"أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً" (حديث شريف رواه الترمذي).
الحيوان تكفيه غريزته
إذا تأملنا في عالم الحيوان وجدنا غريزته تكفيه في هدايته إلى تنظيم حياته وتدبير أمره، منفرداً ومجتمعاً، كما نشاهد ذلك في جماعة النمل، وكيف تعمل في تعاون واتساق لجمع أقواتها، وادخارها في جحورها إلى فصل الشتاء، حيث لا تستطيع الغدو في طلب الرزق، وأوضح من ذلك ما نراه في مملكة النحل التي تقوم دولتها على ملكة وعاملات وذكور - يقوم كل منها بدوره في الجماعة في دقة وتعاون واتساق. وذلك آية من آيات الله للمتفكرين في هذا النظام الدقيق الذي هداها الله إليه أو أوحى إليها به -وفق تعبير القران- (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس، إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) (النحل: 68، 69).
ذلك شأن الغريزة في الحيوان.
غرائز الإنسان متضاربة
أما الإنسان فغرائزه متعددة متنوعة، معقدة غير سهلة، مركبة غير بسيطة، فمنها الفردي الذي يدفع إلى الأنانية والأثرة، ومنها الاجتماعي الذي يغري بالتعاون والإيثار، ومنها ما يهبط به إلى حضيض المادة، ومنها ما يسمو به إلى أفق الروح، ذلك أن الإنسان نفسه مخلوق مركب، في كيانه جزء أرضي وجزء سماوي، هو جسد وروح، شهوة وعقل، وإنسان وحيوان، وملاك وشيطان، ولذا عرفه بعض الفلاسفة -نظراً لاتصاله بعالم الروح وعالم المادة- فقال: "الإنسان مواطن في عالمين".
ويقول الفيلسوف البريطاني المعاصر برتراند رسل: "الإنسان أكثر تعقيداً في نزعاته ورغباته من أي حيوان آخر، وتنشأ الصعوبات التي يواجهها من هذا التعقيد، فهو ليس اجتماعياً تماماً مثل النمل والنحل، ولا هو انفرادي تماماً مثل الأسود والنمور، إنه حيوان شبه اجتماعي، وبعض نزعاته ورغباته اجتماعي، وبعضها انفرادي ويبدو الجانب الاجتماعي في طبيعته من أن الحبس الانفرادي يعتبر عقوبة بالغة الشدة، ويبدو الجانب الآخر في حبه للاستقلال بأموره الخاصة، وعدم استعداده للتحدث فيها إلى الغرباء. ولأننا لسنا اجتماعيين تماماً فنحن في حاجة إلى أخلاق، لتوحي لنا بالأهداف، وإلى قواعد أخلاقية لتفرض علينا قواعد التصرفات، والنحل -كما يبدو- ليس في حاجة إلى شيء من هذا، فهو يتصرف بما تمليه عليه مصلحة الجماعة" (من كتاب "المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة" لبرتراندرسل ص 10).
ترى ما الذي يضع للإنسان القواعد الأخلاقية السليمة الصحيحة؟
وما الذي يحدد للإنسان سلوكه المستقيم؟ ويرسم له طريقاً موصلاً إلى غاية لا عوج فيه؟ ويدفعه إلى السير في هذا الطريق القويم؟
هل هو القانون؟
أم هي الفلسفة الأخلاقية؟
أم هو الدين؟
سنحاول أن نلقي بعض الأشعة الكاشفة على كل من هذه الثلاثة:
القانون وحده لا يكفي لضبط السلوك الإنساني
أما القانون فهو أمر لابد منه لتنظيم شؤون الجماعة وتحديد علاقاتها، ولكنه لا يصلح وحده ضابطاً لسلوك البشر، لأن سلطانه على الظاهر لا على الباطن، ودائرته في العلاقات العامة لا في الشئون الخاصة. ومهمته أن يعاقب المسيء دون أن يستطيع مكافأة المحسن، على أن التحايل على القوانين ميسور، وتطويع نصوصها للأهواء مستطاع، والهرب من عقوبتها ليس بالشيء العسير، وإذا كان القانون عاجزاً عن أن يكون زاجراً عن الشر ورادعاً عن الجريمة والفساد، فإنه لأعجز وأعجز عن أن يكون دافعاً إلى خير أو باعثاً على حق أو حافزاً على عمل صالح.
ومهما افترضنا في القانون الإنساني من مطابقة العدل والحق، فإنه على كل حال ليس له قوة ذاتية وإنما قوته في "الحكومة" القائمة على رعايته وتنفيذه.
ويقول السيد جمال الدين الأفغاني في هذه الحكومة، وأنها لا تكفي في إلزام النفس حدود العدل (رسالة الرد على الدهريين، ص 72): "ليس بخاف أن قوة الحكومة إنما تأتي على كف العدوان الظاهر، ورفع الظلم البين، أما الاختلاس والزور المموه والباطل المزين والفساد الملون بصبغ من الصلاح، ونحو ذلك مما يرتكبه أرباب الشهوات، فمن أين للحكومة أن تستطيع دفعه؟ وأنى يكون لها الاطلاع على خفيات الحيل، وكامنات الدسائس ومطويات الخيانة ومستورات الغدر حتى تقوم بدفع ضرره؟
على أن الحاكم وأعوانه قد يكونون، بل كثيراً ما كانوا ويكونون ممن تملكهم الشهوات، فأي وازع يأخذ على أيدي أصحاب السلطة، ويمنعهم من مطاوعة شهواتهم المتسلطة على عقولهم؟ وأي غوث ينقذ ضعفاء الرعايا وذوي المسكنة منهم من شره أولئك المتسلطين وحرصهم؟".
ويقول أستاذنا الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه «الدين»: "لا قيام للحياة في الجماعة إلا بالتعاون بين أعضائها، وهذا التعاون إنما يتم بقانون ينظم علاقاته، ويحدد حقوقه وواجباته. وهذا القانون لا غنى له عن سلطان نازع وازع، يكفل مهابته في النفوس، ويمنع انتهاك حرماته.
ونقرر أنه ليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوة التدين، أو تدانيها في كفالة احترام القانون وضمان تماسك المجتمع، واستقرار نظامه، والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه.
"والسر في ذلك أن الإنسان يمتاز عن سائر الحيوانات الحية بأن حركاته وتصرفاته الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع عليه سمعه ولا بصره، ولا يوضع في يده ولا في عنقه. ولا يجري في دمه ولا في عضلاته ولا في أعصابه، وإنما هو معنى إنساني روحاني اسمه الفكرة والعقيدة، ولقد ضل قوم قلبوا هذا الوضع، وحسبوا أن الفكر والضمير لا يؤثران في الحياة المادية والاقتصادية بل يتأثران بها. ( يقصد الماركسيين ).
"أجل إن الإنسان يساق من باطنه لا من ظاهره، وليست قوانين الجماعات ولا سلطان الحكومات بكافيين وحدهما لإقامة مدينة فاضلة تحترم فيها الحقوق وتؤدى الواجبات على وجهها الكامل، فإن الذي يؤدي واجبه رهبة من السوط أو السجن أو العقوبة المالية. لا يلبث أن يهمله متى اطمأن إلى أنه سيفلت من طائلة القانون.
"ومن الخطأ البين أن نظن أن في نشر العلوم والثقافات وحدها ضماناً للسلام والرخاء وعوضاً عن التربية والتهذيب الديني والخلقي، ذلك لأن العلم سلاح ذو حدين يصلح للهدم والتدمير، كما يصلح للبناء والتعمير، ولابد في حسن استخدامه من رقيب أخلاقي يوجهه لخير الإنسانية وعمارة الأرض لا إلى الشر والفساد ذلكم الرقيب هو (العقيدة والإيمان) (من كتاب «الدين» للمرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز).
الفلسفة الأخلاقية لا تغني
وأما الفلسفة الأخلاقية فلا يمكنها توجيه الجماهير الغفيرة من الناس، إنها لا تستطيع إلا توجيه أفراد معدودين، وبتأثير محدود لا ينفذ إلى الأعماق كما ينفذ الدين.
ثم أي فلسفة أخلاقية تلك التي يتبعها الناس، وكل فيلسوف له مذهب، وكل مذهب له مقياس؟ أهي فلسفة المنفعة التي نادى بها «وليم جيمس» وغيره؟ أم فلسفة اللذة التي نادى بها «أريستيب» و «أبيقور»؟ أم فلسفة القوة التي نادى بها «نيتشة» أم فلسفة الواجب التي دعا إليها «كانت»؟
وما الجزاء الذي يناله المرء على استمساكه بفضائل أخلاقية معينة؟ أهو جزاء يقنع العقل ويرضي النفس، أم هو سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا؟
ما جزاء الجندي المجهول الذي يعمل لخدمة المجموع دون أن يراه أحد أو يشعر به أو يكافئه؟
ما هو جزاء المضحي في سبيل أمته وأسرته، يقاتل دفاعاً فيقتل ظلماً فيموت؟ إن راحة الضمير هنا -التي يتغنى بها الأخلاقيون- ليس لها وجود.
ومن جانب آخر، ما جزاه من عاش طول عمره يظلم ويطغى، ويعب من الشهوات الحرام دون أن يشعر بتأنيب الضمير، لأن ضميره قد مات؟ إنه لا يحل هذه العقدة إلا الإيمان، إلا الدين ... الذي يقول (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره * ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره) (الزلزلة: 7، 8) (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم * ويدخلهم الجنة عرفها لهم) (محمد: 4 - 6) (يوم يتذكر الإنسان ما سعى * وبرزت الجحيم لمن يرى * فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى) (النازعات: 35 - 41)
الأخلاق لا الفلسفة الأخلاقية
ورفضنا للفلسفة الأخلاقية ليس رفضاً للأخلاق نفسها، فالأخلاق ملاك الفرد الفاضل، وقوام المجتمع الراقي، يبقى ويستقر ما بقيت، ويذهب ويتلاشى إن ذهبت، بل لا حياة له بغيرها:
|
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم |
فأقم عليهم مأتماً وعويلاً |
وللأخلاق في نظر الدين عامة، والإسلام خاصة محل رفيع، ومكان فسيح، والقران لم يثن على خير الرسل محمد عليه السلام بأكثر من أن قال: (وإنك لعلى خلق عظيم) (القلم: 4) والنبي يلخص رسالته فلا يزيد أن يقول "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (رواه ابن سعد والبخاري في الأدب المفرد، والحاكم في المستدرك، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة، ورمز له السيوطي بعلامة الصحة).
ولا عجب أن رأينا من محققي علماء الإسلام رجلاً مثل ابن القيم يقول: "الدين هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين" (مدارج السالكين، جِ 2ص 307 ط السنة المحمدية).
وهذا مصداق ما جاء في الحديث النبوي "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً" (رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح - من حديث أبي هريرة). وقال صلى الله عليه وسلم: "البر حسن الخلق" (رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان)، "ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن" (رواه الترمذي وقال: حسن صحيح - من حديث أبي الدرداء).
ذلك هو شأن الأخلاق في الدين وفي المجتمع … هي في الدين ركن ركين، وهي في المجتمع أساس مكين.
لا أخلاق من غير دين
غير أن الدين لا يقف عند حد الدعوة إلى مكارم الأخلاق وتمجيدها. إنه هو الذي يرسي قواعدها، ويحدد معالمها، ويضبط مقاييسها الكلية، ويضع الأمثلة للكثير من جزئيات السلوك، ثم يغري بالاستقامة، ويحذر من الانحراف، ويضع الأجزية مثوبة وعقوبة على كلي السلوكين نصب العين.
وقد قال الفيلسوف الألماني «فيختة»: "الأخلاق من غير دين عبث" وقال الزعيم الهندي غاندي: "إن الدين ومكارم الأخلاق هما شيء واحد لا يقبلان الانفصال، ولا يفترقان بعضهما عن بعض، فهما وحدة لا تتجزأ، إن الدين كالروح للأخلاق، والأخلاق كالجو للروح، وبعبارة أخرى إن الدين يغذي الأخلاق وينميها وينعشها، كما أن الماء يغذى الزرع وينميه".
ومنذ سنوات اطلع العالم كله على تقرير القاضي البريطاني «ديننج» عن فضائح الوزير السابق البريطاني جون بروفيمو وعشيقته كريستين كلير، وقد عكف ديننج على دواسة هذه القضية في شقته المتواضعة بلندن ثلاثة شهور لم يكن يتمتع أثناءها إلا بعطلته الأسبوعية، يقضيها في منزله بالريف البريطاني حيث تقيم زوجته. وقد قابل خلال التحقيق 180 رجلاً وامرأة واجتمع بالصحفيين، وأعضاء البرلمان وغيرهم، وقد كتب تقريره في 850 ألف كلمة، وأخيراً تكلم هذا القاضي بنزاهة، وصراحة، معقباً على هذه القضية الخطيرة فقال: بدون الدين لا يمكن أن تكون هناك أخلاق، وبدون أخلاق لا يمكن أن يكون هناك قانون!
الدين هو المصدر الفذ المعصوم الذي يعرف منه حسن الأخلاق من قبيحها، والدين هو الذي يربط الإنسان بمثل أعلى يرنو إليه، ويعمل له، والدين هو الذي يحد من أنانية الفرد، ويكفكف من طغيان غرائزه، وسيطرة عاداته، ويخضعها لأهدافه ومثله، ويربي فيه الضمير الحي الذي على أساسه يرتفع صرح الأخلاق.
الإيمان والمثل الأعلى
ما هم الإنسان الذي لا دين له ولا عقيدة؟ وما غايته من وجوده؟ وما رسالته في الحياة؟
أغايته رضوان الله؟ إنه لا يؤمن به ولا يرجو له وقاراً.
أغايته الخلود والنعيم في الحياة الأبدية؟ إنه لا يؤمن بها، ولا يفكر فيها.
إنه لا هم له ولا غاية ولا رسالة إلا أن يدور في فلك نفسه، يتبع هواها ويحقق رغائبها العاجلة، ويسير خلف دوافعها أياً كانت، وفقاً لمزاجه وتكوينه الخاص.
فإن كان مزاجه من النوع الهادئ، المسالم عاش في الدنيا غافلاً عن نفسه وعما حوله، حياً كميت، وموجوداً كمفقود، لا يحس أحد بحياته ولا يترك فراغاً بعد موته.
|
فذاك الذي إن عاش لم يُنتفع به |
وإن مات لا تبكي عليه أقاربه |
وإن كان يغلب على نفسه الجانب "البهيمي" جرى وراء الشهوات واللذات، يقتحم إلى بلوغها كل حرمة، ويسلك من أجلها كل طريق، لا حياء يردعه، ولا ضمير يقمعه، ولا عقل يمنعه، يقول ما قاله أبو نواس:
|
إنما الدنيا طعام |
وشراب ونِِدام |
|
فإذا فاتك، هذا |
فعلى الدنيا السلام |
(الندام: المنادمة والمجالسة على شرب الخمر)
وإن كان مزاجه من النوع "العصبي" جعل همه العلو في الأرض، والاستكبار على الناس، وإظهار السلطة والتحكم في الرقاب، والفخر بلسانه، والاختيال بفعاله، ولم يهمه في سبيل ذلك أن يبني قصراً من جماجم البشر، وأن يزخرفه بدماء الأبرياء، شعاره ما قاله الشاعر الجاهلي:
|
لنا الدنيا ومن أمسى عليها |
ونبطش حين نبطش قادرينا |
|
بغاة ظالمين وما ظُلمنِِا |
ولكنا سنبدأ ظالمِِِينا |
|
إذا بلغ الرضيع لنا فطاماً |
تخر له الجبابر ساجِِدينا |
وإن كان يغلب عليه الجانب "الشيطاني" دبر المكايد. وفرق بين الأحبة، ووضع الألغام ليدمر، وسمم الآبار ليقتل، وعكر المياه ليصطاد، وزين الإثم، وأغرى بالفاحشة، وأوقع العداوة والبغضاء بين الناس، وقال مع الشاعر:
|
إذا أنت لم تنفع فضر فإنما |
يرجى الفتى كيما يضر وينفعا |
وكان ممن حق عليهم قول الله: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) (الرعد: 25).
وهكذا يدور كل واحد من هؤلاء حيث تدور نفسه، وينقاد لأمر هواه، والهوى يعمى ويصم، والهوى إله معبود: (ومن أضل ممن أتبع هواه بغير هدى من الله) (القصص: 50).
أما المؤمن فإنه يعيش لرسالة كبيرة، ويعمل لهدف رفيع، ويحيا في ظل مثل عليا، يعيش لها ويموت عليها هي: القربى إلى الله، والتخلق بأخلاقه، والسعي في مرضاته. وفي سبيل مثله يكبح جماح نفسه، ويقمع طغيان هواه، ويضغط على غرائزه وشهواته، احتساباً لله وإيثاراً لما عنده، وابتغاء مرضاته، وإيماناً بحسن الثواب لديه، قد وضع نصب عينيه قول ربه جل شأنه: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب * قل أؤنبئكم بخير من ذلكم، للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله، والله بصير بالعباد * الذين يقولون: ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار * الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار) (آل عمران: 14 - 17).
فهذه هي الثمرات الأخلاقية للإيمان، وهذه هي صفات المؤمن التقي الذي آثر ما عند الله على شهوات الحياة: خشية من الله وحرص على رضاه ومغفرته، وصبر وصدق وقنوت وإنفاق، بلا ادعاء ولا غرور، بل شعور بالتقصير، يجعله يستغفر الله على كل حال.
إن المثل الأعلى للمؤمن أن يقترب من الله في علاه، ويحصل على مثوبته ورضاه، وهذا يجعل حياته كلها موصولة الأسباب بالله، و،جعله يحيا دائماً وهو يرجو الله والدار الآخرة، ويجعل أكبر همه أن يتخلق بأخلاق الله، وينأى بنفسه عن مشابهة الأنعام والسباع والشياطين.
ولقد زعم بعض الكاتبين أن الدين كلف الناس شططاً، بل محالاً، حين طلب إليهم أن يتخلقوا بأخلاق الله. كأنه تصور أن هذه الدعوة تعني أن يتحول الإنسان إلى إله!
وهذا وهم بعيد عن الصواب، فإن مطالبة الإنسان أن يتخلق بأخلاق الله، معناها: المحاولة الدائبة للصعود والترقي. والسعي المتواصل من قبل الإنسان ليقبس من كمال الألوهية بقدر طاقته واستعداده البشري.
إن الله عليم حكيم فليحاول الإنسان أن يتصف بالعلم والحكمة بقدر طاقته البشرية، والله رؤوف رحيم فليحاول الإنسان أن يتصف بالرأفة والرحمة بقدر طاقته البشرية، والله غنى كريم فليحاول الإنسان أن يتصف بالغنى والكرم بقدر طاقته البشرية. والله صبور حليم فليحاول الإنسان أن يتصف بالصبر والحلم بقدر طاقته البشرية. والله جبار متكبر فليحاول الإنسان أن يكون جباراً على المبطلين والطغاة متكبراً عن دنايا الأخلاق وسفاسف الأعمال.
والله عزيز ذو انتقام فليحاول الإنسان أن يكبرن عزيزاً على الكافرين وذا نقمة على المفسدين الظالمين. والله شكور غفور فليحاول الإنسان أن يكون شكورا لمن أحسن إليه، غفورا لمن اعتذر إليه، والله على صراط مستقيم فليحاول الإنسان أن يكون على صراط مستقيم حتى لا تضل به المسالك الملتوية. ولا تتفرق به السبل العوج.
والله تعالى متصف بكل كمال، متنِزه عن كل نقص، فليضع الإنسان نصب عينه أن يبرأ من النقص وأن يتصف بالكمال حسب جهده.
فأي إيحاء أكرم وأعظم تأثيراً في النفس الإنسانية من هذا الإيحاء: التخلق بأخلاق الله والاقتباس من كمال الألوهية؟ وأي مثل أعلى يداني هذا المثل الذي اتخذه المؤمن نصب عينيه: أن يقترب من الله ويوثق صلته به، عن طريق العمل الصالح الذي يحبه الله ويرضاه؟
متاع الحياة وخطره على الأخلاق
ثم إن أخطر شيء على أخلاق الناس هو هذه الدنيا بمتاعها ومغرياتها، الدنيا بزخارفها وشهواتها من النساء والبنين، والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة (تمثلها الآن السيارات الفارهة بمختلف أصنافها وألوانها) والأنعام والحرث.
إن الغلو في حب الدنيا هو رأس كل خطيئة، والتنافس عليها أساس كل بلية. من أجل متاع الدنيا يبيع الأخ أخاه. ومن أجل متاع الدنيا يقتل الابن أباه، ومن أجلها يخون الناس الأمانات وينكثون العهود، ومن أجلها يجحد الناس الحقوق، وينسون الواجبات، ومن أجلها يبغي الناس بعضهم على بعض ويعيشون كسباع الغابة أو أسماك البحار، يفترس القوي الضعيف، ويلتهم الكبير الصغير، من أجل شهوات الدنيا ومفاتنها يغش التجار ويطففون، ويتجبر الرؤساء ويستكبرون، ويجور القضاة ويرتشون، ويطغى الأغنياء ويترفون، وينافق ضعفاء النفوس ويتزلفون.
من أجل الدنيا يكتم العالم ما يعلم أنه الحق، ويفتى بما يعتقد أنه الباطل.
من أجل الدنيا يروّöج الصحفي الكذب والزور، ويخفي الحقائق وهي أوضح من فلق الصبح.
من أجل الدنيا يهجو الشاعر كل حليم رشيد، ويزف عرائس المديح إلى كل سكير وعربيد.
من أجل الدنيا تسفك الدماء، وتستباح الحومات، وتداس القيم، ويباع الدين والشرف والوطن والعرض وكل معنى أنساني كريم.
كل هذا من أجل الدنيا ومتاع الدنيا وشهوات الدنيا: من أجل امرأة أو كأس أو عمارة أو قطعة أرض أو منصب يصغر أو يكبر، أو دنانير تقل أو تكثر، أو حظوة لدى رئيس، أو شهرة بين الناس، أو غير ذلك من هم البطن، وشهوة الفرج، وحب الجاه والمال، وشهوة السيطرة والاستعلاء.
أجل إن حب الحياة والأمل فيها جزء من فطرة الإنسان، ولولا ذلك ما عمرت الأرض، ولا ترعرعت شجرة الحياة، فلم يكن مما ينافي الحكمة أن يزين للناس حب الشهوات، ولكن الخطر كل الخطر أن يستغرق الناس في حب الدنيا وطول الأمل فيها، وأن تكون هذه الحياة القصيرة أكبر همهم، ومبلغ علمهم، ومنتهى آمالهم، شأن أولئك الذين لا يرجون لقاء الله ولا يؤمنون بيوم الحساب. وأولئك الذين يؤمنون بالآخرة ولكنهم عنها مشغولون ولها ناسون، ولهذا علمنا رسول الإسلام أن ندعو الله فنقول: "اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا".
إنه لابد من حب آخر وأمل آخر، أقوى من حب الحياة الدنيا ومن الأمل فيها، وليس ذلك إلا حب الآخرة والأمل في لقاء الله، والطمع في مثوبته ورضوانه، والخوف من حسابه وعذابه. إن هذه المعاني من الحب والأمل والطمع والخوف هي العواصم المنجية من أخطار المحبة للدنيا والحرص عليها والركون إليها. إنها "صمام الأمن" من خطر الإغراق والإسراف في الإقبال على شهوات الحياة.
وذلك هو دور الإيمان الذي يغمر قلب صاحبه يقينا بالآخرة ورجاء فيما عند الله. ومن هنا تكرر وصف المحسنين والمتقين في القرآن بقوله: (وهم بالآخرة هم يوقنون) (البقرة: 4 بلفظ (وبالآخرة هم يوقنون) والنمل: 3، ولقمان: 4) وفي مقابل ذلك قال في شأن الطغاة والمجرمين: (إنهم كانوا لا يرجون حساباً * وكذبوا بآياتنا كذاباً) (النبأ: 27، 28)، وفي مشهد من مشاهد الآخرة يقص علينا القرآن تساؤل المؤمنين في الجنة عن الجرمين في النار: (ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين) (المدثر: 42 - 46) وقال في شأن فرعون وملئه: (واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون) (القصص: 39). ولو ظنوا أنهم إلى ربهم راجعون، وعليه معروضون ما أقدموا على ما فعلوا، من الجرائم البشعة، والمذابح الرهيبة، والمظالم القاسية.
إن المؤمن بالله والآخرة هو الذي يستطيع أن يعلو على شهوات الدنيا، وأن يطرح مغرياتها وراء ظهره، وأن يركل متاعها بقدمه ويقول لها ما قال على بن أبي طالب، رضي الله عنه: "إليك عني. يا صفراء يا بيضاء، غري غيري .. إلي تعرضت أم إلي تشوقت؟ قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها"! بل يقول ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام حين دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه فقال له: يا رسول الله: لو اتخذت فراشاً أوثر من هذا؟ فقال: "مالي وللدنيا؟ ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف؟ فاستظل تحت شجرة ساعة ثم راح وتركها" (رواه أحمد وابن حبان في صحيحة والبيهقي).
الإيمان وحده هو الذي يعطي المؤمن هدفاً أكبر من الدنيا، ويشده إلى قيم أرفع وأبقى من شهواتها.
الإيمان وحده هو الذي يعطي صاحبه القدرة على مقاومة إغراء الدنيا وفتنتها. إنه قد يملك الدنيا ولكنها لا تملكه، وقد تمتلئ بها يداه، ولكن لا يمتلئ بها قلبه، ذلك أنه يعيش في الدنيا بروح المرتحل: كأنه غريب أو عابر سبيل، ومن عاش في الدنيا بهذه الروح فلا خوف عليه من امتلاك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، إنه يحيا في الدنيا بقلب أهل الآخرة، ويمشي وقدمه في الأرض، وقلبه موصول بالسماء.
المؤمن وحده هو الذي امتلأ يقيناً بأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضه، وأنها قنطرة عبور إلى الحياة الباقية، وأن ركعتين خاشعتين لله عند الله خير من الدنيا وما فيها، وأن غدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، وأن موضع قدم الإنسان في الجنة خير من الدنيا وما فيها. وحسب المؤمن أن يعلم أن أنبياء الله ورسله وأولياءه عاشوا في الدنيا معذبين مضطهدين وأن أعداءه وأعداء رسله من الكفرة والمكذبين والملحدين كثيراً ما عاشوا منعمين مترفين.
(ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبواباً وسرراً عيها يتكئون * وزخرفاً، وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا، والآخرة عند ربك للمتقين) (الزخرف: 33 - 35).
ليس معنى هذا أن يقعد المؤمن عن السعي في الحياة، أو يحرم على نفسه طيباتها، أو يدع عجلتها لقيادة الكفار والفجار.
كلا، إنه مأمور أن يعمر الدنيا، وأن ينميها ويرقيها، مأمور أن يمشي في مناكب الأرض ويأكل من رزق الله فيها، وينعم بطيباتها، ويسخرها لخدمة رسالته وعقيدته. وأن يكون فيها سيداً لا عبداً.
إن الاستعلاء على متاع الدنيا والاستكبار على شهواتها ومغرياتها، ليس معناه أبداً تحريم طيباتها، أو تعطيل مصالحها، أو تعويق سيرها، إنما المقصود أن تكون الآخرة مراد المؤمن وغاية سعيه، فلا يكون ممن يريد حرث الدنيا، ممن يريد العاجلة ... ممن وصفه القرآن بأنه (طغى * وآثر الحياة الدنيا) (النازعات: 37، 38)، وخاطب الرسول في شأنه بقوله: (فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم) (النجم: 29، 30).
بل يجب أن يكون المؤمن ممن أراد الآخرة وسعى لها سعيها، واتخذ الدنيا وسيلة لا غاية، وممراً لا مقراً.
إن الذي لا يوقن بالآخرة يقيناً جازماً، يصعب فطامه عن شهواته، وصرفه عن مجونه ولذاته، لأنه لا يرضى أن يبيع لذة حاضرة يقينية، من أجل لذة آجلة مشكوك في وقوعها عنده.
فلا نعجب إذا سمعنا مثل عمر الخيام يقول ما ترجمته بالعربية:
|
قالوا: امتنع عن شرب بنت الكروم |
فإنها تورث نار الجحيِِم! |
|
ولذتي في شِربهِِا سِاعِِة |
تعدل في عيني جنان النعيم! |
ويقول:
|
أين النديم السمح؟ أين الصبوح؟ |
فقد أمض الهم قلبي الجريح! |
|
ثِلاثِِِة هِن أحب المنى |
كأس وأنغام ووجه صبيح! |
وإنما قال هذا الرجل ما قال، لغلبة شكه على يقينه، ولو أيقن بالآخرة حقاً، لهانت الكأس والأنغام والوجه الصبيح وهانت الدنيا كلها، في جنب ثواب الله تعالى ورضوانه.
إن الإيمان قوة قاهرة غلابة، أقوى من الغرائز والشهوات، وأقوى من سلطان العادات، وأقوى من كل المؤثرات.
سلطان الغريزة وسلطان الإيمان
لا ريب أن للغرائز في دفع الإنسان سلطاناً لا ينكر، ولكن المثل العليا التي يعيش لها المؤمن تعلو به على الغرائز وسلطانها (أصبح علماء النفس اليوم لا يستحسنون كلمة «الغرائز» ويستعملون بدلها «الدوافع النفسية» ولكنا آثرنا كلمة الغرائز لشيوعها وظهور معناها لدى جمهور الناس ولا مشاحة في الاصطلاح).
والغريزة الجنسية بخاصة لعلها أعتى الغرائز وأقواها، حتى أن في علماء النفس من فسر بها السلوك البشرى كله، مثل «فرويد»: وهو تفسير حيواني يتجاهل غرائز الإنسان الأخرى، وسائر ملكاته الروحية ودوافعه النفسية - وليس هنا موضع مناقشته (راجع كتاب «الإنسان بين المادية والإسلام» لمحمد قطب).
وفي الشباب تتجلى هذه الغريزة على أشدها، فالشباب شعلة متوهجة لعظم طاقته الحيوية، وقوة دوافعه النفسية، وقلة علمه وتجاربه في الحياة، بجانب أحلامه وخيالاته الكثيرة، فماذا يمنع الشاب الناضر الفتوة، القوى الغريزة أن يقضي شهوة جنسية مع امرأة لا تحل له إذا تيسرت له أسبابها، وتهيأت وسائلها دون خشية من عقاب أو قانون أو أعين الناس؟
لا شيء يمنعه إلا الإيمان .. هذا ما حدث ليوسف عليه السلام: شاب في ريعان الشباب، مكتمل الرجولة، رائع الفتوة، تدعوه إلى نفسها امرأة ذات منصب وجمال، ليست من عامة الناس ولكنها امرأة العزيز الذي هو في بيتها وهو عبدها وخادمها، والأبواب مغلقة، والسبل ميسرة، كما حكى القرآن: (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك) (يوسف: 23).
فماذا كان موقفه أمام هذا الإغراء، وتلك الفتنة التي تخطف الأبصار!
ألانت قناته فاستسلم وخان عرضاً اؤتمن عليه؟ كلا .. إنما قال: (معاذ الله! إنه ربي أحسن مثواي! إنه لا يفلح الظالمون) (يوسف: 23).
ولقد حاولت المرأة بكيدها ومكرها وبكل ما لديها من ألوان الإغراء والتهديد أن تذيب من صلابته وتضعضع من شموخه، وأعلنت ذلك لنسوتها في ضيق وغيظ: (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم، ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين) (يوسف: 32).
ولكن الشاب يوسف اتجه إلى الله يسأله المعونة والعصمة: (رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) (يوسف: 33).
كانت فتنة بين ضمير المؤمن، ومغريات الإثم، ففشلت المغريات وانتصر الإيمان.
والغريزة من شأنها أن تطلب متنفساً، فإن طال حبسها خيف عليها الانفجار ما لم يحجزها سد الإيمان.
وهذه امرأة يغيب عنها زوجها فترة طويلة من الزمن، فتخيم عليها كآبة الوحشة، وتهجم عليها هواجس الوحدة، ويثور في عرقها دم الأنوثة، وينطق فيها صوت الغريزة فلا يصده إلا حاجز الإيمان، وفي جذع الليل باتت تنشد:
|
لقد طال هذا الليل واسود جانبه |
وأرقني أن لا حبيب ألاعبه |
|
فوا الله لولا الله تخشى عواقبِه |
لحرك من هذا السرير جوانبه |
وغريزة المقاتلة التي عبر عنها الأقدمون، بالقوة الغضبية، أو القوة السبعية، والتي تثير الإنسان أن يرد الصاع صاعين، وتدفعه إلى التدمير والانتقام، وبها يبدو كالوحش الهائج، أو الإعصار المدمر. جمرة من النار يلقيها شيطان الغضب في جوفه فتنتفخ أوداجه، وتحمر عيناه، ويبدو كأن له مخالب وأنياباً؟
ما الذي يقلم أظافر هذه الغريزة، ويلقي على هذه الجمرة المتقدة ماء الهدوء السلام؟
إنه الإيمان الذي يحمل المؤمن أن يكظم الغيظ، ويعفو عمن ظلمه، ويحلم على من جهل عليه، ويحسن إلى من أساء إليه، ويجعله يحس في مرارة جرعة الغيظ، حلاوة يجدها في صدره.
وقد قص علينا القرآن قصة ابني آدم بالحق: (إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر) (المائدة: 27) فما كان من ابن آدم الشرير إلا أن قال لأخيه: (لأقتلنك) (المائدة: 27) قال المؤمن الصالح: (إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين) (المائدة: 27، 28).
خوف الله إذن هو الذي يكف الأيدي أن تمتد بالأذى، وإن التهبت الغريزة، ودفعت إلى العدوان. وقد قال عمر: "من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون".
وكلم رجل يوماً عمر بن عبد العزيز، فأساء إليه حتى أغضبه -وهو أمير المؤمنين- فهمّ به عمر، ثم أمسك نفسه وقال للرجل: أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان فأنال منك ما تناله مني غداً؟ -أي في الآخرة- قم عافاك الله، لا حاجة لنا في مقاولتك.
الإيمان ينتصر على الأنانية
وغريزة الأنانية أو حب الذات غريزة عاتية جبارة، لا يكاد يخلو بشر من سلطانها عليه، وقوة دفعها له، وتوجيهها لسلوكه. وأنك لترى الناس تدفعهم الأنانية إلى التنافس على الدنيا ومتاعها، ويدفعهم التنافس إلى التنازع والاختصام، ويدفعهم ذلك إلى ادعاء ما ليس لهم، وجحود ما عليهم من حق، وأكل أموال الناس بالباطل، وعندما يطل شيطان الخصومة برأسه لا يكون إلا حب الغلب بأي ثمن، وأية وسيلة.
ولكن عنصر الإيمان إذا دخل المعركة أطفأ لهب الخصومة، فصارت نارها برداً وسلاماً، وحطم طغيان الأنانية فاستحالت تسامحاً وإيثاراً، وحلق بالمؤمن من المتاع الأدنى إلى المثل الأعلى.
وفي القصة التي روتها أم سلمة زوج الرسول مثل واضح على مبلغ أثر الإيمان: رجلان يختصمان في مواريث وليس لهما بينة إلا دعواها، كلاهما يقول: هذا حقي، وينكر على صاحبه أن يكون له حق .. ويحتكم الرجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صدر كل منهما فرديته وأنانيته، فيصدع الرسول آذانهما وقلبيهما بهذه الكلمات الحية: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض. فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار".
سمع الرجلان المختصمان هذه الكلمات الهادرة، فلمست أوتار الإيمان من صدريهما، وأيقظت فيهما خشية الله والدار الآخرة، فبكى الرجلان، وقال كل منهما لصاحبه: حقي لك!
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما إذ فعلتما ما فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق، ثم استهما. ثم تحالا" (القصة في كتاب «الأقضية» من سنن أبي داوود) (أي ليحل كل منكما صاحبه وليسامحه فيما عسى أن يكون حقه).
هنا كانت كلمة الإيمان، وكلمة الضمير الذي أيقظه الإيمان، هي القول الفصل، والقضاء العدل في قضية يعجز القانون المجرد، والقضاء الظاهر، عن معرفة الحق فيها مادام الطرفان متنازعين، ولا بينة لأحدهما.
وقد قص النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه قصة رجلين مؤمنين، ضربهما مثلاً لما يجب أن يكون عليه المؤمنون من العفاف والزهد والإيثار قال: "اشترى رجل من رجل عقاراً له، فوجد الرجل الذي اشتري العقار في عقاره جرة فيها ذهب، فقال للذي اشترى العقار منه: خذ ذهبك عني، إنما اشتريت منك الأرض ولم ابتع منك الذهب.
فقال الآخر: إنما بعتك الأرض وما فيها!
قال صلى الله عليه وسلم: فتحاكما إلى رجل .. فقال الذي تحاكما إليه ألكما ولد؟
فقال أحدهما: لي غلام.
وقال الآخر: لي جارية.
فقال الحكم : أنكحوا الغلام الجارية: وأنفقوا على أنفسكم منه وتصدقا" (القصة رواها مسلم في صحيحه).
وهكذا يرى الناس لوناً ممتازاً من النفوس: رجلان وأمامهما جرة فيها ذهب لا يتقاتلان عليها. ولكن يتدافعانها، يقول كل منهما لصاحبه: هي لك .. على حين نرى الإنسان دائماً يقول: هذا لي!
سلطان العادة وسلطان الإيمان
هكذا يقف الإيمان القوي أمام طغيان الغرائز الإنسانية فيكفكف من غلوائها، ويحد من شرها، ويقوّöم من انحرافها، ويوجهها وجهة الخير والسداد والصلاح، ولكن الإنسان لا يخضع لسلطان الغريزة وحدها. وإنما يؤثر فيه -وراء الغرائز- شيء آخر، له سلطانه القاهر، وكلمته النافذة، ذلك الشيء هو العادة.
والعادة تتكون من ميل الإنسان إلى شيء ما، ثم استجابته لهذا الميل، وفعله لهذا الشيء، ثم تكراره لهذا الفعل مرة بعد مرة، ويوما بعد يوم: حتى ترتبط بأعصابه، وتخط فيها مجرى يختلف في سعته وعمقه تبعاً لقوة العادة وضعفها، ويؤدي هذا الفعل بعد ذلك بيسر وسهولة، أداء يكاد يكون آلياً، ليس فيه إلا قليل من الانتباه والتفكير، ويصبح الامتناع عن هذا الأمر -بعد أن صار عادة- من الصعوبة بمكان.
سلطان العادة وقوتها
ولقد قال بعض الباحثين: "إن الإنسان يكاد يكون مجموع عادات تمشي على الأرض" وقال روسو: "يولد الإنسان ويموت مسترقاً مستعبداً، يشد عليه القماط يوم يولد، والكفن يوم يموت" يريد أنه -فيما بين المهد واللحد- أسير للعادات، مستعبد للتقاليد.
وقال القدماء: "العادة طبيعة ثانية" يعنون بذلك أن لها من القوة ما يقرب من "الطبيعة الأولى" والطبيعة الأولى هي ما ولد عليه الإنسان وفطر عليه. فكل إنسان خرج من هذا العالم كآلة مجهزة بكثير من العدد: عين تبصر، وأذن تسمع، ومعدة تهضم، وغرائز فطرية .. وهكذا. فهذا الذي ولدنا عليه وورثناه من آبائنا وأجدادنا هو: طبيعتنا الأولى، ولها سلطان كبير على الإنسان، فلو حاول أن يبصر بأذنه ويسمع بعينه ما استطاع، فهو لابد خاضع لسلطانها.
وما يدخله الإنسان على الطبيعة الأولى من التحسين والتقبيح هو ما يسمى "الطبيعة الثانية" أو "العادة" ولها كذلك سلطان كبير. فالطريق الذي نختطه لأنفسنا في الحياة، ونعتاد السير فيه، له من السلطان علينا ما يقرب من سلطان الطبيعة، فنحن أحرار في السنين الأولى من حياتنا، لا سلطان للعادة علينا، حتى إذا نمونا كان نحو التسعين في المائة من أعمالنا -من لبس وخلع وطريقة أكل وشرب ونمط في الكلام والسلام والمشي والمعاملة- معتاداً، نعمله بقليل من الفكر والانتباه ويصعب علينا العدول عنه، وتصبح حياتنا مجرد تكرير لأفكار وأعمال كسبناها في مقتبل الحياة".
ذلك هو مبلغ سلطان العادة على الإنسان -فرداً كان أو جماعة- فإذا كانت عاداته صالحة فما أسعده بها، وإن كانت عاداته قبيحة ضارة فما أتعسه وما أشقاه بها! إنه يأكل الشيء الذي يضر جسمه، ويشرب الشيء الذي يغيب عقله، ويلبس الشيء الذي يضايقه ويخنقه، ويرتكب الشيء الذي يستقبحه ويستهجنه. وما ذلك إلا لسلطان العادة عليه، وغلبتها على عقله وإرادته: وحسبنا دليلاً على هذا ما نراه بأعيننا في المدمنين لشرب المسكرات، وتناول الكيوف والمخدرات، ولعب الميسر والقمار.
سلطان الإيمان أقوى
وللتخلص من عادة متمكنة لابد من إعلان حرب عليها: حرب ساخنة ملتهبة، لا ينتصر فيها إلا من تسلح بإرادة قوية، وعزم فولاذي لا يتزعزع ولا يلين، وتصميم على الانتصار لا يشوبه يأس أو تردد أو تراخ.
هذا هو سبيل الانتصار على العادات الضارة المنتشرة في مجتمع من المجتمعات، لا العقوبات القاسية، أو القوانين الرادعة وحدها. وكم رأينا في القديم والحديث من قوانين وعقوبات ارتدت مدحورة أمام جبروت العادات.
ومن لنا بالعزم والتصميم الذي يقهر العادة ويدحرها؟ إنه الإيمان الذي يشحذ العزائم، ويسمو بالنفوس ويمدها بقوى المقاومة والجلاد الباسل، فتخر أمامها أسوار العادات والتقاليد.
تحريم الخمر بين الولايات المتحدة وأمة العرب
ولكي يتضح لنا أثر الإيمان في تغيير العادات المتمكنة، وتربية النفوس على عمل الخير وإن كان شاقاً، وترك الشر وان كان مألوفاً ومعتادا - نقيم موازنة بين موقفين في مشكلة واحدة: موقف من التاريخ الحديث، وموقف من التاريخ القديم، يصوران لنا كيف يصنع وازع الإيمان ما يعجز عنه وازع السلطان.
الموقف الأول في الولايات المتحدة الأمريكية ... وقد انتشرت فيها عادة السكر وشرب الخمور انتشاراً أقنع الحكومة بضرر ذلك على الفرد والأسرة والمجتمع، فأصدرت الحكومة قانوناً يمنع الخمر، ثم تبين لوا بعد مدة يسيرة أنها عاجزة تمام العجز عن تنفيذ قانونها، وأن أفراداً وجماعات أخذوا يعيثون في الأرض فساداً بتعاطي الخمور وتدريبها والاتجار بها، والتفنن في صناعتها على استخفاء، واستحضار أخبث أنواعها أكثر من ذي قبل.
ومما ينبغي أن نلتفت إليه أن هذا الحظر لم يكن (أمراً ملكياً) أو منشوراً من إمبراطور مستبد أراد أن يرغم شعبه بسلطان القوة، وقوة السلطان.
كلا ... إنه تشريع جاء عن طريق برلمان في بلد ديمقراطي دستوري حر، من شأنه أن يشرع لنفسه ما يجلب له النفع، ويدرأ عنه الفساد والضرر وقد شرع هذا القانون بعد أن اقتنع به الرأي العام وتحقق له من الوجهة العلمية والعملية أن الخمر ضارة بالصحة، مفسدة للعقل، محطمة للحضارة.
فحوالي عام 1918ثارت المشكلة في الرأي العام الأمريكي. وفي عام 1919أدخل في الدستور الأمريكي تحت عنوان "التعديل الثامن عشر" وفي نفس السنة أيد هذا التعديل بأمر حظر، أطلق عليه التاريخ قانون (فولستد).
وقد أعدت لتنفيذ هذا التحريم داخل الأراضي الأمريكية كافة وسائل الدولة وإمكاناتها الضخمة:
1. جند الأسطول كله لمراقبة الشواطئ، منعاً للتهريب.
2. جند الطيران لمراقبة الجو.
3. شغلت أجهزة الحكومة واستخدمت كل وسائل الدعاية والإعلام لمحاربة الخمر، وبيان مضارها وجندت كذلك المجلات والصحف والكتب والنشرات والصور والسينما والأحاديث والمحاضرات وغيرها.
ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليوناً 60,000,000 من الدولارات، وأن ما أصدرته من كتب ونشرات يبلغ عشرة بلايين صفحة 10,000,000,000، وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم -في مدة أربعة عشر عاماً_ لا يقل عن 250,000,000 مائتين وخمسين مليون جنيه، وقد أعدم في هذه المدة 300 ثلاثمائة نفس، وسجن 532,335 نفس، وبلغت الغرامات 16,000,000 ستة عشر مليون جنيه، وصادرت من الأملاك ما بلغ 404,000,000 أربعمائة مليون وأربعة ملايين جنيه، ولكن كل ذلك لم يزد الأمة الأمريكية إلا غراماً بالخمر، وعناداً في تعاطيها، حتى اضطرت الحكومة سنة 1933الى إلغاء هذا القانون، وإباحة الخمر إباحة مطلقة (ذكر هذه الإحصاءات الأستاذ أبو الأعلى المودودي في كتابه «تنقيحات» وعنه نقلها الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» ص 177هامش).
هذه هي نهاية المطاف، وهذا هو ختام القصة:
فشل كامل لأمر الحظر ... وسقوط قرره التعديل الدستوري الحادي والعشرون الذي صدق عليه الكونجرس عام 1932.
وذلك هو الموجز التاريخي للمأساة التشريعية بأكملها ... تلك التي سميت في تاريخ الأمة الأمريكية (عهد التحريم).
لقد فشل القانون، وعجزت السلطات، وأفلست أجهزة الدولة، في منع الخمر ومحاربة السكيرين، برغم الاقتناع العقلي الذي كان سائداً في الأمة بضرر الخمر، ولكن الاقتناع العقلي شيء وعمل الإرادة شيء آخر.
ولقد قال أحد الكتاب الغربيين بحق: "إن طلب شيء في تصميم وقوة يتطلب روحاً من التعبد والتقشف، أي تكريس الحياة لبلوغ مثل أعلى واحد، اختاره الإنسان بعناية وتفطن ... إن الإرادة تغلب دائماً الثقافة، حينما تكون الثقافة لا المبادئ الدينية هي التي يرتكز عليها تصميم المرء ونشاطه ومدده الروحاني"
فشلت الأساطيل ونجح الإيمان
هذا موقف، والموقف الآخر من تاريخنا العربي الإسلامي القديم:
فقد بعث محمد رسول الله وللخمر في المجتمع العربي سريان وانتشار. تجري من نفوس أبنائه مجرى الدم، يتمدحون بشربها، ويفتنون في وصفها ووصف مجالسها وندمائها وأقداحها، ويصور شاعرهم مدى تعلقه بها فيقول:
|
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة |
تروي عظامي بعد موتي عروقها |
ولم يستطع امرؤ القيس الشاعر المعروف -وقد بلغه قتل أبيه- أن يدع الكأس من يده، ويفارق مجلس ندمائه بل قال كلمته المشهورة: "اليوم خمر وغداً أمر".
ولم يعرف المجتمع الجاهلي إلا أفراداً معدودين على الأصابع عافوا شرب الخمر مروءة وسجل لهم ذلك التاريخ كمأثرة نادرة، كزيد بن عمرو بن نفيل.
ومما يدل على اهتمامهم بالخمر أنهم وضعوا للتعبير عنها أسماء كثيرة، وكنايات مختلفة، وألقاباً متعددة - المدامة، السلافة، الراح، الصهباء، ابنة العنقود، ابنة الكرم، بنت الحان، بنت الدنان ... إلى آخر الأسماء التي بلغت أكثر من مائة ("حلية الكميت" للنواجي ص 6وما بعدها).
كما أن تجارتها عندهم كانت في نماء وازدهار.
ومن أدلة شغفهم بها، وتمكنها من نفوسهم، أن كثيراً من الصحابة بعد أن نزلت الآيتان الأوليان في شأن الخمر: (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) (البقرة: 219)، و (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) (النساء: 43) ولم يكن التحريم فيهما صريحاً حاسماً، لم يزالوا يشربون الخمر مادام في النص متسع لهم.
ذلك أن الإسلام تدرج معهم في تحريم الخمر -رفقاً بهم وتيسيراً عليهم- حتى نزلت آية المائدة الصريحة القاطعة: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) (المائدة: 90، 91).
وهنا رأينا العجب ... رأينا الرجل يحطم كأسه، ويسفك ما عنده من خمر في الطريق حتى تفيض طرقات المدينة بما كان عند الناس منها.
عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يا أيها الناس إن الله يبغض الخمر، ولعل الله سينزل فيها أمراً، فمن كان عنده شيء فليبعه ولينتفع به" (وذلك قبل التحريم النهائي) قال أبو سعيد: فما لبثنا إلا يسيراً، حتى قال: "إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية -يعني آية المائدة السابقة- وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبيع"، قال أبو سعيد: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها -أي صبوها وأسالوها- (رواه مسلم).
وعن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب فجاءهم آت فقال: إن الخمر حرمت ... فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها ... فأهرقها. (متفق عليه).
وعن أبي موسى الأشعري قال:
بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر حلة -أي حلالاً- إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر) (المائدة: 90) - إلى قوله: (فهل أنتم منتهون) (المائدة: 91) فجئت إلى أصحابي، فقرأتها عليهم ... قال: وبعض القوم شربته في يده شرب بعضاً وبقي بعض في الإناء ... فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام ثم صبوا ما في باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا ... انتهينا ربنا، (رواه الطبري في تفسير آية المائدة).
فهل رأت البشرية مثل هذا انتصاراً على النفس، وسرعة في الاستجابة، وقوة في الانقياد للأمر مهما يكن مخالفاً للعادات، مصادماً للشهوات؟
الضمير ومكانة الأخلاق
في أعماق النفس الإنسانية قوة خفية لا تشاهد بالعين، ولا ترى بالمجهر، ولا يعرفها التشريح والفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء)، إنها قوة معنوية يحسها الإنسان في حناياه تهديه إلى الواجب كأنها كشاف ينير له الطريق، وتنجذب به إلى الخير كأنها الإبرة الممغنطة تجذب دائماً نحو الشمال، وتدفعه عن الشر كأنها صوت الأب يحذر ولده، أو الأستاذ ينصح تلميذه، فإذا خالف ما تأمر به أو اقترف ما تحذر كانت هذه القوة محكمة تقضي له أو عليه. تقضي له بالراحة والسرور والطمأنينة، أو تحكم عليه بالألم والقلق والعذاب.
هذه القوة الكاشفة الهادية، الآمرة الناهية، المحذرة المحرضة، الحاكمة المنفذة. هي التي سماها علماء الأخلاق "الضمير" وسماها بعضهم "الوجدان" وسماها الإسلام "القلب" وقال الرسول لمن جاء يسأله عن البر والإثم: "البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب. والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب وإن أفتاك المفتون" وفي حديث آخر: "استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك وأفتوك".
إنها قوة تسبق العمل وتقارنه وتلحقه، فتسبقه بالإرشاد إلى عمل الواجب والتحذير من المعصية، وتقارنه بالتشجيع على إتمام العمل الصالح، والكف عن العمل السيء وتلحقه بالارتياح والسرور عند الطاعة والإحساس بالألم والوخز عند العصيان.
هذا الضمير أو "الوجدان" أو "القلب" هو عماد الأخلاق، وركيزتها الأولى، فهو -كما رأينا- يهدي إلى ما تشابه منها، ويرغب في خيرها، ويزع عن شرها - ويقف ديدبانا يقظاً على حراستها.
والمجتمع -أي مجتمع- لا يرقى وينتظم ويسعد بسن القوانين، وإصدار القرارات وتنظيم اللوائح، ويقظة رجال السلطة. وإن كان لا يستغني عن ذلك كله - وإنما يرقى وينتظم ويسعد، بوجود القلوب الحية، وتوافر الضمائر اليقظة بين أبنائه. ومن الحكم المشهورة: "العدل ليس في نص القانون، وإنما هو في ضمير القاضي".
هذه أهمية الضمير بالنسبة لمن يقضي ويحكم، أما المحكومون بالقانون فقد قال قائلهم:
|
لن يصلح القانون فينا رادعاً |
حتى نكون ذوى ضمائر تردع |
أثر الإيمان في تكوين الضمير
والإيمان -بلا ريب- هو أعظم مدد للضمير، وأقوى «مولّöد» يغذيه ويمده «بالتيار» الذي يمنحه الضوء والحرارة والقوة المحركة.
فعقيدة المؤمن في الله أولاً. وعقيدته في الحساب والجزاء ثانياً. تجعل ضميره في حياة دائماً وفي صحو أبداً.
إنه يعتقد أن الله معه حيث كان، في السفر أو في الحضر، في الجلوة أو في الخلوة، لا يخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه سر ولا علانية: (ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شيء عليم) (المجادلة: 7)، (وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه، وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) (يونس: 61). وقد كان المشركون يأتمرون برسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل الوحي من الله يفضح سترهم، ويكشف أمرهم فقال بعضهم لبعض: غضوا أصواتكم حتى لا يسمعنا إله محمد! فنزل قول الله تعالى: (وأسروا قولكم أو اجهروا به، إنه عليم بذات الصدور * ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (الملك: 13، 14).
ويعتقد المؤمن لذلك أنه محاسب يوم القيامة على عمله، مجزى به إن خيراً أو شراً فما تقدم من عمل لم يذهب بذهاب أيامه، بل كتبه «قلم التسجيل» الإلهي، الذي يحصي له وعليه الصغيرة والكبيرة: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) (سورة ق: 17، 18)، (وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين * يعلمون ما تفعلون) (الانفطار: 10 - 12)، (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم، بلى ورسلنا لديهم يكتبون) (الزخرف: 80).
وهذه السجلات الوافية لن يضيعها الإهمال، أو يمحوها مرور الزمان إنها ستحفظ عند الله حتى يتلقاها صاحبها يوم الجزاء: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً) (الإسراء: 13، 14).
وحينذاك يجد ما كان يحسبه هيناً وهو عند الله عظيم، ويذكر من الأعمال ما كان ناسياً: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضراً، ولا يظلم ربك أحداً) (الكهف: 49) (يوم يبعثهم الله جميعاً فينبئهم بما عملوا، أحصاه الله ونسوه، والله على كل شيء شهيد) (المجادلة: 6).
هناك توزن الأعمال من خير أو شر، من حسنات وسيئات، بميزان إلهي دقيق لا يعرف كنهه ولا كيفيته، ثم الحساب الإلهي العادل: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها، وكفى بنا حاسبين) (الأنبياء: 47)، (والوزن يومئذ الحق، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) (الأعراف: 8، 9).
وبعد ذلك. فريق في الجنة وفريق في السعير: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذاباً أليماً ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً) (النساء: 173).
بهذه العقيدة في الله، وفي الجزاء في الآخرة يصبح المؤمن ويمسي مراقباً لربه محاسباً لنفسه، متيقظاً لأمره متدبراً في عاقبته، لا يظلم ولا يخون، لا يتطاول ولا يستكبر، لا يجحد ما عليه. ولا يدعى ما ليس له، لا يفعل اليوم ما يخاف من حسابه غداً، ولا يعمل في السر ما يستحي منه في العلانية، يقول ما قال الصوفي الشاعر:
|
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل |
خلوت، ولكن قل: علي رقيب |
|
ولا تحسبن الله يغفل ساعِِة |
ولا أن ما تخفيه، عنه يغيِِب |
وسئل بعضهم عن قوله تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه) (البينة: 8) فقال: معناه: لمن راقب ربه عز وجل وحاسب نفسه وتزود لمعاده.
وقال محمد بن علي الترمذي: اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه.
وسئل ذو النون: بم ينال العبد الجنة؟ قال: بخمس .. استقامة ليس فيما روغان، واجتهاد ليس معه سهو، ومراقبة لله في السر والعلانية، وانتظار الموت بالتأهب له، ومحاسبة نفسك قبل أن تُحاسب.
إن الضمير الذي يربيه الإيمان برقابة الله وبحساب الآخرة ضمير حي يقظ مرهف الحساسية. يحاسب المؤمن قبل أن يقوم على العمل: ماذا تعمل، ولماذا تعمل، ولمن تعمل، ويحاسبه بعد العمل: ماذا عملت؟ ولماذا عملت؟ وكيف عملت؟ هو قاض مستعجل يصدر حكمه سريعاً بالمثوبة أو العقوبة، وليست عقوبته مقصورة على الوخز النفسي واللذع المعنوي، إنه أحياناً يقرر عقوبات مادية أيضاً.
قال الحسن البصري في قوله تعالى: (ولا أقسم بالنفس اللوامة) (القيامة: 2) قال: لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدماً لا يعاتب نفسه.
وقال أيضاً: المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة -ثم فسر المحاسبة فقال-: المؤمن يفجؤه الشيء يعجبه فيقول: والله إنك لتعجبني وإنك من حاجتي ولكن هيهات. حيل بيني وبينك -وهذا حساب قبل العمل- ثم قال: ويفرط منه الشيء، فيرجع إلى نفسه فيقول: ماذا أردت بهذا، والله لا أعذر بهذا، والله لا أعود إلى هذا أبداً إن شاء الله -وهذا حساب بعد العمل.
قال مالك بن دينار: رحم الله امرءاً قال لنفسه: الست صاحبة كذا؟ الست صاحبة كذا؟. ثم زمها ثم خطمها ثم ألزمها كتاب الله فكان له قائداً.
وقال إبراهيم التيمي: مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمراتها، وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها .. ثم مثلت في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها .. ثم قلت لنفسي: يا نفس، أي شيء تريدين؟ قالت : أريد أن أرد إلى الدنيا، فأعمل صالحاً، قال: فأنت في الأمنية فاعملي!!
وهذه طريقة اتخذها الرجل في إيقاظ نفسه، وإن شئت فقل: في إحياء ضميره. لقد تخيل المتوقع واقعاً والغائب حاضراً، ثم قال لنفسه بعد أن عرض عليها الصورتين: تخيري واعملي!!
وهناك طريقة أخرى كان الأحنف بن قيس يصطنعها ليذكر نفسه بنار الآخرة وعذابها. كان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحس بالنار ثم يقول لنفسه: يا حنيف، ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا.
ومن أساليب محاسبة النفس ما روي عن توبة الصمة وكان محاسباً لنفسه أنه حاسبها يوماً، فإذا هو ابن ستين سنة فحسب أيامها، فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم فصرخ وقال: يا ويلتي؟ ألقى الله بأحد وعشرين ألف ذنب! فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب!
ومن الأمثلة لأحكام العقوبة التي يصدرها ضمير المؤمن، فيتقبلها ويسرع إلى تنفيذها، ما روي عن أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه أنه أشتغل قلبه في الصلاة بطائر في حائطه (بستانه) فتصدق بالحائط كفارة لذلك.
أثر الضمير الديني في مجالات الحياة
هذا هو أثر الإيمان في تكوين ضمير المؤمن وتغذيته وتعهده، وهذا الضمير الديني هو الركيزة الأولى للأخلاق وهو الأساس الأصيل لحياة اجتماعية فاضلة، حلم بها الفلاسفة صوراً في الخيال ترسم، أو نماذج على الورق تكتب، وجعلها الإيمان واقعاً يمشي على الأرض بين الناس.
وأمامنا أمثلة لذلك في مجالات شتى:
في أداء الحقوق المالية
تفرض القوانين التي وضعها البشر لأنفسهم، أو يضعها لهم جماعة منهم ضرائب على أهل المال منهم لقاء ما تقدم لهم الدولة من خدمات، وأداء لما يجب عليهم من مشاركة في أعباء الأمة وواجباتها، ولكنا نجدهم يتهربون من أدائها بكل وسيلة، ويتحايلون على التخلص من التزامها بكل سبيل!!
وازن هذا بالزكاة في الإسلام، تلك الضريبة التي فرضها الإيمان عبادة على المسلم، يتقرب بها إلى مولاه، ويقدمها طيب النفس، راضي القلب، داعياً ربه "اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً" محاولاً أن تكون من أطيب ما عنده وأفضله، يحاسب نفسه قبل حساب جباتها -العاملين عليها- وقد يبذل أكثر مما يطلب منه موقناً أن ما عنده ينفد وما عند الله باق.
عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم مصدقاً -أي جابيا للزكاة- فمررت برجل، فلما جمع لي ماله -من الأنعام- لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض.
فقلت له: أد ابنة مخاض، فإنها صدقتك..
فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر (أي لا يقدر أن يركب ويحمل عليه) ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها.
فقلت له: ما أنا بآخذ ما لم أومر به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت علي فافعل .. فإن قبله منك قبلته، وإن رده عليك رددته.
قال: فإني فاعل.
فخرج معي، وخرج بالناقة التي عرض على حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: يا نبي الله: أتاني رسول ليأخذ مني صدقة مالي وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ولا رسوله قط قبله، فجمعت له مالي، فزعم أن ما علي فيه ابنة مخاض، وذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر، وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة ليأخذها فأبى علي. وها هي ذي .. قد جئتك بها يا رسول الله. خذها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك الذي عليك، فإن تطوعت بخير أجرك الله فيه وقبلناه منك.
قال: فها هي ذي يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد جئتك بها فخذها.
قال: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبضها .. ودعا في ماله بالبركة. (رواه أبو داوود).
في الاعتراف بالجريمة وتحمل العقوبة
ويفرض القانون عقوبات مادية رادعة على من يرتكبون الجرائم، ولكن المخالفين للقانون يحاولون الفرار من قبضتيه، والتفلت من دائرة سلطانه، وفي غفلة من القانون والرقباء عليه، يقدمون على أعمالهم، مستخفين عن الأعين، أو ظاهرين وقد ألبسوا عملهم الآثم ثوب القانون أو مستندين إلى ذي سلطان يشفع لهم، أو يحمي ظهرهم، إلى آخر ما نعرف عن صور التفلت من يد القانون.
فإذا نظرنا إلى ما يفرضه قانون الإيمان على صاحبه وجدنا صورة أخرى، ومنطقاً آخر، وجدنا المؤمن إذا زلت قدمه فاقترف جرماً -وهو بطبيعته بشر يخطئ ويصيب- سرعان ما يستيقظ ضميره، ويدفعه دفعاً حتى يذهب إلى يد العدالة، فيعترف بالجريمة ويطلب العقوبة لنفسه تطهيراً من آثام الإثم، وأوزار العصيان، ورجاء في أن تكون كفارة له عن ذنبه، وشفيعاً له إلى ربه، لا يمنعه من الاعتراف أن فيه جلد ظهره أو قطع يده أو إزهاق روحه.
فهذا رجل عربي -هو ماعز بن مالك- يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: يا رسول الله، ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني، فيقول له : لعلك لامست؟ لعلك قبلت! لعلك فاخذت! ويرد الرجل مرة ومرة ومرة، والرجل مصر على الاعتراف بخطيئته، مصر على التطهر منها بإقامة حد الله عليه، ولو كان الرجم بالحجر، ويأمر الرسول أخيراً إقامة الحد عليه، فيتقبله صابراً محتسباً، راغباً في عفو الله ومغفرته.
وهذه امرأة أعرابية تعرف بالغامدية، تزني ويضطرب في أحشائها جنين من الزنا، فيأتي عليها ضميرها المؤمن -وقد ارتكبت الفاحشة سراً- إلا أن تتطهر منها جهاراً.
وجاءت رسول الله تقول له: إني قد زنيت فطهرني؟ فيردها الرسول فتأتي في الغد فتقول: يا رسول الله .. لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً .. فو الله إني لحبلى!!
فيقول لها: أما لا .. فاذهبي حتى تلدي.
وتذهب المرأة تنتظر الوضع، وتمضي عليها الأيام والأشهر دون أن تخبو جذوة ضميرها. فما أن ولدت حتى أتت بالصبي في خرقة، وقالت للرسول: ها قد ولدته.
قال لها: فاذهبي فأرضعيه حتى تفطميه.
وتعود المرأة إلى دارها ترضع ولدها، وتمضي مدة الرضاع -وهي في العادة حولان كاملان- أربعة وعشرون شهراً لم يستطع اختلاف الليل والنهار فيها أن ينسي المرأة ما ارتكبت من خطيئة.
وبغير إعلان من محكمة، ولا تنبيه من حاكم، ولا حراسة من شرطي ترجع المرأة إلى رسول القوانين طائعة مختارة، لتلقى مصيرها الذي رضيته لنفسها فتقدم إليه الصبي وفي يده كسرة من الخبز، وتقول: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام.
ولم يجد النبي بداً بعد هذا أن أمر بها، فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. فأقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجه خالد، فسبها .. فسمع نبي الله سبه إياها .. فقال: "مهلا يا خالد، فو الذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى!" (القصة رواها مسلم).
في رعاية القوانين والأمانات
أصدر عمر بن الخطاب قانوناً يمنع غش اللبن يخلط بالماء .. ولكن هل تستطيع عين القانون أن ترى كل مخالف؟ وهل تستطيع يده أن تقبض على كل غاش!
القانون أعجز من هذا..
الإيمان هو الذي يعمل عمله في هذا المجال.
وهنا تحكى القصة المشهورة حكاية الأم وابنتها: الأم تريد أن تخلط اللبن طمعاً في زيادة الربح، والبنت تذكرها بمنع أمير المؤمنين.
الأم تقول: أين نحن من أمير المؤمنين؟! إنه لا يرانا..
وترد الابنة بالجواب المفحم: إن كان أمير المؤمنين لا يرانا فرب أمير المؤمنين يرانا!!
وروى الطبري: لما هبط المسلمون (المدائن) وجمعوا الأقباض، أقبل رجل بحق معه. فدفعه إلى صاحب الأقباض فقال الذين معه: ما رأينا مثل هذا قط، ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه!!
فقالوا له: أخذت شيئاً؟
فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به..
فعرفوا أن للرجل شأناً فقالوا: من أنت؟
فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني، ولا غيركم ليقرظوني، ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه .. فأتبعوه رجلاً حتى انتهى إلى أصحابه .. فسأل عنه فإذا هو (عامر بن عبد قيس).
وقد نقل إلى عمر كثير من الغنائم التي يخف حملها ويغلو ثمنها، أداها بأنفسهم جنود مخلصون لوجه الله لا يريدون جزاءاً ولا شكوراً، فقال في إعجاب وتقدير: إن قوماً أدوا هذا لأمناء!
وقال عبد الله بن دينار: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة فعرسنا في بعض الطريق فانحدر بنا راع من الجبل، فقال له: يا راعي، بعني شاة من هذه الغنم.
فقال: إني مملوك.
فقال -اختباراً له-: قل لسيدك أكلها الذئب.
فقال الراعي: فأين الله؟
فبكى عمر رضي الله عنه ثم غدا مع المملوك، فاشتراه من مولاه، وأعتقه وقال: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقك في الآخرة.
في السياسة والحكم
أما في مجال السياسة والحكم -وهو المجال الذي يغري بالحيف والغرور والطغيان- فقد قص علينا التاريخ أمثلة شامخة لخلفائنا المهديين، في العدالة الكاملة التي لا تتحيز لقريب أو تتحيف على عدو، وفي المساواة القانونية التي لا تعرف الفوارق، وفي الزهد الذي يعرض عن الدنيا وفي يده البيضاء والصفراء، والقوة والسلطان. لقد كان "الضمير" المؤمن هو الذي يحكم ويسود، فسادت الفضيلة وسادت العدالة والمساواة، ذلك الضمير الذي جعل خليفة كعمر يدخل حائطاً لقضاه حاجة فيسمعه أنس يقول -وبينهما جدار الحائط-: عمر بن الخطاب أمير لمؤمنين!! بخ بخ!! والله لتتقين الله بني الخطاب، أو ليعذبنك!!
هذا الضمير هو الذي جعله في عام المجاعة المعروف «بعام الرمادة» لا يأكل إلا الخبز والزيت حتى أسود جلده، فيكلمه بعض الصحابة في ذلك، فيقول: بئس الوالي أنا إن شبعت والناس جياع!
ورأى يوماً فتاة صغيرة تتمايل من الجوع. فقال: من هذه؟ فقال ابنه عبد الله: هذه ابنتي. قال: فما بالها؟. قال: إنك تحبس عنا ما في يدك فيصيبنا ما ترى. فقال: يا عبد الله، بيني وبينكم كتاب الله، والله ما أعطيكم إلا ما فرض الله لكم. أتريدون مني أن أعطيكم ما ليس لكم فأعود خائنا؟!
قال ابن كثير (في كتاب "البداية والنهاية") بعد أن ذكر أعمال عمر الجليلة وفتوحاته العظيمة: "وكان متواضعاً في الله، خشن العيش خشن المطعم، شديداً في ذات الله، يرقع الثوب بالأديم -أي الجلد- ويحمل القربة على كتفيه، مع عظم هيبته، ويركب الحمار عرياً، والبعير مخطوماً بالليف، وكان قليل الضحك لا يمازح أحداً، وكان نقش في خاتمة، "كفى بالموت واعظاً يا عمر".
وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول له جعد بن هبيرة، يا أمير المؤمنين، يأتيك الرجلان، أنت أحب إلى أحدهما من أهله وماله، والآخر لو يستطيع أن يذبحك لذبحك فتقضي لهذا على هذا!
قال: فلهزه علي وقال: إن هذا شيء لو كان لي لفعلت، ولكن إنما ذاك شيء لله.
ويحدثنا الشعبي أن علياً رضي الله عنه ضاعت منه درع فوجدها عند نصراني. فأقبل به إلى القاضي «شريح» يخاصمه، وقال علي: هذه الدرع درعي ولم أبع ولم أهب.
فقال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين.
فقال النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين عندي بكاذب! فالتفت شريح إلى على وقال: يا أمير المؤمنين، ألك بينة؟
فابتسم علي وقال: أصاب شريح، ما لي بينة.
فقضى بالدرع للنصراني، فأخذها ومس خطوات ثم رجع، فقال: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقتضي فيقضي عليه، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين، سقطت منك وأنت منطلق إلى صفين.
قال: أما إذ أسلمت فهي لك.
كان الضمير المؤمن هو الذي يحكم الخليفة والقاضي، فلم يحاول الخليفة المؤمن أن يتخذ القوة لأخذ حقه أو يؤثر على القاضي ليحكم في صالحه، ولم يحاول القاضي المؤمن أن يطوع النصوص إرضاء لأميره -رغم ما يعتقد من صدقه- فالشرع سيد على الجميع: الأمير والسوقة. والمسلم والنصراني سواء.
وكان علي رضي الله عنه يلبس القميص -وقد اشتراه بثلاثة دراهم- ويقول: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري عورتي!!
ومفتاح هذا الزهد وتلك العدالة ما قاله بعضهم: كان علي يمشي في الأسواق وحده وهو خليفة، يرشد الضال، ويعين الضعيف، ويمر بالبياع والبقال، فيفتح عليه القرآن، ويقرأ، (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، والعاقبة للمتقين) (القصص: 83) ثم يقول: نزلت هذه الآية في أهل العدل والتواضع من الولاة وأهل القدرة من الناس.
الرغبة في الدار الآخرة، وحسن العاقبة عند الله، هي السر الكامن وراء هذه المثل الرفيعة، والأعمال الكبار.
وهذا عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي الراشد الذي يقول فيه مالك ابن دينار: يقولون: مالك زاهد! .. أي زهد عندي؟ إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا فاغرة فاها، فتركها جملة!
أجل، فلم يكن له في خلافته سوى قميص واحد يلبسه، فكان إذا غسلوه جلس في المنزل حتى ييبس. وهو الذي نشأ وشب في أحضان النعيم.
ودخل على امرأته يوماً فسألها أن تقرضه درهماً يشتري به عنبا، فلم يجد عندها شيئاً .. فقالت له: أنت أمير المؤمنين وليس في خزائنك ما تشتري به عنبا؟!
فقال: هذا أيسر من معالجة الأغلال والأنكال غداً في نار جهنم. وقد اجتهد في مدة ولايته -مع قصرها- حتى رد المظالم، وصرف إلى كل ذي حق حقه، وكان مناديه ينادى في كل يوم: أين الغارمون؟ أين الراغبون في الزواج؟ أين اليتامى؟ أين المساكين؟ حتى أغنى كلاً من هؤلاء.
ومع عدله وزهده، ورده للمظالم، وشدته على نفسه وأقاربه كان يناجي ربه ليقول: اللهم إن عمر ليس أهلاً أن تناله رحمتك، ولكن رحمتك أهل أن تنال عمر.
وأثنى عليه رجل فقال له: جزاك الله عن الإسلام خيراً يا أمير المؤمنين. فقال: بل جزى الله الإسلام عني خيراً (هذه الأخبار عن عمر بن عبد العزيز ذكرها ابن كثير في "البداية والنهاية" ج 9 ص 192 وما بعدها).
لقد رد الحق إلى نصابه، فما هو إلا خريج مدرسة الإسلام، وصياغة مصنع الإيمان.
لقد أطلنا في سرد هذه الأمثلة، لأن الحكم الذي لا يقوم عليه رجال مؤمنون، والسياسة التي لا يرعاها ضمير مؤمن إنما هي كما قال الشاعر:
|
كمثل الطبل يسمع من بعيد |
وباطنه من الخيرات خال |
في التجارة والمعاملة
يروي الإمام الغزالي عن محمد بن المنكدر أنه كان له شقق بعضها بخمسة دراهم، وبعضها بعشرة فباع غلامه في غيبته لأعرابي شقة من الخمسيات بعشرة فلما عاد ابن المنكدر وعرف، لم يزل يطلب ذلك الأعرابي المشتري طول النهار حتى وجده، فقال له: إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوى خمسة بعشرة.
فقال الأعرابي: يا هذا قد رضيت.
فقال: وإن رضيت. فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا، فاختر إحدى ثلاث خصال: إما أن تأخذ شقة من العشريات بدراهمك، وإما أن نرد عليك خمسة، وإما أن ترد شقتنا وتأخذ دراهمك.
فرد عليه خمسة، وانصرف الأعرابي (الإحياء: ربع العادات كتاب الكسب ص 72، 73).
ويروي الغزالي أيضاً أنه كان عند يونس بن عبيد حلل مختلفة الأثمان، منها ضرب قيمة كل حلة منه أربعمائة درهم، وضرب كل حلة مائتان، فمر إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان، فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين، فاستحسنها ورضيها، فاشتراها -أي بأربعمائة- فمشى بها وهي على يديه فاستقبله يونس. فعرف حلته. فقال للأعرابي بكم اشتريت؟ فقال: بأربعمائة. فقال: لا تساوى أكثر من مائتين فارجع حتى تردها. فقال: هذه تساوى في بلدنا خمسمائة وأنا أرتضيها. فقال له يونس: انصرف معي فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها. ثم رده إلى الدكان ورد عليه مائتي درهم. وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله. وقال: أما استحييت؟ أما اتقيت الله أتربح مثل الثمن، وتترك النصح للمسلمين؟! فقال: والله ما أخذها إلا وهو راض بها. قال: فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك!! (الإحياء: ربع العادات كتاب الكسب ص 72، 73).
إن التجار عادة يغلب عليهم حب الكسب إلى حد الجشع حيناً، والخيانة والظلم أحياناً. فاذا غلب الإيمان هان المال في سبيل المثل الأعلى ومكارم الأخلاق.
وليست هذه النماذج خاصة بالقرون الأولى وعهد السلف الصالح من المسلمين. فلا زال للإيمان أثره إلى اليوم في كل بلد من ديار الإسلام، وإن اختلف الكم والدرجة عما كانا عليه من قبل.
يذكر الأستاذ أبو الحسن الندوي بعض ذلك في مقال له (نشرت في مجلة "البعث الإسلامي") يقول: "حدثني بعض الثقات المعمرين الذين أدركوا عهد الأشراف في الحجاز، أن تجار مكة كانوا في ذلك العهد على جانب عظيم من المواساة لزملائهم، والنظر في مصالحهم والإخلاص والإيثار لهم، قال: كان بعض التجار إذا أتاه زبون في آخر النهار وقد باع ما يكفيه لقوت يومه وما حدده من الربح والوارد، ولم يكن زميله الجار سعيد الحظ في ذلك اليوم، قال له في لطف وهدوء: "دونك هذا الدكان الذي هو بجواري! تجد عنده ما تجده عندي، وقد لاحظت قلة الزبائن عنده هذا اليوم، فهو أحق بأن تشتري منه".
ويتحدث الأستاذ محمد أسد (هو "ليوبولدفايس" الذي أسلم بعد أن أقام في بلاد المسلمين مدة طويلة، ودرس الإسلام بلغته وألف كتباً منها "الإسلام على مفترق الطرق" و "الطريق إلى مكة") النمساوي عن مدينة إسلامية عربية كبيرة هي "دمشق" فيذكر انطباعاته كما يلي: "وقفت على ذلك الاستقرار الروحي في حياة سكانها، إن أمنهم الباطني كان يمكن أن يرى في الطريقة التي كان أصحاب الدكاكين يعامل بها بعضهم بعضاً، أولئك التجار في الحوانيت الصغيرة، أولئك الذين لا ينون ينادون على المارة، أولئك كانوا يبدون وكأنما ليس فيهم أيما قدر من الخوف والحسد، حتى أن صاحب دكان منهم ليترك دكانه في عهدة جاره ومزاحمه، كلما دعته حاجة إلى التغيب بعض الوقت، وما أكثر ما رأيت زبوناً يقف أمام دكان غاب صاحبه عنه يتساءل فيما بينه وبين نفسه، ما إذا كان ينتظر عودة البائع، أو ينتقل إلى الدكان المجاور، فيتقدم التاجر المجاور دائماً -للتاجر المزاحم- ويسأل الزبون عن حاجته ويبيعه ما يطلب من البضاعة -لا بضاعته هو بل بضاعة جاره الغائب- ويترك له الثمن على مقعده. أين في أوروبا يستطيع المرء أن يشاهد مثل هذه الصفقة؟" (الطريق إلى مكة ص 167باختصار).
في المواساة والإيثار
ويتجلى أثر هذا الضمير الذي صنعه الإيمان بالله واليوم الآخر في مجال المواساة والإيثار بالمال والنفس. فكان الرجل يحب لأخيه ما يحب لنفسه. ويبذل له من ذات يده، ومن جهده ووقته ما يبذله لأعز بنيه عليه، وأحب أهليه إليه. وقد يرتقي الإيمان بأحدهم، فيؤثر أخاه على نفسه. فيجود له بالشيء، وهو أحوج ما يكون إليه، كل ذلك ولا قانون يلزمه، ولا حكومة تطالبه، ولا أجهزة تراقبه، ولا عقوبة تسلط عليه، وإنما هو دافع الإيمان بين جنبيه، يحفزه على عمل الخير، والتطوع بالبر، ابتغاء ما عند الله وما عنده خير وأبقى.
روى مالك في موطئه أنه بلغه عن عائشة رضي الله عنها أن مسكيناً سألها وهي صائمة، وليس في بيتها إلا رغيف، فأمرت جارية لها أن تعطيه الرغيف فقالت الجارية: ليس لك ما تفطرين عليه! فقالت: "أعطية إياه" ففعلت، وربما يظن بعض الناس أنها إنما آثرت بالرغيف لهوانه عليها، فليسمعوا هذه القصة التي رواها المؤرخون والمحدثون:
بعث معاوية بن أبي سفيان بثمانين ألف درهم إلى عائشة، وكانت صائمة، وعليها ثوب خلق، فوزعت هذا المال من ساعتها على الفقراء والمساكين ولم تبق منه شيئاً. فقالت لها خادمتها: يا أم المؤمنين ما استطعت أن تشتري لنا لحماً بدرهم تفطرين عليه؟ فقالت: يا بنية لو ذكرتيني لفعلت (رواه الحاكم في المستدرك)!.
إن الصائمة التي آثرت المسكين بالرغيف وليس في بيتها ما تفطر عليه غيره، آثرت بمئات الألوف من الدراهم دون أن تذكر بطنها الجائع، ولا ثوبها الخلق.
ومثل عائشة زينب بنت جحش أم المؤمنين، التي كانوا يلقبونها بِ «أم المساكين» حدثت برزة بنت باتع أنه لما خرج العطاء أرسل إليها عمر نصيبها منه، فلما دخل عليها حامل المال، قالت: غفر الله لعمر! غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا مني، فقالوا: هذا كله لك. قالت: سبحان الله. واستترت منه بثوب ثم قالت: صبوه واطرحوا عليه ثوباً.
قالت راوية القصة: ثم قالت لي: أدخلي يدك فاقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان وبني فلان، من أهل رحمها وأيتامها فقسمته حتى بقيت منه بقية تحت الثوب. فقالت لها برزة بنت باتع: غفر الله لك يا أم المؤمنين. والله لقد كان لنا في هذا حق، فقالت: فلكم ما تحت الثوب .. قالت: فكشفنا الثوب فوجدنا خمسة وثمانين درهماً (طبقات ابن سعد ج 3ص 201).
وأخذ عمر بن الخطاب أربعمائة دينار، فجعلها في صرة، ثم قال لغلامه: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تله (تشاغل) في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع. فذهب بها الغلام إليه .. فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفدها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره، فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إلى معاذ وتله (تشاغل) في البيت حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك. فقال: رحمه الله ووصله. تعالي يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة هي امرأة معاذ وقالت: نحن والله مساكين، فأعطنا، فلم يبق في الخرقة إلا ديناران فرمى بهما إليها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره: فسر بذلك فقال: انهم اخوة بعضهم من بعض (رواه الطبراني في الكبير)!!
وروى ابن سعد أن عبد الرحمن بن عوف باع لعثمان بن عفان أرضاً له بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك في الفقراء من أقاربه، وفي ذي الحاجة من الناس، وفي أمهات المؤمنين (طبقات ابن سعد ج 2 ص 12، 13).
وروى أن عيراً (قافلة تجارية) قدمت لعبد الرحمن، فكان لأهل المدينة يومئذ رجة، فقالت عائشة: ما هذا؟ قيل لها: هذه عير عبد الرحمن بن عوف قدمت، فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كأني بعبد الرحمن بن عوف على الصراط، يميل به مرة ويستقيم أخرى، حتى يفلت ولم يكده" .. فبلغ ذلك عبد الرحمن فقال: هي وما عليها صدقة، قال راوي القصة: وكان عليها أفضل منها، قال وهي يومئذ خمسمائة راحلة " بهذه السهولة جاد الرجل بكل هذا المال وكل هذه التجارة التي ارتجت لها المدينة وقال كلمته: هي وما عليها صدقة!
وروى البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال: كان أبو طلحة أكثر الأمصار بالمدينة مالاً من نخل. وكان أحب أمواله إليه بيرحاء (اسم حديقة له) وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) (آل عمران: 92) قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أن الله تبارك وتعالى يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وإن أحب أموالي إلى بيرحاء، وإنها صدقة. أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بخ بخ .. ذاك مال رابح! ذاك مال رابح".
وذكر الغزالي في الإحياء عن ابن عمر قال: أهدى إلي رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة فقال: فلان أحوج إليه مني، فبعث به إليه. فبعث به هو أيضاً إلى آخر يراه أحوج منه، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى رجع إلى الأول، بعد أن تداوله سبعة!
ولا يحسبن القارئ أن هذه كانت حوادث فردية، لا تصور حقيقة المجتمع كله، فإن أمثال هذه المواقف كثيرة جداً، هي تصور بحق روح المجتمع واتجاهه وفلسفته ونظرته إلى المال والحياة.
روى البخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر قال: "لقد أتى علينا زمان -أو قال حين- وما أحد أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم".
وحسبنا أن القران الكريم سجل للأنصار في المدينة -وهم جمهور المجتمع الإسلامي بها- هذه الصورة الراقية من صور الإخاء والمواساة والإيثار فقال: (والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) (الحشر: 9)
اعتراضات وشبهات
لقد تبين لنا -فيما سبق- أثر الدين والإيمان في تكوين الأخلاق الفاضلة وتربية الضمائر اليقظة. وضربنا لذلك أمثلة من نماذج بشرية صنعها الإيمان. فإذا هي فضائل متجسدة، تمشي على الأرض.
والأمر لا يحتاج إلى أمثلة، فأثر الدين في هداية الإنسان وصنع الحضارة أثر لا ينكر، وبحق ما قاله أحد المؤرخين: لا ريب أن الدين كان أعظم قوة في التاريخ هذبت توحش الإنسان.
وذهب بنيامين كيد Kad إلى أن جميع الحضارات قامت على أساس الجزاءات الأخروية التي قدمها الدين للأخلاق.
وربما أعترض بعض الناس على صلة الدين بالأخلاق بأن هناك بعض الملحدين يتقيدون بالفضيلة والخلق وهم لا يؤمنون بالدين، ويرد على ذلك "تارد" أنه يعتقد أن الحياة الشريفة عند بعض الملحدين ترجع إلى الأثر المستمر لتربيتهم الدينية، وهو ما سماه كارليل «النور اللاحق» للمسيحية -إذ هو يتحدث عن ملحدي الغرب من المسيحيين- وهذا هو الذي أشار إليه «رينان» حين كتب عبارته المشهورة: "إننا نعيش على ظل لظل -يقصد ظل الدين- فعلى أي شيء سيعيش الناس بعدنا؟" - كيف يتحكمون في شهواتهم ودوافعهم إلى الكذب والسرقة والقتل حين يختفي حتى هذا «النور اللاحق» للعقيدة على فراش الموت؟.
وقد كتب دستويفسكي أعظم قصصي في العالم، ليبين كيف أصبح الإنسان «متلبساً» بالشياطين حين هجر الله (من كتاب "مباهج الفلسفة" لول ديوارنت ج 2 ص 276).
وليس هذا ما يقرره المؤمنون بالدين فحسب، بل هذا ما يعترف به المنصفون من المتدينين والمنكرين على السواء.
فمن الملحدين من يرى الدين خرافة، ولكن الحياة لا تستقيم بدونه، ويرى الأخلاق لا غنى لها عن هذا الوهم في رأيه، ويقول آخر: "لو لم يكن الله موجوداً لوجب علينا أن نخترعه"، وذلك لما يرى من أثر الإيمان بهذا الإله في النفس وفي الحياة. ويقول الأديب الفرنسي الشهير «فولتير» ساخراً لم تشككون في الله ولولاه لخانتني زوجتي، وسرقني خادمي؟
ويقول ثالث: إني لا اعتقد في وجود جهنم، ولكن أعتقد أن الفكرة عنها قد باعدت بين كثير من الناس وبين ارتكاب الشر. والذي أراه أن الشاب حين يكتشف أن جهنم لا وجود لها فإنه لا يحفل بشيء، ووظيفة الأخلاق أن تمثل الكل في مقابل الجزء، والمستقبل في مقابل الحاضر، وهذا بالضبط ما يسعى الدين إلى عمله، الدين -كما يقول هوفدنج- "هو الاحتفاظ بالقيم، وبغير الجزاءات الدينية تصبح الأخلاق مجرد تقدير، فيختفي الإحساس بالواجب، ويقف كل شاب جميع ذكائه وعلمه على التحايل على الوصايا".
الخوف من الله واليوم الآخر وأثره في التربية
هذه بعض شهادات الملحدين في أثر الدين في الخلق والسلوك. ولكن قوماً مع هذا يشيعون أن طريقة الدين في التخويف من الله ومن الحساب في الآخرة تنافي تربية الشخصية الحرة النامية المستقلة!
ونقول لهؤلاء -فضلاً عما تقدم- إن تجريد التربية من عنصر الخوف تجريداً تاماً مطلقاً، إنما هو ادعاء مزعوم، وخيال موهوم، وإنكار لواقع الإنسان الذي خلقه الله يرجو ويخاف، ويأمل ويخشى، وإذا كان الخوف أمراً لابد منه فليكن من مالك الملك وخالق الخلق وصاحب الأمر كله، ولنغلق منافذ الخوف جميعها بحد ذاك، فلا خوف من مخلوق صغر أو كبر، إلا ما اقتضته الجبلة. وذلك في الحق هو منبع الشجاعة، ومصدر القوة، وهو شأن المؤمنين (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله) (الأحزاب: 39) (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) (المائدة:54) (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) (آل عمران: 175) (فلا تخشوا الناس واخشون، ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً) (المائدة: 44).
وفي الآثار: "من خاف الله خوف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء".
على أن خوف المؤمن من ربه إنما هو خوف من قاض عادل أن ينزل به العقوبة على جرمه، لا خوف من ملك غشوم يأخذ البريء بذنب المسيء. إنه أشبه بخوف الابن من غضبة أبيه عليه إذا انحرف عن سواء الطريق، وهو مع هذا خوف مشوب بالرجاء في عفو الله، والأمل في سعة رحمته. على سنة أولئك الذين وصفهم القرآن بقوله: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه) (الإسراء: 57) (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه) (الزمر: 9).
والقران يرشد دائماً إلى الحد الوسط بين الخوف والرجاء، فلا ينبغي أن ينتهي الخوف إلى اليأس من روح الله، كما لا ينبغي أن يصل به الرجاء إلى الأمن من مكر الله (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) (الأعراف: 99)، كما (لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) (يوسف: 87).
وصفات الله تعالى في القرآن من شأنها أن تؤدى إلى هذا التوازن في نفس المؤمن (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب) (غافر: 3). (اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم) (المائدة: 98) (نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم) (الحجر: 49، 50).
فكيف يعد مثل هذا الخوف منافياً للتربية المثالية، ومعوقاً لنمو الشخصية؟
الدكتور (هنري لنك) يرد على خصوم التربية الدينية
إننا نكل تفصيل الرد على هؤلاء المشنعين على الدين وطريقته في التربية، إلى الدكتور «هنري لنك» الطبيب النفسي الأمريكي، صاحب كتاب «العودة إلى الإيمان». إنه يخطئ النظريات التي أشاعتها بعض المدارس النفسية الحديثة، فيقول:
"إن تربية الأطفال لمن أشق الواجبات وأخطرها وأدقها، ومشاكلها شديدة التعقيد والعسر، وهي بعد ذلك ذات أوجه متناقضة عند حلها يكون معها الآباء في مسيس الحاجة إلى أية معونة خارجية، مهما بلغت درجة تواضعها وبساطتها.
وقد كان طبيعياً: بعد أن استغنى الآباء المستنيرون عن المعتقدات الدينية، وضربوا بها عرض الحائط، أن يولوا وجوههم شطر مصدر جديد من مصادر المعونة. فلم يجدوا أمامهم سوى علم النفس الخاص بالأطفال، ولكن علم نفس الأطفال لم يكن بعد، على استعداد لتقديم المعونة لهم، لآن الثقة بهذا العلم لم تكن قد تعدت الثقة النظرية حتى ذلك الوقت. وكان البرهان العلمي حينذاك في مهده صغيراً برغم تعدد نظرياته.
ومن هنا بدأ الآباء يعتنقون هذه النظريات التي كان أبرزها أن العقوبة البدنية ضارة من الوجهة النفسية. وأنه من الأفضل إقناع الطفل بعمل شيء ما، لا إرغامه بالقوة والعنف عليه، وأنه لا يجوز كبت الطفل بل على العكس يجب منحه الفرصة كي يعبر عن ذاته .. وأنه يجب منح الأطفال علاوة منتظمة حتى يمكنهم إدراك قيمة المال، وأن بعض الأطفال يولدون بطبيعتهم عصبيين أو ذوى حساسية مرهفة، وعليه فلا يجوز إرغامهم على أن يفعلوا، ويعملوا ما يفعله ويعمله غيرهم.
وللأسف، لم يظهر أي برهان علمي أو نفسي يؤيد هذه النظريات، بل بالعكس ثبت أن كل هذه النظريات خاطئة" («العودة إلى الإيمان» ص 113).
وهو إذ يهدم هذه الأفكار التي راجت باسم العلم يوماً ما، يرى ضرورة العودة إلى الدين، وأتباع منهجه في تربية الأطفال وتهذيب سلوكهم، وتقويم أخلاقهم فليس أصلح للطفل من أن تقول له: هذا حسن، لأن الله أمر به، وأنه يحبه ويرضاه ويثيب عليه بالجنة، وبأن هذا قبيح، لأن الله نهى عنه وأنه يبغضه ويسخطه، ويعاقب عليه بالنار.
ولهذا ينكر على الآباء الذين يتخلون عن هذه الطريقة المقنعة المقبولة إلى طرائق لم يثبت صحتها ولا نفعها فيقول (المرجع نفسه، ص 110):
"فقد سمعنا الكثيرين من الآباء يرددون: انهم لا يبعثون بأولادهم إلى الدروس الدينية أو إلى محلات العبادة، حتى يصلوا إلى السن التي يدركون عندها ما يجري. غير أن ما يضايقهم، ويقض مضجعهم هو هذا السؤال:
ترى هل يكتسب هؤلاء الأولاد ذلك الشعور القوي الذي يمكنهم به أن يميزوا بين الخطأ والصواب؟ هل يؤمنون بتلك المثل الخلقية الواضحة التي آمنا بها منذ طفولتنا؟
لقد قلنا فيما مضى أن بعض الأعمال خطأ والبعض الآخر صواب، لأن الله سبحانه وتعالى قد بين ذلك، أو لأن كتابه قد أورد ذلك بمعنى آخر. وقد تكون هذه الطريقة فطرية بدائية، غير أنه مما لا شك فيه أن تأثيرها كان طيباً فقد عرفنا على الأقل الكثير عن طيب الأفعال وخبيثها. أما الآن فإننا لا نقول لأولادنا إلا أن هذا التصرف خطأ، وأن ذاك صواب، لأننا نرى ذلك، أو لأن المجتمع قد اتفق على ذلك. فهل لهذا الود من القوة والبيان ما لسابقه؟ وهل له مثل أثره وهل يكتسب أطفالنا القيم الخلقية الأساسية للحياة دون الحاجة إلى ضغط العقائد الدينية، تلك القيم التي نتقبلها ونسلم بها حتى بعد أن أصبحنا لا نسلم بمصدرها الإلهي؟" («العودة إلى الإيمان» ص 110).
ويعود إلى ذلك حين يتحدث عن مقدار ما يسديه الدين من عون للآباء في تربية أبنائهم وتهذيبهم، وتكوين شخصياتهم الفاضلة فيقول (المرجع نفسه، ص 119):
"وبديهي أن الأطفال يختلفون، سواء بطبيعتهم أم بحسب وراثتهم، ولكن مهما كانت هذه الطبيعة أو الوراثة طيبة جيدة، فإنه لا يمكن غرس العادات الأساسية بغير «النظام» ولما كان استياء الطفل من النظام واتجاهه عكسياً، كلما حاولت إنماء العادات الطيبة فيه، أمراً لا مفر منه، كان من الواجب استخدام كل وسيلة ذات تأثير أو ذات صفة إرغامية، تساعد على الإسراع في اكتساب هذه العادات. والواقع أن معظم الآباء يكونون في أشد الحاجة إلى الاستعانة بنصائح غيرهم، في أثناء عملية غرس العادات المرغوبة في أطفالهم.
وإذا بحثنا من الناحيتين: العقلية والنفسية، وجدنا أن أعظم مصادر هذا العون هو الدين .. فالايمان بوجود الله ورسله وكتبه يهيئ للأبوين ملجأ أميناً موثوقاً به يلجئون إليه، ويضع بين أيديهم سلطة كبرى على أطفالهم كانوا يفتقرون إليها حتى لو لم يؤمنوا بها.
فإن هؤلاء الآباء الذين كانوا يتساءلون كيف ينمون عادات أولادهم الخلقية ويشكلونها، في حين تنقصهم هم أنفسهم تلك التأثيرات الدينية التي كانت قد شكلت أخلاقهم من قبل، كانوا في الحقيقة يجابهون مشكلة لا حل لها، فلم يوجد بعد ذلك البديل الكامل الذي يحل محل تلك القوة الهائلة التي يخلقها الإيمان بالخالق وبناموسه الخلقي الإلهي في قلوب الناس.
فتجد الآباء الذين تحرروا من الإيمان عن طريق ثقافتهم وأعمال فكرهم حيارى متسائلين على الدوام.
إذن كيف يتسنى لأولئك الحيارى أن يكونوا أنفسهم ملجأ لأولادهم؟
ففي حالة عدم وجود مثل هذا الملجأ الديني الموثوق به، لا يسع كل أب إلا أن يفكر ويمعن في التفكير: ويبحث ويطيل البحث قبل أن يبين لطفله مدى الخطأ والصواب، والخير والشر، في كل حالة من الحالات العديدة التي تصادفه يومياً، وفي كل عادة من العادات المختلفة مما يود غرسها في طفله.
وكلما كبر الطفل ونما، وكلما أصبح واقعاً تحت تأثير سلطات المجتمع المتضاربة المقاصد، المختلفة الميول والاتجاهات -كالمدرسة والجيران وزملائه وبلدته- زاد الأمر صعوبة، وأصبح أشد تعقداً، فالتربية واجب شاق. كما أن هذا الارتباك الكائن في عقول معظم الآباء هذه الأيام خير شاهد على صدق هذه الحقيقة.
فالدين هو القوة الوحيدة! التي يمكنها أن تعين الإنسان على حل تلك المشكلات الخلقية والعقلية التي لا مفر منها، والتي لا تفتأ تقض مضاجع الآباء والأبناء والمجتمع كله. ولن تجد في هذا العالم المضطرب، الذي لا تمضي فيه فترة حتى يثور الناس عنى السلطة القائمة محاولين تغييرها، غير الله وحده هو الحي الباقي الذي لا يتغير ولا يتبدل.
فذلك الطفل الذي اعتنق منذ طفولته المبكرة فكرة وجود الله بصفته المشرع الأعلى للخير والشرº يكون قد اكتسب الحافز الجوهري الذي سيدفعه حثيثاً نحو العادات الطيبة. فبدلاً من أن يقوم صرح أعماله على ما يحبه وما لا يحبه نراه يقوم على الصواب والخطأ. فهو قد يرى عدم إطاعة أمه يوماً ما، ولكنه يدرك جيداً أنه قد أخطأ، وهو قد لا يحب أن يعيد لأمه ما تبقى معه من نقود بعد أن اشترى لها مطالبها، ولكنه يعلم تماماً أن ذلك ليس بصواب، وهو قد لا يحب أيضاً أن يتنازل عن أنانيته مع زملائه في اللعب، لكنه يرغم نفسه على أن يفعل ذلك.
وطبيعي أن مثل هذه الطريقة ليست من السهولة أو البساطة بمكان، ولكنها سرعان ما تنمي فيهم عادة التمييز بين الدوافع الأنانية والشخصية، وبين العادات الطيبة، أو الاختصار بين اللذة وبين الشعور بالواجب.
فمما لا شك فيه أن تغلب المرء على كسله وبلادته، وقهره لدوافعه الطبيعية الكامنة فيه، هو الطريقة الصحيحة لاكتسابه العادات اللازمة للشخصية الناجحة فبقدر ما يفرضه الدين على الطفل من هذه الصفات الطيبة التي ينبغي له تعلمها يمضي الطفل حثيثاً إلى اكتساب صفات الشخصية الفاضلة" (المرجع السابق ص 119 وما بعدها).
ويؤكد الدكتور «لنك» أن الدروس الدينية، والتردد على بيوت العبادة لها في نفس الصبي أعمق الأثر، وأطيب الثمرات، كما أثبتت ذلك التجارب والمقارنة بين الأطفال بعضهم وبعض. وفي ذلك يقول («العودة إلى الإيمان» ص 122):
"ومهما بلغت المساوئ، التي نلمسها في أماكن العبادة، والاستماع إلى العظات الدينية، فإن هذه البيوت تساعدنا على غرس الأسس السليمة للخطأ والصواب، والأعمال الأنانية وغير الأنانية في نفوس الأطفال. كما أنها تساعد على غرس الإيمان بالله والاعتقاد في ناموسه الخلقي الإلهي كمصدر لتلك الأسس. ولذا فهي ذات فائدة عظمى للآباء والمجتمع، كي يبثوا الأسس الضرورية لتكوين الخلق القويم والشخصية الناجحة. وبناء على ذلك، ليس من المستغرب أن يدلنا الاختبار السابق الذكر على أن الطفل الذي يستمع إلى الدروس الدينية يتمتع بصفات شخصية أفضل ممن لا يحضرها، وأن الطفل الذي يذهب والداه إلى المعبد ذو شخصية أحسن من الطفل الذي لا يذهب والداه إليه.
وقد اتضح لي بعد دراسة كاملة لعشرة آلاف شخص، أن أولئك الذين يواظبون على الذهاب إلى دور العبادة، كانوا ذوى صفات شخصية أفضل ممن لا يذهبون".
ولا يقتصر على ذلك، بل يلح على التبكير بإعطاء هذه الدروس للأطفال وأعوادهم غضة، ولو لم يفهموا كل ما يقال لهم، ويرى من الخطأ والخطر تأخير هذه الدروس الدينية إلى السن التي يفهمون فيها.
يقول: "إن الوقت الأمثل لتعليم الطفل كيف يخضع دوافعه لقيم عليا، هو السن التي يستطيع فيها أن يتقبل ما يقال له دون أن يفهمه.
فإذا استقر رأي الآباء على عدم إرسال أولادهم إلى الدروس الدينية، حتى يبلغوا السن التي يفهمون عندها ما يستمعون إليه، فهم في الحقيقة يتبعون مبدأ هاماً، لأن الوقت يكون قد فات لإصلاح ما فسد إذا بلغ الطفل السن التي يفهم بها كل ما حوله، فانه حينئذ يكون قد أضاع من عمره سنين ثمينة" (المرجع نفسه ص 130).
ويختتم حديثه عن التربية والتعليم بهذه الأسطر الناصعة:
"إن ميدان التعليم لفي مسيس الحاجة إلى جمع القيم والحقائق الأساسية التي تبحث في الطبيعة البشرية وتصنيفها، حتى يمكن المحافظة على تلك التقاليد النبيلة التي اكتسبها الجنس البشرى، ووضعها في المكان اللائق بها، وحتى يمكن إخضاع الغطرسة الفكرية لنظام الحياة غير الأنانية. ولن تجد ما يجمع بين تلك القيم الماضية القديمة والمثل الحاضرة الحديثة غير الدين" (المرجع السابق، ص 181).
خرافة "الضمير بلا إيمان"
ويزعم بعض الناس أنه يمكن الاستغناء عن الدين والإيمان بِ "الضمير" واتخاذه أساساً ومقياساً للأخلاق بدل الدين.
وهذا ما حاوله الغربيون حينما أرادوا أن يتحرروا من سلطان الكنيسة ورجال كهنوتها وتدخلهم فيما ليس من شأنهم من أمور العلم المتغير والحياة المتجددة، ووقوفهم مع الأباطرة والأمراء الظلمة الجائرين. لقد ثاروا على كل ما يتصل بالكنيسة. حتى عقائدها وأخلاقها.
ورأى القائمون على الثورة العلمانية الجديدة أن يستعيضوا عن الدين بوحي "الضمير" وأن يتخذوا وحي الضمير الأساس الذي لا يخطئ، والمقياس الذي لا ريب فيه، بالنسبة للأخلاق.
ولم ينته الأمر عند هذا الحد، فقد بدأ القوم يتراجعون عن تطرفهم شيئا فشيئاً.
يقول أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود في كتابه «الإسلام والعقل»:
"وحينما هدأت الأمور في الغرب، وعادت الحياة إلى مجراها الطبيعي، بعد الصراع العنيف، بين الكنيسة والثوار، الذي دام فترة طويلة من الزمن أخذ العلماء يراجعون أنفسهم. ويدرسون في هدوء ودعة المبادئ، التي قامت عليها الثورة المنتصرة، والأهداف التي حددت، والغايات التي رسمت، والقواعد التي خططت. ثم هذبوا في كل ذلك وغيروا وبدلوا. وكان مما راجعوا أنفسهم فيه: مسألة "الضمير".
ولما استعرضوا التاريخ والوقائع والمشاهدات، يستنيرون بها في أمر الضمير، رأوا كما قال الأستاذ أندريه كريسون: "أن الناس في كل العصور، وفي جميع الأقطار، يستشيرون ضمائرهم، ولكنها لا تسمعهم جميعاً لحناً واحداً إذ أن ما يظهر عدلاً وخيراً لبعض النفوس المخلصة في عصر خاص، لا يظهر عدلاً ولا خيراً لنفوس أخرى، هي أيضا مخلصة، ولكنها عاشت في عصر آخر أو مكان آخر" («المشكلة الأخلاقية والفلاسفة» للكاتب الفرنسي أندريه كريسون، ص 22 - 25، ط ثانية) أما إذا أردنا، أمثلة على ذلك، فإننا سنجدها كثيرة، عندما نوازن بين أحوال الضمير خلال مختلف العصور.
ويضرب لنا الأستاذ -أندريه كريسون- الأمثلة الكثيرة:
"ففي العصور القديمة اليونانية، اللاتينية كان نظام الرق مشروعاً: إن أشرف القلوب، إذ ذاك كانت تجد من الطبيعي أن يباع الرجال والنساء والأطفال، وأن يعاملوا معاملة السوائم.
وكانت القوانين الرومانية القديمة، تجعل من المرأة والأطفال ملكاً للزوج، كما لو كانوا أمتعة وأنعاماً: لهذا كان للأب، من بين الحقوق الأخرى، الحق في أن يعرض ابنته المولودة حديثاً، في السوق العام، إذا كانت له بنت أخرى. ولسنا بحاجة إلى أن نذهب بعيداً. فهاهم أولاء أسلافنا. كانوا يرون شرعية تطبيق العقوبة على مجرد ظن الجريمة، وكانوا بلا أدنى قلق يشاهدون الفرد مشنوقاً من أجل اختلاس تافه".
ولكننا عندما نوازن بين أحوال الضمير في العصر الواحد في أقطار مختلفة، فإننا نجد أيضاً فروقاً لا تكاد تحصى ولا تعد.
على أن الدلالة العميقة، إنما هي مظاهر اختلاف الضمير في البيئة الواحدة وفي الجماعة الواحدة، المتحضرة المتمدنة.
وبعد أن أورد الدكتور أمثلة شتى مما ساقه العالم الفرنسي الكبير «أندريه كريسون» قال:
هذه الأمثلة، إنما هي قطرة من بحر، مما يمكن أن يبرهن به على اختلاف الضمير، بحسب اختلاف الزمن أو اختلاف الثقافات في البيئة الواحدة. وهناك أمثلة لا تحصى إذا قارنا ضمائر العرب في العصر الجاهلي بضمائرهم في العصر الإسلامي، أو ضمائر الوثنيين في مكة بضمائر المسلمين فيها عند نشأة الإسلام ... الخ. والنتيجة لكل هذه المقارنات هي: أن اتخاذ الضمير كأساس للأخلاق أو كمقياس لها، إنما هو مجرد حماقة وعبث.
ومن الشبه التي جعلت الناس يؤمنون، بمنزلة كبرى للضمير، ويرفعونه! أنه قد شاع بين بعض الطوائف، أن الضمير قوة فطرية معصومة بطبيعتها، ولكن هذه الدراسة السابقة تؤدي بنا لا محالة إلى أن الضمير قوة فطرية حقاً، ولكنها قوة غير معصومة، لأنها تربى وتكتسب فيما يتعلق باللون الذي تتخذه.
وهي وإن كانت قوة فطرية إلا أنها تتلون بحسب ما تتغذى به من ثقافة ومن وراثة، وهي تختلف في الفرد الواحد بحسب اختلاف سنه، وبحسب تنقله من بيئة إلى بيئة، وبحسب الكتب التي تمده بالثقافة العقلية، أو التهذيب الروحي، وبحسب اختلاف الأصدقاء، الذين يلازمهم الإنسان في حياته الواحد تلو الآخر.
والضمير إذن متأرجح متقلب، لا يستقر له قرار، لأنه حتى لو مكث على حالة واحدة تجاه مسألة معينة فإنه في هذه الحالة النادرة يتأرجح أيضاً قوة وضعفاً، واتزاناً وإسرافاً.
والوضع الصحيح إذن -بالنسبة لأساس الأخلاق-: أن نلجأ إلى الدين، نستمد منه الهداية والإرشاد، فإنه وحده المعصوم.
والدين الإسلامي أتى في الجانب الأخلاقي بكل ما تتطلبه النفوس المرهفة، والأفئدة المتعطشة للاستقامة. لقد أقر بذلك كبار الفلاسفة الإسلاميين "كابن سينا" وغيره.
لقد رأى ابن سينا، أن الدين الإسلامي، أتى بأكمل نظام أخلاقي تشريعي بالنسبة للمجتمع، وبالنسبة للأسرة، وبالنسبة للفرد، وتحدث ابن سينا عن ذلك غير مرة في مختلف كتبه.
أما صلة الدين بالضمير، فإنها صلة هيمنة وتوجيه وإرشاد وسيطرة. إنها صلة هيمنة. تستمر مدى الحياة وإذا مازالت هذه الهيمنة في أي فترة من فترات الحياة، فإن الضمير يختل اتزانه وتوازنه، ويتأرجح ويتذبذب، لأنه يحتاج باستمرار إلى القائد المربي، وليس القائد المربي إلا الدين." أ هِ.