الأنانية جزء من الكيان الفطري الإنساني
مهما يكن الخلاف بين المثاليين والواقعيين من فلاسفة الأخلاق فإن «الفردية»، وبعبارة أوضح «الأنانية» جزء من الكيان الفطري للإنسان، فهو -بما ركب فيه من دوافع نفسية- «أناني» يحب الخير لنفسه، والمنفعة لذاته، قبل كل شيء، وهذا أمر اقتضته الحكمة الإلهية لعمارة الأرض واستمرار الحياة وازدهارها، ثم هو من مقتضيات الابتلاء الذي بني عليه تكليف الإنسان واستخلافه في هذه الأرض.
وفي الإنسان بلا شك نزعة اجتماعية غيرية، فطرية كذلك، ولكنها، لا تقاوم نزعته الذاتية لو خليت وشأنها. ومن هنا ترى الإنسان -كل إنسان- حريصاً على أن يجمع لنفسه من أسباب النعمة ما استطاع، حريصاً على الاستئثار به دون غيره، حتى أنه ليشيب ويهرم، ويشب معه الحرص والشح، ولذا وصفه خالقه بقوله (وكان الإنسان قتوراً) (الإسراء: 100) (وأحضرت الأنفس الشح) (النساء: 128) وصور رسول الله صلى الله عليه وسلم مبلغ حرص الإنسان على الدنيا وطمعه في متاعها فقال: "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثاً".
وإذا تُرك الإنسان لهذه الأنانية تسيطر على نفسه، وتحكم سلوكه وتوجه علاقاته بالناس، فلن نجد فيه إلا إنساناً جشعاً شحيحاً، كل همه أن ينتفع ولا ينفع، وأن يأخذ ولا يعطى، يريد أن يربح، ولا يريد أن يعمل، يقول دائماً: لي .. ولا يقول يوماً: علي، ضنين بكل ما عنده، شره إلى ما عند غيره.
والبلية كل البلية أن تشيع هذه الروح الخبيثة في مجتمع، فيقول كل امرئ فيه: نفسي .. نفسي، ولا يقول: أمتي .. أمتي.
والإنسان إذا تُرك ونزعته الفردية، فإنه يؤثر -غالباً- السلامة، ولا يرضى بتعريض نفسه لخطر أو أذى، من أجل فكرة أو رسالة أو مصلحة كبرى، ولو سرت هذه الروح، روح طلب السلامة، لوقفة عجلة الرقي، وأفلت شمس الحضارة، وانطمست معالم الحق، وغاضت ينابيع الخير فإن رسالات النبيين، وأفكار المصلحين، لم تعل كلمتها إلا ببذل النفس والمال، والتضحية بكل غال وعزيز، من وطن وأهل وعشيرة. ليس هذا في عالم المعاني والأفكار فحسب، بل نجد الأعمال العظيمة، والمشروعات الضخمة، والانقلابات الكبيرة في عالم الإنتاج والعمران والاقتصاد والصناعة والتجارة إنما جاءت نتيجة مخاطرات ومغامرات وتضحيات في مبدأ الأمر. إن الذي يجعل كل همه في طلب السلامة لا يصنع شيئاً ذا بال، ومن قبل قال الطغرائي في لاميَّته:
|
حب السلامة يثني هم صاحبه |
عن المعالي ويغري المرء بالكسِِل |
|
فإن جنحت إليه فاتخذ نفقِاً |
في الأرض أو سلماً في الجو فاعتزل |
وكال أبو الطيب:
|
ذريني أنل ما لا ينِِال من العِِِِلى |
فصعب العلى في الصعب والسهل في السهل |
|
تريدين إدراك المعِِالي رخيصِِِِة |
ولابد دون الشِِهد من ابر النحِِِل |
والمجتمع الذي يريد أن يبني مجداً، ويشيد حضارة، وينهض برسالة، في حاجة إلى جهود مضاعفة للبناء والرقي والنهوض، في حاجة إلى عقول لا تسأم التفكير، وإلى سواعد لا تشكو التعب، وإلى عزائم لا تشكو الملل والفتور، في حاجة إلى الإنسان الذي يعطي قبل أن يأخذ، ويؤدي الواجب قبل أن يطلب الحق، والإنسان الذي تقر عينه بفراق الأهل من أجل الأمة، بالغربة عن البيت من أجل الوطن، ويطيب نفساً ببذل المال عند الحاجة، وبذل الروح عند الضرورة، ويضحي بمصلحته الخاصة في سبيل المصلحة العامة، ويرضى بالتقشف والشظف والحرمان، إذا كان فيه انتصار لحق أو خير، بل يستمرئ المر ويستعذب العذاب، ويرحب بالموت الزؤام في سبيل ما يؤمن به من الهدى والحق.
فليت شعري أين يوجد هذا الإنسان؟ ومن أي مدرسة يتخرج؟
لعمري إن المدرسة الفذة التي تخرج هذا الصنف من الناس هي مدرسة الإيمان.
الإيمان يهون على الإنسان كل صعب في سبيل الحق
الإيمان هو الذي يهون على الإنسان شهواته ومطالب دنياه، فإذا هو يكتفي بما يسد الجوعة من الطعام. وما يستر العورة من اللباس. وإذا هو يرضى بالقليل من المال، والمتواضع من المسكن، بل يهون على الإنسان ماله فينفقه، ومسكنه فيهجره، وأهله فيرحل عنهم، بل يهون عليه حياته نفسها، فإذا هو يضع رأسه على كفه، يخوض المعامع، رابط الجأش راضي النفس، مطمئن الضمير. فإذا أدركه الموت في ميدان الجهاد، استقبله بارتياح وسرور، لأنه يوقن أن وراءه الجنة: (ورضوان من الله أكبر) (التوبة: 72).
ذلك أن الإنسان يكاد لا يعطي شيئاً إلا ليأخذ في مقابله شيئاً، نقداً أو نسيئة، فنفسه تتطلع دائماً إلى الجزاء العادل على ما قدم، وقد حاول الفلاسفة الماديون أن يشبعوا هذا الجانب بالأجزية الأخلاقية المجردة عن الدين، وعن طريق ما أسموه «الضمير» الذي يجزي فاعل الخير، ومؤدي الواجب، بالسرور والرضا والارتياح الذي يحسه الإنسان بين جنبيه.
ولكنهم حاروا كيف يجزى من يضحي بنفسه ويبذل روحه ويموت شهيداً في سبيل الحق؟ إنه لا مجال لرضا النفس وراحتها بعد الموت عند هؤلاء الماديين، والموت عندهم فناء محض. إن الإيمان بالله وبجزاء الآخرة هو الذي يحل هذه العقدة. وفي البذل والتضحية باسم الدين إرضاء لهذا الجانب في نفس الإنسان، فإن ما أعطاه المؤمن يعود عليه أضعافاً مضاعفة، وما أنفقه من مال فالله يخلفه، وما أصابه من أذى في نفسه أو بدنه فالله معوضه عنه، وإذا قدم روحه في سبيل الله فمات أو قتل فلم يمت في الحقيقة، وإنما هو حي عند ربه يرزق … وفي هذا كله يقول القران: (وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) (البقرة: 272) و (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين) (سبأ: 39)، (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) (آل عمران: 157)، (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم * ويدخلهم الجنة عرفها لهم) (محمد: 4 - 6).
إن كل جهد -مادي أو أدبي، نفسي أو بدني- يبذله المؤمن في سبيل الله -مهما يبلغ من ضالة حجمه- فهو محسوب له في «رصيد» حسناته عند الله، لا يضيع منه مثقال ذرة، حتى الخطوة التي تمشيها قدمه، وحتى الفلس ينفقه، وحتى الإحساس بالجوع أو العطش أو التعب: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلاً، إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين * ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون) (التوبة: 120، 121).
فلا عجب أن نرى ديناً كالإسلام يقدم لنا -في مرحلة قوته وازدهاره- نماذج رائعة للتضحية والبذل والكفاح والجهاد، وبأعداد هائلة، تقدم ما تملك من نفس ومال في سبيل الله وهي قريرة العين.
نماذج مؤمنة للبذل والتضحية
وحسب المرء منهم أن يسمع أو يقرأ آية من كتاب الله تدعوه إلى الأنفاق والجهاد، فإذا هو يسارع إلى تنفيذها ولا يحجم ولا يتردد مقدماً النفس والنفيس ابتغاه رضوان الله.
قرأ أبو طلحة الأنصاري سورة «براءة» حتى بلغ هذه الآية: (انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) (التوبة: 41) فقال: خفافاً وثقالاً: شباناً وكهولاً، ما سمع الله عذر أحد، وقال لبنيه: أي بني جهزوني .. جهزوني .. جهزوني (يعني للجهاد) فقال بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات، ومع أبى بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات. فنحن نغزو عنك! قال: لا .. جهزوني .. فجهزوه بجهاز الحرب، فغزا في البحر، فمات في البحر، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها رضي الله عنه.
وخرج سعيد بن المسيب إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: انك عليل! فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.
ورأى بعضهم في غزوات الشام رجلاً قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر فقال له: يا عم! إن الله قد عذرك، فقال: يا ابن أخي قد أمرنا بالنفير خفافاً وثقالاً (ذكر هذه الوقائع الإمام القرطبي في تفسير: "خفافاً وثقالاً").
ولقد روي في بعض الغزوات أن الابن وأباه كانا يتسابقان إلى الجهاد، فيقرعان بينهما فتخرج القرعة للابن، فيقول الأب: آثرني يا بني، أنا أبوك! فيقول الابن: إنها الجنة يا أبت! ولو كان شيء غيرها لآثرتك والله.
وعمرو بن الجموح الأنصاري أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنين شباب، يغزون مع الرسول صلى الله عليه وسلم. فلما كان يوم أحد، طلب إلى بنيه أن يعدوا له عدة الجهاد، فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك! وقد وضع الله عنك الجهاد؟ فأتى عمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني هؤلاء يمنعونني أن أجاهد معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة!! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد. وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه، لعل الله عز وجل يرزقه الشهادة. فخرج مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقتل يوم أحد شهيداً - وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: إن منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبره، منهم عمرو بن الجموح!
وهذا نموذج آخر من نماذج التضحية: نموذج التضحية بالراحة والثروة، والاستمتاع بالحياة الرضية الناعمة، وارتضاء الحرمان والمشقة والبلاء والأذى في سبيل الله.
فتى كمصعب بن عمير، نشا في الحلية، وربي في الرفاهية والنعمة، بين أبوين يحبانه أشد الحب، ويحنوان عليه أعظم الحنو، يغذوانه بأطيب الطعام، ويكسوانه بأحسن اللباس، وينشران عليه أجنحة العطف والإيثار والرعاية والتدليل، فتى منعم مدلل كهذا، ما الذي يجعله يدع هذه الحياة اللذيذة الهادئة الهانئة، إلى حياة خشونة وبأساء، وزلزلة وجهاد، وغربة وهجرة؟. ما الذي جعله يرضى بمفارقة الأهل والوطن، ويرغب عن الثروة والجاه ويفر بدينه مهاجراً إلى الحبشة ثم إلى المدينة، حتى يموت في دار الهجرة شهيداً في غزوة أحد، فلا يجد المسلمون له ثوباً يكفي لغطاء جسده، كل الذي وجدوه ثوب قصير، إذا غطى به رأسه بانت رجلاه، وإذا غطيت به رجلاه، بانت رأسه؟؟ لا شيء إلا الإيمان.
يروي «ابن سعد» عن محمد بن شرحبيل العبدري، أحد أقرباء مصعب هذه الكلمات في وصفه. يقول: كان مصعب بن عمير فتى مكة شباباً وجمالاً وسبيباً، وكان أبواه يحبانه، وكانت أمه مليئة كثيرة المال، تكسوه احسن ما يكون من الثياب وأرقه، وكان أعطر أهل مكة يلبس الحضرمي من النعال، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام في دار الأرقم بن أبي الأرقم فدخل عليه فأسلم وصدق به وخرج فكتم إسلامه خوفاً من أمه وقومه فأخذوه فحبسوه، فلم يزل محبوساً حتى خرج إلى أرض الحبشة في الهجرة الأولى، ثم رجع مع المسلمين حين رجعوا، فرجع متغير الحال قد حرج -يعني غلظ.
ويقول خباب بن الأرت:
هاجرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نبتغي وجه الله فوجب أمرنا على الله، فمنا من مضى، ولم يأكل من أجره شيئاً منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفيه يكفن فيه إلا نمرة، قال: فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه، فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اجعلوها مما يلي رأسه، واجعلوا على رجليه من الأذخر.
ولقد وقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- على هذا الفتى، وهو مقتول مسجي في بردة، فقال والدموع تزدحم في عينيه: لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرق حلة، ولا أحسن لمة منك، ثم أنت شعث الرأس في بردة.
وعن عبيد بن عمير أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقف على مصعب وهو منجعف على وجهه، فقرأ هذه الآية (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً) (الأحزاب: 23).
وهذا نموذج آخر من نماذج التضحية: هي التضحية بالمال، يرويه لنا زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: لما نزل (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) (البقرة: 245، الحديد: 11) قال أبو الدحداح : فداك أبي وأمي يا رسول الله! وإن الله يستقرضنا وهو غني عن القرض؟ قال "نعم يريد أن يدخلكم الجنة به" قال : فإني قد أقرضت ربي قرضاً يضمن لي به ولصبيتي الدحداحة معي الجنة؟ قال "نعم" قال: ناولني يدك، فناوله رسول الله صلى الله عليه وسلم يده. فقال: إن لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله لا أملك غيرهما قد جعلتهما قرضاً لله تعالى. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اجعل إحداهما لله والأخرى دعها معيشة لك ولعيالك" قال: فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت خيرهما لله تعالى وهو حائط فيه ستمائة نخلة. قال: "إذن يجزيك الله به الجنة" فانطلق أبو الدحداح حتى جاء أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول:
|
هداك ربي سبل الرشِاد |
إلى سبيل الخير والسداد |
|
بيني من الحائط بالِوداد |
فقد مضى قرضاً إلى التناد |
|
أقرضته الله على اعتمادي |
بالطوع لا من ولا ارتداد |
|
إلا رجاء الضعف في المعاد |
فارتحلي بالنفس والأولاد |
|
والبِر لا شك فخير زاد |
قدمه المرء إلى المعِِِاد |
فقالت أم الدحداح: ربح بيعك! بارك الله لك فيما اشتريت! وأجابته أم الدحداح وأنشأت تقول:
|
بشرك الله بخير وفِِِرح |
مثلك أدى ما لديه ونصِِح |
|
قد متع الله عيالي ومنِِح |
بالعجوة السوداء والزهو البلح |
|
والعبد يسعى وله ما قد كدح |
طول الليالي وعليه ما اجتِرح |
ثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كم من عذق رداح ودار فياح لأبي الدحداح". أي في الجنة.
إن تاريخ الإسلام وتاريخ الأنبياء وأتباعهم في كل عصر. حافل بالصور الحية، والنماذج الرائعة للبذل والتضحية في سبيل الحق، وهي صور ونماذج لم يصنعها غير الإيمان، ولن يصنع أمثالها -إذا أردنا لها أمثالاً- إلا الإيمان!.