ونتحدث عن بشائر النصر.. لأن نظرة في تاريخ الحضارات وخصائصها.. تشير إلى حضارات بادت.. وحضارات في طريقها إلى الانهيار.. وحضارات تملك عوامل البقاء والاستمرار ومنها الحضارة الإسلامية.. وأن للحضارات دورة.. وهي اليوم تقف على أبواب المسلمين.. )وتلك الأيام نداولها بين الناس( .
· فالحضارة الفرعونية!
وهي حضارة مهمة في التاريخ الإنساني.. امتدت وعلت في الأرض.. ورفعت شعار القوة على حساب الحق.. )إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إنه كان من المفسدين( .
كان فرعون يذبح أبناء بني إسرائيل حتى لا يظهر منهم من يزول ملكه على يديه. فإذا الطفل الموعود يدخل قصر فرعون بإرادته وينشأ ويترعرع فيه تحت سمعه وبصره )فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحَزَناً، إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين( .
وبعث الله موسى رسولاً.. وكان لقاءً وتحدّ حضاري بين فريقين: فريق يؤله القوة وفريق يدعو إلى الحق.
)فأرسل فرعون في المدائن حاشرين، إنّ هؤلاء لشرذمة قليلون، وإنهم لنا لغائظون، وإنا لجميع حاذرون، فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم، كذلك وأورثناها بني إسرائيل( .
سقطت الحضارة الفرعونية.. فقد كانت تمثل أعلى درجات التسلط والطغيان.. على يد سيدنا موسى عليه السلام الذي دعا إلى الله وإلى رفع راية الحق وإقامة العدل واحترام كرامة الإنسان.
· والحضارة البيزنطية!
لقد بلغ الانحلال الاجتماعي غايته في الدولة الرومية الشرقية، ازدادت الأتاوات، وتضاعفت الضرائب. حتى أصبح أهل البلاد يتذمرون من الحكومات. ويفضلون عليها كل حكومة أجنبية.
لقد ذابت أسس الفضيلة. وانهارت دعائم الأخلاق. حتى صار الناس يفضلون العزوبة على الحياة الزوجية ليقضوا مآربهم في حرية. وكان العدل يباع ويساوم عليه مثل السلع. وكانت الرشوة والخيانة تنالان من الأمة التشجيع. يقول مؤلفو (تاريخ العالم للمؤرخين): (إن المدن العظيمة التي أسرع إليها الخراب ولم تسترد مجدها وزهوتها أبداً، تشهد بما أصيبت به الدولة البيزنطية في هذا العهد من الانحطاط الهائل الذي كانت نتيجته المغالاة في المكوس والضرائب والانحطاط في التجارة، وإهمال الزراعة، وتناقص العمران في البلدان) .
· والحضارة الفارسية!
التي شاطرت الروم في حكم العالم المتمدن فكانت الحقل القديم لنشاط كبار الهدامين الذين عرفهم العالم. كان أساس الأخلاق متزعزعاً مضطرباً منذ عهد عريق في القدم، ولم تزل المحرمات موضع خلاف ونقاش، حتى إن يزدجرد الثاني الذي حكم في أواسط القرن الخامس الميلادي تزوج بنته ثم قتلها، وأن بهرام جوبين الذي تملك في القرن السادس كان متزوجا بأخته.
ظهر (ماني) في القرن الثالث المسيحي، وكان ظهوره رد فعل عنيف ضد النزعة الشهوية السائدة في البلاد، فدعا إلى حياة العزوبة لحسم مادة الفساد والشر من العالم. حرّم النكاح استعجالا للفناء وانتصارا للنور على الظلمة بقطع النسل.
ثم ثارت روح الطبيعة الفارسية على تعاليم ماني المجحفة، وتقمصت دعوة مزدك (فأعلن أن الناس ولدوا سواء لا فرق بينهم، فينبغي أن يعيشوا سواء لا فرق بينهم، فأحلّ النساء وأباح الأموال وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ) .
كانت الأكاسرة ملوك فارس يدّعون أنه يجري في عروقهم دم إلهي، فهم فوق القانون وفوق الانتقاد وفوق البشر. أما المجتمع الإيراني فقد كان مؤسساً على اعتبار النسب والحöرَف، وكان بين طبقات المجتمع هوة واسعة لا يقوم عليها جسر ولا تصل بينها صلة.
· أهم خصائص الحضارات المادية
جميع هذه الحضارات وغيرها من الحضارات كالهندية والصينية.. كانت تقوم على:
1- الملكية المطلقة.. حقوقهم في الملك مستمدة من الله.. غير قابلة للتغيير.
2- ثروات الأمة.. حقñ للملوك محرمة على الشعوب.
3- الشعب طبقات.. لا تطمع طبقة بالإرتقاء.. فجل الناس عبيد.
4- انتشار الفساد وحياة الترف والبذخ.. لا هم لهم إلا الشهوة واللذة والتهام الحياة.. كان لكسرى 12 ألف امرأة (على سبيل المثال).
5- أرهقوا الشعوب بالضرائب الباهظة.. يجمعونها لإنفاقها على شهواتهم.
6- كانوا يتجادلون هل المرأة إنسان.. أم مجرد مخلوق نجس؟
7- وهكذا ضاعت رسالة الأنبياء، والأخلاق الفاضلة، والمبادئ السامية.. فهم بين غنى مطغ وفقر منس وأنظمة تتحكم فيها القوة على حساب الحق.
كان لابد من سقوط هذه الحضارات. أسقطتها خصائصها المتدنية.. قبل أن تسقطها حضارات ترفع لواء الحق والعدل وإنسانية الإنسان.
· الحضارة الإسلامية
في هذا الظلام الدامس، الذي أطبق على الدنيا، بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد..
ولم يزل القرآن الكريم يسمو بنفوس المؤمنين.. ولم تزل مجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم تزيدهم رسوخا في الدين وعزوفا عن الشهوات.. وتفانيا في مرضاة الله، وحنينا إلى الجنة.. وحرصا على العلم، وفقها في الدين، ومحاسبة للنفس.. يطيعون الرسول في المنشط والمكره.. وينفرون في سبيل الله خفافاً وثقالاً.. حتى أصبحوا في الدنيا رجال الآخرة وفي اليوم رجال الغد. لا تجزعهم مصيبة ولا تلهيهم تجارة، ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً.
وقد حدثنا المؤرخون الثقات في ذلك بقصص لم يحدث نظيرها إلا في التاريخ الإسلامي.
يقظة في الضمير
عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن ماعز بن مالك الأسلمي، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله إني ظلمت نفسي وزنيت وإني أريد أن تطهرني) فرده، فلما كان من الغد أتاه فقال: (يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قد زنيت) فرده الثانية، فأرسل رسول الله إلى قومه فقال: أتعلمون بعقله بأسا تنكرون منه شيئا؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة فأرسل إليهم أيضا فسأل عنه فأخبروه أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كانت الرابعة حفر له ثم أمر فرُجم.
الثبات أمام المطامع والشهوات
وكان هذا الإيمان حارسا لأمانة الإنسان وعفافه وكرامته، يملك نفسه أمام المطامع والشهوات.
حدث الطبري قال: (لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباض أقبل رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب الأقباض. فقال والذين معه: ما رأينا مثل هذا قط. ما يعدله ما عندنا ولا يقاربه. فقالوا: هل أخذت منه شيئا؟ فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به. فعرفوا أن للرجل شأنا. فقالوا من أنت؟ فقال: لا والله لا أخبركم لتحمدوني ولا غيركم ليقرظوني. ولكني أحمد الله وأرضى بثوابه فأَتبعوه رجلا حتى انتهى إلى أصحابه فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس) .
الأنفة وكبر النفس
لقد رفع هذا الإيمان بالله رأسهم عاليا وأقام صفحة عنقهم فلن تُحنى لغير الله أبدا. لا لملك جبار ولا لحبر من الأحبار ولا لرئيس ديني ولا دنيوي.
عن أبي موسى قال: (انتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره والقسيسون جلوس سماطين، وقد قال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك. فقال: جعفر: لا نسجد إلا لله) .
الاستهانة بالزخارف والمظاهر
أرسل سعد بن أبي وقاص قبل القادسية ربعي بن عامر رسولاً إلى رستم قائد الجيوش الفارسية وأميرهم، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه بالنمارق والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآلئ الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب. ودخل ربعي يتوكؤ على رمحه، فقالوا له: ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
الشجاعة النادرة والاستهانة بالحياة
ولقد بعث الإيمان بالآخرة في قلوب المسلمين شجاعة خارقة للعادة وحنينا غريبا إلى الجنة واستهانة نادرة بالحياة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: نعم، قال: بخٍّ بخٍّ قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قول بخ بخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قُتل.
من الأنانية إلى العبودية
وكانوا قبل هذا الإيمان في فوضى من الأفعال والأخلاق والسلوك والأخذ والترك والسياسة والاجتماع.
لقد عرفوا الجاهلية ونشأوا عليها، وعرفوا معنى الإسلام معرفة صحيحة، وعرفوا أنه خروج من حياة إلى حياة، من فوضوية إلى سلطة، ومن حرب إلى سلام، ومن الأنانية إلى العبودية، فكانوا إذا أسلموا انتقلوا من الحياة الجاهلية بخصائصها وعاداتها وتقاليدها إلى الإسلام بخصائصه وعاداته وأوضاعه، وكان هذا الانقلاب العظيم يحدث على أثر قبول الإسلام من غير تأن.
· على أساس من هذا الإيمان العميق قامت الحضارة الإسلامية.. وكانت أهم خصائصها:
أولاً- المساواة بين الناس: لا فضل لأحد على أحد (كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم، أو ليكونن أهون على الله تعالى من الجعلان).
)يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم( .
ثانيِِِا- وهدم العصبية (ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية) .
ثالثِِِِِاً- واستشعار المسؤولية (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)(2).
رابعِِِِاً- والحاكم مطاع ما أطاع الله (فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
خامسِِاً- والأموال تؤخذ بحقها وتنفق في وجوهها المقررة.. وليست طعمة للملوك والأمراء.
سادسِاً- وقام المجتمع على أساس من الحب الصادق في الله..
خرجت امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرا، هو بحمد الله كما تحبين! قالت: أرونيه حتى أنظر إليه. فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل(1).
سابعا- وأقاموا العدل بين الناس جميعا، مسلمين وغير المسلمين ، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبيرñ بما تعملون( .
ثامنِِِا- وأعلنوا حقوق الإنسان، فما زالت صيحة سيدنا عمر بن الخطاب] تجلجل في أسماع الدنيا: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً).
تاسعِِاً- وازنوا بين الروح والمادة
وهكذا يتنازع الحضارات فريقان..
· فإذا تغلبت جماعة لا تعبد إلا المادة أثّرت طبيعتها ومبادئها وميولها في وضع المدنية وشكلها. وازدهرت في الجص والآجر، وفي الورق والقماش، وفي الحديد والرصاص، وأخصبت في ميادين الحروب وساحات القتال، ومجالس اللهو ومجامع الفجور، وماتت وأجدبت في القلوب والأرواح وفي علاقة المرأة بزوجها، والولد بوالده والوالد بولده، والأخ بأخيه والرجل بصديقه.
· وإذا تغلبت جماعة تجحد المادة أو تهمل ناحيتها ولا تهتم إلا بالروح وما وراء الحس والطبيعة، ذبلت زهرة المدنية وهزلت القوى الإنسانية وبدأ الناس يؤثرون الفرار إلى الصحارى والخلوات على المدن، والعزوبة على الحياة الزوجية، ويعذبون الأجسام حتى يضعف سلطانها، لأن الكمال في عقيدتهم لا يحصل في العالم المادي، ونتيجة ذلك أن تحتضر الحضارة وتخرب المدن ويختل نظام الحياة.
أما المسلمون الذين تربوا على يد النبي صلى الله عليه وسلم فقد وازنوا بين الروح والمادة، وجمعوا بين الديانة والأخلاق والقوة والسياسة، وكانت تتمثل فيهم الإنسانية بجميع نواحيها وشعبها ومحاسنها. قال تعالى: )ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقöنا عذاب النار( .
يصف شيخ من عظماء الروم جنود المسلمين فيقول: إنهم يقومون الليل ويصومون النهار ويوفون بالعهد ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويتناصفون بينهم.
الحضارة الإسلامية تنحرف عن خطها لقد رسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الانحراف هذا.. روى حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
· تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها.
· ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها.
· ثم تكون ملكا عاضاً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها.
· ثم تكون ملكا جبرياً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها.
· ثم تكون خلافة على منهاج النبوة.
ولقد كان الأمر كما تحدث عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فكانت خلافة راشدة على منهاج النبوة..
ثم كانت خلافة أموية..
عربية أكثر منها إسلامية، عادت معها العصبيات والجاهليات التي نعاها النبي صلى الله عليه وسلم. وأصبح فيها بيت المال الذي كان ملكا للأمة.. ملكا لفرد واحد خاضعا لشهواته وتصرفاته. وأحاط الخليفة نفسه بطبقة من الشعراء والندماء المتزلفين تُنفق عليهم أموال الأمة بسخاء.
ثم خلافة عباسية..
بلغت شأواً بعيدا في ميادين الحضارة والعلم غير أنها:
· تمادت في حياة الترف والبذخ والثراء الفاحش، على حساب الفقراء والجياع المشردين.
· ولم يقتصر هذا الانحراف على الحياة السياسية والاجتماعية العامة فقط، بل مسّ وضعية الخلفاء العباسيين أنفسهم، فصاروا إلى حالة مفجعة يُرثى لها.
خليفة في قفِِص بين وصيف وبُغا
يقِِول ما قِالا له كمِِا تقول الببغا
· وكانت النتيجة المحتومة لنهاية هذه الخلافة على يد هولاكو الذي قتل مليوني مسلم في بغداد وحدها. مصداقاً لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: (يا معشر قريش! إن هذا الأمر لا يزال فيكم، وأنتم ولاته حتى تحدثوا أعمالا تخرجكم منه، فإذا فعلتم ذلك سلّط الله عليكم شر خلقه، فالتحوكم كما يلحى القضيب).
وقامت خلافة أموية في الأندلس..
بهر ضوء حضارتها الزاهر أوروبا الغارقة يومها في دياجير الظلام.. ولكن الأندلس سارت في طريق الملك العضوض فسقطت.. أما عوامل سقوطها فكانت:
· الترف.. وطلب اللذات.. والإنغماس في الشهوات.. وأنواع المفاسد التي تبعدهم عن دين الله القويم..
حتى أصبحوا مضرب المثل في الخلاعة.. وانتهاز فرصة الزمان الساعة بعد الساعة.
· الاختلاف والفرقة.. التي بلغت أشدها بين ملوك الطوائف، والعدو يتربص بهم وينتظر الفِرصة للقضاء عليهم.
· ضعف الملوك والأمراء.. همهم شهواتهم.
يقول أحد الكتاب: (دخلنا الأندلس بشجاعة وفداء طريف بن مالك، وعزيمة طارق بن زياد، وإيمان موسى بن نصير، وطموح عبد الرحمن الغافقي، وبطولة السمح بن مالك الخولاني، وتجدد الإسلام فيها بنجدة ومتانة عقيدة يوسف بن تاشفين، بقينا في الأندلس ما بقينا مع الله، وضاعت الأندلس لما أضعنا طريق الله) .
وقامت الخلافة العثمانية..
التي كانت فتية قوية في عهد العشرة الأوائل من سلاطينها..
ثم تردت وسقطت فيما سقطت فيه أخواتها من قبل.. وزادت عليهم أن نسيت رسالتها وأسباب عظمتها.. وانتهى بها الأمر بعد سقوط السلطان عبد الحميد واستسلام الدولة للفكر الغربي الذي أنهاها بإدخالها الحرب العالمية الأولى.. وكانت الطامة الكبرى يوم ألغيت الخلافة في آذار (مارس) 1924.
· الحضارة الغربية في الصدارة
واستلمت الرايةَ العالمية الحضارةُ الغربية.. التي كانت وعلى مدى قرون انحطاط الحضارة الإسلامية وترديها، تنهض نهضتها الكبرى، وتبني حضارتها بالعلم والعمل.. لكن بعيداً عن الله.. وتسلط الغرب على أرض الإسلام فمزقها، وأصبح المسلمون مزعاً مفرقين على 55 دولة في العالم.. أخذوا قوانين الغرب وأقصوا الشريعة الإسلامية.. واعتبروا أن الرقي ما جاء من الغرب.. وأن الرجعية في دينهم.. لقد خاضت حضارة الغرب حربين عالميتين الأولى عام 1914، والثانية عام 1939 تسببتا في هلاك عشرات الملايين من البشر.. وبالرغم من انتصار الغرب على الشيوعية في الحرب الباردة، ومن تسنم الحضارة الغربية مركز الصدارة العالمية، وإقامة نظام عالمي يعمل على ترتيب العالم وفقاً لمصالحها.. إلا أن هذه الحضارة الطاغية.. في طريقها إلى السقوط..
ولكن كيف تسقط وهي ملء السمع والبصر؟
تواجه الحضارة الغربية تحديا هائلا، وتمر بأزمات فكرية واجتماعية طاحنة تهددها بالزوال والانهيار..
· وقد أُطلقت في الغرب - منذ الحرب العالمية الأولى وحتى الآن - صيحات إنذار واستنكار، أهمها الصيحة المدوية التي أطلقها شبنغلر في كتابه (تدهور الحضارة الغربية) والذي أحدث صدمة في الغرب، تنبأ فيه بسقوط الحضارة الغربية من خلال رؤيته لواقعها المهترئ.
قال شبنغلر: الحضارة الغربية ساقطة لا محالة ما دام هم الإنسان فيها أن يحقق ربحا آنيا وفوريا، ويعيش حياة انتهازية فيستقبح التضحية ويستهجن العطاء ويسحق كل المثل العليا، فلا يهمه شيء سوى جيبه وبطنه وما يدور في فلكهما من متع حسية وملذات جسدية. إنها عاطلة عن العظمة الحقيقية.
· وقال مفكر غربي آخر هو ألبرت أشفيتشر في كتابه (فلسفة الحضارة): (إننا اليوم في ظل إنهيار الحضارة).
· أما كولن ولسون صاحب مذهب (اللامنتمي) فقد ألف كتاباً أسماه (سقوط الحضارة) قال فيه: (إن حضارتنا آخذة بالانهيار تدريجيا) وأعتقد أن أية حضارة تصل لحظة أزمتها يوما، وأن الحضارة الغربية قد بلغت هذه اللحظة الآن، فالدين الذي هو العمود الفقري للحضارة قد تيبس في كنيسة لم يعد يقبل بها اللامنتمون) .
· أما غاندي القائد الهندي الكبير فيؤكد: (أن الحضارة الغربية حضارة شيطانية وصلت إلى درجة إنهيارها وما علينا إلا أن ننتظر بصبر ساعة سقوطها. وهي حسب التعاليم الهندوسية تمثل العصر الأسود المظلم) .
· إن قضية إنتحار الممثلة مارلين مونرو دليل صارخ على عُقم الحضارة الغربية، إذ توفرت لمارلين مونرو كل أسباب الرفاه والمتعة واقتناص اللذة، ولكنها لم تجد السعادة الحقيقية فانتحرت (وحينما انتحرت مارلين مونرو، شغلت صحف العالم بانتحارها وكتبت تعليقات كثيرة كان منها ما نشرته الصحفية الفرنسية (فرانسو جيرو) قالت: (هذه الحضارة يجب أن تموت كما ماتت مارلين مونرو، وكما تموت القطط والكلاب! إن مارلين مونرو هي نحن) .
· أما الدكتور الكسيس كاريل العالم المشهور فيقول:(فقد أدّى الصراع بين العقيدة والفلسفة والعلم إلى إثارة الاضطراب في نفوس الأشخاص في الغرب، فلم تعد هناك قواعد يقينية فيما يتصل بسلوك المرء والحياة، وتحلل النظام الأخلاقي وأصبح الناس يفضلون جمال الفن والشعر على جمال الفضيلة، وكفّت الإرادة عن أن تصبوا إلى عالم الغيب، وقصرت جهدها على تحصيل طيبات هذا العالم، وأصبح هدف الوجود البشري، كما طالب (ميكيافيلي) بكل جرأة أن ينحصر في البحث عن الربح بدلاً من البحث عن رضا الله. وعندئذ بدأت القوى الاقتصادية في الصعود صوب السلطة العليا.
وأصيبت العلاقات الاجتماعية بتغيّر شامل، وساد الانقسام في كل مكان، ولم يعد للزواج رابطة دائمة بين الرجل والمرأة، فالظروف المادية والنفسية للحياة الحديثة هي التي خلقت الجو الملائم لتفكك الحياة العائلية، فأصبح الأطفال في هذا الزمان عبئا ثقيلا، إن لم يعدوا كارثة.
إن أعراض هذا المرض معقدة، وهي تظهر في الفرد والمجتمع والجنس في آن واحد، فالفرد لم يتكيف جيداً بالجو المعنوي الذي اضطرته الديموقراطية الحديثة إلى العيش فيه. فلم يساير مستواه العقلي تقدم الطب والصحة والتربية وتناقصت فيه المقاومة العصبية والقدرة على بذل المجهود، بل والذكاء نفسه منذ أصبح الإسراف وعدم المسؤولية والبحث عن الترف قواعد للسلوك على نحو ما.. لقد أصاب العاطفة ما أصاب الذكاء من جراء السعي وراء المنفعة وإشباع الشهوات والإغراق في التسلية، ولا شك أن اختفاء الضمير الخلقي والكذب والجبن والإفراط، من شأنها أن تشيع الاضطراب الشديد في الوظائف العاطفية والعقلية والعضوية في آن واحد.
· وقال غوستاف لوبون في بيان علل إنحطاط الحضارة الأوروبية: (وإذا ما طرحنا العلل جانبا وأوضحنا المعلولات وجدنا إنحطاطاً بيّنا يهدد تهديداً جديا حياة معظم الأمم الأوروبية الكبرى، ولا سيما الأمم التي تُعرف بالأمم اللاتينية، فهذه الأمم تخسرُ كل يوم قوة المبادرة والإقدام والإرادة والقدرة على السير، ويكاد قضاء احتياجاتها المادية الزائدة يصبح مثلها الأعلى الوحيد، وفيها تبصر إنحلال الأسرة وتداعي المقومات الاجتماعية، وفيها ترى إنتشار السخط والارتباك بين جميع الطبقات غنيها إلى فقيرها، ويشبه الرجل المعاصر السفينة التي أضاعت بوصلتها فهامت على وجهها كما تشاء الرياح، فتراه تائها خسر الإيمان ففقد الأمل دفعة واحدة، ويلوح أن الجماعات بعد أن أصبحت سريعة الانفعال شديدة التقلب، وبعد أن عاد لا يزجرها زاجر، مَقْضي عليها بأن تكون مذبذبة بلا انقطاع بين أشد ضروب الفوضى وأثقل ضروب الاستبداد) .
· وقال الأستاذ جود الإنكليزي: (إن العلوم الطبيعية قد منحتنا القوة الجديرة بالآلهة ولكننا نستعملها بعقل الأطفال والوحوش).
نماذج من انحلال وسقوط الغرب
· التدهور الأخلاقي
سنعرض فيما يلي نماذج محدودة ومعدودة من حالات التدهور الأخلاقي والسقوط الاجتماعي للغرب. ذكرت إحدى المجلات الأمريكية (وبسبر) أنه في أمريكا (10) ملايين من اللقطاء.
وفي إحدى مدن بريطانيا رفع تقرير لجمعية الشؤون الأخلاقية عن وضع اللقطاء، جاء فيه: إن عدد اللقطاء بلغ 50% من المواليد.
أما في السويد (ففي تقرير رسمي لوزارة الشؤون الاجتماعية السويدية تعلن الحكومة أن 25% من سكان السويد مصابون بأمراض عصبية ونفسية. وأن 30% من مجموع المصروفات الطبية في السويد تنفق في علاج الأمراض العصبية والنفسية، وأن 40% من مجموع الأشخاص الذين يحالون إلى التقاعد هم من المرضى المصابين عقلياً... وعلى حد تعبير تقرير وزارة الشؤون السويدية: هناك خطأ ما في العلاقة بين الفرد والمجتمع، فدولة الرفاهية لا تزيد من سعادة الفرد، كما هو متوقع، وإنما تضعف شخصيته وإحساسه بالمسؤولية، مما ينتج عنه تحلل هذه الشخصية.. إن المعاهد العلمية في السويد أجرت استبيانات عن (الحب الحر) أوضحت أن 80% من نساء السويد مارسن علاقات جنسية كاملة قبل الزواج، و20% بقين بلا زواج) .
لقد انتشرت في أوروبا جمعيات الجنس ونوادي تبادل الزوجات ومجلات العري والدعارة بشكل فظيع فنرى أن (سانكت باولي تسايتونج) في هامبورج أنشأ حزبا سياسيا أسماه (حزب الجنس) وشعار هذا الحزب هو المطالبة بالحرية الجنسية للجميع... وتدريس العملية الجنسية للأولاد والبنات عمليا وعلى الطبيعة من سن التاسعة، وإباحة الزواج المشاعي وهو أن يتزوج جماعة من الرجال بجماعة من النساء ويتبادلون الزوجات فيما بينهم.. وإباحة زواج الرجل الشاذ بالرجل الشاذ وزواج المرأة الشاذة بالمرأة الشاذة.. والنظر إلى الخيانة الزوجية على أنها الأمر العادي والطبيعي والمألوف.. ودستور الحزب يهدف إلى جعل حبوب منع الحمل والإجهاض حقوقا مشروعة توضع في بطاقة التموين وتوزع مع السكر والزيت والشاي وأن تكون المخدرات المثيرة للذة شأنها شأن الخبز اليومي.. والحل السياسي لأزمة العالم في نظر الحزب هي (الحب بدل الحرب).. فتزحف الشعوب بعضها على بعض ليلتقي رجال شعب بنساء الآخر في مؤتمرات للذة بدلاً من زحف الجيوش للحرب والقتل. ومجلة الهريواخيم دريسن تبيع مليون نسخة وسكرتيرة الهريواخيم فتاة جميلة تجلس في المكتب عارية وتستقبل الزوار عارية على الدوام. ومنذ أيام حينما أقيمت على المجلة قضية دعارة.. ذهب الهريواخيم إلى المحكمة محمولا على أكتاف ست فتيات عاريات الصدور.
وإذا تركنا الهريواخيم وذهبنا إلى مهرجان كانْ السينمائي الأخير فإننا سوف نجد الأخبار التي خرجت من المهرجان تقول أن هناك موجة من الأفلام الجنسية الإباحية تغرق كل شيء. في أحد الأفلام التي عرضت خارج المسابقة يرقص الممثلون عراة ويقومون بحركات جنسية خليعة ثم نرى البطلة ترقد عارية في مغارة وأمامها على مكان يشبه المذبح يقتل خنزير وتنتزع أحشاؤه لتلقى على جسدها ثم نرى الممثلين يتجمعون حول المذبح ويبولون) .
· الجوع
أما عن الجوع في العالم فإن نصف سكان الكرة الأرضية يعانون من الجوع وسوء التغذية، بينما تتلف الدول الغنية منتجاتها الزراعية خوفا من هبوط أسعارها كما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية. وفي أمريكا اللاتينية أو في بلدان آسيا، حيث يعاني (150) مليون طفل من سوء التغذية. وحيث يموت (40) ألف طفل من الجوع يوميا.. فإذا كان 1 من 5 في العالم يعاني من الجوع، ومليار إنسان يعاني من سوء التغذية 13-18 مليون نسمة يموتون في العام من الجوع، هذا يعني أن (24) شخصاً يهلكون من الجوع في الدقيقة الواحدة من بينهم 18 طفلاً قبل سن الخامسة، وأن البشرية خلال السنتين الماضيتين فقدت بسبب الجوع أكثر مما فقدته في الحربين العالميتين. إن الأسباب معروفة للعالم كله، وتتلخص في الخلل بالتوازن البيئوي نتيجة للنهب الاستعماري والحروب والكوارث الطبيعية. ونتيجة ربط الغرب اقتصاد العالم الثالث بحاجة البلدان الغربية ذاتها. ونتيجة إخضاع الاقتصاد العالمي إلى برامج سباق التسلح، الذي بلغ عام 1988 حوالي (900) مليار دولار، حيث بهذا المبلغ يمكن تشييد (1800) مدرسة تتسع إلى 200 ألف تلميذ، و180 مليون شقة سكنية، و(90) ألف مستشفى، واستصلاح (450) مليون هكتار من الأرض بإمكانها إطعام (2) مليار إنسان. في بلدان العالم الثالث تم إنفاق (80) مليار دولار عام 7891م منها 24.7 مليار دولار لاستيراد الأسلحة) . هذا الخلل الكبير الذي يهدد البشرية سببه الحضارة الغربية وأساليبها وتوجهاتها، مع العلم بأن الأراضي الصالحة للزراعة في العالم الثالث تكفي لمعيشة ضعف سكان العالم، ليس في عامنا هذا بل في عام (3000) كما ورد في التقرير السنوي الذي تنشره لجنة الدراسات السكانية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، يقول التقرير: (إن عدد سكان العالم البالغ حالياً 5.3 مليار نسمة سيصل عام 3000 إلى 14 ملياراً.. وأظهرت الدراسات التي أجرتها الأمم المتحدة أن المساحات الصالحة للزراعة في بلدان العالم الثالث يمكن أن توفر الغذاء لحوالي (33) مليار شخص) .
· الرعب النووي
ونذكر هنا مثالا على سباق التسلح والرعب النووي الذي يهدد العالم بالفناء وتدمير الكرة الأرضية عن بكرة أبيها: (في إحدى المدن الأمريكية تحرك موكب من (418) نعشاً.. المرافقون للجنازة كانوا يلبسون الكمامات. وعلى طول الطريق أعلنت حالة الطوارئ في المستشفيات ووزعت الأقنعة والعقاقير المضادة. ومرت هذه الجنازة الغريبة لتُلقي بحمولتها من النعوش في مقبرتها في قاع المحيط على عمق ألف وخمسمائة قدم. وكان المشيعون يرتجفون رعباً لا حزنا.. فقد كانت تلك النعوش الرهيبة هي صناديق من الصلب تحوي أطناناً من غاز الموت.. كل نعش به ثلاثون صاروخاً معبأة بغاز الأعصاب القاتل.. أي أكثر من (15) ألف صاروخ في مجموعها.. إذا تسرب من أحدها الغاز فإنه يقتل من يشمه في دقائق. وقد قررت أمريكا التخلص من هذه الغازات ليس حباً في السلام ولا زهداً في القتل.. ولكن لأنها اخترعت وسائل ميكروبية وكيميائية أشد فتكا من هذا الغاز الروبابيكا.. واستحدثت موضات أسرع في الإجهاز على ضحاياها.
لقد بلغت سرعة تطور العلم والأسلحة الفتاكة لدرجة أصبحت المشكلة هي كيف السبيل إلى التخلص من الأسلحة القديمة ومن وسائل الموت المختلفة. إن اختراع المدفع الرشاش كان إيذاناً بنهاية عصر بندقية الخفراء.. وقنبلة الهاون طردت قنبلة مولوتوف من السوق.. والقنبلة الذرية جعلت الحرب التقليدية مثل حرب الهراوات. وغاز الأعصاب جعل غاز الخردل موضة قديمة، واليوم غاز الأعصاب أصبح روبابيكا.
وظهرت موضة حرب (الطولاريميا) وهي توكسين ميكروبي يوضع في الأنهار فتموت مدن عن بكرة أبيها.
وقنبلة هيدروجينية مدارية توضع في قمر صناعي يدور في فلك حول الأرض ثم توجه للسقوط بازرار من قواعد ألكترونية على الأرض فيقع الموت على قارات فيغرقها.
وفي الطريق قنبلة الكوبالت وقنبلة النيترون.. التي يمكنها ن تشق الأرض نصفين مثل البرتقالة أو تنثرها أجزاء.. فتتحول الأرض إلى سحابة من الحصى تسبح في الفضاء) .
· هل تقدم الإنسان؟
الإنسان لم يتقدم وإنما تأخر.. الأدوات في يديه هي التي تقدمت وتحول هو من صانعها إلى خادمها ثم إلى عبدها. لكن كل هذه البضائع الاستهلاكية ليست أكثر من لعب أطفال في فاترينة وكل ما أحرزه الإنسان من تقدم هو تقدم شكلي.
الإنسان في أثينا منذ أكثر من ألفي سنة أيام سقراط وأفلاطون وأرسطو كان أكثر تقدما وكان يعرف طريقه الصحيح إلى التقدم بالفعل.. كان يبحث كيف يعرف نفسه وكيف يتخلص من عبوديتها وكيف يحقق الحرية وكيف يحقق العدالة وكيف يصل إلى معرفة الله... وكان كل واحد يناقش الآخر في حرية.. أما اليوم فكل واحد يطلق على الآخر الرصاص ولا أحد يفكر كيف يعرف نفسه ولكن كيف يشبع نهم تلك النفس الجشعة بلا حدود. والنفس تدفن شيئا فشيئا تحت ركام البضائع الاستهلاكية يخنقها طمعها اللانهائي.. نحن نتأخر.. الأدوات في أيدينا تنمو في القوة باطراد حسابي كما تنمو الأموال تلقائيا في البنوك.. ولكن التقدم ليس أن تنمو الأدوات وإنما أن ينمو الإنسان.. ليس أن يسيطر الإنسان على الآخرين وإنما أن يسيطر على نفسه.. على غضبه.. ليس أن يمتلك الإنسان القوة بل أن يمتلك الرحمة.. ليس أن يفرض الشرق مذهبه على الغرب ولا أن يفرض الغرب مذهبه على الشرق وإنما أن ترحب الصدور ليقول كل واحد كلمته.. صحيح أننا الآن نركب صواريخ ونسير بسرعة ولكن إلى وراء وإلى تحت وإلى خلف وإلى دغل كثيف نعود فيه حيوانات أكثر افتراسا من كل الحيوانات.. حيوانات مخالبها ذرية وأنيابها نووية.. مسوخ اختل فيها التوازن فأصبحت لها أبدان هائلة وقلوب ضئيلة وأرواح هزيلة.. الجنس البشري الآن هو الديناصور الجديد الذي سوف ينقرض، وأقرأوا التاريخ لتعرفوا كيف كان على الأرض منذ ملايين السنين حيوان هائل ضخم يحكم جميع الحيوانات اسمه الديناصور.. ثم انقرض وهلك والسبب أنه كان قويا ومغفلا) .
إن الأرض تحترق من الحروب ومن التجارب الذرية والنووية، والغلاف الغازي يحترق في بعض الدول من شدة تلوث الهواء. والبناء الاجتماعي يتمزق في الغرب نتيجة لفقدان الأسرة أهميتها ومكانتها وهي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع... الوضع مؤلم ومخيف!!
قد يتساءل البعض: لماذا لا تسقط الحضارة الغربية الآن؟ ونقول: إن سقوط الحضارة ليس انقلاباً عسكريا يحدث بين عشية وضحاها. بل إن للحضارة جذورا عميقة في حياة الناس الفردية والاجتماعية وفي مظاهر الحياة المادية التي لا تسقط فجأة وبسهولة، إن النخر والانحلال بدأ في الحضارة الإسلامية قبل هجوم هولاكو بعشرات السنين ولم تسقط الحضارة بسقوط بغداد، بل استمرت في عهد المماليك والأيوبيين حتى أصابها الانحلال والتدهور، كذلك الحضارة الغربية، إنها تحمل في طياتها الآن عوامل سقوطها وانحلالها، وستسقط حتما -كما قلنا في بداية حديثنا - إذا بقيت على قيمها ومظاهرها وتوجهاتها الحالية، ولكن علينا أن لا نتصور سقوطها كجدار عظيم يتهدم ويتحطم ويهوي فجأة محدثاً صوتاً مدوياً ومخيفاً، بل إن سقوط الحضارات بصورة عامة يتم ببطء ولا يشعر به أحد شعوراً حسيا فورياً يقول أحد الأدباء: (أمران لا يحدد لهما وقت بدقة، النوم في حياة الفرد والانحطاط في حياة الأمة، فلا يشعر بهما إلا إذا غلبا واستوليا).
كيف تقوم الحضارة وكيف تنهار؟
تقوم الحضارة إذا توفرت لها العوامل التالية:
· إذا تحرر الإنسان واستعاد كرامته وخرج من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.
· إذا كانت القيمة العليا هي إنسانية الإنسان.
· إذا كانت القيم السائدة هي القيم الإنسانية.
· إذا كانت الأخلاق الإنسانية هي الأساس الذي يقوم عليه المجتمع.
· إذا كانت الأسرة هي قاعدة المجتمع.
وتنهار الحضارة مهما علا شأنها إذا تنكبت الطريق واتبعت الهوى:
· إذا كان الإنسان عبداً للإنسان.
· إذا أصبحت المادة هي القيمة العليا في المجتمع.
· إذا أصبحت القيم السائدة هي النفعية والاستغلال.
· إذا أصبحت الأسرة لا معنى لها.. وعادت المرأة للمتعة.
· إذا سادت حياة الترف وانتشر الفساد.. وتقسم الناس بين سادة يملكون كل شيء ومحرومين لا يملكون شيئاً.
لهذه الأسباب سقطت الشيوعية.. التي اعتبرها الغرب يوماً صحوته الفكرية.. وقيمته الإنسانية.. وفي طريق السقوط نفسه تسير الرأسمالية المتسلطة.. أما الطريق الثالث الذي يبحثون عنه.. فقد سقط قبل أن يولد.
بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية
· المجتمع الإسلامي.. هو المجتمع الذي يهيمن عليه إله واحد.. ويخرج فيه الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. وبذلك يتحررون التحرر الحقيقي الكامل الذي ترتكز إليه حضارة الإنسان، وتتمثل فيه كرامته.
وفي المجتمع الغربي يصنع الناس بعضهم لبعض تصورات ومناهج وموازين.. وهو مجتمع بعضه أرباب وبعضه عبيد.
· في المجتمع الإسلامي تكون إنسانية الإنسان هي القيمة العليا.. وتكون الخصائص الإنسانية هي موضع التكريم والاعتبار.
وفي المجتمع الغربي.. المادة هي القيمة العليا.
المجتمع الإسلامي لا يحتقر المادة.. ولكنه في الوقت نفسه لا يعتبرها القيمة العليا التي تُهدر في سبيلها خصائص الإنسان، وحرية الفرد وكرامته، وتهدر فيها قيم الأسرة، وتهدر فيها أخلاق المجتمع وحرماته.
· في المجتمع الإسلامي تكون القيم الإنسانية والأخلاق الإنسانية هي الدعامة التي يقوم عليها المجتمع.. وهي قيم ثابتة لا تتغير بتغير البيئة كما يراها المجتمع الغربي.. فتكون عنده قيم زراعية وأخرى صناعية.. تنتهي به إلى مجتمع بلا قيم.
· في المجتمع الإسلامي الأسرة هي قاعدة المجتمع. وتقوم هذه الأسرة على أساس التخصص بين الزوجين في العمل.. وهي البيئة التي تنشأ وتُنمى فيها القيم والأخلاق الإنسانية ممثلة في الجيل الناشئ..
وفي المجتمعات الغربية تقوم العلاقات بين الجنسين على أساس الهوى والنزوة والانفعال.. وتصبح وظيفة المرأة هي الزينة والغواية والفتنة.. في هذه المجتمعات لا تعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة رذيلة أخلاقية.. فالمفهوم الأخلاقي حصروه في العلاقات الاقتصادية والمصالح السياسية..
· والمجتمع الإسلامي ليس مجرد صورة تاريخية، يبحث عنها في ذكريات الماضي، ولكنه هدف يمكن أن تستشرفه البشرية في كل حين.. وكلما توافرت قيم هذه الحضارة.. (وهي العبودية لله وحده.. والتجمع على آصرة العقيدة.. واستعلاء إنسانية الإنسان على المادة.. وسيادة القيم الإنسانية التي تنمي إنسانية الإنسان لا حيوانيته.. وحرمة الأسرة.. وتحكيم منهج الله وشريعته..). كلما توافرت هذه القيم كان المجتمع إسلاميا.
ولن تجد لسنة الله تبديلاً
نستخلص من هذا الاستعراض السريع للحضارات الإنسانية التي قامت قبل التاريخ وبعده.. ما يلي:
1- أبرز خصائص الحضارة الإسلامية هو إعلاؤها للحق، وأبرز خصائص الحضارات المادية هو إعلاؤها للقوة.
2- إن الناس كلما عاشوا في كنف حضارة، الحق فيها هو الأعلى، تحققت لهم السعادة.. وكلما عاشوا في كنف حضارة، القوة فيها هي الأعلى، لم تتحقق لهم السعادة وتعرضوا للظلم وحلت بهم المآسي.
نموذج الحضارة الغربية هو ما نشاهده اليوم من طغيان واستعمار وتحكم وإفقار وازدواجية المعايير فمن ليس معنا فهو إرهابي..
ونموذج الحضارة الإسلامية ما أعلنه الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أول خطبة له أمام المسلمين.. أوضح فيها أن الحق عنده هو المقياس. قال أبو بكر: (أيها الناس، إني وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة. الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي، حتى آخذ الحق منه).
وهي الحضارة التي تنتظرها البشرية لتملأ الأرض حقا وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
مجلة دنيا العرب- العدد 68 آب (أغسطس) 1990م، ص- 83.