كان للوالي محمد علي باشا في رشيد مصانع للطرابيش والسفن ومضارب للأرز، حيث كانت رشيد في عهد محمد علي في مقام العاصمة الثانية للدولة، وأقام الوالي محمد علي في منطقة هذه المصانع. (زاوية) سموها زاوية الباشا، ليتمكن العاملون من أداء الصلاة فيها وتهدمت هذه الزاوية ومضى على صورتها هذه أكثر من سبعين عاماً، حتى زحف العمران في هذه المنطقة فساهم أهل الخير في تعميرها حتى عادت إلى بهائها من جديد. وكان لزاماً على شباب الدعوة الإسلامية أن يشارك في النشاط الإسلامي بها ولا سيما أنها زاوية أهلية ليس لوزارة الأوقاف عليها من سبيل، أو بمعنى آخر ليس لمفتش الأوقاف عليها من سلطان. وبدأنا في إعداد خطيب للجمعة من كل أسبوع يحضر من الإسكندرية لهذا الغرض الكريم، وضاق المسجد على سعته بالرواد الذين يتشوقون إلى هذا النوع الجديد من الدعاة الذين يشبعون تطلعاتهم الروحية والحيوية.
وجاء شهر رمضان المبارك فبدأ الشباب يفكر في عمل نشاط اجتماعي لمساعدة الفقراء فأعلن عن مشروع لجمع الملابس والأموال ونجح المشروع، ثم أعلن الشباب عن الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان في المسجد، وما إن أعلن عن هذا الأمر بين الناس حتى برزت مشاكل جديدة لفرط البعد بين تطبيق السنن الإسلامية وبين نسيانها أو تجاهلها. فلأول مرة يسمع الناس عن الاعتكاف، ومعناه المكث في المسجد بنية الذكر والعبادة بل أن بعض الناس استنكروا الطعام في المسجد، وكان لابد من علاج هذا الأمر بالحكمة والصبر. فكان لزاماً أن نقابل كل معترض على انفراد ونحدثه عن هذه السنة من واقع تاريخ الإسلام وعمل الرسول صلى الله عليه وسلم وكنا نقول له أنه لا مانع عندنا من التحاكم إلى مشايخ وأئمة المساجد، وكنا ندعوه كي يتناول معنا طعام الإفطار في المسجد وكان هذا الصنف من الناس عنيفاً في المناقشة بإخلاص حرصاً منه على ما اعتاده من صور إسلامية نشأ عليها. واستطعنا بالحكمة والحسنى أن يتم الإعتكاف بالصورة التي جمعت القلوب.. وتطورت الأمور حتى صار هؤلاء الإخوة الكرام، يرسلون، يومياً الطعام والحلوى للأخوة المعتكفين.
وكان بعض الإخوة من جماعة أبو العزايم وهي طريقة صوفية، قد تبرع في مشروع تجديد هذا المسجد وجاءوا المسجد ليقيموا حلقة ذكر على طريقتهم المعروفة واعتبروا ذلك حقاً لهم. وكان جميلا من شبابنا أن يفقهوا رسالتهم، فهم قوم على فقه ووعي بحركة الدعوة الإسلامية التي تجمع ولا تفرق ولا تجعل من الجهل ببعض حقائق الدين والخلافات في الفروع خصومة وبغضاء وفرقة. وعلى ذلك رحبوا بهم وتحدد يوم في الأسبوع لعقد جلساتهم ولا يزال الأمر يسير على هذا المنوال في إخوة ومودة حتى تخلفوا هم عن المسجد ولم يعودوا يترددون عليه.