الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإيمان والحياة
المؤلف: يوسف القرضاوي
التصنيف: أسرة
 

الباب الثالث : الإيمان في حياة المجتمع

الفصل الثالث - القوة

حاجة الفرد والمجتمع إلى القوة النفسية

للإنسان في الحياة آمال عريضة، وأهداف قريبة وبعيدة، ولكن الطريق إليها شائك وطويل، والعقبات متنوعة، والمعوقات كثيرة، بعضها من الطبيعة وسنن الله فيها، وبعضها من البشر أنفسهم، فلا غرو أن يظل الإنسان في جهاد دائب، وعمل متواصل، ليتغلب على الآلام والمعوقات ويحقق الأهداف والآمال.

وما أشد حاجة الإنسان إلى قوة تسند ظهره، وتشد أزره، وتأخذ بيده، وتذلل له العقبات، وتقهر أمامه الصعاب، وتنير له الطريق..
وليست هذه القوة المنشودة إلا في ظلال العقيدة، ورحاب الإيمان بالله.

الإيمان بالله هو الذي يمدنا بروح القوة، وقوة الروح، فالمؤمن لا يرجو إلا فضل الله، ولا يخشى إلا عذاب الله، ولا يبالي بشيء في جنب الله. إنه قوي وإن لم يكن في يديه سلاح، غني وإن لم تمج خزائنه بالفضة والذهب، عزيز وإن لم يكن وراءه عشيرة وأتباع، راسخ وإن اضطربت سفينة الحياة، وأحاط بها الموج من كل مكان.

فهو بإيمانه أقوى من البحر والموج والرياح، وفي الحديث "لو عرفتم الله حق معرفته لزالت بدعائكم الجبال".

وهذه القوة في الفرد مصدر لقوة المجتمع كله، وما أسعد المجتمع بالأقوياء الراسخين من أبنائه، وما أشقاه بالضعفاء المهازيل، الذين لا ينصرون صديقاً، ولا يخيفون عدواً، ولا تقوم بهم نهضة، أو ترتفع بهم راية.

مصادر القوة عند المؤمن

الإيمان بالله

المؤمن قوي، لأنه يستمد قوته من الله العلي الكبير، الذي يؤمن به، ويتوكل عليه، ويعتقد أنه معه حيث كان، وأنه ناصر المؤمنين، وخاذل المبطلين، (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) (الأنفال: 49) عزيز لا يذل من توكل عليه، حكيم لا يضيع من اعتصم بحكمته وتدبيره.
(إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (آل عمران: 160).
والتوكل على الله -وهو من ثمار الإيمان- ليس استسلام متبطل، أو استرخاء كسول. إنه معنى حافز، وشحنة نفسية، تغمر المؤمن بقوة المقاومة، وتملؤه بروح التحدي والإصرار، وتشحذ فيه العزم الصارم، والإرادة الشماء، والقرآن يقص علينا كثيراً آثار هذا التوكل في أنفس رسل الله، إزاء أعداء الله.

فهذا نبي الله هود في صراعه مع قومه «عاد» يجد من هذا التوكل حصناً حصيناً يلجأ إليه (قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله وأشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم) (هود: 53 - 56).

وهذا شعيب وقومه يساومون ويهددون (قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا، قال أو لو كنا كارهين * قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها، وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا، وسع ربنا كل شيء علماً، على الله توكلنا) (الأعراف: 88، 89).

وهذا موسى بعد أن تميز بقومه عن معسكر الفراعنة يقول لهم: (يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين * فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين * ونجنا برحمتك من القوم الكافرين) (يونس: 84 - 86).

وها هم الرسل جميعاً يعتصمون بالتوكل على الله أمام عناد أقوامهم وإيذائهم (وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا، ولنصبرن على ما آذيتمونا، وعلى الله فليتوكل المتوكلون) (إبراهيم: 12)

الإيمان بالحق

يستمد المؤمن قوته من الحق الذي يعتنقه، فهو لا يعمل لشهوة عارضة، ولا لنزوة طارئة ولا لمنفعة شخصية، ولا لعصبية جاهلية، ولا للبغي على أحد من البشر، ولكنه يعمل للحق الذي قامت عليه السموات والأرض، والحق أحق أن ينتصر، والباطل أولى أن يندثر (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) (الأنبياء: 18) (وقل جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً) (الإسراء: 81).

دخل ربعي بن عامر- مبعوث سعد بن أبي وقاص في حرب القادسية- على رستم قائد جيوش الفرس، وحوله الأتباع والجنود، والفضة والذهب. فلم يبال بشيء منها، ودخل عليهم بفرسه القصيرة، وترسه الغليظة، وثيابه الخشنة، فقال له رستم: من أنت ... وما أنتم؟
فقال له: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
المؤمن بإيمانه بالله وبالحق على أرض صلبة غير خائر ولا مضطرب، لأنه يعتصم بالعروة الوثقى ويأوي إلي ركن شديد: (فمن يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها) (البقرة: 256).

فليس هو مخلوقاً ضائعاً، ولا كماً مهملاً، إنه خليفة الله في الأرض، إن تظاهر عليه أهل الباطل، فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين، والملائكة بعد ذلك ظهير. فكيف يضعف المؤمن أمام البشر ومن ورائه الملائكة؟ بل كيف ينحني للخلق ومعه الخالق؟ (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء) (آل عمران: 173، 174).

هذا الإيمان هو الذي جعل بضعة شبان كأهل الكهف، يواجهون بعقيدتهم ملكاً جباراً، وقوماً شديدي التعصب، غلاظ القلوب، مع قلة العدد، وانعدام الحول والطول المادي (نحن نقص عليك نبأهم بالحق، إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلهاً، لقد قلنا إذن شططاً * هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة، لولا يأتون عليهم بسلطان بيّöن، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً) (الكهف: 13 - 15).

الإيمان بالخلود

ويستمد المؤمن قوته من الخلود الذي يوقن به، فحياته ليست هذه الأيام المعدودة في الأماكن المحدودة، إنها حياة الأبد، وإنما ينتقل من دار إلى دار.

وما الموت إلا رحلة غير أنها

من المنزل الفاني إلى المنزل الباقي

هذا عمير بن الحمام الأنصاري في غزوة بدر يسمع النبي يقول لأصحابه "والذي نفسي بيده ما من رجل يقاتلهم اليوم -المشركين- فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة" فيقول عمير: بخ بخ -كلمة تعجب- فيقول: مم تبخبخ يا ابن الحمام؟ فيقول: أليس بيني وبين الجنة إلا أن أتقدم فأقاتل هؤلاء فأقتل؟ فيقول الرسول: بلى، وكان في يد عمير تمرات يأكل منها فقال: أأعيش حتى أكل هذه التمرات؟ إنها لحياة طويلة! وألقى التمرات من يده وأقبل يقاتل ويقول:

ركِِضاً إلى الله بغير زاد

إلا التقى وعمل المعاد

والصبر في الله على الجهاد

وكل زاد عرضة للنفاد

 

غير التقى والصبر والرشاد

وهذا أنس بن النضر يقاتل قتال الأبطال في أحد، ويلقاه سعد بن معاذ فيقول له: يا سعد، الجنة ورب النضر: أجد ريحها من وراء أحد!!

الإيمان بالقدر

ويستمد المؤمن قوته من القدر الذي يؤمن به، فهو يعلم أن ما أصابه من مصيبة فبإذن الله، وأن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن ينفعوه بشيء لم ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، ولو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لم يضروه إلا بشيء قد كتبه الله عليه، (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (التوبة: 51).

المؤمن يعتقد أن رزقه مقسوم، وأجله محدود، لا يستطيع أحد أن يحول بينه وبين ما قسم الله له من رزق، ولا أن ينتقص ما كتب الله له من أجل، وهذه العقيدة تعطيه ثقة لا حدود لها، وقوة لا تقهرها قوة بشر. وقد كان الرجل يذهب إلى الميدان مجاهداً في سبيل الله فيعترض سبيله المثبطون، ويخوفونه من ترك أولاده. فيقول: علينا أن نطيعه تعالى كما أمرنا، وعليه أن يرزقنا كما وعدنا.

وكان المعوقون والمخذلون يذهبون إلى المرأة فيثيرون مخاوفها على رزقها ورزق عيالها إذا ذهب زوجها إلى الجهاد، فتجيبهم في ثقة واطمئنان: زوجي عرفته أكَّالاً ولم أعرفه رزَّاقاً، فإن ذهب الأكَّال فقد بقي الرزَّاق!!

وكان علي بن أبي طالب يخوض المعامع وهو يقول:

أي يومي من الموت أفر؟

يوم لا يقدر أو يوم قدر؟

يوم لا يقدر لا أحذره

ومن المقدور لا ينجي الحذر

قال السيد جمال الدين الأفغاني: "الاعتقاد بالقضاء والقدر -إذا تجرد عن شناعة الجبر- يتبعه صفة الجرأة والإقدام، وخلق الشجاعة والبسالة يبعث على اقتحام المهالك التي ترجف لها قلوب الأسود، وتنشق منها مرائر النمور، هذا الاعتقاد يطبع الأنفس على الثبات، واحتمال المكاره، ومقارعة الأهوال، ويحليها بحلل الجود والسخاء، ويدعوها إلى الخروج عن كل ما يعز عليها، بل يحملها على بذل الأرواح، والتخلي عن نضرة الحياة .. كل هذا في سبيل الحق الذي قد دعاها للاعتقاد بهذه العقيدة.

الذي يعتقد بأن الأجل محدود: والرزق مكفول، والأشياء بيد الله، يصرفها كيف يشاء، كيف يرهب الموت في الدفاع عن حقه، وإعلاء كلمة أمته أو ملته، والقيام بما فرض الله عليه من ذلك؟

اندفع المسلمون في أول نشأتهم إلى الممالك والأقطار يفتحونها ويتسلطون عليها، فأدهشوا العقول، وحيروا الألباب بما دوخوا الأمم، وقهروا الدول، وامتدت سلطتهم من جبال بيرينية -الفاصلة بين أسبانيا وفرنسا- إلى جدار الصين، مع قلة عدتهم وعددهم، وعدم اعتيادهم على الأهوية المختلفة، وطبائع الأقطار المتنوعة. أرغموا الملوك، وأذلوا القياصرة والأكاسرة، في مدة لا تتجاوز ثمانين سنة، إن هذا ليعد من خوارق العادات وعظائم المعجزات.

دمروا بلاداً ودكوا أطواداً، ورفعوا فوق الأرض أرضاً ثانية من القسط، وطبقة أخرى من النفع، وسحقوا رؤوس الجبال تحت حوافر جيادهم، وأقاموا بدلها جبالاً وتلالاً من رؤوس النابذين لسلطانهم، وأرجفوا كل قلب، وأرعدوا كل فريصة، وما كان قائدهم وسائقهم إلى جميع هذا إلا الاعتقاد بالقضاء والقدر.

هذا الاعتقاد هو الذي ثبتت به أقدام بعض الأعداد القليلة منهم أمام جيوش يغص بها الفضاء ويضيق بها بسيط الغبراء، فكشفوهم عن مواقعهم، وردوهم على أعقابهم" (العروة الوثقى - نشر دار العرب للبستاني ص 53).

الإيمان بالأخوة

ويستمد المؤمن قوته من إخوانه المؤمنين، فهو يشعر بأنهم له وهو لهم. يعينونه إذا شهد، ويحفظونه إذا غاب، ويواسونه عند الشدة، ويؤنسونه عند الوحشة، ويأخذون بيده إذا عثر، ويسندونه إذا خارت قواه، فهو حين يعمل يحس بمشاركتهم، وحين يجاهد يضرب بقوتهم، إذا حارب جيشاً من ألف مؤمن شعر كل فرد منهم أنه يقاتل بقوة ألف لا بشخصه وحده، وشعر أن هؤلاء الألف يعيشون في نفسه -كما يعيش هو في أنفسهم- حباً لهم، وحرصاً عليهم، وضناً بهم، فإذا ضربت الألف في الألف كان المجموع المعنوي ألف ألف رجل في الحقيقة وان كانوا ألفاً واحدة في لغة الإحصاء والتعداد (وقد شبَّه النبي قوة المؤمن بإخوانه المؤمنين باللبنة في البناء المتين، فقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" اللبنة وحدها ضعيفة مقدور عليها، ولكنها داخل البنيان أصبحت مرتبطة به ارتباطاً لا ينفصل، أصبحت جزءاً من (الكل) الكبير، لا يسهل كسرها، أو زحزحتها عن موضعها فإن قوتها هي قوة البنيان كله الذي يشدها إليه).

حدثوا أن جيشاً من المسلمين كان بينه وبين عدوه نهر فأمرهم القائد أن يخوضوه، ولبوا الأمر، وخاضوا النهر، والعدو يشهدهم من بعيد دهشاً مرتاعاً .. وفي وسط النهر شهدهم العدو يغوصون في جوف الماء مرة واحدة كأنما غرقوا، ثم ظهروا فجأة .. فسأل العدو ما شأنهم؟ فعرفوا أن رجلاً منهم سقط منه قعبه -إناؤه- فصاح: قعبي .. قعبي .. فغاصوا جميعاً يبحثون عن قعب أخيهم .. فقال الأعداء في ذهول: إذا كانوا يصنعون مثل هذا في قعب سقط من أحدهم. فماذا يصنعون إذا قتلنا بعضاً منهم؟؟ وفت ذلك في عضدهم، وكانت العاقبة التسليم للمؤمنين.

على قدر الإيمان تكون القوة

إن إيمان المسلم بالله الذي لا يغلب، وبالحق الذي لا يخذل، وبالخلود الذي لا ينقطع، وبالقدر الذي لا يتحول، وبالأخوة الصادقة التي لا تهن - مصادر فياضة بالقوة المعنوية التي لا يقاس إليها قوة المادة أو السلاح.

وعلى قدر نصيب المرء من الإيمان يكون نصيبه من تلك القوة، نرى ذلك بارزاً في أرجح المؤمنين ميزاناً بعد رسول الله، فقد تمثلت قوته في مواقف جعلت عمر الجبار الشديد يقول: "والله لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة لرجح ... ".

موقفه يوم توفي الرسول فذهل المسلمون، وأخرجتهم الفجيعة عن وعيهم، حتى روي أن عمر قال: من قال أن محمداً مات ضربت عنقه بسيفي هذا! هنالك وقف أبو بكر يؤذن في الناس بصوت جهير: "من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ..."، (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً) (آل عمران: 144) وموقفه بعد ذلك يوم تردد المسلمون في إنفاذ جيش أسامة الذي جهزه النبي إلى الشام قبل مرض موته، فقد طلبوا من أبي بكر أن يوقف مسير هذا الجيش، فإن الغد مليء بالطوارئ والاحتمالات، ولا يدرى أحد ماذا يفعل العرب في القبائل والقرى إذا علموا أن النبي قد مات .. ولكن أبا بكر أجابهم في حزم عازم وقال: "والذي نفس أبي بكر بيده ... لو ظننت أن السباع تختطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته".

وموقفه في حرب المرتدين ومانعي الزكاة في الوقت الذي برزت فيه قرون العصبية الجاهلية كأنها قرون الشياطين، وكان المسلمون -بعد موت رسولهم- كالغنم في الليلة المطيرة، كما وصفتهم عائشة- وحتى قال بعض المسلمين لأبى بكر: يا خليفة رسول الله، لا طاقة لك بحرب العرب جميعاً .. الزم بيتك، وأغلق بابك، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين .. ولكن هذا الرجل الخاشع البكاء، الرقيق كالنسيم، اللين كالحرير، الرحيم كقلب الأم، ينقلب في لحظات إلى رجل ثائر كالبحر، زائر كالليث، يصيح في وجه عمر: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام يا ابن الخطاب؟ لقد تم الوحي واكتمل .. أفينقص وأنا حي؟ والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله لقاتلتهم عليه، ما استمسك السيف بيدي!! .

من ثمار هذه القوة في نفس المؤمن وأخلاقه

(أ)      التزام الحق مع القريب والبعيد

ومن ثمار هذه القوة النفسية ومظاهرها في المؤمن، الصدق في كل حال، والعدل في كل حين، فهو معترف بالخطأ إذا زلت به قدمه غير جاحد ولا مكابر. ولا مبرر لخطئه بخطأ آخر، أو بإلقاء التهمة على غيره، وهو يقول الحق ولو كان مراً، ويقوم لله شهيداً بالقسط ولو على نفسه أو الوالدين والأقربين، ويعدل مع العدو عدله مع الصديق، لا يعرف التحيز، ولا يعرف المحاباة.

أقام عمر بن الخطاب الحد على أحد أبنائه حتى قالوا: إنه مات في يديه. وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى خيبر، ليقوم بتقدير ثمر النخل فيها، إذ كان لهم نصفها، وللمسلمين نصفها، وقام عبد الله بالمهمة فقال: في هذه كذا، وفي هذه كذا، فجمع اليهود له حلياً من حلى نسائهم وقالوا له: هذا لك، وخفف عنا في القسمة وتجاوز فقال: يا معشر اليهود .. والله والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي. وما ذاك بحاملي أن أحيف عليكم. أما الذي عرضتم له من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها. فلم يملك اليهود إلا أن قالوا: بهذا قامت السموات والأرض.
وبلغ عمر بن عبد العزيز أن ابناً له اشترى خاتماً فصه بألف درهم، فبعث إليه يقول: أما بعد .. فقد بلغني أنك اشتريت خاتماً فصه بألف درهم، فإذا بلغك كتابي هذا فبعه وأطعم بثمنه ألف جائع! واشتر خاتماً فصه من حديد .. واكتب عليه: رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه..

(ب)  الاستهانة بالقوى المادية

ومن مظاهر هذه القوة شجاعته في مواطن البأس وثباته في موضع الشدة، لا تتزلزل له قدم، ولا يتزعزع له ركن، لا يخشى الناس قلوا أو كثروا، ولا يبالي بالأعداء وإن أرغوا وأزبدوا، انسدت أبواب الخوف كلها في نفسه، فلم يعد يخاف إلا من ذنبه، ومن سخط ربه.
إذا قيل له: إن أعداءك أكثر عدداً تلا قول الله: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) (البقرة: 249).

وإذا قيل: إنهم أكثر مالاً .. قرأ عليهم (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يُغلَبون) (الأنفال: 36).

وإذا حذروه من مكرهم وكيدهم أجابهم بما قال الله (ومكروا ومكر الله، والله خير الماكرين) (آل عمران: 54).

وإذا قيل إنهم أمنع حصوناً .. قرأ عليهم (وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) (الحشر: 2).
إنه يسير بمعونة الله، وينظر بنور الله، ويقاتل بسيف الله، ويرمي بقوة الله، (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) (الأنفال: 17).

إن المؤمن لا يستعبده منطق المادة، ولا لغة الأرقام، ولذا يقدم من ألوان التضحيات وضروب البذل والفداء ما يعتبره بعض الناس تهوراً بل جنوناً.
روى ابن الأثير في تاريخه أن المسلمين في أثناء فتحهم لديار فارس حال نهر دجلة بينهم وبين «المدائن» وكانت السنة كثيرة المدود، ودجلة تقذف بالزبد، فجمع سعد بن أبي وقاص الناس، فحمد اله وأثنى عليه وقال: "ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم" فقالوا جميعاً: "عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل".

فهب الناس إلى العبور، وأذن لهم في الاقتحام وقال: قولوا نستعين. بالله، ونتوكل عليه. حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصرن الله وليه، ليظهرن دينه، وليهزمن عدوه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وتلاحق الناس في دجلة، وهم يتحدثون كما يتحدثون في البر، وطبقوا دجلة حتى ما يرى من الشاطئ شيء.

ولقد كان الكافرون والمنافقون ينظرون إلى هذه الروح العالية التي يبديها المسلمون، فينازلون العدد الكثير وهم قليل، ويتحدون السلاح والاستعداد، والقوى غير متكافئة، بل غير متقاربة، فيظنون هذا غروراً، وما هو بالغرور، وإنما هي قوة الإيمان بالله والتوكل عليه (إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غَرَّ هؤلاء دينهم، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم) (الأنفال: 49).

(ج) الإخلاص في القول والعمل

ومن مظاهر هذه القوة .. إخلاصه القول والعمل والنية لوجه ربه، فتراه يعمل الخير، ويحارب الشر، وإن لم يكن له فيه نفع مادي، ولا هوى شخصي، لا يهمه الشهرة ولا المحمدة ولا رضا الناس، بل يؤثر الخفاء على الشهرة، وعمل السر على عمل العلانية، تجنباً للرياء، وبعداً بالنفس عن مزالق الشرك الخفي، متمنياً أن يكون ممن يحبهم الله، من الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا، محاولاً أن يكون كالجذع من الشجرة يمدها بالغذاء وهو في باطن الأرض لا تراه العيون، وكالأساس من البنيان، يختفي في الأعماق وهو الذي يمسك البناء أن يزول.

وفي بعض الآثار تصوير لطيف للقوة الروحية للإنسان حين يتجرد للحق، ويخلص له، تصوير يجعله أثقل في ميزان الحق من الأرض والجبال، والحديد النار والماء ... يقول الأثر:

(لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتتكفأ، فأرساها بالجبال فاستقرت فتعجب الملائكة من شدة الجبال فقالت: يا ربنا، هل خلقت خلقاً أشد من الجبال؟ قال: نعم … الحديد … قالوا: فهل خلقت خلقاً أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار … قالوا: فهل خلقت خلقاً أشد من النار؟ قال: نعم، الماء ... قالوا: فهل خلقت خلقاً أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح قالوا: فهل خلقت خلقاً أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم ... إذا تصدق صدقة بيمينه فأخفاها من شماله).

الإنسان إذا أخلص لربه أشد قوة من الجبال المرساة في الأرض كالأوتاد، ومن الحديد القوي الذي يقطع الجبال، وتنحت به الصخور، ومن النار المتأججة التي تذيب الحديد، ومن الماء المتدفق الذي يطفئ النار، ومن الريح العاصف الذي يسوق المياه.

ومن مظاهر هذه القوة عند المؤمن وضوح خطته، واستقامة طريقته، وثباته عليها، لا يفريه وعد، ولا يثنيه وعيد، ولا ينحرف به طمع متسلط، أو هوى جائر، أو شهوة طاغية، فهو دائماً داع إلى الخير، ثائر على الشرº آمر بالمعروف، ناه عن المنكر، هاد إلى الحق والعدل، مقاوم للباطل والظلم، يغير المنكر بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.

(د) التحرر من الخوف والحرص

ومن ثمار هذه القوة التحرر من الخوف والحرص.

فلقد رأينا الناس لا يضعف نفوسهم شيء كالحرص على الحياة وإن تكن ذليلة، والهرب من الموت وإن كان كريماً، ولا يغرس فيهم القوة شيء كالاستهانة بالحياة، والإقبال على الموت في سبيل الحق الذي يعتقدونه ولا شيء كالإيمان بالله وبالخلود يهون على الإنسان لقاء الموت، وفراق الحياة.

والمرء إذا هانت عليه الدنيا، ولم يبال بالموت ... هان عليه جبابرة الأرض، وملوك الناس، ونظر إلى الذهب كما ينظر إلى الحجر، وإلى السيف كما ينظر إلى العصا أو هو أدنى.

الحرص والخوف هما اللذان يضعفان النفوس، ويحنيان الرؤوس، ويذلان الأعناق. وإذا لم يكن حرص ولا خوف فلا سبيل إلى الضعف بحال.
وقد رأينا سحرة فرعون حين آمنوا بالله والآخرة استهانوا بالدنيا ولم يجزعوا من الموت، يقولون لفرعون وهم في ثبات الجبال (فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) (طه: 72) إنهم لا يحرصون على شيء عنده، ولا يخافونه على شيء عندهم، فلماذا يهنون أو يضعفون؟ كلا … لقد انقلبوا من أتباع له إلى دعاة له يبشرون وينذرون (إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر، والله خير وأبقى) (طه: 73).

(هِ) الاستخفاف بالجبابرة والطغاة

ولقد برزت هذه القوة في مقاومة المؤمنين للطغاة في الداخل، أو الغزاة من الخارج، ورأينا ذلك بارزاً للعيان في أمثلة شتى … في القديم والحديث …

طلب الخليفة الأموي الشهير (هشام بن عبد الملك) طاووس اليماني يوماً إلى مجلسه، فلما دخل عليه، لم يسلم عليه بامرة المؤمنين، ولكن قال: "السلام عليك يا هشام" وجلس بازائه، وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضباً شديداً حتى هم بقتله، وقال له: يا طاووس ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضباً وغيظاً، وقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبّöل يدي، ولم تسلم على بإمرة المؤمنين، ولم تكنني، وجلست بازائي بغير إذني، وقلت كيف أنت يا هشام، قال: أما ما فعلت من وضع نعلي بحاشية بساطك فإني أضعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات، وأما قولك لم تقبّöل يدي فإني سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول "لا يحل لرجل أن يقبّöل يد أحد إلا امرأته من شهوة، أو ولده من رحمة" وأما قولك لم تسلم على بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك، فكرهت أن أكذب، وأما قولك جلست بازائي فإني سمعت أمير المؤمنين علياً يقول: إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام، فقال هشام: عظني … فقال: سمعت من أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال، تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته - ثم قام.

وفي تاريخنا الحديث رأينا أبطالاً في صور شتى، وفي بلاد عديدة، كلهم تحرروا من الخوف والطمع واستهانوا بالدنيا وما فيها ومن فيها، رغبة فيما عند الله (وما عند الله خير للأبرار) (آل عمران: 198).

رأينا البطل الليبي المسلم (عمر المختار) الذي حارب الاستعمار الإيطالي، وجيوشه المجهزة بأحدث أسلحة عصره، بالقلة المؤمنة العزلاء، أو شبه العزلاء من جنده: وقف يحارب الطائرة بالحصان، والمدفع بالسيف. واستطاع أن ينزل بأعدائه ضربات موجعة، ولم يرض بالتسليم ساعة ما، رغم نفاد قوته المادية كلها، ولكنه ظل يقول للطليان "لئن كسر المدفع سيفي فلن يكسر الباطل حقي".

وكان مريضاً بالحمى، تهز رعدتها جسده، وترتعد بها فرائصه، ورغم هذا قال لجنوده: "اربطوني على ظهر جوادي بالحبال حتى لا أتخلف عن القتال معكم".

وحين ظفر به جيش المستعمر - وحكموا عليه بالإعدام، تقبل الحكم برحابة صدر، وابتسامة سخرية، وقال له بعضهم -قبل تنفيذ الحكم-: اطلب العفو ونحن نطلق سراحك، فأجابهم بكل إباء وشمم: "لو أطلقتم سراحي لعدت لمحاربتكم من جديد".

ورأينا في الهند عالماً جليلاً كمولانا أبي الكلام آزاد يقف أمام المحكمة الإنجليزية التي عقدت لمحاكمته على ما قام به من إثارة وتحريض للشعب ضد الحكم البريطاني، فيلقي على هيئة المحكمة خطاباً رائعاً في نحو ست وثلاثين صفحة (نشرته مجلة "ثقافة الهند" في عدد مارس (يونيو 1958) ص 88 - 124)، يعتبر آية من آيات العزة الإيمانية، وكان مما قاله في هذا الخطاب التاريخي العظيم:

"نعم إني قلت أن الحكومة الحاضرة ظالمة، وإن لم أقل هذا فماذا أقول يا ترى؟ وأيم الله إني لأعجب كيف يطلب مني أن أسمي شيئاً بغير اسمه، وأن أدعو الأسود بالأبيض؟…

إني مسلم، ولأني مسلم وجب علي أن أندد بالاستبداد وأقبحه، وأشهر مساويه…

إن الإسلام أعلن "حقوق الإنسان" قبل انقلاب فرنسا بأحد عشر قرناً، وليس مجرد إعلان، بل وضع نظاماً عملياً لجمهورية الحق بالغاً في الكمال منتهاه.

ولعمري إن مطالبة مسلم بأن يسكت عن الحق، ولا يسمي الظلم ظلماً، مثل مطالبته بأن يتنازل عن حياته الإسلامية، فإن كنتم لا ترون لأنفسكم أن تطالبوا أحداً بأن يرتد عن دينه، فليس لكم أن تطالبوا مسلماً بأن يمتنع عن قوله للظلم، أنه ظلم، لأن معنى كلتا المطالبتين واحد.
إن التصديق بالحق وإعلانه عنصر ضروري للحياة الإسلامية، فإن فصل عنها فقدت أكبر ما تمتاز به لأن الإسلام أسس قومية المسلم عليه، وجعلهم شهداء الحق على العالم كله، فكما يجب على الشاهد ألا يتوانى في إبداء شهادته كذلك يتحتم على المسلم ألا يقصر في إعلاء الحق، ولا يبالي في أداء فرضه بمصيبة أو بلاء، بل يصدع به حيثما كان، ولو لاقى دونه الحمام.

ولهذا نجد "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" من أكبر الفرائض الإسلامية.

التوحيد أساس الإسلام وقطب رحاه، وضده الشوك الذي أشرب المسلمون بغضه في قلوبهم.

والتوحيد يعلم المسلمين أن الخوف والخشوع لا يكون إلا لله الواحد العظيم، أما غيره فلا يخاف منه ولا يخشع له، وإن من يخشى غير الله فهو مشرك به، وجاعل غيره أهلاً للخوف والطاعة، وهذا ما لا يجتمع مع التوحيد أبداً.

الإسلام من أوله إلى آخره دعوة عامة، إلى البسالة والجرأة والتضحية، والاستهانة بالموت في سبيل الحق.

والقرآن يكرر مرة أخرى (ولا يخشون أحداً إلا الله، وكفى بالله حسيباً) (الأحزاب: 39)، (وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله) (التوبة: 18)، (ولا يخافون لومة لائم) (المائدة: 54)، (أليس الله بكاف عبده، ويُخوّöفونك بالذين من دونه، ومن يضلل الله فما له من هاد) (الزمر: 36).

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" رواه الحاكم على شرط الصحيحين، "أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" - أبو داود والترمذي وابن ماجه. وقد كان صلى الله عليه وسلم يأخذ العهد من أصحابه أن يقولوا الحق أينما كانوا -متفق عليه-

وقد ابيضت عين الدهر، ولم تر مثل هذه الضحايا الكثيرة العظيمة في إعلاء كلمة الحق، التي تقدمها الأمة الإسلامية في كل دور من حياتها. فتراجم علمائها ومشايخها وسادتها عبارة عن هذه الضحايا.

ألا فلتعلم الحكومة الإنجليزية أن المسلم الذي أمره ربه أن يرحب بالموت الأحمر، ويتغلغل في لجج الدواهي والكوارث، ولا يقبل السكوت عن الحق، لا يخيفه قانون 124 من العقوبات الهندية (الذي كان يحاكم على أساسه) ولا يرده عن دينه وأداء فريضته".

وظل أبو الكلام يهدر كالبحر، ويرسل حججه وكلماته شواظاً من نار، يمده بالقوة إيمانه بالله وبالحق. وبالقدر وبالخلود .. ثم التفت إلى القاضي وقال:

وأنت أيها القاضي، ماذا عسى أن أقول لك إلا ما قاله المؤمنون قبلي في مثل موقفي هذا: (فأقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) (طه: 72).

شهادة التاريخ

ذلك هو شأن الإيمان إذا عمقت جذوره، وقوي سلطانه على النفس، إنه يمد صاحبه بيقين لا يهن، وهمة لا تنى، وأمل لا يخبو، ودافع لا يتوقف، وعزم لا يخور. هو يملك الدنيا ولكنها لا تملكه، ويجمع المال ولكنه لا يستعبده، وتحيط به النعمة ولكنها لا تبطره، وينزل به البلاء ولكنه لا يقهره، لا تزيده الشدائد إلا عزيمة مع عزيمته، وقوة إلى قوته، كالذهب الأصيل، لا تزيده النار إلا نقاء وصفاء.
من كان يصدق أن مجموعة قليلة العدد، ضئيلة العدة، من جزيرة العرب، لم يكن لهم فلسفة اليونان، ولا مدنية الرومان، ولا حكمة الهند، ولا صنعة الصين، تملك الدنيا بزمام، وترث ملك الأكاسرة، وتحطم إمبراطورية القياصرة، وتنشر ديناً جديداً، وحضارة جديدة في الآفاق، وفي أقل من ربع قرن من الزمان؟

أليس سر هذا هو الإيمان؟ الإيمان الذي جعل من بلال الحبشي قوة يتحدى "سيده" أمية بن خلف ويحارب أبا جهل بن هشام .. الإيمان الذي جعل القلة تنتصر على الكثرة، والأميين يغلبون المتحضرين، ودفع العرب البداة، ويقينهم في قلوبهم، ومصاحفهم في يد، وسيوفهم في أخرى، ومساكنهم على ظهور خيولهم يقولون لملوك الفرس وأباطرة الروم: نحن قوم بعثنا الله لنخرجكم من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده...

سر الوهن

وإذا كان الزمن قد تغير على المسلمين، فانكمشوا بعد امتداد، ووهنوا بعد قوة، فلأن الإيمان لم يعد المسيطر على أنفسهم، والموجه لأخلاقهم وسلوكهم. لقد بات إيمانهم إيماناً «جغرافياً» بحكم ولادتهم في أرض المسلمين، أو إيماناً «وراثياً» يأخذونه عن آبائهم كما يرثون الدور والعقارات، بات إيماناً مخدراً نائماً لا تأثير له، ولا حيوية فيه، فكيف يورث القوة، ويهب للنفس العزيمة والمضاء؟

لقد كشف الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته عن الأسباب العميقة لضعفها حين تضعف، وهوانها حين تهون على أعدائها، فقال -وصدّق الزمن ما قال- عليه السلام: "يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتنا. قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا وما الوهن؟ -أي ما سببه وما سره فإن معنى الوهن معروف وهو الضعف- قال: حب الدنيا وكراهية الموت".

هذا هو مبعث الوهن الحقيقي، وسر الضعف الأصيل، أن يخلد المرء إلى دنياه الخاصة، فيعيش عبداً لها مطواعاً لأوضاعها الرتيبة، أسيراً لقيودها الثقيلة، تحركه الشهوات كالخاتم في الإصبع، وتسيره الرغائب المادية كالثور في الساقية، يتحرك في مدار محدود، فاقد الهدف معصوب العينين.

حب الدنيا هو الذي يجعل الملك في صولجانه عبداً ضعيفاً، رخو العود، أمام امرأة يعشقها، أوشهوة يطمع في نيلها، أو نديم يخشى أن يفضحه، أو حاشية تعينه على سرقاته ونزواته…

وكراهية الموت هي التي تجعل الأفراد والجماعات يؤثرون حياة ذليلة على موت كريم، يؤثرون حياة يموتون فيها كل يوم موتات، على موت يحيون بعده حياة الخلود.

ومن لا يمت تحت السيوف مكرماً

يعش ويقاسي الذل غير مكرم

التماوت والضعف ينافي الإيمان

وقد يرى المرء أناساً -ممن يتمسحون بالدين، ويدَّعون الانتساب إليه، بل إلى لبه وحقيقته- يبدو عليهم الضعف والتماوت، والتخشع والتذلل والذبول، فيظن مخطئاً ومعذوراً أن هؤلاء صورة صحيحة للمؤمنين.

والواقع أن الإيمان الحق بريء من هذه الصور الزائفة، وتلك المظاهر الكاذبة. الإيمان قوة في الباطن والظاهر، في الخلق والسلوك، في المخبر والمظهر معاً.

رأى عمر رجلاً متماوتاً في صلاته، مطأطئاً رقبته، مبدياً التذلل والتخشع، فما كان منه إلا أن علاه بدرته وقال: لا تمت علينا ديننا، أماتك الله. ارفع رأسك. فإن الخشوع في القلوب ليس الخشوع في الرقاب.

وكان من كلماته المأثورة: اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق. فقيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يُرى البدن خاشعاً، والقلب ليس بخاشع.
ورأت الشفاء بنت عبد الله بعض الفتيان يمشون متماوتين، فقالت في دهش: ما هؤلاء؟

فقيل لها: هؤلاء نُسَّاك -عُبَّاد-

فقالت: لقد كان عمر إذا مشى أسرع، وإذا تكلم أسمع، وإذا ضرب أوجع، وكان هو الناسك حقاً.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم -مع وقاره وسمو هيبته- إذا مشى أسرع في مشيته، كأنما ينحدر من ضبب.

ويقول أبو هريرة: "ما رأيت أحداً أحسن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كأن الشمس تجرى في وجهه - ولا رأيت أحداً أسرع في مشيته منه، كأنما الأرض تطوى له، وإنما لنجهد أنفسنا، وإنه لغير مكترث".

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error