لا تقوم دولة دون شعب تحكمه، ولا تنتشر دعوة دون قوم يتبنونها، ثم يبثونها في الأقوام الأخرى..والناس هم غاية التنظيمات، واستقطابهم مطلب جميع الدعوات المفتوحة، والمسلمون جزء من البشرية يتميزون عن غيرهم بأنهم آمنوا بالإسلام العظيم بكل تعاليمه..ونتيجة لذلك تميزوا عن سواهم من الأمم في جميع جوانب الحياة، ثقافيا واجتماعيا ودينيا واقتصاديا وسياسيا، ومن مظاهر تميزهم البارزة دولتهم الإسلامية التي تتخذ من كتاب الله دستورا لها، ومن السنة النبوية شريعة مدنية وجزائية وإدارية تتصف بالعمومية والتجريد.
المطلب الأول: حال المسلمين بعد سقوط الخلافة
لقد قامت الدولة الإسلامية ردحا من الزمان، تضعف حيناً وتقوى أحيانا، حتى تغيرت حال المسلمين فزالت دولتهم وضربت عليهم الذلة والمسكنة والله تعالى يقول: )إöنَّ اللَّهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنْفُسöهöمْ( (الرعد: 11)، إلا أن طبيعة هذا الدين ُتجدد فيه الحياة، فلا تكاد تتيه جماعة من المسلمين حتى تتقدم جماعة أخرى لحمل الراية لقوله تعالى: )وَإöنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدöلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ( (محمد 28)، وما يكاد يمضي قرن حتى يبعث الله في الأمة من يجدد لها دينها لقول الرسولصلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها» سنن أبي داوود، وما يكاد ينتهي أعداء هذا الدين من الإجهاز على جذوة الإسلام في بقعة من الأرض حتى ينبلج نور الله في بقعة أخرى لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» الشيخان والترمذي وأبو داوود وابن ماجة والإمام احمد والدارمي.
هذه هي طبيعة هذا الدين الذي لا يمكن أن يموت لأن كل دعوة غير الإسلام تحمل بذور فنائها في نفسها، وتحمل دعوة الإسلام بذور تجددها في ذاتها، فالله هو شارعها وهو الأعلم بالشريعة التي تصلح عليها حال البشرية )شَرَعَ لَكُمْ مöنَ الدّöينö مَا وَصَّى بöهö نُوحاً وَالَّذöي أَوْحَيْنَا إöلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بöهö إöبْرَاهöيمَ وَمُوسَى وَعöيسَى» (الشورى 13).
إن ابتعاد المسلمين عن دينهم أواخر أيام الدولة العثمانية شكل إرهاصات لسقوط دولتهم، حيث سادت البدع، وعمّ التخلف وضربت الجاهلية أطنابها لدرجة أن دعوات المصلحين الذين دقوا نواقيس الخطر لم تجد آذاناً صاغية حتى وقعت الكارثة، ذلك أن الارتباط بين الدين والدولة لدى المسلمين أمر مفروغ منه والدول الثيوقراطية لا يمكن لها أن تستمر في الحياة بوجود شعب ابتعد عن التعاليم التي قامت على أساسها الدولة!!.