لا يمكننا أن نخفي حظ النفوس وشهواتها، ولا وسوسات الشيطان وهمزاته، من بحث مشكلة المتساقطين من التنظيم، لكن في النهاية قد يحصل مثل هذا الأمر، ويتساقط البعض على الطريق، وهؤلاء إما أنهم سوف يعترفون بخطئهم بعد حين ويعودون أدراجهم إلى ركاب الحركة الإسلامية ولو من الباب غير التنظيمي، وإما أن تأخذهم العزة بالإثم فيتطاولون على الحركة الإسلامية ورموزها، وينصّبون أنفسهم قضاة لا شغل لهم إلا انتقاد وتصحيح مسار الحركة الإسلامية وفق الخط الذي يرونه هم، فيتحولون مع الوقت إلى حجر عثرة في طريق إخوانهم السابقين.
والملاحظ أن هؤلاء المتساقطين هم أعجز من أن يتفقوا فيما بينهم على عمل حركي واحد، في الأغلب الأعم من الحالات، ومنهم نماذج لا تقدر أن تمازج، بعضهم يظن نفسه ركن العالم، وبعضهم امتلأت نفسه غرورا حتى لم تدع فيها مجالا للحكمة أو المنطق، لكننا بالمقابل لا نجافي الحقيقة ولا الواقع إذا قلنا إن قيادة الحركة الإسلامية تتحمل في الكثير من الأحيان الجزء الأكبر من المسؤولية، عندما تعين الشيطان على أبنائها بمواقف غير ناضجة أو بتحكيمها للهوى أو باستخفافها بالآخرين أو بمخالفتها للمبادئ، ما يسقطها ويسقط أبناءها من حولها، فليس بالضرورة أن تكون القيادة دوما على حق، وليس بالضرورة أن يكون الصواب دوما إلى جانب المجموع في علاقته مع الفرد، ولربما كان فرد واحد أكثر صوابا من كل إخوانه، ومع التأكيد على أهمية الشورى والطاعة في المنشط والمكره، إلا أننا لا يمكننا أن نعتبر كل خروج من التنظيم خيانة قد أصاب صاحبها من المعصية أو شبهتها ما أصاب، فقد يكون الخروج من الأطر التنظيمية في بعض الأحيان أشد فائدة للتنظيم وللعمل الإسلامي عموما، لا سيما إذا أصيب هذا التنظيم بالتكلس والعقم، إلا أن ذلك يبقى خلافا للأصل الذي يقضي التزام الجماعة وإصلاحها من داخلها.
إن من الحكمة أن يتم تحصين المنتمين إلى التنظيم من مخاطر الخروج منه أو عليه، أو استسهال ذلك، وهو ما لا يتم إلا بإشاعة الثقة والمحبة وقمع الغيبة والنميمة والنقد السلبي ورفع معنويات الصف والرد على ُشبه الأعداء، وإذا ما وقع خلاف فإن الحركة الإسلامية معنية بالمعالجة وإعادة الخارجين إلى الصف من خلال أشخاص يملكون سلطة معنوية وثقة ومحبة عاليتين تؤهلهم للإصلاح والحكم بالمسائل، وإذا لم ينجح العلاج وأصر الفريق المنسحب على موقفه، فأقله أن يكون فراق بمعروف، ومن واجب التنظيم أن يقسم هؤلاء إلى ثلاثة أصناف: متعاطفون -معادون- محايدون، فالمتعاطفون يمكن تحريكهم بما يخدم الحركة الإسلامية في الشأن العام وكأنهم ما زالوا ضمن الحركة، لا يتميزون عن إخوانهم الملتزمين في التنظيم إلا بفقدانهم لموقع القرار وشرف الانتماء، أما المعادون فالأحرى تجاهلهم لأن هؤلاء إنما يعيشون بذكرهم وذكر مواقفهم وأعمالهم، وليس على التنظيم أن ينشغل بمشاكل هؤلاء على حساب أهدافه، ولعل الزمن يسهم في تخفيف العداء أو يصلح ذات البين، عندها يمكن تصنيف هؤلاء في خانة المتعاطفين أو ربما تُِعاد لهم عضويتهم. أما المحايدون فمن الأفضل أن يُستقطب معظمهم بالحكمة والموعظة الحسنة.