ذات يوم بعض الإخوة من الشباب، وبعد لحظات زارني ضيف يعتبر أستاذاً لهم في الكلية، وبعد أن ألقى السلام مد يده يصافحهم، فصافحوه جميعا وهم جلوس فتسبب ذلك في حرجي الشديد؟ فابتسم الأستاذ ولم يمكث كثيراً وانصرف. وتوجهت بحديث لطيف إلى الإخوة – فقلت لهم: إن الذي حدث الآن من عدم قيامكم لاستقبال الزائر، قد ترتب عليه عدة أمور – الأمر الأول أن الزائر لم يجد الإنسان الذي يشجعه على الجلوس فترة أوسع، والأمر الثاني أنه قد يسبق إلى ظنه أنه غير مرغوب في تواجده معنا، والأمر الثالث أنه ربما يسبق إلى ظنه أيضاً أن هذا الإجتماع غير عادي فيؤوله كيفما شاء.
إن هذا الموقف يمكن حدوثه فيما بيننا نحن الذين تعارفنا فتآلفنا فتحاببنا، ولسنا في حاجة إلى مرحلة المؤلفة قلوبهم، وليست الأخلاق الإسلامية موقوفة على مواقف معينة بقدر ما هي شيم عامة تنبيء عن روح هذا الدين. ورسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال "لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم، ولا تعظموني كما عظمت الأعاجم ملوكها" فالإطراء المنهي عنه في الحديث الشريف مقيد وليس على إطلاقه، والتعظيم المنهي عنه في الحديث أيضاً مقيد بقوله " كما كانت تعظم الأعاجم ملوكها" حيث كان الأعاجم يعتقدون أن دماء الآلهة تجري في عروق ملوكهم فكانوا يعظمونهم تعظيم العبيد للآلهة ومن هنا جاء النهي على هذا النحو. ألم تسمعوا قول الرسول صلى الله عليه وسلم "قوموا إلى سيدكم" حين دعا الرسول عليه الصلاة والسلام سعد بن معاذ رضي الله عنه ليحكم في مواليه من يهود بني قريظة، وحينما سمع المهاجرون قول الرسول عليه الصلاة والسلام "قوموا إلى سيدكم" قالوا إنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم (الأنصار) وأما الأنصار فقد قالوا: قد عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم (المسلمين).
فمن الذي قال للمسلمين قوموا لسيدكم، أليس هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هؤلاء الذين قاموا؟ أليسوا هم الصحابة الأجلاء الأطهار الأبرار الذين رفعوا الراية وحملوا عبء الدعوة؟! يقول الإمام النووي في تعليق على هذا الحديث: (فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا، هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام، قال القاضي: وليس هذا من القيام المنهي عنه، وإنما ذلك فيمن يقومون عليه وهو جالس ويمثلون قياما طول جلوسه، قلت القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاء فيه أحاديث، ولم يصح النهي عنه شيء صريح) – النووي على مسلم جِ 12 ص 93.
ومن الأحاديث الثابتة الدالة أيضاً على ذلك، ما جاء في حديث كعب بن مالك المتفق عليه، وهو يقص خبر تخلفه عن غزوة تبوك، قال فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلقاني الناس فوجاً يهنئوني بالتوبة، ويقولون لي لتهنك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره – فكان كعب لا ينساها لطلحة. ومن ذلك أيضاً ما رواه الترمذي وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحداً من الناس كان أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم كلاماً ولا حديثاً ولا جلسة من فاطمة، قالت وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآها أقبلت رحب بها ثم قام إليها فقبلها، ثم أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه، وكانت إذا أتاها النبي صلى الله عليه وسلم رحبت به ثم قامت إليه فقبلته. واعلم أن هذا لا يتنافى مع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أحب أن يتمثل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار. لأن مشروعية إكرام الفضلاء وتوقيرهم لا تستدعي السعي منهم إلى ذلك أو تعليق قلوبهم بمحبته، بل إن من أبرز صفات الصالحين والفضلاء أن يكونوا متواضعين لإخوانهم زاهدين في طلب هذا الشيء. أرأيتم إلى الفقير المحتاج؟ ان الأدب الإسلامي يوصيه ويعلمه الترفع عن المسألة وإظهار الفاقة والحاجة للناس، ولكن هذا الأدب الإسلامي نفسه يوصي الأغنياء بالبحث عن هؤلاء الفقراء المتعففين ويأمرهم بإكرامهم وإعطائهم من فضول أموالهم.
فلكل أدب ووظيفة، ولا ينبغي أن نخلط بينهما، أو ننسخ الواحد بالآخر فإن ذلك من أسوأ مظاهر التسرع والجهل. لقد قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"لا تزال أمتي بخير ما رحم كبيرها صغيرها، وإذا ما وقر صغيرها كبيرها" وحين أسلم أبو قحافة اصطحبه ابنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه – فحين رآهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمين، خرج إليهما وهو يقول لأبي بكر "أما خليت بين الرجل ونحن نأتيه" وكان أبو قحافة والد أبو بكر الصديق كفيفا. وصدق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال "لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق" وقال "الحياء من الإيمان" وقال "الحياء خير كله".
غير أن من أهم ما ينبغي أن نعلمه في هذا الصدد ان لهذا الإكرام المشروع حدوداً إذا تجاوزها، انقلب الأمر محرما واشترك في الإثم كل من مقترفه والساكت عليه. فمن ذلك ما قد تجده في مجالس بعض المتصوفة من وقوف المريدين عليهم وهم جلوس، يقف الواحد منهم أمام شيخة في انكسار وذل إلى أن يأذن له بالجلوس، ومنه ما يفعله بعضهم من السجود على ركبة الشيخ أو يده عند قدومه عليه، أو ما يفعله من الحبو إليه عندما يغشى المجلس. ولا يخدعنك ما قد يقال من تسويغ ذلك من أنه أسلوب من التربية للمريد؟.. فالإسلام قد شرع مناهج وأساليب للتربية وحظر على المسلمين الخروج عليها، وليس بعد الأسلوب النبوي في التربية من أسلوب يتبع.