لن نجافي الحقيقة إذا قلنا إن الحروب والاشتباكات الإعلامية في هذه الأيام كثيرا ما تعلو على صوت الحروب والاشتباكات العسكرية، وأن الصناعة الإعلامية باتت في كثير من البلدان الغربية أهم من الصناعة العسكرية، أما في بلدان المسلمين فإن التخلف الإعلامي واضح وهو أحد مظاهر التخلف العامة، هذا التخلف أصاب الحركة الإسلامية أيضا، حيث فشل الإسلاميون بالتأثير المطلوب في الشريحة الأقرب لهم، وهم رواد المساجد، فكيف بالشرائح الأبعد عنهم؟ بدليل أن نسبة كبيرة من جمهور المسجد لا تمنح صوتها للمشروع الإسلامي إذا ما جرت انتخابات نقابية أو بلدية أو نيابية أو رئاسية، هذا فضلا عن التخلف عن إدراك الوسائل الإعلامية المتطورة التي مازالت حكرا على المعادين يشوهون فيها صورة الإسلام ويصنعون التيارات المناوئة له. وقد يقال في هذا المجال إن الاستبداد السياسي والإعلامي هو السبب، وقد يصح ذلك في أكثر البلدان الإسلامية المسكينة، ولكنه لا يصح في جميع البلاد الإسلامية، كما أن الوسيلة الإعلامية صارت على قدر من التطور بحيث تستطيع أن تتحدى الإرادة السياسية في أي بلد من خلال التمركز خارجه، وممارسة دورها في البث الفضائي الرقمي العادي أو المرمز أو البث الطرفي من خلال شبكة الإنترنت. وهنا يأتي دور العائق المادي الذي يكثر الحديث عنه..إلا أن أمرا بهذا القدر الهائل من الأهمية لهو من أوجب الواجبات التي على الحركة الإسلامية أن تستعصر نفسها من أجل إفراز المال الكافي له، لأنه سلاحها الذي تكبر به وتنمو.
أما الوسائل التقليدية التي مازالت الحركة الإسلامية تمتلكها دون سواها كمنابر الجمعة ومحاريب الجماعة ومواقف الوعظ في المآتم والمناسبات فإن الاستبداد والقمع يقف عاجزا إلى حد ما في انتزاعها من الإسلاميين، وهي فضلا عن ذلك لا تتطلب توظيفات مالية ترهق الحركة، ولكن هل ُأحسöن استخدامها وتوظيفها في عملية التحكم الإعلامي؟؟ ونحن نشهد عددا من الخطب الساذجة أو السطحية التي لا تحاكي هموم الناس، ومنها ما هو حاد يزيد من الارتماء في أحضان الإعلام المضاد، ومنها ما هو حماسي يستثير العواطف ولا يحرك العقول!!
إن ترشيد الخطاب المسجدي التقليدي ليس بالأمر العسير بالرغم من انتماء الخطباء إلى مشارب دينية متعددة، وهو ممكن من خلال نشرة أو مجلة أسبوعية تصل لكل خطيب أو واعظ لتمارس التوجيه العام في القضايا الكبرى على الأقل، إلا أن استنقاذ الإعلام التقليدي ما هو إلا البداية لأنه لابد من المطبعة الإسلامية والجريدة الإسلامية والإذاعة الإسلامية والتلفاز الإسلامي والمسرح الإسلامي، وشركات الإنتاج الفني والمعلوماتي الإسلامية.