كتب الإمام الشهيد في مذكراته:
"وفي صيف هذا العام 1358 هِ الموافق 1939م أقام الإخوان معسكرا كشفيا بواسطة أسيوط على شاطئ البحر، كان على نمط معسكر الدخيلة بالاسكندرية من حيث النظام الرياضي والروحي والثقافي ولكن الذي أريد أن أسجله هو موقف الأخ الصالح والوالد التقى الحاج سليمان صالح الحبارون شيخ الإخوان ببني مجد التابعة لمركز منفلوط، ذلك الرجل الذي جاوز السبعين من عمره وأشرف على الثمانين ثم يأبى إلا أن يشترك مع الإخوان في معسكرهم هذا، ويريد قائد المعسكر أن يميزه بمكان مريح وعمل مريح فيأبى هذا إلا أن يطلب المساواة التامة بينه وبين كل المشتركين في هذا المعسكر من الشباب، فيؤدي التدريبات كاملة ويقوم بأعمال الدوري تامة من حيث النظافة والمطبخ والماء..إلخ، ويساهم في دوريات الحراسة في الليل وفي النهار.
ولقد حدثني رحمه الله بنفسه أنه في إحدى دوريات الحراسة قبل فجر ليلة من الليالي مر يتفقد الخيام وكانت مسماة بأسماء أبطال الصحابه فهذه خيمة أبي بكر وهذه خيمة أبي عبيدة وهذه خيمة خالد وأخرى لسعد بن أبي وقاص وهكذا، فخيل إليه أنه يرى أصحاب هذه داخل خيامهم فأخذته نشوة من الحماسة جعلته يلوح بسيفه في الهواء "ولهذا السيف قصة تأتي" ويهتف بكل قوته بصوت غير مسموع حتى لا يوقظ النائمين "الله أكبر ولله الحمد" قال فما راعني إلا أن رأيت نوراً موصلا بين سماء المعسكر وأرضه يجلله ويتغشاه، ذكرني بخيط من النور رأيته مغرب يوم عرفة ممتدا من السماء إلى الصخرات الكبار بجبل الرحمة سنة 1324 هجرية حين أديت فريضة الحج، فشغلت بمشاهدته عن الهتاف، واستمر لحظات قصارا ثم عاد كل شيء كما كان، وزاولت مهمتي من إيقاظ الإخوان للاستعداد لصلاة الفجر، ولم أحدث بهذا أحداً غيرك لتطمئن على المعسكر، ولتعلم أننا والحمد لله على نور من ربنا.
أما قصة السيف فهي أن الحاج سليمان رحمه الله حين قبل بالمعسكر ونودي اسمه بين الجنود فيه، قال اشتهيت أن أكون من سكان خيمة أبي بكر ولكن لم أطلب هذا الطلب حتى لا يقال جندي متمرد يختار لنفسه ويخالف النظام، ولكن سرعان ما فوجئت بالأخ يوسف قومندان المعسكر يقول: "الحاج سليمان خيمة أبي بكر" فقلت في نفسي هذا أول التوفيق وحمدت الله. وفي توزيع دور الحراسة انتدبني "الحكمدار" ليخطرني بدوريتي، فأخذت أخرج معه وقلت له: هل يكون حارس بغير سلاح وأين السيف الذي أجاهد به، فابتسم وقال: إنه حاضر وسآمر لك به، وسرعان ما أمر فأحضر سيفا أثريا كان بعض الإخوان قد تبرع به للمعسكر وقدمه إليّ ضاحكا فتناولته فرحا مسروراً وتقلدته لساعتي، واعتقدت أنه توفيق آخر، وإن عملنا في هذا المعسكر سلسلة من التوفيق والحمد لله، وبهذه الروح كان الإخوان يقيمون معسكراتهم ويزاولون فيها نواحي نشاطهم، فرحم الله الحاج سليمان وأفسح له في جنته، آمين.
· الكشافة
بدأت الفكرة في مخيلة الأستاذ البنا منذ فجر الدعوة في الإسماعيلية، فكون أول فريق كشفي وأسماه فريق الرحلات في الإسماعيلية، ثم أعد لوائح الفريق وأنظمته وأشرف عليها بنفسه ورعاها بتفكيره وحسه حتى نجحت الفكرة وانتقلت معه إلى القاهرة، ثم بدأ بالفريق الثالث بمديرية الدقهلية وتبعها بالشرقية.
وبعد أن اتسعت تشكيلات جوالة الإخوان حتى كادت تعم كل الشعب بدأ تفكير الأستاذ البنا جديا في الانضواء رسميا في النظام العام لجمعية الكشافة المصرية، حتى تستفيد هيئة الإخوان وتشكيلاتها من إمكانيات وتسهيلات ومزايا جمعية الكشافة.. وقد سبق أن تعرضنا لهذا في موضوع حسن البنا وبعد النظر، وفي سنة 1939م قام أول تشكيل عام للحركة الكشفية في محيط الإخوان ورسمت لها سياستها العامة وحددت أهدافها وأغراضها، كالآتي:
1- الشباب عدة الوطن ولا بد أن تعبأ جهوده.
2- إعداد مجموعة من القادة يكونون نواة لتدريب هذه الجموع.. فيلقنون مبادئها وأغراضها وتدريباتها حتى يبثوها في صدور من يشرفون عليهم.
3- تشكيل مجموعة بكل شعبة من شعب الإخوان من عشرة من الإخوان العاملين وتشربوا الفكرة لمدة ثلاث سنوات على الأقل.
4- السماح بانضمام خمسة أفراد لكل مجموعة كل شهرين، وبذلك يتيسر أن يتشربوا هذه المبادئ عن طريق العشرة، وبذلك يتسنى لهم أن يتأثروا بطباع الأولين.
ثم بدأ التنفيذ العملي للفكرة كالآتي:
1- تكوين المجلس الأعلى للجوالة من سبعة أفراد: الأستاذ البنا رئيسا أعلى للجوالة، والدكتور حسين كمال الدين مديراً عاماً، والصاغ محمود لبيب مفتشاً عاماً، ومحمود أبو السعود وسعد الوليلي وعبد الغني عابدين وعبد العزيز أحمد أعضاء.
2- افتتاح مدرسة المدربين لتخريج عدد 35 مدرباً للإشراف على هذه المجموعات، وقد تم تخريجهم بعد شهرين على أيدي صفوة من رجال الكشف.
3- تكونت المجموعات، في محيط القاهرة مبدئياً، وأشرف عليها هؤلاء المدربون.
4- وتم تطبيق المشروع في الإسكندرية بعد القاهرة وأعد معسكر عام لمندوبين من المديريات لإعدادهم للإشراف على شئون مناطقهم.
5- وفي بداية عام 1941 كان تعداد جوالة "الإخوان المسلمون" 2000 جوال وفي عام 1942، 15000 جوال، وفي عام 1946 وبعد الإقبال الشعبي الجارف على دعوة الإخوان أصبح عدد جوالتهم 60000 وتضاعف هذا العدد في السنوات التالية.
تميز جوالة الإخوان:
كذلك تطورت جوالة "الإخوان المسلمون" حتى صارت جندا كشيفاً يفرح لرؤيته قلب كل مؤمن، ويحترق غيظا وكمداً قلب كل متكبر حقود.
منذ دخل نظام الكشافة مصر، كانت الفرق تنشأ على أسس فئوية طلابية أو عمالية، فكنت ترى في النادي الواحد فرقة للطلاب وأخرى للعمال.. أما فرق الإخوان فترى في الفرقة الواحدة الطالب بجانب العامل، والفلاح بجانب المدرس، والتاجر بجانب الموظف وإمام المسجد، والصانع بجانب المهندس، والمرءوس بجانبه الرئيس والشاب بجانب الشيخ، ذلك أن هؤلاء جميعا على اختلاف أسنانهم ومؤهلاتهم ومهنهم وطبقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لم ينخرطوا في سلك الجوالة إلا بعد أن صهروا في بوتقة الدعوة الإسلامية ثم صيغوا من جديد صياغة نزعت من نفوسهم الأنانية والأثرة والكبر والتعالي، وأحلت محلها روح الأخوة والإيثار والتواضع والحب.
وإذا كانت فرق الكشافة والجوالة في أي مكان لا تتعدى أهدافها إسعاف غريق ومساعدة شيخ ضعيف وتجبير كسر، فإن جوالة "الإخوان المسلمون" ذات أهداف أبعد من ذلك مرمى، وأشق طريقاً، فكل جوال منهم نذر نفسه أن يكون فداء للمجتمع، ويعتبر انخراطه في سلك الجوالة طريق الإعداد ليوم الجهاد.. ولعل هذا هو الذي جعل الناس ينظرون إلى جوالة "الإخوان المسلمون" نظرة أخرى غير تلك التي ينظرون بها إلى الجوالة الآخرين.
ولو أنك شاهدت عرضا لجحافل جوالة "الإخوان المسلمون" وهي تخترق شوارع القاهرة في شجاعة ونظام وعلى رأسها الأخ الكريم سعد الدين الوليلي، لأحسست بالفخر والاعتزاز أن أصبح للحق والفضيلة حماة أشداء وجنود أوفياء.
ولم تكن هذه الجحافل مقصورة على القاهرة وإنما كانت كل حاضرة في القطر تعتز بجحافلها وتنساب منها روح الفخر والاعتزاز بالحق إلى أهلها، ولم تخل شعبة مهما صغر حجمها وبعد مكانها من فرقة خاصة بها تجمع شبابها وشيوخها.
ولم يكن هؤلاء الجنود يحطمون الخمارات أو يقتحمون أماكن الفجور أو يتعقبون الأشرار والمفسدين، ومع ذلك فإن الفساد والفجور والشر كان يتوارى خوفاً وفزعاً من هذه القوة التي علموا أنها من وراء الحق والفضيلة، ولم يعد أحد ممن كانوا يجاهرون بالرذيلة يستطيع أن يرفع رأسه، بل إن كثيرين من هؤلاء أقلعوا عن الشر وتابوا، واتخذوا أماكنهم في صفوف هذه الجحافل.. وصدق الله العظيم إذ يقول: {لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون} [الحشر: 13].
وإذ يقول: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم} [الممتحنة: 07]، وكان الأستاذ البنا كثيرا ما يقول: لا قيام للباطل إلا في غفلة الحق.
آثار الجوالة في المجتمع المصري
1- كان الشعب المصري يغط في سبات عميق شأنه في ذلك شأن جميع شعوب الأمة السلامية، وكان اليأس يخيم على النفوس والاستسلام والسلبية والانهزامية أدواء تسري في القلوب والأرواح سريان السم القاتل.. فجاءت جوالة "الإخوان المسلمون" ببرامجها ومناهجها وأساليبها الإصلاحية وأناشيدها الحماسية فأيقظت الغافل وأحيت الأمل في نفس البائس، وأحيت مفاهيم الجهاد، وقضت على السلبية والانهزامية وبعثت الإيجابية وروح الفتوة والشجاعة في النفوس.
2- في سنة 1945 عندما انتشر وباء الملاريا في صعيد مصر جندت قيادة الإخوان جميع أفراد جوالتها في هذه المناطق لمواجهة هذا الخطر فعملوا جنبا إلى جنب مع موظفي وزارة الصحة وهيئات الهلال الأحمر، فضربوا أروع الأمثلة في التفاني وإخلاص العمل وعلو روح النجدة.
وفي هذا الوقت العصيب حيث كان صعيد مصر يئن من وطأة وباء الملاريا، وإذا به يفاجأ ببلاء الفيضان الطاغي الذي عم القرى ودمرها.. فكانت جوالة "الإخوان المسلمون" هم الحراس الذين قاموا بحراسة الجسور والتبليغ عنها، والعمل مع الأهلين ورجال الإدارة في إنشاء تحصينات تقي الكثير من القرى من طغيان الفيضان. ولم يكن ذلك في الصعيد فحسب بل كان العبء الأكبر يقع على جوالة الإخوان في مناطق الوجه البحري يحرسون قراه ويحصنون جسوره.
3- وفي عام 1947م انتشر وباء الكوليرا في مصر وبخاصة في الوجه البحري انتشار النار في الهشيم.. في هذه الظروف العصيبة حيث كان كثير من المسئولين يفرون أمام خطر الموت يضع حسن البنا 70000 سبعين ألف من جوالة "الإخوان المسلمون" تحت إمرة المسئولين في وزارة الصحة والجهات المعنية ليعملوا في دفع هذا الوباء، فأبلوا في هذا الشأن بلاء عظيماً، وساهموا في النشاط الطبي أحسن مساهمة.
لقد كان لدقتهم في الاتصال وسرعتهم في التبليغ عن الحالات المصابة ومحاصرة القرى الموبوءة ومنع دخول أحد أو خروجه منها، وعزل الأصحاء عن المرضى، ونشر الإرشادات الصحية، والقيام بأعمال النظافة وتطهير المساكن بالمطهرات الكيماوية وغيرها.. لقد كان لهذه الجهود أثر عظيم في نجاح القماومة ووقف انتشار هذا الوباء الذي نشر معه الخوف والرعب والفزع في قلوب المصريين.. وكان من تقدير المسئولين في ذلك الحين ما أعلنه وزير الصحة الدكتور نجيب اسكندر من الإشادة بمجهود جوالة الإخوان، كما رأت وزارة الشئون الإجتماعية أن تقدم لشباب الإخوان مكافآت مالية تقديرا لدورهم، ولكن الأستاذ المرشد رفض هذه المكافآت، ذلك أن "الإخوان المسلمون" كانوا يقومون بواجبهم الوطني الذي يفرضه عليهم دينهم وعقيدتهم ومشاعرهم الإسلامية.
4- المساهمة في ميادين الخدمة العامة، ففي محيط القرية المصرية مثلا: قاموا بتنظيف حواريها وشوارعها بأيديهم، وأعدوا فوانيس لإضاءتها وقدموا خدمات صحية وعملوا على نشر الوعي الصحي بين الأهلين، وحاربوا الجهل بفتح فصول لمحو الأمية، وعملوا على نشر روح الحب والوئام بين أهل القرية بتشكيل مجالس مصالحات.
ج- خدمات وطنية وقومية
- الخدمات الوطنية:
ونقصد بها ما كان في نطاق القطر الخاص وهو مصر.. فماذا قدم الإخوان لوطنهم الخاص؟
يصف الإمام الشهيد حسن البنا الصورة التي سارت عليها الدعوة خلال السنوات العشر الأولى من عمرها، فيقول: "كانت مصر يوم نبتت هذه الدعوة المجددة لا تملك من أمر نفسها قليلاً ولا كثيراً، يحكمها الغاصبون، ويستبد بأمرها المستعمرون، وأبناؤها يجاهدون في سبيل استرداد حريتها والمطالبة باستقلالها، ولم يخلُ الجو من منازعات حزبية، وحزازات سياسية تذكيها المآرب الشخصية، ولم يشأ "الإخوان المسلمون" أن يزجوا بأنفسهم في هذا الميدان، فيزيدوا خلاف المختلفين، ويمكنوا للغاصبين، ويلونوا دعوتهم وهي في مهدها بلون غير لونها، ويظهرها للناس في صورة غير صورتها، فتقلبت الحكومات، وتغيرت الدولات وهم يجاهدون مع المجاهدين ويعملون مع العاملين منصرفين إلى ميدان مثمر منتج هو ميدان الأمة وتنبيه الشعب، وتغيير العرف العام، وتزكية النفوس، وتطهير الأرواح وإذاعة مبادئ الحق والجهاد والفضيلة بين الناس"..
في غضون هذه المرحلة اعتمد الأستاذ البنا أسلوب كتابة الرسائل إلى رؤساء الحكومات المتعاقبة، مطالبا بإصلاح الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. وظلت هذه هي وسيلة الإخوان في مخاطبة الحكومات حتى قويت شوكتهم وأصبحوا قوة شعبية لها أثرها وخطرها، فلم يكتفوا حينئذ بالرسائل والمكاتبات بل كانت المؤتمرات العامة الضخمة والمظاهرات القوية التي تسقط الحكومات.
وبانتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945م نزلت الجماعة إلى المعترك السياسي بكل ثقلها، وقادت الحركة الوطنية وألهبت المشاعر ضد الاحتلال وقواته. حتى أصبحت نفوس المصريين تغلي بالسخط والنقمة على الاستعمار وأعوان الاستعمار من الحكومات الحزبية المتاجرة بالقضية الوطنية، لهذا لقي الإخوان مقاومة عنيفة م كل الحكومات التي تولت السلطة بعد الحرب العالمية الثانية.
وزار الإمام البنا النقراشي وأهاب به أن يشرع بالعمل في سبيل الحقوق الوطنية وإلا فليدع الأمة إلى الجهاد ويتقدمها في سبيله، ولكن النقراشي آثر أسلوب المفاوضات والمذكرات الذي لم يقبله الإخوان فقاموا بمظاهرة مع الطلاب يرفضون هذا الأسلوب انتهت بحادثة كوبري عباس الشهيرة واستقالة الحكومة.
وجاءت حكومة إسماعيل صدقي ودعا الأستاذ البنا جميع الأحزاب والهيئات إلى تأليف لجنة قومية توحد القوى وتنظم الصفوف ولكنه لم يجد استجابة، وقدم النصح إلى صدقي ليقطع المفاوضات مع الإنجليز ويتجه إلى الجهاد السافر، ولكن رئيس الحكومة لم يسمع لهذا النصح فاشتعلت ضده المظاهرات في جميع أنحاء البلاد وسقط مشروع "معاهدة صدقي – بيفن" وسقطت من بعده الحكومة.
وجاءت وزارة النقراشي الثانية في 10 ديسمبر 1946م وفي يوم تأليفها نشر الأستاذ البنا مقالاً دعا فيه الحكومة الجديدة إلى اختصار الطريق واحترام إرادة الأمة، وإنهاء المفاوضات وسلوك سبيل الجهاد، ثم تابع نشر مقالاته في الجريدة مسفها منهاج الحكومة، مشيراً إلى أنها حاربت الإخوان، وأغلقت مدارسهم، وسجنت أحرارهم، ولاحقتهم بالتضييق والإرهاق، وكانت هذه بداية حرب بين النقراشي والإخوان.. ورغم ذلك، فقد ضرب الإخوان الأمثلة على إخلاصهم وتأييدهم للحق من غير أن يتأثروا بعداوة عدو أو صداقة صديق، وبدت هذه المثالية عندما ساندوا النقراشي وهو يعرض القضية الوطنية في مجلس الأمن بدعوتهم الهيئات الوطنية والشعب لإعلان تضامنه مع الحكومة في مطالبتها بحقوق البلاد فخرجت مظاهرة ضخمة من الأزهر تهتف بمطالب الأمة، وفي نفس اليوم قامت مظاهرات في طنطا وبور سعيد والإسكندرية، وأرسل الأستاذ المرشد برقية إلى مجلس الأمن لتأييد النقراشي وأرسل الأستاذ مصطفى مؤمن مندوبا عن شباب الإخوان إلى نيويورك حيث مقر الأمم المتحدة ليعمل هناك على تأييد النقراشي وجذب انتباه العالم إلى مصر وقضية مصر ويذكر أعضاء مجلس الأمن بحقوقنا المهضومة.
وأصدر مجلس الأمن قراراً بتأجيل قضية مصر إلى أجل غير مسمى، ورجع النقراشي وكان الجميع ينتظرون منه أحد موقفين إما أن يقود الشعب للنضال ضد الإنجليز وإما أن يقدم استقالته، ولكنه رجع واتخذ موقفاً آخر غير هذين هو السكوت المطبق وكأن مصير البلاد لا يعنيه في شيء.
وكان من المنتظر أن يقوم الإخوان بعمل قوي يصحح الوضع ويلزم هذه الوزارة بالتخلي عن تبلدها، ولكن كارثة كبرى حلت بالعالم الإسلامي هي صدور قرار هيئة الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، مما جعل الإخوان يكرسون جهودهم لدفع كارثة فلسطين، منتظرين يوم الدم وهو يوم الفصل في القضية الوطنية.
خلاصة القول لقد كانت صحافة الإخوان ونواديهم ومؤتمراتهم وشعبهم المنتشرة في أرجاء القطر مدارس للوطنية والجهاد والكفاح إبان المطالبة بالحقوق الوطنية المغصوبة، لأنه ليس هناك في مصر هيئة غنية بخطبائها ودعاتها المخلصين "كالإخوان المسلمون"، على أنه يمكننا أن نقول إن الإخوان قاموا في الناحية الوطنية بالخدمات الآتية:
1- محو الأمية السياسية في الأوساط الشعبية وحثها على المشاركة في الجهود الوطنية.
2- إحياء روح الجهاد وبث خصائص الرجولة في نفوس الشباب، هذه الخصائص التي قتلها الاستعمار بتزيين الخنوثة وإشاعة الانحلال.
3- توعية الأمة بحقيقة ما يدور في الموقف السياسي وبخاصة إذا كان هناك ما يدبر في الظلام لغير صالح البلاد.
4- تربية جيل جديد ملتهب غيرة ووطنية وحماسة، ويكون على أهبة الاستعداد لبذل روحه وماله في سبيل تطهير أوطانه من دنس الغاصبين والمستعمرين.
وعندما جد الجد وحان يوم الدم كان شباب الإخوان أسرع شباب الأمة في مواجهة قوا ت الإمبراطورية على القناة حيث أحالوا قاعدتهم العسكرية سعيراً يتلظى بالنار والدخان مما جعلهم يفقدون الأمل في بقائهم على أرض مصر بعد أن دخل الميدان هذا العنصر الجديد.
- الخدمات القومية
يعمل الإخوان المسلمون لصالح وطنهم الخاص ويضحون بأموالهم وأرواحهم في سبيل عزته وكرامته وسعادته، ولا يعني ذلك أنهم يؤمنون بالقومية العنصرية التي حاول المستعمرون وأذنابهم الترويج لها في شعوب الأمة الإسلامية حتى تتفكك روابطها وتنفصهم عرى وحدتها، فهم يرفضون القول بالفرعونية والعربية والفينيقية والسورية والطورانية.. فإذا كانت حدود وطنيتهم هي العقيدة وليست التخوم الجغرافية فإن حدود القومية قد امتدت في حسهم فشملت كل المسلمين منهما اختلفت أجناسهم، ذلك أنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
إذن، فما هي خدمات "الإخوان المسلمون" على هذا النطاق؟
ينص قانون الإخوان ولائحتهم الداخلية على أن قسم الاتصال بالعالم الإسلامي من أقسام مكتب الإرشاد الأساسية، وحددت اللائحة أغراض هذا القسم بما يلي:
أ- العمل على ربط الأقطار الإسلامية بعضها ببعض وتوحيد السياسة العامة لها، بتوحيد مناهج الثقافة الإسلامية وتوحيد القوانين والتشريعات، ورفع الحواجز الجمركية وتسهيل إجراءات الدخول والإقامة في هذه الأقطار.
ب- تحرير الأوطان الإسلامية من كل سلطان أجنبي وذلك بتقوية الروح الوطنية ومقاومة أي عدوان داخلي أو خارجي على حقوق الشعوب وإيثار العادات والمظاهر الإسلامية والاعتصام بالوحدة العربية والإسلامية والتعاون على استكمال الحرية لكل قطر من الأقطار الإسلامية.
ت- إقامة حكومات إسلامية دينا ودولة في كل هذه البلاد وتكوين وحدة سياسية إسلامية.
وينشأ في القسم لجان على أوجه النشاط المختلفة منها:
1- لجنة الشرق الأدنى وتضم البلاد العربية وباقي الشعوب الإسلامية في إفريقيا كما تضم تركيا وإيران.
2- لجنة الشرق الأقصى "أفغانستان – تركستان – الصين – الهند – الهند الصينية – أندونيسيا – اليابان".
3- لجنة الإسلام في أوروبا:
يدرس القسم قضايا العالم الإسلامي ويعد لكل قضية ملفاً خاصاً كما يعد لكل قطر ملفاً يشمل كل ما يهم معرفته عن هذا القطر مما يتصل بأغراض القسم.
لقد بعث هذا القسم بأنشطته المختلفة الأخوة الحقيقية بين أبناء الأمة الإسلامية الواحدة {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} [الأنبياء: 92].. فكان المركز العام "للإخوان المسلمون" كخلية النحل يعج بالزائرين المسلمين من الأقطار الإسلامية وكبار رجال الإسلام ودعاته في العالم الإسلامي.. كان ملاذ زعماء حركات التحرر في الأوطان الإسلامية، يجدون فيه الأمن والقلوب الحانية والسواعد التي تمد يد العون لهم...
لقد وقف الإخوان يساندون الشعوب الإسلامية في كفاحها ضد الاستعمار، وينددون بإجراءات القمع التي تتخذها سلطات الاستعمار ضد الأحرار في البلاد الإسلامية.. لم يقفوا مكتوفي الأيدي في سبيل حصول الأوطان الإسلامية على استقلالها فأبدوا الإستعداد بأن يرسلوا مجاهديهم في أي مكان جنبا إلى جنب في المعركة مع أهل البلاد.. ينطق بهذا الدور الوثيقتان اللتان نشرتهما مجلة "الوطن العربي" التي تصدر في باريس في عددها رقم 201 الصادر في ديسمبر 1980 ضمن سلسلة "حلقة جديدة من وثائق وزارة الخارجية الفرنسية"، وهما وثيقتان رسميتان سمحت وزارة الخارجية الفرنسية بنشرهما بعد أن انقضت الفترة القانونية للحفاظ على سريتهما، وهما مرسلتان من السفارة الفرنسية بالقاهرة في أول آيار 1944 بالشفرة رقم س. و – 594/04. وقد تضمنت هاتان الوثيقتان ما يلي:
"لقد أرهقنا الإخوان المسلمون من كثرة ما أرسلوا إلينا – أي السفارة الفرنسية في القاهرة – من العرائض التي تندد ببقائنا في الجزائر وسائر دول شمال إفريقيا، وتطالب بجلائنا عنها، والعديد من العرائض والاحتجاجات المتعلقة بفلسطين".
لقد شارك الإخوان بحق كل شعوب الأمة الإسلامية همومها.. شاركوها آمالها وآلامها انطلاقا من إيمانهم بأن الذي لا يهتم بأمر المسلمين ليس منهم...
لقد تحولت الدعوة إلى الإخوة الإسلامية على أيديهم من مجرد أقوال باللسان إلى عملية تآخ فعال، وانتقلت بهم الدعوة إلى الجامعة الإسلامية من مستوى الشعارات والكلمات إلى مستوى الخطط والبرامج والأعمال.. وهذه دماء شهدائهم التي روت أرض فلسطين خير شاهد على ذلك.
إن مرشدهم عندما كان ينادي بأعلى صوته: لبيك فلسطين.. لبيك فلسطين، لم يرد أن يدخل بهذا سوق المزايدات بهذه القضية المقدسة، ولكن كان من ورائه عشرة آلاف مجاهد من مجاهدي الإخوان على أهبة الاستعداد..
لقد دخل اليهود فلسطين وأقاموا عليها دولتهم، وأصبحوا الآن أكبر قوة ضاربة في منطقة الشرق الأوسط وبرغم ما أصاب الإخوان على يد عملائهم من بلايا ومحن فإنهم لا يخشون أحداً على وجودهم غير الإخوان وغير الإسلام..
يقول الكاتب البريطاني توم لتل في كتابه "مصر الحديثة" الذي نشره عام 1967م أي في سنة النكسة:
"وإن نداءات وشعارات الإخوان الصارخة كانت مطعمة بشعور البطولة والاستعلاء على السلطة، وذلك لأن الحركة كانت قد أرسلت وحداتها المقاتلة ومتطوعيها إلى الجبهة، ومما سبب بروزهم في ساحة القتال معنوياتهم العالية وروح الرغبة في القتال – هذا يحدث في فترة مظلمة في الخيانات والارتجالية في السياسة العربية الرسمية – لذلك كان الإخوان مناراً للوطنية العربية. ولذلك هرعت الآلاف للانضمام إلى الحركة إلى أن تمكنت بعد ذلك أن تفخر بمليوني عضو، وإن غضبة الشعب بعد هزيمة فلسطين بالإضافة إلى جهاز دعاية الإخوان ضد الوضع أدى إلى أعمال عنف ضد اليهود والأجانب بصورة عامة في القاهرة.
وتحت عنوان "إسرائيل تعتقل الإخوان" ذكرت مجلة الوطن العربي في 06/03/1981م، أن السلطات اليهودية اعتقلت عشرات الشباب العرب من فلسطين المحتلة عام 1948م، بحجة أنهم ينتمون إلى منظمة سرية تابعة "للإخوان المسلمون"، تخطط للقيام بعمليات ضد الاحتلال اليهودي في فلسطين.
***
لقد ارتفع الإخوان وسموا بمعنى الوطنية والقومية إلى آفاق عليا.. لقد كان الإمام البنا يحدث الإخوان إبان محنة الاضطهادات والاعتقالات التي أعقبت قرار حل سنة 1948م، بقصة الطفل الذي اختصمت عليه امرأتان إلى سليمان الحكيم، وادعت كل منهما بنوته، فحكم بشطره نصفين بينهما، فوافقت المرأة التي لم تلده على قسمته، بينما لم توافق الأم الحقيقية، وتنازلت عن نصيبها في ابنها نظير أن يظل متمتعا بحياته.. وكان يعقب على هذه القصة بقوله: "إننا نمثل نفس الدور مع هؤلاء الحكام، ونحن أحرص منهم على مستقبل هذا الوطن وحريته، فتحملوا المحنة ومصائبها، وأسلموا أكتافكم للسعديين ليقتلوا ويشردوا كيف شاءوا، حرصا على مستقبل وطنكم وإبقاء على وحدته...".
وهناك موقف آخر من مواقف السمو بمعنى الوطنية على يد "الإخوان المسلمون".. ذلك هو موقف مجاهديهم الأبطال في حرب فلسطين بعد صدور قرار الحل، فقد ظنت القيادة أنهم سوف يتخاذلون عن معونة الجيش، وخاصة أن الأزمة قد أخذت بخناق الجيش، بسبب الخطط العرجاء التي كان يمليها ساسة القاهرة العملاء على قواد الميدان.. ولكن الإخوان أبدوا روحاً عالية، ووطنية مثالية، فحاربوا بكل بساطة وقاتلوا قتال الأبطال في جميع المواقع بعد الحل ولم يتأثروا أو يغضبوا لما يحدث للإخوان في مصر على يد الأنذال من رجال الحكومة في مصر، حتى قال اللواء فؤاد صادق قائد الجيش في ذلك الوقت عندما سئل عن الإخوان: "كان الإخوان المسلمون جنودا أبطالا أدوا واجبهم كأحسن ما يكون".