رسّخ الإمام دعائم دعوته في الإسماعيلية حيث باشر في بناء مؤسسات الجماعة ثم انتقل إلى القاهرة ناقلا المركز العام للإخوان المسلمين إليها عام 1932م ثم توسعت حركته في مصر والعالم العربي لتصل مع نهاية الأربعينات إلى أطراف العالم الإسلامي، ذلك أن الإمام كان يرسل البعوث إلى مختلف أقطار العالم ليتفقدوا أحوال الأمة وينشروا فيها دعوته، وقد أزعجت هذه الحركة دول الاستعمار الكبرى خصوصا بعد مشاركة الإخوان في حرب العام 1948م، ضد العصابات اليهودية على أرض فلسطين، وقد اجتمع قناصل الدول الكبرى (بريطانيا وفرنسا وأميركا) في تشرين الثاني من العام 1948م وطلبوا من السفير البريطاني أن يطلب من الملك فاروق إصدار أمره بحل جماعة الإخوان ومصادرة أموالها واعتقال رجالها العائدين من القتال في فلسطين، وذلك بعد النكبة وتوقيع الهدنة، فيما أُبقي الإمام البنا وحده خارج السجن رغم محاولته ملازمة إخوانه المقبوض عليهم ولو داخل السجن، وقد فعل ذلك بالفعل إلا أن السلطات عادت فأطلقت سراحه، لأن الخطة كانت تقضي بقتله، وحل جمعيته، وهكذا رافع الإمام قبل استشهاده أمام مجلس الدولة ضد قرار الحل مرافعة استمرت أربع ساعات دون جدوى.
كان الإمام يصارح من تبقى من إخوانه بأنه يشعر بدنو الرحيل، وبأن سيدنا عمر ينبئه بصوت عالٍ في المنام بقوله: "ستُقْتل يا حسن"، وقبل الاغتيال بعدة أيام صادرت الحكومة بأمر من رئيسها النقراشي باشا سيارة الإمام حسن البنا وسائقها وسحبت سلاحه المرخص وقبضت على شقيقيه اللذين كانا يرافقانه في تحركاته، وما كان ذلك إلا تمهيدا لاغتياله الذي تم بالفعل أمام دار الشبان المسلمين بالقاهرة مساء السبت في 12شباط عام 1949، حيث لفظ الإمام حسن البنا آخر أنفاسه الطاهرة منتصف ليل السبت، والراجح أن الإمام لم يستشهد برصاص المغتالين ولكن بتركه يِنِزف في مكان استشهاده أو بالإجهاز عليه في غرفة العمليات ! وقد استكملت الحكومة المصرية جريمتها بعدم السماح لأحد أن يسير خلف نعشه غير أهله واشترطت لتسليم الجثة إلى الوالد أن يتم الدفن عند الساعة التاسعة صباحا وأن لا يقام عزاء! فخرجت جثته تحملها النساء!! إذ أن الوالد العظيم رفض أن يحملها قائلا للشرطة "أنتم قتلتموه..أنتم احملوه على أعين الناس.."، ولعل أحدا من غير عائلة الإمام لم يسر وراء نعشه إلا مكرم عبيد باشا الزعيم القبطي المنشق عن حزب الوفد الذي اخترق صفوف الشرطة وانضم إلى عائلته.
لم تنته حركة الإخوان باغتيال مؤسسها ومرشدها لأن الوقت الذي يمكن أن تقصم الحركة فيه كان قد فات، فقد استطال البناء على الهدم واستقوى على الاجتثاث، وكما يقول سيد قطب رحمه الله" يمضي حسن البنا إلى جوار ربه، يمضي وقد استكمل البناء أسسه، يمضي فيكون استشهاده على النحو الذي أريد له، عملية جديدة من عمليات البناء..عملية تعميق للأساس وتقوية للجدران وما كان ألف خطبة ولا ألف رسالة للفقيد الشهيد لتلهب الدعوة في نفوس الإخوان كما ألهبتها قطرات الدم الذكي المهراق.. إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة "، وهكذا كان، فقد خلّف الإمام وراءه جيلا من مئات الألوف، وأسس شجرة متينة تتساقط أوراقها الضعيفة في كل محنة ومنحة لتبقى شجرة نقية أصلها ثابت وظلالها الوارفة تظل المسلمين والدنيا بأسرها إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.
خاضت حركة الإخوان المسلمين بعد استشهاد مؤسسها الكثير من المواجهات من أجل عزة الأمة الإسلامية، ولا سيما في منبتها مصر، فكانت الضربات تلو الضربات بدءاً من حربها الطويلة ضد قوات الاحتلال البريطاني في قناة السويس عام 1951م وما جر ذلك عليها من نكبات، ثم التنكيل بالحركة عام 1954م ثم في العام 1965م وما تزال تضرب إلى اليوم، فلم يزدها ذلك إلا صلابة وقوة، وليحتل فكرها الأصيل ساحة الصراع في العالم... ولتستنبت من كل قطر ثلة ترفع لواء هذه الدعوة.
تعتبر حركة الإخوان المسلمين أم الحركات الإسلامية بحق، والحركات الإسلامية الأخرى إما خرجت من عباءتها أو تأثرت بالبعث الإسلامي الذي أطلقته، ذلك أن الفكر الإسلامي لكتّاب الحركة قد فرض نفسه على جميع من تلاه فتأثر به الجميع سواء شعروا بذلك أم لا.. لذلك كان صحيحا إلى درجة كبيرة أن يبدأ التأريخ للحركة الإسلامية الحديثة من لحظة اجتماع الإمام بإخوانه في ذلك البيت المتواضع على القناة.