إذا كانت السياسة جزءاً لا يتجزأ من صميم الإسلام وروحه، فإن الحزبية ليست كذلك، وإنما الأساس في ذلك المصلحة المرسلة لخدمة الأصل، وهو تحكيم الإسلام، مع ملاحظة أن العمل الحزبي ليس إلا شكلا من أشكال العمل الجماعي المنظم، وأن الإسلام كله قائم على الجماعية في شؤون الدنيا كما في شؤون الدين. رغم ذلك نجد حرجا لدى بعض الإسلاميين في تبنيهم العمل الحزبي والاعتراف بأنهم أحزاب يقومون بفعل سياسي، ولعل ذلك يعود إلى عهد مبكر في أذهان الرعيل الذي شهد انهيار الخلافة العثمانية على يد قوى وأحزاب ذات مفاهيم غربية، فضلا عن أن الحزبية قد عنت في كثير من الأحيان الخصومة والانغلاق والعصبية المذمومة، وعلى هذا الأساس بيِّن الإمام حسن البنا موقفه من الأحزاب في مصر التي كانت أداة بيد الأجنبي فضلا عن أنها تقوم على المصالح الخاصة أكثر مما تقوم على مصلحة الوطن.
إن العمل الحزبي المنظم يصبح أكثر ضرورة في البلدان متعددة الأديان والطوائف والمذاهب لأن الحكمة -تقتضي والحال هذه- أن تسعى الحركة الإسلامية إلى تحقيق المصالح التي تحفظ الأمة وتتفق مع تعاليم الإسلام، وهذا يحتاج إلى عمل يشترك فيه المسلم مع غير المسلم، الملتزم وغير الملتزم في إطار من التعاون والانفتاح على قاعدة مصلحة الوطن، وما لا يدرك كله لا يترك جله.
إن إنشاء حزب يجمع الإسلاميين مع غير الإسلاميين أو حتى مع غير المسلمين، سيحقق مكاسب كبيرة للحركة الإسلامية وللوطن، لأن الغوص في تفاصيل السياسة بعيدا عن الرؤية المبدئية لنظام الحكم الإسلامي سيميّع الطرح، أما إذا تمت الممارسة السياسية التفصيلية في إطارٍ يجتمع عليه الناس، في ظل بقاء الإطار الآخر الذي يحمل الطرح الإسلامي كاملا من خلال المنتمين للحركة الإسلامية والمؤمنين بأفكارها، فإن عملية الموازنة تصبح أكثر دقة، لأن الطرح لن يتبدل وإن بقي نظريا لتعذر تطبيقه، فيما تتحقق المصلحة الإسلامية والوطنية بالاهتمام بالشأن السياسي الضروري للناس، وهذا مثال واحد وليس الوحيد في فائدة العمل الحزبي، إذ أنه توجد أنظمة عديدة ترفض ممارسة العمل السياسي على أساس ديني، وهناك أنظمة لا تقبل ممارسة السياسة من خلال أفراد بل من خلال جماعات، وكل ذلك يفترض عملا حزبيا منظما، لا نعني به العصبية والحيدة عن المبادئ والطاعة العمياء والحرص على التنظيم أكثر من الحرص على أهدافه، بل ما نقوله إن الحزب ضرورة في بعض المجتمعات كما هي حال المجتمع اللبناني مثلا، وقد لا يكون كذلك في ظروف أخرى وبلدان أخرى كما كانت حال المجتمع المصري أيام دعوة الإمام حسن البنا، حيث كانت الأحزاب مصطنعة أكثر منها حقيقية، وكان رأي الإمام سلبيا فيها، لكن ذلك لم يمنعه من أن يتابع عمله الجماعي.