كانت أمنية عزيزة في نفوس المؤمنين أن تكون هناك جريدة يومية إسلامية تقدم الأحداث بما يتفق مع وجهة نظر ملايين المسلمين، وتعبر عن الحركة الإسلامية، وتربطها بواقع الأمة الإسلامية وقضاياها ومشكلاتها في مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية.
وقد سبق أن حاول بعض الغيورين تحقيق هذه الأمنية قبل قيامة جماعة الإخوان، ولكن الرأي العام الإسلامي لم يكن قد وجد بعد، فلم تتحقق الفكرة.. ثم تجدد المسعى واجتمع بعض الكرام في دار الشبان المسلمين ودرسوا الفكرة من جديد، ولكن حالت بينهم وبين تنفيذ أملهم عقبات، فظلت الفكرة حلماً في النفوس.
وظلت هذه الأمنية تراود الإخوان المسلمون، حتى صارت حركتهم أكبر من أن تعبر عنها مجلة أسبوعية، وقد حان الوقت لتحقيق أمنيتهم، وهو إصدار جريدتهم اليومية، لتكون أول جريدة إسلامية يومية تصدر في مصر، بل في العالم الإسلامي كله.
وقرار مثل هذا لابد أن تحشد له كل القوى والجهود، وقد بدأت تظهر بشائر الرأي العام الإسلامي واتسعت القاعدة الشعبية للدعوة من خلال الجهود العظيمة التي بذلها دعاة الإخوان.
وفكر الإخوان في الأمر، وشكلت لجنة تحضيرية رأت أن يكون هناك شركتان مساهمتان، إحداهما لإصدار الجريدة اليومية، والثانية لمطبعة خاصة تجهز بأحدث الآلات، وتعد أكمل إعداد لتصدر الجريدة على أكمل نسق وتثبت لما يعترضها من عقبات، ووضعت اللجنة صورة من العقد الابتدائي للشركتين ونظامها الأساسي مع وضع الضمانات اللازمة. ولاحت البوادر الطيبة التي تبشر بالنجاح حيث أقبل الكثير من الإخوان على المساهمة بحماسة وإخلاص.
ووجه الإمام البنا نداء على إحدى صفحات مجلة "الإخوان المسلمون" بعنوان: (أيها الإخوان.. مشروعكم الثاني) قال فيه:
(الآن أيها المجاهدون الصامتون، أنتم أمام مشروع آخر أعمق في الدعوة أثراً، وأندى بها صوتا، وأرفع لها ذكراً، وألزم إليها من كل سواه، هو مشروع "الجريدة اليومية والمطبعة الإسلامية" وأوضح كيف انتهت حرب المدافع والطائرات وبقيت حرب المبادئ والآراء، وبقي دور المطبعة والإذاعة ومعركة الصحف والأوراق تغزو العقول والأفكار بمختلف الدعايات).. واستطرد قائلا:
(وخطوت الخطوة العملية اعتماداً على حسن الظن بالإخوان وما عرفوا من مبادرة إلى الإجابة، وإقدام على البذل والتضحية، وإن قوماً جعلوا شعارهم "الجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا" لجديرون إذا دعوا إلى الجهاد بالمال وهو أهون من الجهاد بالنفس أن يستجيبوا للداعي، وألا يدخروا وسعاً من البذل والإنفاق، وما داموا مخلصين في غايتهم فإن الله لهم خير كافل وأفضل معين).. ثم شرح الخطوات التي اتخذت لتأسيس هذا المشروع الجديد، وقال مختتماً نداءه:
(إن المشروع ليس اكتتاباً خيرياً ولا صدقة ولا إحساناً، على أنه لو كان كذلك لما اتهمنا سخاءكم وحبكم للخير ومبادرتكم للبذل، ولكنه في حقيقة وضعه مشروع تجاري لعله من أفضل المشروعات في تثمير الأموال وحسن الانتفاع به مع ما له من أثر جليل في الدعوة، ولا أقول لكم هذا إغراء بالمساهمة فإني أود أن يساهم أحدكم وهو يحتسب مساهمته عند الله، فإن ربحت المساهمة مادياً فقد حاز الأجرين الربح المالي والثواب الأخروي، وإن خسرت مالياً فحسبه مثوبة الله العلي الكبير.. وانتهزوا الوقت ولا تسوفوا، والبركة في البكور والبدرة لمن بدر وفضل السبق في مثل ذلك ليس كفاء، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. كتب الله لكم الإيمان وأيدكم بروح منه).
ولقد كانت عناصر النجاح لمشروع إنشاء الجريدة اليومية للإخوان المسلمون متوفرة (فالمال متوفر حيث جيوب الإخوان أغنياء وفقراء مفتوحة للمشروع لا تغلق دونه، والثقافات المختلفة التي يحتاج إليها التحرير والطبع والإعلان واستقاء الأخبار متوفرة ومتوثبة للعمل تطوعاً أو بأجر زهيد، وجمهور المشترين جمهور ضخم تزخر به أنحاء البلاد في كل مدينة وفي كل حي وفي كل شارع وفي كل قرية مهما نأت عن العمران).
واستقال فضيلة المرشد والوكيل العام للجماعة من العمل في الحكومة ليتفرغا لأعمال الدعوة، واستعد الإخوان لإصدار جريدتهم.
وصدر العدد الأول من جريدة "الإخوان المسلمون" اليومية صباح الأحد 3 جمادى الثاني عام 1365 هِ الموافق 5 مايو 1946م، وظلت تصدر حتى ألغيت رخصتها بأمر عسكري قبيل قرار حل الجماعة في 7 صفر 1368 هِ الموافق 8 ديسمبر 1948م.
وقدم الإمام البنا الجريدة للقراء في المقال الافتتاحي للعدد الأول، الذي صدر بعنوان "مطلع الفجر" يرسي فيه قواعد الإعلام الإسلامي، وفيما يلي نصه.