الخيار لدى الحركة الإسلامية الراشدة هو خدمة المجتمع والانخراط فيه، سواء حمل هذا المجتمع نظرة الحركة الإسلامية إلى الكون والحياة أم لا، ولقد ناضل قادة الحركة الإسلامية بشدة تجاه دعوات ظهرت في مرحلة معينة تدعو إلى مقاطعة المجتمع ما دام يحمل مفاهيم جاهلية، وقد عبّرت الحركة الإسلامية في أدبياتها المعتمدة على رفض هذا الموقف، ورأت أن نظرة الاستعلاء على المجتمع واستصغار أفكاره -على اعتبار أنها منحرفة- نظرة خاطئة ولا تقل انحرافا عن تبني الأفكار الضالة بحد ذاتها.
وبالانتقال من النظرية إلى التطبيق فإن الانخراط في العمل الاجتماعي، تأكيد داحض للتشكيك فيما يتعلق بهذا الخيار، وخدمة المجتمع عبر المؤسسات هي المعنية هنا، سواء كانت هذه المؤسسات إغاثية أو خيرية أو حتى ربحية إذا كانت ذات منفعة عامة، هذه العملية فضلا عن ردها لشبهة التكفير والهجرة –التي ظهرت عند مجموعات محدودة نتيجة حالة القمع التي عاشتها-، فإنها تزيد من قوة الحركة الإسلامية لأنها عامل استقطابي إضافي للدائرة الواسعة أولا وللدائرة الضيقة تاليا، كما أنها تمنح الحركة الإسلامية الخبرة التي تفتقر إليها في كيفية إدارة المرافق وتسيير الخدمات والتعامل مع مواقع القوى كافة، وهذه إيجابية هامة راهنا ومستقبلا.
إنه، والحال هذه، لا بد أن يحظى العمل الاجتماعي بحيز هام من التخطيط ونجاح التنفيذ، والأهم من كل ذلك الاستمرارية، ولذلك لا ينبغي الاقتصار أو التركيز على العمل الإغاثي لأنه في الغالب يستنفذ أغراضه وإمداداته بعد مدة من الزمن، أما الأعمال الخيرية الأخرى أو المشاريع الإنتاجية ذات المنفعة العامة فهي التي تبقى وتكبر. ومع التقدير الكامل للعمل الإغاثي إلا أن توزيع مواد غذائية على مواطنين -في غير حالة النكبات- ليس أهم من افتتاح مستوصف أو مشفى خيري يعالج الناس برسوم رمزية، فالأول مؤقت أما الثاني فدائم ومرشح للتوسع. ووفق هذا المفهوم فإن إقامة المؤسسات الصحية والتأهيلية والتعاونية ومراكز خدمة المجتمع ينبغي أن تكون في أولويات الحركة الإسلامية.
لا بد أيضا من الانخراط في المؤسسات الاجتماعية للآخرين سواء عبر الانضمام المباشر أو عبر المرور بالانتخابات، على أن تدعم الحركة الإسلامية من تلتمس فيه الخير ليصل إلى المواقع الحساسة، ثم لا بد بعد ذلك من التوجيه والمراجعة والمساعدة، ذلك أنه من الظلم والمفسدة في آن، دعم المرشح ثم تركه بعد أن يصل، فلا الفائدة من دعمه تكون قد تحققت ولا حسن الأداء يكون قد توّج التجربة. بالمقابل من المفيد إلزام أي مرشح تدعمه الجماعة "ببروتوكول" يحكم أداءه ويركز على خضوعه لقرارات الجهة التي تراقب عمله، وإجباره على إطلاع قيادته على مجريات الأمور بالوقت المحدد والآلية المناسبة.