الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: حسن البنا مواقف في الدعوة والتربية
المؤلف: عباس السيسي
التصنيف: سياسي
 

حسن البنا.. والقول الفصل في مؤامرة الحل

رد حسن البنا على مذكرة عمار بك بحل الإخوان - اليهودية العالمية والشيوعية الدولية .. والإباحية وراء قرار الحل

{بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغهع فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون} [الأنبياء: 18].

في الثامن من ديسمبر سنة 1948م أصدر محمود فهمي النقراشي رئيس الحكومة السعدية بصفته الحاكم العسكري أمراً بحل جماعة "الإخوان المسلمون" ومصادرة أموالها وأملاكها ونشاطها واعتقال أفرادها وقياداتها.. وكان فضيلة المرشد العام يعلم بما يبيته هؤلاء، فهل ترك الكارثة تقع دون أن يعمل على درء وقوعها؟

لم يكن حسن البنا بالرجل الذي يستسلم أو يستكين مهما أحاط به عدوه من كل جانب، لقد تناسى ما يعلمه من أن هذه الحكومة صنيعة المستعمر، وأنها حكومة فاشلة حاقدة، وطلب مقابلة النقراشي باشا، فلما حيل بينه وبين ذلك[1] ذهب إليهم في عقر دارهم بوزارة الداخلية في الليلة التي يضعون فيها اللمسات الأخيرة لنصوص الأمر العسكري، وجلس مع كبيرهم عبد الرحمن عمار – وكيل وزارة الداخلية – وقارعه الحجة بالحجة، فأثبت له زيف ما بنوا عليه هذا الأمر، وشرح له ولمن معه ما سوف يحيق بالأمة من أضرار بالغة من جراء هذا الأمر إذا هم أقدموا عليه، وناشدهم أن يجنبوا الأمة هذه الأخطار بالعدول عن إصداره.. وقد أبدى لهم استعداده أن يتعاون معهم بالوسائل المشروعة على ما يعود على هذه الأمة بالخير.. أسلوب رجل أكبر من الأحداث، وأقوى من أن تجرفه العواطف.. فهو يكره القوم، ولكن كرهه إياهم لا يمنعه من أن يبذل جهده في إقالتهم من عثرة ستودي بالبلاد وتحطم مستقبلها.

إنه يعلم أنهم يعدون قراراً بتجريمه، ولكنه لثقته في نفسه ولتيقنه من براءة ساحته – يذهب إليهم ويمحضهم النصح، ويعاملهم معاملة الوالد الذي استبد بأبنائه العقوق، فجلسوا يدبرون أمراً يعلم هو أن فيه هلاكهم وهلاك أهليهم، فأخذ يبصرهم بالعواقب، ويمد لهم يده للتعاون معهم إلى إنقاذهم وإنقاذ أهليهم.. ولكن العقوق كان فقد بلغ بهم مبلغاً لا يدع للنصح إلى نفوسهم سبيلاً، وأصروا على مؤامرتهم، وأخرجوها إلى حيز التنفيذ[2].

لم تنجح محاولات الأستاذ وصدر الأمر العسكري والمذكرة التفسيرية التي بنى عليها هذا الأمر، فكتب مذكرة إضافية فند فيها الاتهامات الباطلة التي انتحلها وكيل الداخلية في المذكرة التفسيرية لقرار الحل، وهي المذكرة التي نشرت بعنوان "قول فصل"[3].

هذه المذكرة العظيمة، رغم أنها تعالج موقفاً سياسياً بين جماعة مغلوبة على أمرها وسلطات غاشمة مجرمة نفذت أمراً عسكرياً بحلها بإملاء من سادتها المستعمرين، وبتدبير من اليهودية العالمية على أثر انتكاس حرب فلسطين وتوقيع "معاهدة رودس" التي شرطت في أحد بنودها على أن تقوم الدول العربية بحل جميع الهيئات الدينية المتطرفة – في زعمهم – والإخوان بالطبع على رأس هذه الهيئات التي تحارب العصابات اليهودية في فلسطين وتشكل خطراً على كيانها، ورغم أن الموضوع يقتضي أن يعالج بطريقة هادئة فيها بعض المهادنة عساه يطفئ نار الفتنة ويحقق الوصول إلى نتيجة فيها مصلحة الجماعة وإخراجها من مأزق محنة مدبرة على أوسع حدود أبعد من حدود مصر ذاتها.. رغم كل هذا فإن هذه المذكرة فضحت المؤامرة، وكشفت أن حل الجماعة جاء استجابة لإرادة الدوائر الاستعمارية وتنفيذاً لمخططات الصليبية واليهودية العالمية والشيوعية الدولية.. فمن المجرم،  ومن هم الخونة الذين خانوا أمانة الإسلام والأوطان؟!!.

وفيما يلي نص هذه المذكرة ببعض الاختصار، كما نشرت بعد عام من كتابتها في 12/12/1949 بعنوان:

 

"رد حسن البنا على مذكرة عمار بك بحل الإخوان"

"عمار بك يقر بأن قرار الحل جاء نتيجة للضغط الأجنبي على النقراشي باشا".

 

بسم الله الرحمن الرحيم – الحمد لله الذي يقول الحق وهو يهدي السبيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وبعد:

فقد تقدم سعادة وكيل الداخلية عبد الرحمن عمار بك بمذكرة ضافية بتاريخ 08/12/1948 عن تاريخ "الإخوان المسلمون" وغايتهم ووسيلتهم، وطلب في نهايتها اتخاذ التدابير الحاسمة لوقف نشاط هذه الجماعة التي تروع أمن البلاد في وقت هي أحوج ما تكون فيه إلى هدوء كامل وأمن شامل ضمانا لسلامة أهلها في الداخل وجيوشها في الخارج.

الأمر العسكري:

وقد اتخذ دولة الحاكم العسكري من هذه المذكرة سبباً لإصدار الأمر العسكري بحل "جمعية الإخوان المسلمون" ومصادرة أنديتهم وأموالهم وأملاكهم ونشاطهم في جميع أنحاء البلاد، واعتقال رؤسائهم وكثير من أعضاء هيئتهم بالجملة في كل مكان، وإعلان حرب عنيفة لم توجه إلى الصهيونيين الذين شرعت الأحكام العسكرية من أجلهم، وأذن بها من أجل اتقاء شرهم.

وإقراراً للحق في نصابه أردت أن أناقش ما جاء في هذه المذكرة ليرى الرأي العام المصري والعربي والإسلامي تفاهة هذه الأسباب، ومدى العدوان الذي وقع على أكبر مؤسسة إسلامية شعبية نافعة في مصر أدت للوطن وللدين أجل الخدمات طوال عشرين عاماً كاملة.

بطلان دعوى الإجرام والإرهاب:

يقول وكيل الداخلية في مذكرته: "ولقد تجاوزت الجماعة الأغراض السياسية المشروعة إلى أغراض يحرمها الدستور وقوانين البلاد، فهدفت إلى تغيير النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية بالقوة والإرهاب، ولقد أمعنت في نشاطها فاتخذت الإجرام وسيلة لتنفيذ مراميها، وأخذ سعادته بعد ذلك يستشهد ببعض الحوادث ويورد  "بعض أمثلة قليلة لهذا النشاط الإجرامي كما سجلته التحقيقات الرسمية" وذكر ثلاث عشرة حادثة كلها مردودة، ولا توصل إلى ما يريد سعادته من إدانة هيئة "الإخوان المسلمون" ووصف نشاطهم القانوني المثمر بأنه نشاط إجرامي.

وهذا القول منقوض من أساسه فلم يكن الإجرام يوماً من الأيام من وسائل هيئة "الإخوان المسلمون" فإن وسائلهم ظاهرة معروفة، فهذه المحاضرات والدروس والرسائل والصحف، والأندية والدور، والمساجد والمنشآت ناطقة بأن وسائل هيئة الإخوان المسلمون لم تتعارض مع القانون في يوم من الأيام.

حقيقة الحوادث:

ويكفي للرد على سعادة الوكيل أن القانون حمي هذا النشاط عشرين سنة، ولم يستطع أحد الاعتداء عليه إلا في غيبة القانون وفي ظل الحكم العرفي الاستثنائي الفردي البحت، والذي ينص الدستور في المادة 155: "بأنه إذا عطلت الحريات فإن ذلك لا يكون إلا تعطيلاً مؤقتاً ينتهي هذا التعطيل بانتهاء الأحكام العرفية...".

أولاً: الجناية العسكرية العليا رقم 883 لسنة 1942 قسم الجمرك:

وقد كان موضوع الاتهام فيها الدعاية للمحور. وشاء ذوو الأغراض أن يقحموا فيها "الإخوان المسلمون". وادعى أحد المتهمين أنه عرض على الأستاذ البنا شخصياً أنواعاً من السلاح والعتاد الألماني، وأن الأستاذ البنا سر بذلك، ورحب بالحصول على هذه الأسلحة، وأن الوسيط في ذلك أخوان من إخوان طنطا، وقد قبض عليهما فعلاً وقضيا في السجن ثمانية أشهر ونصف الشهر، فماذا كانت النتيجة بعد ذلك؟.. كانت أن كذب هذا المدعي نفسه حينما ضيق عليه المحقق الخناق وهدده بالمواجهة، وحكم ببراءة الأخوين براءة نقية واضحة كاملة، فهل تصلح مثل هذه النتيجة تكأة للاتهام؟!

ويتصل بهذه القضية ما ذكره سعادة الوكيل من موافقة الأستاذ حسن البنا على تقرير لأحد إخوان طنطا وكتابته بخطه أنه مؤمن بما ورد فيه، وعرض الموضوع على هذه الصورة فيه انتقاص للحقيقة، فلقد كان التقرير مطولا وكانت إشارتي عليه بالموافقة على بعضه وتعديل بعضه، ولو كان في هذا التقرير ما يؤاخذ عليه لحوكم صاحبه ولما صدر قرار المحكمة ببراءته، فقد كان المتهمين المقبوض عليهما في الجناية السابقة.

ثانياً: الجناية رقم 679 لسنة 1946 قسم ثان بورسعيد:

ويعلم الخاص والعام أن "الإخوان المسلمون" كانوا معتدي عليهم فيها ولم يكونوا معتدين. فقد أخذوا على غرة، وحوصرت دارهم، وحرق ناديهم الرياضي ولم تثبت إدانة أحد منهم في شيء، ولم يكن القتيل الذي قتل خصماً من خصوم الإخوان، ولكنه كان صبياً في الطريق – جعله الله لأهله ذخراً – ولكن سعادة الوكيل يأبى إلا أن يجعله خصماً من خصوم الإخوان ليوهم الناس أنهم يعتدون على خصومهم بالسلاح.

ثالثاً: بتاريخ 10 ديسمبر 1946:

ضبط بعض أفراد هذه الهيئة بمدينة الإسماعيلية يقومون بتجارب لصنع القنابل والمفرقعات.. وهي واقعة لا أصل لها بتاتا فيما أذكر. وإني لأسأل سعادة الوكيل من هم هؤلاء الأشخاص؟ وهل حوكموا؟ وبماذا حكم عليهم؟ لأن الإخوان بالإسماعيلية معروفون كفلق الصبح، ولا أذكر أن أحداً منهم وجه إليه مثل هذا الإتهام في يوم من الأيام.

رابعاً: الجناية رقم 767 لسنة 1946 قسم عابدين بمناسبة حوادث 24 ديسمبر سنة 1946:

والشخص الذي أدين في هذه الجناية لم يثبت أنه أمر بهذا من قبل الإخوان أو اشترك معه أحد منهم، وقد كانت هذه الحوادث شائعة في ذلك الوقت بين الشباب بمناسبة الفورة الوطنية التي لازمت المفاوضات السابقة. ولقد حدث بالإسكندرية أكثر مما حدث بالقاهرة، وضبط من الشباب عدد أكبر وصدرت ضدهم أحكام مناسبة، ولم يقل أحد أنهم من "الإخوان المسلمون" فتحمل الهيئة تبعة هذا التصرف لاحق فيه ولا مبرر له.

خامساً: حادث اشتباك الجوالة بمأمور قسم الخليفة يوم 29 يونيو سنة 1947:

حادث عادي ولم يكن فيه اعتداء بالمعنى الذي صوره سعادة الوكيل، فقد اعترض المأمور ورجاله سير طابور نظامي من جوالة "الإخوان المسلمون" وأراد منعهم بالقوة واشتبك مع قائدهم، وأشيع بينهم أن المأمور مزق المصحف الذي كان يحمله أحدهم، فثارت نفوسهم، ثم انتهى الأمر بالتفاهم كما تنتهي عادة مثل هذه الاحتكاكات بين البوليس والجمهور في أي اجتماع من الاجتماعات يتصرف فيه رجل بوليس بغير الكياسة واللباقة المناسبة للموقف.

سادساً: الجناية رقم 4726 لسنة 1947:

ثبت أن الذي اتهم فيها غير مسئول عن عمله وسقط الاتهام ضده، وما زال في المستشفى إلى الآن، فما وجه الاستشهاد بها في مذكرة رسمية؟ وهل تكون هيئة "الإخوان المسلمون" مسئولة عن عمل شخص يتبين أنه هو نفسه غير مسئول عن عمله؟!

سابعاً: هؤلاء الخمسة عشر الذين ضبطوا في 9 يناير سنة 1948:

بعضهم من الإخوان ومعظمهم لا صلة له بالإخوان أصلاً، ولقد برروا عملهم بأنهم يستعدون للتطوع لإنقاذ فلسطين حينما أبطأت الحكومة في إعداد المتطوعين وحشد المجاهدين الشعبيين.. وقد قبلت الحكومة منهم هذا التبرير وأفرجت عنهم النيابة في الحاله.. فما وجه إدانة الإخوان في عمل هؤلاء الأفراد خصوصاً وقد لوحظ أنه نص في قرار النيابة بأن الحفظ لنبل المقصد وشرف الغاية.

ثامناً: والجناية رقم 1407 لسنة 1948 كوم النور:

كان الاشتباك في حادثتها لأسباب عائلية بحتة لا صلة لها بالرأي، وإن كان كل فريق ينتمي إلى هيئة من الهيئات، وكثيراً ما يقع مثل هذا الاشتباك في القرى بين من لا صلة لهم بحزب أو هيئة.

تاسعاً: وما نسب إلى الأستاذ الشيخ محمد فرغلي في المذكرة:

مازال رهن التحقيق، ومن الإنصاف انتظار ما يسفر عنه، ولكن المعروف رسمياً وعند الجميع أن الشيخ محمد فرغلي هو رئيس معسكر النصيرات – لا معسكر البريج – بجوار غزة، وأنه تطوع للجهاد من فبراير سنة 1948 إلى الآن، ولازم متطوعي الإخوان في هذه المنطقة طوال هذه الفترة وأسندت إليه قيادتهم وأقرته قيادة الجيش المصري على ذلك. كما أنه معروف أن فضيلة الشيخ محمد فرغلي كان من أنصار المجاهد الكريم الشهيد عبد القادر بك الحسيني، وكان ممن يسهلون له مهمة الحصول على ما يريد. فالاتهام قبل التحقيق ظلم صارخ. وقد سألت النيابة الشيخ محمد فرغلي ثم أفرجت عنه، وإن كان الأمر العسكري قد صدر بعد ذلك باعتقاله.

عاشراً وحادي عشر: أما ما يتصل بحوادث كفر بداوي ومنية البراموني:

فالثابت والمعروف أن أساس النزاع وأصل الاتهام فيها أن عمدة كل منهما يريد أن لا تقوم في القرية أية جماعة يكون لها مظهر وكيان. وكلا العمدتين صهر للآخر، وخطتهما في ذلك واحدة، وقد كان الإخوان هدفاً لاضطهادهما اضطهاداً قاسياً لولا ما في أنفسهم من إيمان لما ثبتوا له ساعة من نهار.

ثاني عشر: وحادثة تفتيش ميت موسى:

مأساة تستحق الدراسة والرثاء، فقد كان الإخوان عامل تهدئة لنفوس هؤلاء المظلومين المجروحين الذين يستغيثون ولا مغيث. فاتهموا بالإثارة والتحريض وقبض على أربعة منهم من خيرة الشباب، واستمروا في الحبس أربعين يوماً تحت التحقيق دون مبرر مكبلين بالحديد بين طنطا وكفر الشيخ.. وماذا كانت النتيجة بعد ذلك؟.. أفرجت عنهم النيابة بلا  ضمان، فهل هذه إحدى الحجج التي يريد سعادة وكيل الداخلية إدانة الإخوان بها ووصفهم بالإجرام؟

ثالث عشر: وخطابات التهديد:

التي ذكرها سعادة الوكيل تحدث فيها سعادته مع الأستاذ صالح عشماوي، فرد عليه مدير الجريدة رسمياً بخطاب مسجل نفي فيه بشدة هذا الاتهام، ورجاه أن يقف موقفاً حازماً من هذه الشركات التي تتهم المصريين بالباطل، وإنا لنرجو أن يتفضل سعادته ببيان مقدار هذه الأموال التي امتصها الإخوان بالفعل، وسعادته يعلم تمام العلم أن الأخوان ليسوا هم الذين يحسنون امتصاص أموال الشركات أو غير الشركات.

إثارة الشغب:

وقد انتقل سعادته بعد ذلك إلى اتهام الهيئة بإثارة الشغب في معاهد التعليم. وهي تهمة باطلة، يشهد ببطلانها الأساتذة أولاً، ورجال الأمن بعد ذلك لو خلوا إلى أنفسهم واستنطقوا ضمائرهم غير متأثرين باتجاه خاص. ولقد كان كثير من الناس يعيبون على طلبة الإخوان الإغراق في الهدوء والمبالغة في الانصراف إلى الدرس، فيجيبون بأن واجبهم الأول أن يكونوا طلاباً، ولقد تخرج في ظل الدعوة مئات الطلاب من مختلف المعاهد فكانوا من أوائل الناجحين في شهاداتهم، وكانوا من أفاضل الموظفين في أعمالهم.

الحوادث لا تنتج ما أريد بها:

والحوادث التي ذكرها سعادة الوكيل لا تنتج أبداً ما يريد، ولا تسأل عنها هيئة "الإخوان المسلمون". فقد كان ولا يزال معلوماً أن عنصراً جديداً طرأ على المدارس والمعاهد بعد الحرب الماضية كان له أثر عميق في توسيع هوة الخلاف وتعميقها بين الطلاب واستغلال التعصب والحزبية السياسية أسوأ استغلال، ودفع المواقف إلى العنف والاحتكاك، والله يشهد والمنصفون أن طلاب هيئة "الإخوان المسلمون" كانوا أكبر ملطف لحدة الظاهرة وأول المناهضين والواقفين في وجهها. وفي كل هذه الحوادث كان أعضاء هيئة "الإخوان المسلمون" في موقف المدافع دائماً، وما زالت جميعاً تحت التحقيق، ومن الثابت أن الطالب الذي استشهد في مدرسة شبين الكوم هو أحد طلاب "الإخوان المسلمون". وقد أغفلت المذكرة عمداً هذه النقطة لتظهر الإخوان بمظهر المعتدي مع أنهم هم المعتدى عليهم.

وعرضت بعد ذلك إلى حادث الخازندار بك. وكل ذنب الإخوان فيه أن أحد المتهمين شاع أن سكرتير خاص للمرشد العام، مع أن هذه الصلة لم تثبت في التحقيق، وإن أصرت المذكرة على وصفها بالثبوت مع أنه على فرض ثبوتها لا يمكن أن تتخذ سبباً لإدانة هيئة "الإخوان المسلمون".

تبعة حوادث 4 و 6 ديسمبر:

وقد حمل سعادة الوكيل في مذكرته "الإخوان المسلمون" تبعة حوادث 4 ديسمبر سنة 1948 في الجامعة وكلية الطب وحوادث 6 ديسمبر سنة 1948 بالمدرسة الخديوية، مع أن المعروف أن هذه الحوادث بدأت بمظاهرة سلمية بمناسبة موقف حاكم السودان العام من مصر والمصريين وبعثة المحامين، ثم تطورت بعد الاحتكاك برجال البوليس إلى النتائج المؤسفة حقاً، ولم يكن دور الإخوان فيها أظهر من دور غيرهم من الطلاب، والمقبوض عليهم الآن معظمهم من غير الإخوان، ولم يعلن بعد قرار الإتهام، ولم يثبت أن لهيئة الإخوان يداً في التحريض على هذا الذي حدث، فتحميل الإخوان هذه التبعة سبق لكلمة القضاء.

حادث سيارة الجيب:

أما حادث سيارة الجيب فقد ضبط فيه عدد كبير من مختلف الهيئات، ومازال التحقيق فيه يدور بتكتم شديد، ويقول وكيل الداخلية: "إن ملابسات هذا الحادث كشفت عن أن جماعة من "الإخوان المسلمون" يكونون عصابة إجرامية... إلخ" ومقتضى هذا القول لو أن الأمور تسير في حدودها الطبيعية أن تنتظر الحكومة نتيجة التحقيق، فإذا ثبت على هؤلاء المقبوض عليهم أخذوا بجرمهم، ومن غير المعقول أن تؤخذ الهيئة بتصرفات بعض أعضائها.. وتقول المذكرة نفسها أنهم كونوا من أنفسهم عصابة أخرى تتنافى أغراضها ووسائلها مع أغراض الجماعة ووسائلها القانونية السليمة.

***

ومن هذه المناقشة الهادئة يتضح لكل منصف أن جميع هذه الحوادث العادية الفردية لا يمكن أن تلون دعوة "الإخوان المسلمون" بهذا اللون – وقد مكثت عشرين عاماً صافية نقية – أو تنهض دليلاً على أنهم عدلوا عن وسائلهم القانونية إلى وسيلة إجرامية!!

وبالتالي لا يمكن أن تكون بمفرداتها أو بمجموعها – وقد حشدتها المذكرة هذا الحشد المقصود – سبباً في هدم بناء إسلامي ضخم جنت منه مصر والبلاد العربية والإسلامية أبرك الثمرات. بل إن الدليل القاطع الدامغ ينادي ببراءة الإخوان من هذا الاتهام، فهذه دورهم وشعبهم وأوراقهم وسجلاتهم ومنشآتهم قد وضعت كلها تحت يد البوليس في جميع أنحاء المملكة المصرية فلم يعثر في شيء منها على ورقة واحدة تصلح أن تكون دليلاً أو شبه دليل على هذا الانحراف المزعوم، بل لم تجد الحكومة أمامها إلا المدارس تقدمها للمعارف[4]، والمشافي والمستوصفات تقدمها لوزارة الصحة، والمصانع والمعامل تقدمها لوزارة التجارة والصناعة، وكفى بهذا شرفاً وإشادة بجهود الإخوان الإصلاحية النافعة لهذا الوطن العزيز.

***

وبعد: فمن تمام الفائدة بعد هذه المناقشة الهادئة أن نتناول بعض هذه النقاط التكميلية بشيء من البيان والتوضيح:

بين الدين والسياسة:

أشارت مذكرة وكيل الداخلية إلى أن الإخوان اتخذوا من الدين وسيلة لخوض غمار السياسة، وأنهم أرادوا بذلك الوصول إلى الحكم وقلب النظم المقررة في البلاد – وكل من اتصل بالإخوان ودرس نظمهم يعلم تمام العلم بطلان هذا الاتهام. وكل ما هنالك أن الإخوان كهيئة إسلامية جامعة مزجت الوطنية بروح الدين، واستمدت من روح الدين أسمى معاني الوطنية، ولم تبتدع ذلك ابتداعاً، ولم تخترعه اختراعاً، وإنما هي طبيعة الإسلام الحنيف الذي جاء للناس دينا ودولة. وكل مواقف الإخوان في ميدان السياسة مواقف وطنية خالصة بريئة كل البراءة من حب الدنيا أو الرغبة في الوصول إلى الحكم أو الغنيمة، تهدف إلى إصلاح النظم المقررة في البلاد حتى تتفق مع دينها وعقيدتها ونص دستورها الذي ينادي بأن دينها الرسمي هو الإسلام.

الأوراق ليست حجة:

وليست الأوراق التي توجد بأيدي الأفراد وفي حيازتهم حجة على هيئة عاشت تعمل وتجاهد في حدود ظاهرة عشرين عاماً كاملة، ولكن الحجة هي قوانين هذه الهيئة ولوائحها ونشراتها التي اعتمدتها جهات الاختصاص.. ومنذ صدر القانون رقم 49 لسنة 1945 الخاص بتنظيم جماعات البر والأعمال الخيرية حدد الإخوان نواحي نشاطهم تحديداً واضحاً دقيقاً، وفصلوا بين العمل للبر والخدمة الاجتماعية وبين العمل للوطنية ونشر الدعوة الإسلامية، ووضعوا لكلتا الناحيتين نظاماً دقيقاً ولوائح مفصلة اعتمدتها وزارة الشئون الاجتماعية، وفيها بيان غايتهم ووسيلتهم كاملة، وساروا في حدود هذه الأوضاع يلتزمونها بكل دقة إلى الآن، وليس من هذه الوسائل الجريمة ولا الإرهاب كما تريد المذكرة أن تقول.

·     الإخوان وفلسطين:

ولعل الذين يسر للحكومة سبيل هذا الاتهام وسهله عليها وأوجد بين يديها بعض الشبهات – لا الأدلة – عليه، هو عمل الإخوان وجهادهم في سبيل فلسطين، وإن كان هذا العمل من أنصع الصفحات وأمجدها في تاريخ دعوتهم، فقد احتاجت فلسطين الشقيقة إلى السلاح قبل التقسيم بأشهر، ونشطت في جمعه بعض الهيئات، وأذنت الجهات المختصة من طرف خفي بهذا الجمع، وشجعت الإخوان على التعاون مع تلك الهيئات باعتبارهم أقدر الناس على بذل هذه المعونة لانتشار شعبهم وامتداد دعوتهم إلى كل مكان، فأبلى الإخوان في ذلك أحسن البلاء وكانوا عند حسن الظن.

·     جهاد الإخوان:

وأعلن التقسيم ونشبت الثورة في فلسطين، والتحم العرب واليهود في معارك شعبية، وللإخوان في فلسطين أكثر من عشرين شعبة في الشمال والوسط والجنوب، وتدفق سيل الأهلين من الفلسطينيين يريدون شراء الأسلحة من مصر، وفتحت الحكومة المصرية لهم الباب، وعقدت الجامعة العربية عدة اجتماعات، وألفت لجنة لمساعدة هؤلاء الأهلين حتى يحصلوا على ما يريدون، وقبل الإخوان رسمياً في هذه اللجنة وتطوع بعض شبابهم لهذه الغاية، وتركوا مصالحهم وراءهم ظهرياً، وبذلوا في ذلك غاية المجهود، وقدموا كل ما يستطيعون، واحتملوا كثيراً من التضحيات المالية في هذه السبيل، وبخاصة بعد أن عدلت الحكومة عن خطتها وصادرت كثيراً من المشتريات التي اشتريت لأهل فلسطين بمعرفتهم أو عن طريق الإخوان، وكان جزاء هؤلاء الإخوان أخيراً السجن وسوء الحساب.

وأقرت الجامعة العربية فكرة التطوع، فتقدم إليها الآلاف من شباب الإخوان يريدون الموت في سبيل الله، وظلت الجامعة والحكومة مترددتين بين الإقدام والإحجام، والحماسة تشتد، والنفوس تغلي، مما دعا المركز العام إلى أن يبعث بمائة إلى معسكر قطنة بسوريا، وهم كل ما استطاع أن يقنع المسئولين هناك بقبوله، ولكن ذلك لم يشف غلة الإخوان فاستأذنوا في إقامة معسكر خاص بهم بالقرب من العريش، يمارسون فيه التدريب استعداداً لدخول فلسطين، وأذن لهم بذلك، وأقاموا معسكراً كبيراً لعدد منهم يزيد على المائتين يمدهم فيه المركز العام بكل ما يحتاجون إليه من أدوات وتموين وسلاح وعتاد بإذن الحكومة وعلمها حتى تم تدريبهم، ودخلوا فلسطين في مارس سنة 1948 أي قبل دخول القوات النظامية بأكثر من شهرين، واحتلوا هناك معسكر النصيرات جنوبي غزة، وكان لوجودهم هناك أحسن الأثر في رد عدوان اليهود وطمأنينة السكان.

وتحركت الحكومة وهيئة وادي النيل العليا لإنقاذ فلسطين، وأعدت معسكر "هاكستيب" لتدريب المتطوعين وتقدم إليه أكثر من ألف، انتخب منهم أكثر من ستمائة على دفعات. جهزتهم الحكومة ودخلوا مع القوات النظامية، ووزعوا على مختلف الجهات، وظفروا بحمد الله بتقدير كل من عرفهم أو اتصل بهم أو رأى حسن بلائهم وإخلاص جهادهم، فقد رابط الإخوان في "صور باهر" وفي "بيت لحم" وعلى مشارف "القدس" واقتحموا "رامات راحيل" في جبهة الوسط، واحتلوا معسكر النصيرات ومعسكر البريج، ونسفوا مستعمرة "ديروم"، واشتركوا في معارك "عسلوج" وحاصروا "المسنة وبيروت إسحق" وترددت نقطهم الثابتة والمتحركة في كل مكان في جبهة الجنوب.

واستشهد منهم قرابة المائة وجرح نحو ذلك وأسر بعضهم، وكانوا مثال البسالة والبطولة والعفة والشرف والنزاهة وحب الاستشهاد، فكان طبيعياً أن تحصل الحكومة على بعض عتاد لم ينقل، وأن تجد في بعض الأماكن بقايا من هذه المخلفات، ولكن ليس معنى ذلك أن "الإخوان المسلمون" المؤمنين المجاهدين المحسنين قد أصبحوا خطراً يهدد سلامة الأهلين في الداخل وهم دعامتهم، وسلامة الجيوش في الخارج وهم زملاؤهم.

الدوافع الحقيقية في موقف الحكومة:

مستحيل أن يكون الدافع الحقيقي لهذه الخطوة الجريئة من الحكومة مجرد الاشتباه في مقاصد الإخوان أو اعتبارهم مصدر تهديد للأمن والسلام – وهو ما لم يقم عليه دليل ولا برهان – ولكن الدافع الحقيقي فيما نظن هو انتهاز الأجانب فرصة وقوع بعض الحوادث، مع اضطراب السياسة الدولية، وقلق الموقف في فلسطين، وتردد سياسة مصر بين الإقدام والإحجام – فشددوا الضغط على الحكومة – وقد صرح بذلك عمار بك نفسه، وأقر بأن سفراء بريطانيا وأمريكا وفرنسا قد اجتمعوا في فايد وكتبوا لدولة النقراشي باشا في صراحة بأنه لابد من حل "الإخوان المسلمون"، وكان في وسع دولته أن يزجرهم عن مثل هذا التدخل في شأن داخلي بحت، وأن ينظرهم حتى تظهر نتيجة التحقيقات، وأن يتعاون مع المسئولين في الإخوان على إزالة هذا الوهم من أنفسهم، ولكنه بدلاً من ذلك استجاب لهذه الرغبة الأجنبية، وأصدر قرار الحل فأشمت الأعداء وأحزن المؤمنين الأتقياء.

وهكذا يقيم الشواهد كل يوم على أن مصر للأجانب قبل أن يكون لأهلها منها نصيب، وأن خلاصة شعبها لا مانع من أن تقدم حرياتها قربانا لإرضاء السفراء ورعايا الدول التي طالما ناصبتنا العداء، وأنزلت بنا البلاء، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ويكون لما يشاع عن قرب الاتفاق بين الحكومة المصرية والحكومة البريطانية أصل في هذه الخطوة أيضاً.

كما قد يكون للموقف الحزبي والتأهب للانتخابات القادمة دخل كذلك.. ولا يعلم بالحقيقة غير الله، ولله عاقبة الأمور.

التعسف في التنفيذ:

ولقد كان الأمر العسكري غريباً في نفسه وفي طريقة تنفيذه، فلا يمكن أن يقول إنسان إن حل هيئة من الهيئات يستلزم اتهام كل ما يتصل بها أو حمل اسمها بالجرم والعدوان ومصادرته في حريته وماله وعمله ومهاجمته في كل مكان، ولئن جاز في عرف الأحكام العسكرية أن تحل الهيئات فما بال الشركات التي لا صلة بينها وبينه إلا مجرد الاسم، مع تمام الفصل في كل الأعمال ونواحي النشاط.

شركات لا صلة لها بالهيئة:

إن شركة المناجم والمحاجر العربية، وشركة الإعلانات العربية، وشركة الإخوان للنسيج، وشركة دار الإخوان للصحافة، وشركة دار الإخوان للطباعة، وشركة مدارس الإخوان بالإسكندرية، كلها شركات لا صلة لها بالهيئة، جمعت رؤوس أموالها من أفراد بصفتهم الشخصية فكيف يصح في ذهن أحد أن تصادر أموالها لا لشيء إلا أنها تحمل اسم الإخوان.

وهؤلاء العشرات من الإخوان من كرام الشباب... لماذا يعتقلون بغير جريرة ولا سبب، وتمنع عنهم أدواتهم الضرورية، ويلقى بكثير منهم في سجون الأقسام مع المجرمين أمثال "صبيحة وعنتر والششتاوي" وغيرهم من أرباب السوابق ومعتادي الإجرام، ويتركون فريسة للبرد والجوع ولا يسمح بأن يقدم لهم الغذاء والغطاء.

والصحف أيضاً:

وهذه الصحف الشخصية التي ليس لها صلة بالهيئة، ولا تدعو لفكرتها من قريب أو بعيد، لماذا تصادر ويصادر أصحابها وعمالها في أعمالهم وموارد رزقهم.

ولقد ضربت الرقابة الشديدة حول مسكن المرشد العام، وأحيط بسياج من البوليس الملكي مزودين بموتوسيكل حتى إذا دخل داخل أو خرج خارج أدركوه فقبضوا عليه كائنا من كان، ذهبوا به إلى أحد الأقسام حيث يقضي ليلة أو ليلتين أو ما شاء له حضرات الضباط، ثم يعمل له بعد ذلك تشبيه وتحر ويطلق سراحه أو يظل معتقلاً إلى ما شاء الله.

أسلوب الحرب:

هذا الأسلوب من الحرب والتعسف لم تسلكه الحكومة مع الصهيونيين ولا مع أشد الأعداء عداوة للوطن والحرب على أشدها، ولم يعمد إليه الإنجليز إبان الحرب الماضية، ولكن لجأت إليه الحكومة مع "الإخوان المسلمون" في هذا الوقت!!

حكم هذا الحل في فعله وآثاره:

إن هذا القرار فيما نعلم باطلاً شكلاً لأنه ليست هناك جماعة "الإخوان المسلمون"، وإنما هناك جماعات أسمها أقسام البر والخدمة الاجتماعية "للإخوان المسلمون" وهناك هيئة "الإخوان المسلمون" العامة.

وباطل موضوعاً لأنه تجاوز لحقوق الحاكم العسكري الممنوحة له في مرسوم الأحكام العرفية، ومناف لروح الغاية التي فرضت من أجلها هذه الأحكام، ومحال أن تطبق الأحكام التي فرضت للصهيونيين على خصوم الصهيونية الألداء.

الحل أوقف نهضة كبرى:

لقد أوقف هذا الحل نهضة اجتماعية كبرى تهيأ لها شباب هذا الجيل من أبناء الوطن وترك في النفوس أعمق الآثار، وسيقول التاريخ كلمته ويظهر المستقبل القريب آيته، ولن تستطيع القوة أن تمحو عقيدة أو تبدل فكرة:

{كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} [الرعد: 17].

 

اليهودية العالمية والشيوعية الدولية والدول الاستعمارية،

وأنصار الإلحاد والإباحية وراء قرار الحل:

بهذا الثبات وسط الأعاصير والرياح الهوج.. وبهذه الحكمة العالية واجه الإمام البنا حل الإخوان وفند أسباب هذا الحل وكشف عن حقيقة الاتهامات التي وجهت إليهم وفضح جريمة الحكومة النقراشية وبين أن مؤامرة الحل كانت على نطاق دولي التقت عندها أهواء العملاء مع مصالح دول الكفر.. فيقول رحمه الله في صفحة [29] من مذكرته "قول فصل":

"... ولا ننس في هذا المضمار عمل الأصابع الخفية والدسائس من ذوي الغايات الذين خاصموا هذه الدعوة من أول يوم وتربصوا بها الدوائر، حتى أمكنتهم منها الفرصة، وساعدتهم الظروف، فأحكموا الخطة، ودأبوا على التدبير والكيد حتى وصلوا في النهاية إلى ما يريدون. فاليهودية العالمية، والشيوعية الدولية، والدول الاستعمارية، وأنصار الإلحاد والإباحية، كل هؤلاء يرون الإخوان ودعوتهم السد المنيع الذي يحول بينهم وبين ما يريدون من باطل وفوضى وإفساد، ولا يألون جهداً في معاداتهم بكل ما يستطيعون، وهم لم يستطيعوا كتمان شعورهم هذا ولا إخفاء سرورهم وفرحهم لنجاح خطتهم حين أعلن قرار الحل، فأقاموا المآدب وأولموا الولائم، وتبادلوا التهاني، وجعلوه يوماً من أيام المواسم والأعياد.

وهكذا أقرت الحكومة المصرية بهذا التصرف أعين الضالين المضلّين بالعدوان على المؤمنين العاملين، فإلى الله المشتكى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وتلك الأيام نداولها بين الناس ولله عاقبة الأمور".

من الذي يفعل هذا ويحكم به؟

ويدين الإمام الشهيد الحكومة المصرية التي فعلت هذا ويفضح جرائمها وخياناتها، فيقول في صفحة [41] من نفس المذكرة:

"الحكومة المصرية التي أخفقت في المفاوضات مع الإنجليز فقطعتها، وذهبت إلى مجلس الأمن فعادت بخفي حنين، وتركت قضية الوطن على رفوفه في زوايا الإهمال والنسيان، وتجاهلت الإنجليز بعد ذلك تجاهلاً تاماً، وتركتهم يفعلون ما يريدون حتى أضاعت بهذا التجاهل السودان، واتبعت سياسة التردد والاضطراب في قضية فلسطين، وقبلت الهدنة الأولى فأضاعت بهذا القبول كل شيء، وحرمت الجيش المصري الباسل ثمرة انتصاره، وأفقدت الوطن ملايين الأموال وآلاف الرجال، فضلاً عن فقدان الكرامة وسوء الحال والمآل، ودللت يهود مصر فلم تتخذ أي إجراء يتفق مع موقفهم من مناصرة أعداء الوطن.

هذه الحكومة التي يعيش في ظلها الأجنبي آمناً مطمئناً على نفسه وماله، وعبثه وفساده، ويحمي جنودها حانات المسكرات، وبيوت العاهرات، ودور المنكرات، وأبواب المراقص والبارات، والتي عجزت كل العجز عن إنقاذ شعبها من برائن الفقر والمرض والجهل والغلاء الفاحش الذي يئن منه الأقوياء فضلا عن الضعفاء، والتي لا يؤيدها ولا يساندها إلا نفر قليل ضئيل من أصحاب المصالح الشخصية فهي في واد والأمة في واد.. هذه الحكومة هي التي تطارد "الإخوان المسلمون" وهم الشعب، وتحكم عليهم بالإجرام والنفي والتشريد ومصادرة الأموال والأملاك والحريات.

ولو أخذت الأمور وضعها الصحيح، وكانت الكلمة للحق لا للقوة، لحاكمناهم نحن يا أيها المفرّöطون على التفريط، ولحاسبناكم على هذا العجز أشد الحساب، ولكن دولة الظلم ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [يوسف: 21] .. 1. هِ.



[1]  لأن الأمر كان قد تقرر هناك في اجتماع سفراء الدول الاستعمارية في فايد، فماذا يملك العبيد؟! كان النقراشي باشا (الوطني!!) قد بدأ المواجهة بإصدار أمر عسكري بمصادرة وتعطيل جريدة "الإخوان" ومجلتهم بسبب نشر الجريدة للنص الحرفي لتقرير الحاكم العام للسودان إلى السفارة البريطانية وفضح مؤامرة الاستعمار البريطاني لفصل السودان عن مصر، ثم أصدر "الباشا الوطني" أمراً آخر يحل شعب الإخوان بمنطقة القناة ترضية لأسياده الثائرين بسبب نسف مخازن الأسلحة والذخيرة في مخازنها الرئيسية في أبي سلطان، وهي المخازن الاستراتيجية للجيوش البريطانية في الشرق الأوسط، ولكن الإنجليز لم يقنعوا بهذا الأمر فاجتمع سفراء بريطانيا والدول الغربية في معسكرات فايد وكتبوا مذكرتهم للحكومة المصرية بحل جماعة الإخوان، وعلم بهذا الأمر النائب محمد فكري أباظة فقدم سؤالاً إلى وزير الخارجية ورئيس الوزراء عن هذا الاجتماع باعتباره اعتداء على السيادة المصرية.

[2]  عن كتاب "الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ" الجزء الثاني، للأستاذ محمود عبد الحليم – نشر دار الدعوة بالإسكندرية، ص 45.

[3]  نشرت في ديسمبر سنة 1950، طبع مطبعة دار الملوك – القاهرة – بعد نشرها لأول مرة في 12/12/1949 في الصحف بعد عام من كتابتها.

[4]  يقصد وزارة التربية والتعليم "المعارف سابقاً".

|السابق| [28] [29] [30] [31] [32] [33] [34] [35] [36] [37] [38] [39] [40] [41] [42] [43] [44] [45] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error