تعود بعض الأشخاص في رشيد الاستيلاء بوضع اليد على بعض مساحات من الأراضي التي ينحسر عنها الماء على شاطئ نهر النيل بعد بناء السد العالي ليقيموا عليها كازينو أو مقهى. ولما كان منزلي يقع أمام شاطئ النيل فقد علمت أن جهة ما تحاول الاستيلاء على قطعة الأرض المواجهة للمنزل. وإذا تم ذلك فسوف تتغير صورة الموقع وطبيعته الأخلاقية وكان ذلك في شهر مارس 1981م. استخرت الله تعالى فشرح صدري لإقامة مسجد على هذه الأرض. وفي الصباح المبكر دعوت الأخوة من الطلاب والعمال والموظفين لوضع الأسس، وقمنا بشراء المواد والمعدات وتنافس الأخوة في العمل وكان مشهد الحركة وحماس الشباب مثيراً للإهتمام والتساؤل. لهذا كان لابد من تسمية هذا المسجد سريعاً لتثبيت الموقع وإعلان الغرض من البناء فألهمنا الله تعالى بالإسم فكان (مسجد الحق) ليحق الله به الحق ويبطل الباطل. وجاء من الإخوة من قام بكتابة اللافتة وارتفعت على البناء، كما أقمنا سوراً من الخشب حول مساحة المسجد التي بلغت أربعون متراً طولاً وثمانية أمتار عرضاً وقامت شركة الأندلس بالإسكندرية متطوعة بعمل تصميم المسجد فكان رائعاً وتطوع بالإشراف على البناء أحد المهندسين.
ولم تمض ساعات حتى جاء رجال البوليس وفوجئوا بهذا الحشد من الشباب في هذا المشهد الرائع. فعادوا من حيث أتوا، وبعد أيام قليلة استدعيت إلى قسم الشرطة للتحقيق معي بهذا الشأن – وكانت التهمة – أن المدعو عباس السيسي قام باغتصاب قطعة من أملاك الدولة وباشر فيها البناء دون إذن أو ترخيص. وكانت إجابتي على هذا السؤال – إنني لم أغتصب تلك الأرض – بل إن أهالي هذا الحي لا يوجد عندهم مسجد ولهذا فقد اختاروا هذه الأرض ليقيموا عليها مسجداً لله تعالى – وحيث أن هذه الأرض قد أقيم عليها مسجد فإن الأرض والمسجد لله تعالى وليست ملكاً لأحد، فأنا لم أغتصبها لنفسي أو لمصلحة شخصية ومنفعة ذاتية، وتم التوقيع على ذلك، وحولت الأوراق إلى المحكمة، فأصدر القاضي بعد الإطلاع على الأوراق، حكماً غيابياً بالسجن لمدة شهر وغرامة خمسة جنيهات وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل عملية البناء وحين بلغني الحكم قمت بعمل استئناف في الحال وتحدد له جلسة شهر أكتوبر من نفس العام. ورب ضارة نافعة فقد كان لهذا الحكم رد فعل غير متوقع. إذ قام أهالي رشيد بحرارة وحماس يتبرعون بسخاء ويتعاونون مادياً وأدبياً في أعمال البناء والنجارة وغيرها في تجرد وإخلاص... وأمام هذا المجهود الرائع تم بناء المسجد وارتفعت المئذنة في سبعة أشهر فقط على أجمل وأبهى صورة من الفن المعماري والذوق الإسلامي والموقع الجميل. وفي أول المحرم 1401 هِ وبمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري افتتح أهالي رشيد مسجد الحق في حفل إسلامي حضره جمهور كبير من خارج المدينة خطب فيهم فضيلة الأستاذ الشيخ محمود عيد مهنئا بافتتاح مسجد الحق الذي تجري من تحته الأنهار. وتكلم الأخ الأستاذ حسن البنا رئيس اللجنة المشرفة على بناء المسجد فقدم بياناً عن قيمة تكاليف المسجد وقد بلغت فوق الثلاثين ألفاً من الجنيهات وشكر الأهالي والأخوة بالإسكندرية الذين ساهموا بأموالهم وأنفسهم.
وجاء يوم الجلسة وذهبت إلى المحكمة وحين نودي على اسمي تقدمت إلى منصة القاضي وكانت مفاجأة أذهلت القاضي وحمست الجماهير التي حضرت الجلسة إذ تطوع كل المحامين الموجودون بالقاعة بالدفاع عين دون اتفاق سابق وكان عددهم خمسة، ولم يجد القاضي بداً من طلب الاختصار وبعد أن تحدثوا وفندوا وناقشوا القضية قانونياً وموضوعياً وإسلامياً في اهتمام وحماس.. أجلت القضية أسبوعين للنطق بالحكم، وحكمت المحكمة مشكورة بالبراءة وتناقل الناس في المدينة هذه القضية بالتعليقات التي عادت على الدعوة بالخير.