 216)
((لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً))...
(الطلاق:1)
((إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى))...
(النجم: 23)
((ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن))...
(المؤمنون: 71)
((إن الإنسان خلق هلوعاً، إذا مسه الشر جزوعاً، وإذا مسه الخير منوعاً))...
(المعارج: 19)
وغير هذه الإشارات فى القرآن كثير... وهى تجئ- غالباً- تعقيباً على التشريعات والتوجيهات التى يسنها الله للناس، ويخبرهم معها أنهم لا يستطيعون أن يشرعوا لأنفسهم، وليست لديهم القدرات والاستعدادات الضرورية لوضع منهج لحياتهم هم أنفسهم، لأنهم يجهلون أنفسهم، ويجهلون مآلات تصرفاتهم ورغباتهم، ويخضعون لأهوائهم وشهواتهم.. وكلها مؤثرات تجعل من الخطر على وجودهم، وعلى خط سيرهم فى الحياة، أن يتولوا هم وضع شريعتهم وتخطيط منهج حياتهم الأصيل.
فنجد هذه الإشارات فى مثل هذه المناسبات.
((ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون)).
(الجاثية: 18)
((كتب عليكم القتال وهو كره لكم. وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم. والله يعلم وأنتم لا تعلمون))..
(البقرة: 56)
((يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً، ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن- إلا أن يأتين بفاحشة مبينة- وعاشروهن بالمعروف. فغن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً))...
(النساء: 19)
((يا أيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن، وأحصوا العدة، واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن، ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. وتلك حدود الله. ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه.. لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً))...
(الطلاق: 1)
((يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين. فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلث ما ترك. وإن كانت واحدة فلها النصف، ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك- إن كان له ولد- فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث. فإن كان له أخوة، فلأمه السدس- من بعد وصية يوصى بها أو دين- آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً.. فريضة من الله.. إن الله كان عليماً حكيماً))...
(النساء: 11)
كما نجد التنصيص القاطع والتشديد الحاسم- الذى لا يقبل المحال والجدال- على أنه لا يسلم المسلم، ولا يؤمن المؤمن، حتى يجعل منهج الله للحياة منهجه، وشريعة الله للحياة شريعته، ولا يتخذ من عند نفسه لحياته منهجاً ولا شريعة. وإلا ادعى لنفسه- بهذا- حق الألوهية فكفر بألوهية الله، وفض إفراد الله بالألوهية. وكفر معه كل من يقره على ادعاء حق الألوهية لنفسه، بادعاء حق التشريع من دون الله واتخاذ منهج غير منهج الله للحياة.
وتتولى النصوص القاطعة المؤكدة لهذه القاعدة الأساسية فى الإسلام على هذا النحو:
((ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت()- وقد أمروا أن يكفروا به- ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً. وإذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدوداً. فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً؟ أولئك الذين يعلم الله ما فى قلوبهم، فأعرض عنهم، وعظهم، وقل لهم فى أنفسهم قولاً بليغاً. وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول، لوجدوا الله تواباً رحيماً. فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيها شجر بينهم، ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً))...
(النساء: 60: 65)
((إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور، يحكم بها النبيون الذين أسلموا- للذين هادوا- والربانيون والأحبار. بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء، فلا تخشوا الناس واخشون. ولا تشتروا بآياتى ثمناً قليلاً.. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون.. وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص. فمن تصدق به فهو كفارة له.. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون.. وقفينا على لآثارهم بعيسى ابن مريم، مصدقاً لما بين يديه من التوراة، وآتيناه الأنجيل فيه هدى ونور، ومصدقاً لما بين يديه من التوراة، وهدى وموعظة للمتقين. وليحكم أهل الأنجيل بما أنزل الله فيه.. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون.. وأنزلنا إليك الكتاب بالحق، مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه.. فاحكم بينهم بما أنزل الله. ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق. لكل جعلنا منكم شرعة ومنهجاً. ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن ليبلوكم فيها آتاكم. فاستبقوا الخيرات. إلى الله مرجعكم جميعاً، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون.. وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك. فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم، وإن كثيراً من الناس لفاسقون.. أفحكم الجاهلية يبغون؟ ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون؟))...
(المائدة: 44- 50)
وفى هذا القدر كفاية لتقرير نظرية الإسلام فى شأن((الإنسان)) وتسليطه على عالم المادة، وتسخيره له، واتيانه القدرة على معرفة النواميس الكونية اللازمة له فى الخلافة.. وفى الوقت ذاته تقرير عجزه على معرفة ذاته بمثل هذا الوضوح الذى يعرف به نواميس المادة- وإعفائه- تبعاً لهذا- من وضع منهج حياته الذاتية بنفسه، وعون الله له بوضع المنهج الملائم لكيانه وفطرته ووظيفته فى الأرض.. ثم.. إلزامه باتباع منهج الله هذا، وإخراجه من دائرة الإيمان والإسلام، إذا هو لم يتخذ هذا المنهج، أو إذا هو اتخذ لنفسه منه جانباً وابتدع هو الجانب الآخر: ((واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك)).. وانذاره بسوء الحال فى الدنيا والآخرة إن هو فعل ذلك أوبعضه: ((ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكاً، ونحشره يوم القيام أعمى))...
(طه: 124)
((فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله))...
(البقرة: 279)
وغيرها كثير.
ونعود بعد هذا الاستطراد فى بيان وجهة النظر الإسلامية فى حقيقة ما أعطى الإنسان من الاستعداد لمعرفته وما لم يعط، ومقتضيات هذا وذاك فى حياته.. نعود إلى عناصر المأساة التى تعانيها البشرية اليوم، باتخاذها حضارة ومناهج حياة، قائمة على ذلك((الجهل المطبق))بالإنسان- كما يقرر((العالم))الغربى الكبير- فنجد هذا الجهل المطبق بالإنسان- إلى جانب المعرفة الواسعة بالمادة- عنصراً رئيسياً فى هذه المأساة.. لا لذاته.. ولكن بسبب عدم الاعتبار به، ثم المضى معه فى إقامة مناهج للحياة البشرية، فى معزل عن هدى الله، بل فى عداء وإصرار على تجنب هدى الله، وفى نفرة منه كالتى يصورها القرآن الكريم فى قوله تعالى: فما لهم عن التذكرة معرضين. كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة؟!))...
(المدثر: 49- 51)
وهذا يقودنا إلى العنصر الثانى من عناصر هذه المأساة كما رتبناها فى كلمة الافتتاح. فلنحاول معالجة هذا العنصر الثانى..