والآن ماذا يا ترى يكون حكمنا على هذه الحضارة الصناعية؟
ماذا بعد هذه الشهادات الدالة على بشاعة الجريمة، وعلى الخطر الداهم على الإنسانية))؟ على وجودها ذاته بالميل إلى الانقراض فى الدول التى بلغت قمة الحضارة؟ وعلى خصائصها الثمينة بالميل إلى الجنون والأمراض العصبية والنفسية والشذوذ والإجرام، وهبوط مستوى الذكاء، وضعف العقل والاحتمال الجسدى والعصبى والنفسى فى هذه الدول.. إلى آخر قائمة الاتهام الرهيبة؟!
ترى نصدر حكمنا بالإعدام؟ وهو الحكم الذى يبدو متكافئاً مع ظروف الجريمة ؟!
إن الدكتور ((كاريل)) يقول : إنه كتب هذا : ((الإنسان ذلك المجهول)).. ((لأولئك الذين يجدون فى أنفسهم شجاعة كافية ليدركوا ليس فقط ضرورة إحداث تغييرات عقلية وسياسية واجتماعية بل أيضاً ضرورة قلب الحضارة الصناعية وظهور فكرة أخرى للتقدم البشرى))..
وسنعرف فيما بعد ما هى الفكرة الأخرى التى يقترحها ..
أما نحن فسنبادر بالقول بأن حكم ((الإعدام)) لهذه الحضارة، ليس هو أنسب الحلول التى تملها البشرية ..
إننا أولاً لا نملك إصدار حكم بالإعدام على الحضارة الصناعية. فهى نتاج طبيعى، له مكانة فى تاريخ الحياة البشرية، ولم يهبط عليها من عالم آخر، ولا جاء مصادفة، ولا نبت سدى .. ومن ثم فهذه الحضارة عميقة الجذور، أصيلة الوجود، وجدت لتلبية حاجة طبيعية للبشرية فى موعدها التاريخى المناسب كذلك.. ومن ثم لا تكون قابلة للإعدام، لو اخترنا أن نصدر عليها هذا الحكم، فظاعة الجرائم التى ارتكبتها فى حق الإنسان!!!
وعلى فرض أننا نملك تنفيذ حكم كهذا.. أو على فرض أن ((تتاراً )) جدداً قد انبعثوا فى هذه الأرض يحطمون حضارتها – كما حطموا حضارة بغداد – ويلقون بكتب هذه الحضارة فى أنهار الرين والراين والسين والتيمس والبوتوموك.. أو أن حفنة من مجانين البشر الذين يملكون القنبلة الذرية والقنبلة الايدروجينية والصواريخ وما إليها، قد أصابتهم (النوبة)! فى لحظة فأطلقوا الدمار على مراكز هذه الحضارة .
على أى فرض من هذه الفروض، فإن تحطيم هذه الحضارة – على هذا النحو – يبدو لنا – من خلال نظرتنا البشرية المحدودة ، التى لا تعلم حقيقة الخير والشر، ولا تعرف عن مآلات الأفعال – أنه ليس فى صالح البشرية .. وفى حدود هذه النظرة لا نملك أن نصدر حكم الإعدام على هذه الحضارة على الرغم من جرائمها البشعة ضد العنصر الإنسانى !
إذن …….. كيف الخلاص ؟
* * *
الدكتور ألكسيس كاريل يرى أن طريق الخلاص هو :
((مزيد من علوم الإنسان. يمكننا من إعادة إنشاء الإنسان )) .
((يجب أن يكون ((الإنسان)) مقياساً لكل شىء .. ولكن الواقع هو عكس ذلك. فهو غريب فى العالم الذى ابتدعه.. إنه لم يستطع أن ينظم دجنياه بنفسه، لأنه لا يمكل معرفة عملية بطبيعته. ومن ثم فإن التقدم الذى أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة، هو إحدى الكوارث التى عانت منها الإنسانية.. فالبيئة التى ولدتها عقولنا واختراعاتنا غير صالحة لا بالنسبة لقوامنا ولا بالنسبة لهيئتنا.. إنا قوم تعساء ، لأننا ننحط أخلاقياً وعقلياً .. إن الجماعات والأمم التى بلغت فيها الحضارة الصناعية أعظم نمو وتقدم هى على وجه الدقة، الجماعات والأمم الآخذة فى الضعف، والتى ستكون عودتها إلى البربرية والهمجية أسرع من عودة غيرها إليها.. ولكنها لا تدرك ذلمك. إذ ليس ما يحميها من الظروف التى شيدها العلم حولها .. وحقيقة الأمر أن مدنيتنا، مثل المدنيات التى سبقتها، أوجدت أحوالاً معينة للحياة، من شأنها أن تجعل الحياة نفسها مستحيلة، وذلك لأسباب لا تزال غامضة..إن القلق والهموم التى يعانى منها سكان المدن العصرية تتولد عن نظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. إننا ضحايا تأخر علوم الحياة عن علوم الجماد .
((إن العلاج الوحيد الممكن لهذا الشر المستطير هو : معرفة أكثر عمقاً بأنفسنا .. فمثل هذه المعرفة ستمكننا من أن نفهم ما هى العمليات الميكانيكية التى تؤثر بالحياة العصرية على وجداننا وجسمنا .. وهكذا سوف نتعلم كيف نكيف أنفسنا بالنسبة للظروف المحيطة بنا، وكيف نغيرها، إذ لم يعد هناك مفر من إحداث ثورة فيها.. ولئن استطاع هذا العلم أن يلقى ضوءاً على طبيعتنا الحقه، وإمكانياتنا، والطريقة التى تمكننا من تحقيق هذه الإمكانيات، فإنه سيمدنا بالإيضاح الصحيح لما يطرأ علينا من ضعف فسيولوجى، كذا لأمراضنا الأدبية والعقلية.. إننا لا نملك وسيلة أخرى لمعرفة القواعد – التى لا تلين – لوجوه نشاطنا العضوى والروحى، وتمييز ما هو محرم مما هو شرعى، وإدراك أننا لسنا أحراراً لنعدل فى بيئتنا وفى أنفسنا تبعاً لأهوائنا.. وما دامت الأحوال الطبيعية للحياة قد حطمتها المدنية العصرية، فقد أصبح علم الإنسان أكثر العلوم ضرورة )).. (ص43 – 45 )
* * *
ونحن نهتف مع الدكتور كاريل: ((مزيداً من علوم الإنسان)) .. ولكننا لا نرى – معه – أن هذا – وحده – يكفى. ولا نثق مثله هذه الثقة المطلقة فى ما قد نصل إليه من المزيد فى علوم الإنسان. ولا تقف – مثله – يائسين من ((وسيلة أخرى لمعرفة القواعد التى لا تلين لوجوه نشاطنا العضوى والروحى، وتمييز ما هو محرم، مما هو شرعى، وإدراك أننا لسنا أحراراً لنعدل فى بيئتنا وفى أنفسنا تبعاً لأهوائننا )) .
إن المزيد من علوم الإنسان ضرورى لنا.. لنعرف منه – على الأقل – أقصى الإمكانيات التى فى طوقنا ، طوق العلم، أن نبلغها من المعرفة ((بالإنسان)),. ونقف على حدود المجهول الذى لا حيلة لنا وراءه. فهذه المعرفة ضرورية لنحدد – على ضوئها – ما الذى نملك وما الذى لا نملك من التصرف فى شأن ((الإنسان)) لعلنا نلتزم حدودنا ولا نتعداها، ولا نخبط وراءها فى التيه بلا دليل، كما فعلنا حتى اليوم، بلا مبالاة .
والدكتور كاريل كان قد سبق فقرر لنا أن هناك أسباباً لتخلف علوم الحياة عن علوم الجماد – ليست طارئة ولا وقتية – إنما هى ثابتة وطبيعية .. أسباباً ترجع إلى تعقد الحياة من جهة، وإلى طبيعة عقلنا من جهة أخرى. ومن ثم قررن لنا أن علوم الحياة لن تبلغ – فى يوم من الأيام – ما بلغته علوم الجماد من الدقة والجمال .. وبالضبط قال لنا بألفاظه :
((إن معرفة أنفسنا لن تصل أبداً إلى تلك المرتبة من البساطة المعبرة، والتجرد، والجمال التى بلغها علم المادة. إذ ليس من المحتمل أن تختلفى العناصر التى أخرت تقدم علم الإنسان)) ... (ص23)
فمن العجيب – بعد ذلك – أن يجعل اعتماده كله، فى حل مشكلة الحضارة، وإعاد إنشاء الإنسان، على ((مزيد من علوم الإنسان)) .
ولكنا لكى نزيل هذا العجب، يجب أن نواجه مشكلة دكتور كاريل نفسه. فإن مواجهتها تفيدنا فى تعيين الجهة التى يمكن أن يأتى منها الخلاص الحقيقى، والاتجاه الواحد الميسور للخلاص..
إن هذا الرجل الواسع المعرفة، العميق الحساسية، الشديد الإخلاص، المتحرر المفكر، الثائر على الحضارة الصناعية، حتى ليرى أن ليس هناك ما هو أقل من ((قلب الحضارة الصناعية وظهور فكرة أخرى للتقدم البشرى)).
إن هذا الرجل – على كل هذه الفضائل والخصائص فيه – رجل ((غربى)) نشأ فى البيئة الغربية، بكل ملابسات تاريخها القديم وحاضرها الراهن. كما أنه نشأ فى ظل هذه الحضارة، وفى بيئة ((العلم)) الذى هو طابعها الظاهر ..
وبسبب كل هذه الملابسات فهو …. سجين هذه الحضارة .. سجين بيئتها وتاريخها وملابسات حياتها.. سجين الانطباعات والرواسب العميقة العنيفة فى هذه البيئة .
ومن ثم لا يملك – حين يثب الوثبة الكبرى – أن يخرج من إطارها ..
ونزيد هذه الحقيقة العجيبة إيضاحاً :
إن الدكتور كاريل يتنفس فى بيئة آمنت بالعلم التجريبى إيماناً مطلقاً فترة قرنين من الزمان.. وعلى الرغم من أنها بدأت فى هذا القرن الأخير تفيق من نشوة انتصار العلم، وهى تراه يقف على عتبات المجهول عند آفاق كثيرة. فإن رواسب القرنين الماضيين لا تزال عميقة وعنيفة.. حتى عند الذين عرفوا ((حدود العلم)) ..
وهو فى الوقت ذاته يتنفس فى بيئة عرفت الدين – فى أحسن صورة – تصوفاً روحياً مرفرفاً شفيفاً، واتصالاً بالغيب من غير وساطة مادية ظاهرة، وصلاة ودعاء يغب فيها الفرد عن ذاته، ويندمج فى الملأ الأعلى.
وهذه هى الصورة الوضيئة المشرقة الحبيبة إلى نفس الدكتور العالم الشاعر المتصوف المرفرف، كما يصفها فى كتابه هذا، وكتابه الآخر الذى عنوانه ((الصلاة)) .. وكما يكرر ضرورة توفير الجو المناسب لانطلاقها فى حياة البشر .. وكما يثور على الحضارة المادية الصناعية، لأنها تخنقها، وتخنق معها كل شعور بالجمال، وكل نشاط فنى أو روحى أو دينى..
ومن هاتين النقطتين: نقطة الإيمان بالعلم، ونقطة تصور الدين على هذا النحو وفى هذه الحدود.. تنشأ مشكلة الدكتور كاريل، وأمثالهب ممن تهولهم فظاعة التدمير الذى تنشئه هذه الحضارة فى حياة الإنسان ((وروحه))، وتهتف بهم أشواقهم الروحية إلى استشراف حياة فيها للعقيدة الروحية مكان..
تنشأ المشكلة من ثورته على هذه الحضارة ومن (سجنه) فى إطار هذه الحضارة فى الوقت ذاته.
ومن هنا لا يرى أن هناك وسيلة أخرى لوقف هذا التدمير الذى تنشئه هذه الحضارة فى الكيان الإنسانى ..
إنه لا يملك منهجاً للحياة إلا الذى يقرره العلم .. لأن الدين – كما هو فى بيئته – فى أحسن صورة، لا فى الصورة الكريهة المنفرة الأخرى – هو مجرد نشاط روحى، وتهذيب خلقى، واتصال بالعوالم الغيبية..
وهو فى صورته هذه يمثل جانباً واحداً من جوانب التكوين الإنسانى.
إنه لا يملك منهجاً للحياة إلا الذى يقرره العلم .. لأن الدجين – كما هو فى بيئته – فى أحسن صورة، لا فى الصورة الكريهة المنفرة الأخرى – هو مجرد نشاط روحى ، وتهذيب خلقى، واتصال بالعوالم الغيبية..
وهو فى صورته هذه يمثل جانباً من جوانب التكوين الإنسانى. فالاقتصار عليه شديد الخطورة، لأنه معوق للنشاط الواقعى العملى الإيجابى – المادى – وهو يحذر أشد التحذير من أن يكون الهروب من الحضارة إلى مثل هذا العالم الذى لا يحوى إلا النشاط الروحى.. وهو محق تماماً فى تحذيره هذا. إذ كان لا ينشئ إلا نكسة إلى ((الرهبنة)) التى ذاقت منها أوروبا ما ذاقت فى تاريخها، والتى انتهت – كما أسلفنا – إلى الجموح المادى الكافر الغليظ الجافى.
فأما لو فكر فى أن يكون للحياة منهج دينى واقعى.. فإن صورة كريهة مفزعة تخايل له. لأنها الصورة التى عرفتها كذلك أوروبا.. صورة الكنيسة الطاغية التى تفرض تصوراتها الخزافية على العلم والعلماء وعلى الحياة والأحياء .. وهى صورة كذلك أمر وأدهى.
لا مفر إذن – لأمثال هؤلاء المخلصين المساكين – إلا أن يلجأوا إلى ((العلم)) وإلى العلم وحده. حتى فيما يحسون هم أنفسهم أن العلم لن يصل بهم فيه إلى نتائج حاسمة قاطعة كالتى وصل إليها فى عالم المادة.
ولكن ماذا بيدهم؟ ماذا يملكون للبشرية غير هذا ؟
* * *
ولكننا نحن نملك ...
نحن – أصحاب المنهج الإسلامى للحياة – نملك للبشرية ما لا يملكه أحد آخر على ظهر هذا الكوكب .. ونملك أن ننقذ دكتور كاريل نفسه من حيرته هذه، وأن نستجيب لصراخه المخلص العميق الحاد !!!
ونحن _ أصحاب المنهج الإسلامى للحياة – ندرك من دراستنا لموقف الدكتور كاريل الذى يستحق العطف والرثاء أننا – وحدنا – مكلفون أن نتقدم لحمل العبء، ولندل البشرية على طريق الخلاص، ولننشئ هذا الطريق أيضاً ..
نحن نملك منهجاً للحياة، لا يعادى العلم مطلقاً ، ويرحب بمزيد من علوم الإنسان على وجه الخصوص.. ولكنه فى الوقت ذاته لا يكل لهذا العلم – وحده – بناء الحياة الإنسانية، إنما يضع الإطار العام الذى يعمل فيه العلم ويعمل فيه العقل، فى دائرة مأمونة ..
هذا الإطار من صنع الذى ((يعلم)) حق ((العلم)) حقيقة هذا الإنسان فطرته، وطاقاته، وحاجاته الحقيقة. فلا تخفى عليه من الإنسان خافية! ولا يضع أمام عشرات المسائل ومئاتها فى حياة الإنسان وتركيبه علامة استفهام واحدة ؟!
وهو إطار واسع جداً، شامل للإنسان كله. تدور الحياة البشرية فى داخله على محور ثابت. فتتحرك دائماً حول هذا المحور، وداخل هذا الإطار، حركة نامية متجددة، وهى فى الوقت ذاته آمنة سالمة .
ومنهجنا هذا لا يجعل الدين مجرد ذلك النشاط الروحى الذى لا يعرف دكتور كاريل صورة غيره للدين .. إنما هو يجعل الدين بوتقة الحياة كلها .. تصهر فيه، ثم تشكل فى جميع صورها وألوانها، كما يجعله هو الإطار الذى تزاول الحياة كل نشاطها فى داخله وهو المحور الذى تشد الحياة كلها إليه. والعقل والعلم والصناعة والاقتصاد والسياسة والصلاة والدعاء والاتصال بالملأ الأعلى ظواهر لهذا النشاط حول هذا المحور وداخل هذا الإطار .. إن منهجنا يفهم ((الدين)) على أنه هو منهج الحياة الإنسانية بكل مقوماتها .. المنهج الذى وضعه الله، وارتضى أن تسير وفقه الحياة.
ومن ثم نجد طريقاً للخلاص. يحتوى – فى بعض مراحله – طريق الدكتور كاريل، بلا تعارض ولا تخاصم ولا شقاق.
* * *
إن منهجنا يبدأ من نقطة سابقة جداً على النقطة التى يبدأ منها دكتور كاريل، والكثيرون غيره من المخلصين الغربيين، الذين لا ينقصهم الإخلاص. ولا تنقصهم الخبرة، ولا تنقصهم الرغبة فى تدارك البشرية من الهاوية التى تنحدر إليها. ولكنهم مع هذا ((سجناء)) بيئتهم وحضارتهم.. أبعد خطاهم وثبة فى داخل القفص .. لا تتعداه إلى منهج مبتكر من أصوله. لأنهم لا صلة لهم بهذا المنهج من الناحية التاريخية ولا من الناحية الشعورية – على فرض معرفتهم به من الناحية العلمية – إذ المعول فى مثل هذه المواقف الفاصلة على رواسب التاريخ وكوامن الشعور.
منهجنا يبدأ من نقطة تصحيح مركز الإنسان فى هذا الوجود . وتعيين مكانه ودوره، ووظيفته وحقوقه وواجباته ..
إنه ليس إلهاً ينازع ((الآلهة))! وتنازعه . وليس كذلك حيواناً جاءت سيادته على الأرض مصادفة، وقد يقوم مقامة فى هذه السيادة غداً قط أو فأر ! وليس آلة تحسب قيمته بقوة ((الأحصنة)) التى يساويها فى قوة التحريك والإدارة . وليس عبداً للمادة، ولا هو لوحة تطبع فيها المادة (أو الطبيعة) ما تريد . وليس عبداً للآلة، تصرف حياته وأفكاره وأوضاعه كما تتصرف هى وتتقلب. وليس ((نمرة)) ولا مجموعة ((نمر)) تتحرك داخل القطيع، بلا شخصية مميزة، ولا كيان ((فردى خاص)).
وليست المرأة أحبولة للشيطان، وليس اتصال الجنسين رجساً من عمل الشيطان. وليست اللذة والمتعة هى غاية هذا الاتصال، ولا الهوى دافعه ومانعه على السواء. وليس الجنسان سواء فى وظيفتهما وعملهما، وليس مجرد التفرقة بينهما فى التكوين البيولوجى عبثاً لا معنى له ولا هدف وراءه.. إلى آخر ما مرت به النظرة إلى((الإنسان)) من تخبط واضطراب..
كلا.. إنما الإنسان.. ((إنسان)) وليس إلها- هو سيد هذه الأرض ومسخر له كل ما فيها، وعليه أن يخلف الله – سبحانه – فيها، ويغير فهيا ويبدل، وينمى فيها ويرقى، وهو معان على استغلالها كنوزها وطاقاتها. معان بما وهبه الله من قوى وطاقات، ومعان بما فى نواميس هذا الكون من عون للإنسان فى هذا المجال.. وفى الوقت ذاته هو من نفسه فى حرم مقدس. حرم من حرمات الله. لا يمسح إلا بإذن الله، ولا يعمل فيه إلا بمنهج الله. ولم يوهب معرفة أسرار هذا الحرم – إلا بقدر – ولم يسمح له أن يضع له من تلقاء نفسه المناهج والخطط والشرائع والأوضاع. ولم يؤذن له أن يتخذ إلهه هواه ..
وهو ((إنسان)) – وليس حيواناً – هو مخلوق فذ فى هذا الكون. مخلوق قصداً، ولخلقته حكمة. ومزود بطبيعة خاصة – فوق طبائع الحيوان – وبخصائص معينة – فوق خصائص الحيوان – لآداء وظيفة معينة فى الأرض لا يؤديها الحيوان . وله – من ثم – مقام كريم ، يعادل وظيفته الكريمة .. كان كذلك يوم نشأ، وهو كذلك اليوم، وسيكون كذلك غداً .. والذين خالفوا عن هذه الحقيقة يعودون إليها مرغمين الآن .
وهو ((إنسان)) – وليس آلة، ولا عبداً للآلة، ولا من صنع المادة، ولا من صنع الآلات – وهو كائن معقد شديد التعقيد، ليست له بساطة المادة ولا طواعية الآلة. والذى نعلمه عن تعقيده قليل – ونحن فى أول الطريق من علوم الإنسان، ولم نصل بعد إلى المزيد من علوم الإنسان الذى يتطلبه دكتور كاريل- ومع ذلك فقد واجهتنا((الحياة)) بتعقيدها المخبف الذى لم تواجهنا به المادة، وواجهنا((الإنسان)) بتعقيد أشد هولاً..
فمن الجرأة المتهورة المتهجمة على((العلم)) وقواعده، الزعم بأن هذا الإنسان مادة، والتعامل معه كالتعامل مع المادة.. ومن التخبط أن نزعم أنه كالآلة ونعامله كما نعامل الآلة.. ثم من التوقح البغيض أن نقول: إن الآلة(أداة الإنتاج) هى الآلة الذى يغير فيه ويبدل كما يشاء!!!
وهو((إنسان))- وليس ((نمرة)) ولا فرداً من القطيع- هو إنسان يتميز أفراده بعضهم من بعض، ويتمتع كل فرد بذاتية مستقلة لا نظير لها، ووحدانية حقيقية- رغم اشتراكهم جميعاً فى خصائص إنسانية عامة- ولكل فرد منهم ((خصائصه الذاتية)) إلى جانب ((الخصائص الإنسانية)).. ومن ثم ينبغى أن يكون النظام الاجتماعى، والنظام الاقتصادى، والنظام السياسى. والطريقة الفنية للعمل فى المصانع وغيرها (التكنولوجيا) مبنية على أساس ملاحظة ((الخصائص الإنسانية)) العامة أولاً. و(( الخصائص الفردية الذاتية)) ثانياص. فلا يحشر الجميع فى نظام للعمل كالقطيع. ولا يكون عمل الفرد فى المصنع أو فى أى مكان، بديلاً عن عمل الآلة، المتماثلة الغرز والطرقات.
وحين تحترم خصائص الإنسان العامة، وخصائص الأفراد الذاتية، فلن يتعذر على المهندسين والمديرين إيجاد طرائق العمل الفنية التى تحافظ على هذه الخصائص وتلك، ولن يتعذر على ((التكنولوجيا)) أن تضمن الإنتاج الكبير وتضمن فى الوقت ذاته المحافظة على هذه الخصائص وتلك، فلا تسحق ((الإنسان)) ولا تسحق ((الفرد)) فى عمل أو نظام.
وهو (( إنسان)) من ذكر وأنثى.. من نفس واحدة، نعم .. ولكنهما جنسان ومنهجنا يعرف هذه الحقيقة بشطريها، ويكفل لشطرى النفس الواحدة حقوقاً واحدة – فيما يتعلق بالأصل الإنسانى العام – ولكنه فى الوقت ذاته يفرض على كل منهما واجبات مختلفة، وفق الوظيفة الخاصة فى العمران، ووفق طاقة كل منهما ومجموعة تكاليفه، فلا يكلف المرأة المسكينة مثلاً أن تحمل وترضع وتربى، وفى الوقت ذاته تعمل وتكدح وتشقى.. بينما الرجل لا يشاركها الحمل والرضاع والتربية. ثم يزعم بعد ذلك أنه ينصف المرأة ويحترمها ويرقيها! ولا يكلف المرأة أنم تهمل صناعة ((الإنسان)) لتشغل بصناعة ((الأشياء)) . فالإنسان فى منهجنا أغلى من الأشياء . ولا يجوز فيه أن تشتغل المرأة المثقفة الماهرة الحكيمة بصناعة الأشياء وإنتاجها، وأن تستجلب لأبنائها امرأة أخرى أقل ثقافة ومهارة وحكمة، وأرخص أجراً بالطبع، لتشرف لها على ((الأبناء)) بينما هى تشر ف على ((الأشياء))!
وهكذا – وفى ظل هذا المنهج، ومن نقطته السابقة فى البدء – يصبح المزيد من عولم الإنسان ذا قيمة فى موضعه المناسب، فى مرحلة من مراحل الطريق. لا من بدء الطريق.
* * *
ومنهجنا لا يجد نفسه – بعد ذلك – فى مشكلة أمام الصناعة والحضارة الصناعية ..
إن هذا المنهج لا يرفض الحضارة الصناعية ولا يجفل منها، ولا يتنكر لها .. إنها – ابتداء – وليدة اتجاهه المبكر إلى (( العلم التجريبى)) ، هذا الاتجاه الذى انتقل إلى أوروبا عن طريق جامعات الأندلس وعلم المشرق – كما يقرر بريفولت ودوهرنج وجب وغيرهم ممن لا يملكون إنكار الحقائق التاريخية – وهذا الاتجاه هو أصلاً وليد نظرة الإسلام إلى الكون والحياة والإنسان، ودور الإنسان فى هذه الأرض. ووليد طبيعة المنهج الإسلامى إلى ((واقعيات)) الكون، وتدبرها والانتفاع بها. وهو اتجاه مخالف تماماً لاتجاه الفلسفة الإغريقية التجريدية، التى ورثتها العقلية الأوروبية، ومخالف كذلك للتصورات الكنيسية، التى كانت تجعل علوم الكون المادى ((تصورات مقدسة ثابتة)) بينما الإسلام يطلق العقل البشرى – فى هذا المجال – ليبحثن، ويجمع الشواهد، ويتتبع الظواهر، وينشئ القوانين، ويتحرى وسائل استخدامها وتسخيرها فى عالم الواقع. ويخطئ ويصيب بلا تجريم ولا تأثيم.
وإذن فإن هذا المنهج لن يرفض الحضارة الصناعية، لأنها وليدة طرائقه المنهجية التى انتقلت إلى أوروبا، فرفضتها الكنيسة وشنت عليها حرباً شعواء قاسية، انتهت بهزيمة الكنيسة، وانتهت – مع الأسف – بهزيمة الدين كله لارتباطه فى أوروبا بالكنيسة ..
إن القاعدة التى يقوم عليها بناء الحضارة الحديثة – من الناحية العلمية – ليست غريبة علينا. بل هى ابتداء من عندنا – كما رأينا – ومنهجنا ينظر إلى نتاج الحضارة – من الناحية العلمية – نظرته إلى أمانة ردت إليه، وساهم هو فى نشأتها مساهمة أساسية قبل خمسمائة عام. وبينه وبينها صلح قديم من حيث أن طبيعة المنهج الإسلامى التى تنفر من الفلسفة النظرية المجردة – على الإغريق – وتتجه إلى ((المثالية الواقعية)) أو ((الواقعية المثالية)) كانت هى الحافز الأول لهذا الاتجاه العلمى التجريبى الذى لم تكن جذوره أو أوروبا. لا من الحضارةن الإغريقية ولا من الحضارة الرومانية، ولا من التصورات الكنيسة هذه التصورات التى لم تكن سوى خليط من النصرانية السمحاء التى جاء بها عيسى – عليه السلام – والوثنية المخرفة التى أدخلها فيها قسطنطين وكبار رجال الدولة الرومانية حين دخلوا فى النصرانية ، وزاد طينتها بلة التصورات الكنيسة عن الآراء العلمية الخاطئة التى كانت رائجة فى زمانها، وتبنتها الكنيسة، واعتبرتها آراء مقدسة عن الكون المادى والحياة .
إنما الذى يرفضه منهجنا ويشتد فى رفضه، من هذه الحضارة، هو شىء آخر غير الأساس العلمى التجريبى الذى تقوم عليه .
إنه سيرفض المذهب المادى (الوضعى أو الحسى) الذى يجعل المادة هى الوجود – ولا شىء غير المادة – وقد تحطمت هذه النظرية ((علمياً)) أو تكاد والحمد لله. والذى يجعل ((الإنسان)) تابعاً للمادة يتلقى منها فقط، ويتكون من انطباعاتها – وحدها – عقله وتفكيره وتصوراته، كما يتكون جسمه سواء، مع اعتباره سلبياً تجاه المادة سلبية مطلقة (كومت وزملاؤه) .. والذى يجعل تطورات التاريخ فى معزل عن إيجابية الإنسان، ويردها فقط إلى أدوات الإنتاج (كارل ماركس وزملاؤه).
كما سيرفض كذلك النظرة الحيوانية للإنسان التى أطلقها ((داروين)) والنظرة القذرة إلى دوافع الإنسان، وحصرها فى وحل الجنس كما يزعم ((فرويد)) وهو يدرس ((الشواذ)) ويجعلهم هم ((الإنسان)) ...
كذلك سيرفض منهجنا على هذه النظرات كلها من إقامة الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وإقامة نظام العمل وطرائق أساس إهدار آدمية الإنسان، وخصائصه الإنسانية العامة أولاً، وخصائصه الذاتية الفردية ثانياً ، وخصائصه جنسيه المتميزين ثالثا، واعتباره ترساً فى الآلة، أو بهيمة فى القطيع. والاهتمام فقط بمضاعفة الإنتاج، وبتوفير وسائل إشباع الضرورات الجسدية – فحسب – مع إهدار أشواق الإنسان وحاجاته الأخرى فى نظام الحضارة (كما يقرر الدكتور كاريل) من حبه للجمال والفن ونشاطه الأدبى والدينى.. (غير أن تصور منهجنا للنشاط الدينى لن يكون فى تلك الحدود الضيقة التى لا يعرف الدكتور كاريل سواها. بل سيكون معناها – كما قلنا – أن يكون الدين هو منهج الحياة الكلى، الذى تتحرك فى إطاره، وتنمو بكل أنواع النشاط الإنسانى. ومنه العمل والإنتاج والسياسة والاقتصاد، والخلق والسلوك. والصلاة والدعاء، والاتصال بالملأ الأعلى والاتصال بالآلة والإنتاج سواء ) .
وسيستدعى هذا تعديلاً فى طرق الإنتاج الفنية (بحيث توائم بين الرغبة فى مضاعفة الإنتاج والإبقاء على خصائص ((الإنسان)) العامة، وخصائص الفرد الذاتية. وتعديل أوضاع الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بحيث توائم كذلك بين استقرار الحياة وتوازنها، والإبقاء على الخصائص ((الإنسانية)) و (.الفردية)) مع الإبقاء – كذلك – على خصائص ((الجنسين)) من ذكر وأنثى.
* * *
ومنهجنا لن يجد نفسه فى مشكلة أمام الاستمتاع بالتيسيراتم الحضارية التى تتيحها الحضارة المادية وفنونها والمتجددة للإنسان، ولا أمام الاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا، وكنوز الأرض ونتاجها مما تتيحه الحضارة المادية، ولن يحدث نكسة إلى رهبانية روحانية كالتى ابتدعتها الكنيسة فى أوروبا، لمقاومة سيل المتاع على الطريقة الرومانية، أو – بتعبير أصح – الهرب – من مواجهة الحياة الدنيا.
فمنهجنا لا ينكر الاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا، ولا يجمد الإبداع المادى فى الأرض، ومن ثم لا يجمد وسائل المتاع بهذا الإبداع.. بل أكثر من هذا، هو يعد ذلك جزءاً من وظيفة فى هذه الأرض. فالخلافة معناها القيام على شئون هذه الأرض، واستثمار خيراتها، واكتشاف كنوزها، والاستمتاع بطيباتها، فى حدود منهج الله، مع التوجه لله بالعبادة والشكر والاعتراف على ما سخره للإنسان من طاقات فى نفسه ومن مدخرات فى هذه الأرض. وكثيراً ما من الله على عباده بما أنعم عليهم من الموارد والتيسيرات التى كانت متاحة لهم حينذاك، وبشرهم بغيرها مما سيأتى. كما عقب على ذكر نعمة الأنعام، وما تيسره للإنسان من متاع وراحة ومنفعة وجمال، فقال بعد ذلك كله ((ويخلق ما لا تعلمون)) فما من شىء طيب تنتجه الحضارة المادية، إلا ومنهجنا يعتبر حقاً للإنسان أن يستمتع به فى حلال ...
ولكن هذا المنهج يرفض أن يستمتع الإنسان بخيرات الأرض ونتناج الحضارة كما يستمتع الحيوان. يرفض أن يكون الإنسان عبداً للذائذه، مقهوراً عليها قهراً لا يملك معه إرادته، ولا يملك أن يقف عند الحد الذى يؤمن معه المتاع، فلا يؤدى الإفراط إلى الانحلال والدمار.. والبوار.. يرفض أن يكون المتاع فى ذاته غاية غايات الإنسان. فالإنسان أكرم من هذا وأرفع، وغاية وجوده الإنسانى أكبر من هذا وأضخم. وهو لا يكون ((إنساناً)) إلا بأن يدرك غاية وجوده، وأن يسيطر على شهواته ولذائذه وأن يقف عند الحد المأمون منها .. بإرادته ..
((والذين كفورا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم )) ...
( محمد : 12 )
إن المحافظة على ((إنسانية الإنسان) هدف أساسى فى هذا المنهج. فهو لا يملك أن يؤدى وظيفته الفذة فى الأرض، إلا بتكوينه هذا الفذ. فأى عامل مرفوض من المنهج الإسلامى.
وهكذا نملك – عن طريق هذا المنهج – ((وسيلة أخرى لمعرفة القواعد التى لا تلين لوجوه نشاطنا العضوى والروحى، وتمييز ما هو محرم مما هو شرعى، وإدراك أننا لسنا أحراراً لنعدل فى بيئتنا وفى أنفسنا تبعاً لأهوائنا)).. فهذا المنهج يبين لنا هذا كله./. ولا ينتظر بنا حتى تصل ((علوم الإنسان)).. فهذا المنهج يبين لنا هذا كله .. ولا ينتظر بنا حتى تصل ((علوم الإنسان)) إلى الحد الذى تجزم فيه برأى فى هذه القضية الخطيرة، التى يتوقف علهيا بقاء ((إنسانية الإنسان))، بقاء الحضارة فى المستوى الإنسانى. فكل الضروريات الأساسية التى من هذا النوع، رحمنا الله من توقفها على علمن – أو حتى على إرادتنا – وجعلها أحياناً تتم بدون إرادة منا، كهضم الطعام وامتصاصه، لبقاء الحياة.. وكذلك هنا لم يدعنا نتخبط فى جهالتنا لتمييز (( ما هو محرم مما هو شرعى)) بل بين ذلك فى منهجه لحياتنا بياناً شافياً . وأباح لنا الطيبات كلها، ولم يحرم علينا إلا أشياء قليلة – يلعم هو أنها تؤذينا، سواء علمنا نحن أم لم نعلم – ورسم لنا الحدود التى نحتفظ فيها بإنسانيتنا وخصائصها، مع المتاع بطيبات الحياة وتيسيرات الحضارة فى كل زمان ….
* * *
ومنهجنا لن يجد نفسه فى مشكلة أمام مؤسسات الحضارة الاقتصادية التى يقوم بناء الحضارة الصناعية عليها لشتى مرافق الحياة.. (وإن كنت لا أحب أن أدخل فى تفصيلات فقهية فى هذا الموضوع.. للأسباب التى سأبديها فى الفصل التالى ) .
ولكنه سيرفض حتماً الأساس الربوى الذى يقوم عليه معظم هذه ا لمؤسسات. سيطهرها من هذا الرجس، ويخرج منها دود العلق، الذى يمتص دماء الملايين. ولن يسمح بنظام يجعل حصيلة كد البشرية فى جميع أنحاء الأرض: من عمال وصناع وتجار ومديرى مصانع وأصحاب أرض وعمائر وصناعات.. كله .. يرجع إلى بضعة آلا ف من مؤسسى البيوت المالية وبنوك الإقراض فى العالم، فهؤلاء هم الذين تكد البشرية كلها لتؤدى لهم ((فوائد)) أموالهم المتداولة فى أنحاء العالم. وهؤلاء هم الذين يوجهون الاستثمار – مباشرة أم غير مباشرة – إلى المشروعات الأكثر ربحاً – للوفاء بفوائد الأموال – وهى التى تحطم خصائص البشرية وأخلاقها ومقوماتها فى الغالب. وهؤلاء هم الذين يسببون الأزمات الدورية المعروفة فى النظام الرأسمالى. وهؤلاء هم الذين تنشأ عن خططهم الجهنمية اللعينة أزمات التعطل، والفساد الخلقى الذى يتبعه. كما تنشأ الخطط الاستعمارية – فى صورها المختلفة، وآخرها ((استعمار الاستثمار)) بعد ما فشل ((استعمار الاحتلال)) – وعشرات من النكبات العالمية الأخرى ..
ومن ثم تختفى هذه الويلات التى تعانى منها البشرية كلها، أو تخف حدتها على الأقل.. حين يختفى النظام الربوى ..
أما المؤسسات الاقتصادية، فلا ذنب لها فى ذاتها، ولا ضرر منها إذا اختفى هذا العنصر الخبيث (وذلك مع الاحتفاظ بوجهة نظرى فى عدم وضع أحكام فقهية مفصلة الآن ))..
على أن طرق الإنتاج الحالية ، المؤسسة على قاعدة إنتاج أكبر قدر بأقل أجر.. والتى ينشأ عنها تحطيم خصائص الإنسان فى المعامل والمصانع – كما يقول دكتور كاريل – يرجع قسط كبير من سوآتها للنظام الربوى. من ناحية أن الأموال المستخدمة فى الاستثمار معظمها قروض ربوية. فهناك حرص شديد – فوق الحرص الذى تنشئه أثرة الرأسمالية وحمى المادية – على الربح، الذى يفى بفوائد القروض المستثمرة، وتفضل منه فضله. ولو كان هذا على حساب إنسانية العامل، وخصائص الإنسان ...
وتعديل طرائق الإنتاج ليس شيئاً مستحيلاً. فالكفر الإنسانى الذى أنشأ هذه الطرائق فى ظل أنظمة رأسمالية ربوية – أو مادية مذلة للإنسان بصفة عامة – يملك أن ينشئ طرائق أخرى، تجمع بين الغايتين كما أسلفنا .. متى رفع عنه كابوس التصورات المذلة للإنسان، وسياط الفوائد الربوية التى تسوق الاستثمار والإنتاج فى كل مكان .
* * *
إن منهجنا هو الذى يقيم الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والتعليمية والتربوية المتكاملة، التى تعيد ((إنشاء الإنسان فى تمام شخصيته. الإنسان الذى أضعفته الحياة العصرية ومقاييسها الموضوعة)) كما يريد دكتور كاريل من ((علوم الإنسان)) أن تفعل !
فإعادة إنشاء الإنسان لا يقدر عليها الإنسان.. إن الذى خلق الإنسان هو الذى يملك أن يعيده، والذى أنشأه فى أحسن تقويم هو الذى يملك أن يرده إلى تقويمه، بعد أن يكون قد هبط إلى أسفل سافلين :
((لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات )) ...(التين : 4 –6 )
إن الذى يحاوله دكتور كاريل والعلماء المؤمنون من أمثاله، أو الغيورون على ((الإنسان)) – بصفة عامة – أكبر من طاقة الإنسان. إنهم يطلبون عمل إله وقدرة إله، وعلم إله، وهيهات كأن ينهض البشر بما هو من خصائص الله..
إن الإنسانية تتردى فى الهاوية .. هذا صحيح .. وتنتحر بيدها.. هذا صحيح.. وتختنق بالظروف العدائية التى أنشأها العلم حولها ((الظروف التى تجعل الحياة ذاتها مستحيلة)) .. هذا صحيح..
إن خصائص الإنسان التى بها صار إنساناً، والتى بدونها لا يملك المضى فى خلافة الأرض، والسيادة على عناصرها .. تدمر تدميراً بشعاً، والإنسانية لا تدرى، ولا تستمع لأصوات العقلاء الذين ينذرونها بالخطر .. وإن استمعت فلا تملك أن تتوقف عن المضى إلى الهاوية ..
وهناك منهج واحد .. واحد لا يتعدد .. هو الذى يملك إليها يده بالإنقاذ ..
وهناك طريق واحد .. واحد لا يتعدد .. هو طريق الخلاص ..
ولكن كيف يقدم هذا المنهج للبشرية؟ وكيف يشرع هذا الطريق؟؟؟
ذلك فصل الختام فى هذا الكتاب ...