ونتحدث عن بشائر النصر لأننا نمرّ بمرحلة هامة من حياتنا..
· مرحلة تقدم الإسلام على كل المستويات: الدعوية، والفكرية، والحضارية، والجغرافية، فلا تكاد تجد أرضا إلا ودخلها الإسلام وعلت فيها مآذن الإيمان.
فالمسلمون اليوم أكثر من مليار ونصف المليار نسمة يشكلون ربع سكان العالم.. )واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم( .
ويحتلون رقعة كبيرة من الأرض تبلغ ربع مساحة العالم.. تضم أخصب الأراضي وأكثرها تنوعا.. وأهم الممرات المائية والاستراتيجية في العالم.. (إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زُوي لي منها) .
أما الثروة الاستراتيجية.. كالبترول فالدول الإسلامية تنتج منه حاليا حوالي 06% ويبلغ احتياطيها حوالي 08% من الاحتياط العالمي. بالإضافة إلى ثروات معدنية وزراعية وحيوانية كبيرة.
· ومرحلة تنبه أعداء الإسلام إلى أهمية هذا الدين وحيويته.. وأنه البديل الحضاري الذي يمكن أن يطوي كل ما أمامه من نöحَلٍ وانحرافات وفساد وادعاءات عريضة مثل: حقوق الإنسان والحرية الفردية والديمقراطية الزائفة.. يقولونها ولا يفعلون بها.
قال موروبيرغر: إن الإسلام يفزعنا عندما نراه ينتشر بيسر في القارة الأفريقية.
وقال لورانس براون: لقد وجدنا أن الخطر الحقيقي علينا موجود في الإسلام وفي قدرته على التوسع والإخضاع وفي حيويته المدهشة.
وقال مرماديوك باكتول: المسلمون يمكنهم أن ينشروا حضارتهم في العالم الآن بنفس السرعة التي نشروها بها سابقا بشرط أن يرجعوا إلى الأخلاق التي كانوا عليها، لأن هذا العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام حضارتهم.
وقال البروفسور جب في كتابه (وجهة الإسلام): (إن الحركات الإسلامية تتطور عادة بسرعة تدعو إلى الدهشة، فهي تنفجر انفجارا مفاجئا قبل أن يتبىن المراقبون من أماراتها ما يدعو إلى الاسترابة في أمرها، إن الحركات الإسلامية لا ينقصها إلا الزعامة، لا ينقصها إلا صلاح الدين من جديد) .
وكتب الرحالة الألماني بول أشميد كتابا سماه (الإسلام قوة الغد) جاء فيه: إن مقومات القوى في الشرق الإسلامي تنحصر في عوامل ثلاثة:
· في قوة الإسلام كدين وفي الاعتقاد به، وفي مثله، وفي مؤاخاته بين مختلفي الجنس واللون والثقافة.
· وفي وفرة مصادر الثروة الطبيعية في رقعة الشرق الإسلامي، الذي لا يدع المسلمين في حاجة إلى أوروبا أو إلى غيرها إذا ما تقاربوا وتعاونوا.
· وفي خصوبة النسل البشري لدى المسلمين، مما جعل قوتهم العددية قوة متزايدة.
فإذا اجتمعت هذه القوى الثلاث، كان الخطر الإسلامي خطرا منذرا بفناء أوروبا وبسيادة عالمية في منطقة هي مركز العالم كله.
ويقترح بول أشميد لمواجهة هذا الخطر، أن يتضامن الغرب المسيحي شعوبا وحكومات، ويعيدوا الحروب الصليبية في صورة أخرى ملائمة للعصر، لكن في أسلوب نافذ حاسم.
وقال روبرت بين في مقدمة كتابه الذي سماه (السيف المقدس): علينا أن ندرس العرب ونسبر أفكارهم لأنهم حكموا العالم سابقا، وربما عادوا إلى حكمه مرة أخرى، والشعلة التي أضاءها محمد لا تزال مشتعلة بقوة، وهناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الشعلة لا تطفأ.
تغريب التعليم
وقبل أن يعلنها الغرب صليبية حاسمة.. وصراعا للحضارات.. ضد الإسلام والمسلمين، حاول كثيراً أن يحول هذه الأمة عن دينها.. مركزاً على مناهج تغريب التربية والتعليم..
قال المستشرق جيب في كتابه وجهة الإسلام: (والسبيل الحقيقي للحكم على مدى التغريب هو أن نتبين إلى أي حدّ يجري التعليم على الأسلوب الغربي وعلى المبادئ الغربية وعلى التفكير الغربي.. لأن روحَ وضمير نظام التعليم يستمد من عقائد واضعيه ونفسيتهم وغايتهم ووجهة نظرهم للحياة والإنسان.. وإن تربية الأطفال المسلمين وفق النظام التعليمي الغربي ستفضي حتما إلى زعزعة إرادتهم في أن يعتقدوا أو ينظروا إلى أنفسهم على أنهم هم ممثلو الحضارة الإلهية الخاصة التي جاء بها الإسلام.
عندما استعمروا بلادنا ألغوا المدارس الدينية.. وأنشأوا عدداً قليلا من المدارس الإبتدائية والثانوية (في مصر لم يكن فيها عام 1922 سوى عشرة مدارس ثانوية، وفي السودان لم يكن فيها عام 1920 سوى عشرة مدارس ابتدائية، وفي الجزائر عام 1954 كان طالب واحد من كل عشرة طلاب يستطيع دخول المدرسة الابتدائية)، وحاربوا اللغة العربية وأحلّوا مكانها اللغات العامية أو لغات المحتلين، وقلصوا دور الجامعات العريقة كالأزهر والزيتونة والقرويين.. أما الجامعات القليلة الباقية فقد فرضوا عليها لغتهم وبرامجهم.. بحيث يتخرج منها الطالب وقد أتقن كل فن إلا الإسلام! وتسامح مع كل فكر إلا الفكر الإسلامي. هذا الفكر هو الذي أنتج طه حسين الذي شكك بالقرآن والذي قال: (إن من السخف الذي ليس بعده سخف اعتبار مصر جزءا من الشرق) .
وهو الفكر الذي أنتج قاسم أمين الذي قال: (إن الداء الذي يلزم أن نبادر إلى علاجه وليس له دواء إلا أن نربي أولادنا على الفكر والحضارة الغربية). وهو الفكر الذي أنتج علي عبد الرازق ولطفي السيد وعبد العزيز فهمي والزهاوي وسلامة موسى وسعيد عقل وأنيس فريحة ولويس عوض وأحمد أمين وأمين الخولي وأحمد خان ورفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي.. وأنطون سعادة وميشيل عفلق وقسطنطين زريق.. الذين تخصصوا في الهيام بالحضارة الغربية ونبذ الإسلام.
ومما لا شك فيه أن لهذه الهجمة الشرسة آثاراً ما زالت قائمة.. ولكن الصحوة الإسلامية تجتثها من جذورها.. وتعيدها إسلامية كما كانت.
ولنا في القرن العشرين عبرة
إذا استعرضنا أحداث هذا القرن فماذا نجد؟
· نجد مؤتمر كامبل الذي عقدته الدول الاستعمارية في لندن عام 1905 وأوصى: بإسقاط الخلافة، واستعمار ديار المسلمين، وإقامة دولة إسرائيل.
· ونجد إسقاط السلطان عبد الحميد عام 1909 الذي وقف كالطود الشامخ في الدفاع عن فلسطين.
· ونجد حزب الاتحاد والترقي يتسلم السلطة في دولة الخلافة، ويفرض فيها التتريك والتغريب.. ويدخلها الحرب العالمية الأولى عام 1914، والتي انتهت بتقسيم الدولة العثمانية، وبعقد معاهدة لوزان عام 1923 التي أسدلت الستار نهائياً على الإسلام في تركيا.
· ونجد اتفاقية سايكس - بيكو عام 1916، التي وزعت ديار المسلمين على الدول الاستعمارية الغربية.
· ونجد وعد بلفور عام 1917 الذي أعطت بموجبه بريطانيا فلسطين لليهود لإقامة وطن قومي لهم فيها.
· ونجد تغريب مناهج التربية والتعليم..
· ونجد دعاة إلى أبواب جهنم.. من جلدتنا ويتكلمون بلغتنا.. يعتبرون الإسلام والفكر الإسلامي منقصة ينبغي التخلص منه حتى نلحق بركب الحضارة العالمية..
هذا في الجانب السلبي.. فماذا نجد في الجانب الإيجابي؟
· نجد حركات التحرير تعم العالم الإسلامي من المغرب في أقصى الغرب إلى إندونيسيا في أقصى الشرق.. تجاهد المحتل باسم الإسلام.. فأرغمت بريطانيا على العودة إلى جزيرتها.. وألزمت فرنسا الخروج من جميع مستعمراتها.. وانسحبت هولندا وبلجيكا وإيطاليا من ديار الإسلام وأرضه.. وعادت بلاد الإسلام حرّة مستقلة.
· ونجد الصحوة الإسلامية التي ارتفعت راياتها، مع قيام الحركات الإسلامية في بلاد العرب وتركيا وبلاد الهند وباكستان وإندونيسيا وأفريقيا وغيرها.. صحوة أيقظت العقول والقلوب، والعزائم، وأعادت للناس الثقة بأنفسهم وبدينهم.
أثبتت هذه الصحوة وجودها على الصعيد الفكري بما قدمته للمكتبة الإسلامية من دراسات راقية واعية في كافة المجالات.. في الاقتصاد والسياسة والقانون والتربية والتاريخ، وشتى العلوم الإنسانية والاجتماعية.. وترجم هذا الفكر إلى مئات اللغات.
وأثبتت الصحوة وجودها في المجال السلوكي، فامتلأت المساجد بالمصلين والمصليات، وخصوصاً من الشباب، وازدحمت بهم كذلك مواسم الحج والعمرة، وعادت المرأة المسلمة مرة أخرى تسير في موكب الدعوة.
وأثبتت الصحوة وجودها على الصعيد الاقتصادي، فقامت البنوك الإسلامية، والمؤسسات المالية الإسلامية، والهيئات الخيرية العالمية، ولجان الإغاثة الإسلامية، وبيوت الزكاة.. تساهم جميعاً في إنعاش الصحوة الإسلامية وامتدادها إلى ساحات ما كانت لتبلغها.
وأثبتت الصحوة وجودها على الصعيد السياسي، فالمملكة العربية السعودية تعلن أنها تحكم بالقرآن، وقامت دولة للإسلام في إيران، ودولة في السودان، وخاضت الحركات الإسلامية الانتخابات البرلمانية وحصلت على نتائج باهرة في مصر والجزائر وتركيا وباكستان والمغرب والبحرين والبوسنة والكويت واليمن وغيرها.. وعمقت الصحوة مفاهيمها السياسية مثل تداول السلطة، ودور المرأة السياسي، واعتماد الشورى والديمقراطية..
وأثبتت الصحوة وجودها في المجالات الطلابية والنقابية.. فلا تجد بلداً من بلدان المسلمين.. أو أقلية إسلامية في بلد من البلدان.. إلا وتجمع طلابها وشبابها في اتحادات طلابية محلية وإقليمية وعالمية.. ونقابات مهنية تشكل حلقة هامة من حلقات المجتمع المدني..
وامتدت الصحوة لتشمل الأقليات الإسلامية في أقطار كثيرة.. تصحح مواقفها.. وتسدد انتماءاتها.. وتعينها لتكون جزءاً فاعلاً في أوطانها..
وأثبتت الصحوة وجودها في مجالات التربية والتعليم.. فأنشئت الجامعات الإسلامية المحلية والعالمية.. يلتقي فيها الطلبة المسلمون من أنحاء العالم..
وأثبتت الصحوة وجودها في الميدان الجهادي، فانتصرت في أفغانستان على الاتحاد السوفياتي واضطرته للانحسار، وفي البوسنة والهرسك على الوحش الصربي، وزلزلت الانتفاضة المباركة في فلسطين الكيان الصهيوني فأرعبته.
كل ذلك أثبتته الصحوة الإسلامية رغم الظروف غير المواتية.. ورغم القوى المتآمرة.. في مؤتمر الدار البيضاء قال إسحق رابين رئيس وزراء العدو: إن أعداءنا الكونيين ثلاثة: الأصولية والجوع والمخدرات!! والأصولية التي يخشاها هو وشعبه إنما هي الصحوة الإسلامية المتعاظمة بعون الله.