إن لفظة الكفر تعني في اللغة الستر والتغطية، وفي الاصطلاح تعني تغطية الحق وجحوده وهي نقيض الإيمان، ولكن هذه الكلمة يراد بها في النصوص المعنى الاصطلاحي أحياناً والمعنى اللغوي أحيانا، فيراد بها تبعا لذلك كفرا مخرجا عن الملة وهو الكفر الأكبر، أو كفرا غير مخرج عن الملة وهو الكفر الأصغر، ولقد قسّم العلماء القسم الأكبر إلى خمسة أنواع:
- كفر تكذيب: كاعتقاد كذب الرسول.
- كفر إباء واستكبار: كمثل كفر إبليس لأنه لم يجحد أمر الله ولكنه استكبر عليه.
- كفر إعراض: بأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول فلا يصدقه ولا يكذبه.
- كفر الشك: بأن لا يجزم بصدق النبي بل يشكك في أمره.
- كفر النفاق: وهو أن يُظهر بلسانه الإيمان فيما يخفي بقلبه الكفر.
أما الكفر الأصغر فهو الموجب عندهم للوعيد دون الخلود في النار ويتناول جميع المعاصي لأنها من خصال الكفار فكما أن الطاعات تسمى إيماناً فإن المعاصي تسمى كفراً، ومن أمثلتها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر» البخاري ومسلم والإمام أحمد، وقوله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه، فهنا لفظة الكفر للمبالغة في التحذير وليست للخروج عن الملة.
يقول الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله ورضي عنه في رسالة التعاليم القول الفصل في هذه القضية وهو أننا "لا نكفّر مسلماً أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض برأي أو معصية، إلا إن أقرّ بكلمة الكفر أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة أو كذّب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلاً غير الكفر".
ولقد كان الإمام يرّبي الإخوان دائما على الاحتراز من خطيئة التكفير للمسلمين أو التعالي على المجتمع ويحذرهم من الوقوع فيما وقع فيه الخوارج من قبل حيث انحرفوا وكفّروا سواهم من المسلمين واستحلوا دماءهم وأموالهم حتى كانت من سماتهم البارزة أنهم يقاتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان.. إن المجتمع المسلم عند الإمام قد يوصف بالتقصير والابتداع ولكن لا يصفه أبداً، لا بردة ولا بشرك ولا بكفر، والأصل الثابت عند الإخوان أن الكل يؤخذ منه ويرد عليه إلا المعصوم، لا قدسية لقول أحد إلا ما قدسه الله، فمن ُأكره على اتباع الباطل وقلبه مطمئن بالإيمان فهو مسلم، وإن ناله شيء من الإثم فهو بسبب عدم الإنكار للقادر عليه، ومن اتبع الحاكم على غير ما أنزل الله معتقداً خطأه غير محلٍ لفعله ولكنه أطاعه في معصية الله طمعا بدنيا، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب لأن مجرد الطاعة في العمل لا يكون بها التكفير، إنما التكفير في الطاعة مع الاعتقاد.
يقول الإمام الطحاوي: ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نِقول لا يضر الإيمان ذنب لمن عمله"، لذا فقد نأت الحركة الإسلامية عن تكفير المجتمعات أو الأفراد لأنهم الدعاة وليسوا القضاة، ومعركتهم ليست معركة مع مجتمعات ارتدت عن الإسلام إلى الجاهلية وإنما هي معركة تنقية مجتمعات المسلمين من مظاهر الجاهلية، لأن هذه المجتمعات رغم ما فيها من جاهلية ما تزال تعمل بالإسلام وتقيم شعائره، وجمهور الناس الكبير مؤمنون بربهم يتلون كتابه، ولا زالت كلمة الإسلام هي التي تحركهم وإن ارتكبوا المعاصي ما لم يستحلوها.
إن المسلمين اليوم بغالبيتهم يرتكبون الحرام ولكنهم يعلمون أنه حرام مهما بلغوا من الفساد لأن قيم الإسلام التي يؤمنون بها ما تبدلت إلى الدرجة التي يستحلون بها الحرام، ولذلك فمجتمعاتنا اليوم هي مجتمعات إسلامية أو مجتمعِات مسلِمين إن شئنا الدقة أكثر.