العمل السياسي في الإسلام هو اشتغال بالشأن العام الداخلي والخارجي على قاعدة درء المفاسد وجلب المصالح. وفي ظل غياب الحكم الإسلامي يمكن أن نعرّف العمل السياسي وطنيا بأنه الاشتغال بالشأن العام من أجل الوطن والمواطن لتحقيق العدالة والمساواة وللقضاء على الجهل والفقر والفساد، ومن أجل التعاون بين أبناء الوطن الواحد بما فيه المصلحة العامة والتفاعل مع قضايا الأمة، وهو يقوم على تقاطع المصالح مع الآخرين والتظهير الانتخابي للقوة بهدف استثمارها سياسيا.
المطلب الأول: الإسلام وشبهة العمل السياسي
يحلو للبعض جهلا أو مكرا أن يدّعي بأن الإسلام -ذلك الدين العظيم الذي جاء بمكارم الأخلاق كما يقولون- لا شأن له بالسياسة، وتاليا فإنهم يفرقون بين الإسلام العبادي والإسلام السياسي! ليخلصوا إلى اتهام الحركة الإسلامية بالاستغلال الديني أو بالارتهان للعدو!! بهدف سحب البساط من تحت أرجل الإسلاميين، وهذه شبهة لا تستأهل مجرد المناقشة العلمية إذ يكفي هؤلاء أن يقرؤوا القرآن الكريم أو السنة أو السيرة النبوية لمرة واحدة في حياتهم ليكتشفوا حقيقة الإسلام. يقول الإمام الشهيد حسن البنا رضوان الله عليه" أستطيع أن أجهر في صراحة بأن المسلم لن يتم إسلامه إلا إذا كان سياسيا بعيد النظر في شؤون أمته مهتما بها غيورا عليها.. وعَلöمَ الله أيها السادة أن الإخوان ما كانوا يوما غير سياسيين ولن يكونوا يوما من الأيام غير مسلمين وما فرقت دعوتهم أبدا بين السياسة والدين"، فالإسلام الذي يوافق الفطرة لا يمكن أن يغفل أحد جوانبها الهامة التي ترتكز على بعد إنساني زاد العالم المعاصر من أهميته، حتى ليتعذر على المرء أن يقف بعيدا عن آثاره، الأمر الذي دفع بعض الدارسين إلى وصف الإنسان الحديث بأنه إنسان سياسي، بالرغم من ذلك نجد عند بعض التيارات الإسلامية هروبا من السياسة ونعتا لها بالنجاسة، باعتبار ما يحدث فيها من ألاعيب ومناورات وتبدلات، أو على أساس الحرص على تجنيب العمل الدعوي الآثار السلبية للعمل السياسي. لا شك أن هذا الفكر يعتوره القصور لأن من واجب الحركة الإسلامية أن تطرح الإسلام كاملا كما تنادي به كاملا فهو"دين ودنيا، عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وسماحة وقوة، وخلق ومادة، وثقافة وقانون"، نظام محكم مفصل )وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكöتَابَ تöبْيَاناً لöكُلّö شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لöلْمُسْلöمöينَ( (النحل 16).
إن السياسة هي رعاية شؤون الأمة في كافة قطاعاتها ولا تقتصر بحال من الأحوال على الحكم والوصول إليه، وليس في الإسلام فصل للدين عن الشأن العام، فالدين كله لله والوطن لله والحكم لله، ونحن مأمورون بالعبودية له وإطاعة أمره وطرح نهجه كاملا متكاملا.