ِ العلم الإلهي الشامل
ِ معنى سبق الكتاب
ِ رد ما يفيد الجبر مثل إن الله خلق للنار ناسا وللجنة ناسا
ِ عرض آيات الاختيار الحر والجزاء والعدل
ِ معنى الآية «لو شاء لهداكم أجمعين»
ِ مظاهر الإرادة العليا
ِ ندم المذنبين يوم القيامة ودلالاته
ِ نظرة في ختام سورة المؤمنين
ِ نظرة عامة الى أحاديث القدر
العلم الإلهي مسطور في كتاب ضابط شامل محيط. «ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض؟ إن ذلك في كتاب، إن ذلك على الله يسير»(92).
وهذا الكتاب يضم عالمي الغيب والشهادة، ويتناول الأصغر والأكبر من مثاقيل الذر، فالله لا يخفى عليه شيء «عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين»(93).
وفي تفصيل آخر لمحتويات هذا الكتاب يقول جل شأنه: «... ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين»(94).
وبديهي أن أعمارنا وأرزاقنا وتفاصيل حياتنا ومواعيد وفاتنا بعض محتويات هذا الكتاب. فليس من المعقول أن يجهل ربنا شئون ما خلق ومن خلق، أو يجهل الخط التي وضعها لسير الكون وسكانه، والأرض وقطانها، أو يجهل مراحل تنفيذها بما هيأ من أدوات «وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور. ألا يعلم من خلق؟ وهو اللطيف الخبير»(95).
والناس كلهم كافرهم ومؤمنهم، طفلهم وشيخهم ينالون ما سطر لهم في هذا الكتاب، بل المخلوقات من جماد وحيوان تتحرك في دائرة هذا العلم السابق الصادق. قال تعالى: «ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير»(96).
وقد أمر الله المؤمنين أن يستريحوا لهذا العلم القديم، ويستكينوا لحقيقته «قل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون»(97).
إن هذا العلم الأعلى يتناول ملكوتا نشغل نحن البشر حيزا صغيرا منه، وما نري شيئا عن آماده! ما لنا وللمريخ أو للشعري، أو لغيرهما من العوالم؟
كما يتناول في حياتنا على ظهر الأرض نوعين من الأعمال، نوعا لا ندري كيف بدأ، ولا أين يتجه، ولا متى يتوقف؟ وهذا النوع من الأعمال وإن مس حياتنا من قريب أو بعيد فلسنا مسئولين عنه ولا مؤاخذين بخيره أو شره!
إن الأقدار حولنا تصنع الكثير مما نفهم وما لا نفهم، وهذا الكثير يتحول إلى أسئلة عملية نجيب عليها بسلوكنا، ترى أنصبر في البأساء والضراء؟ ترى أنشكر في النعماء والسراء؟.
إن البشر جنس محكوم ومختار في آن واحد، إنه محكوم بالإمكانات التي في كيانه والملابسات التي من حوله!، ومختار في موقفه من هذه وتلك...
ونريد أن نقول مصارعين وحاسمين إننا لن نسأل أبدا عما لا إرادة لنا فيه، ولكنا نسأل يقينا عما نملك فيه حرية الاختيار..
وبعض الناس يحلو لهم الخلط بين الأمرين أحيانا، وهذا لون من الجدل المحقور والمشاقة لله ورسله، ولنا مع هؤلاء حديث قد يطول...
لقد شاء الله ِ لحكمة لا نعلمها ِ أن يخلقنا ويكلفنا، وقال في وضوح: «خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور»(98)، فجاء من يزعم أن الحياة رواية تمثيلية خادعة! وأن التكليف أكذوبة! وأن الناس مسوقون الى مصايرهم المعروفة أزلا طوعا أو كرها! وأن المرسلين لم يبعثوا لقطع أعذار الجهل، ومنع الاحتجاج. المفروض، بل المرسلون خدعة تتم بها فصول الرواية أو فصول المأساة..!
والغريب أن جمهورا كبيرا من المسلمين يجنح الى هذه الفرية، بل إن عامة المسلمين يطوون أنفسهم على ما يشبه عقيدة الجبر، ولكنهم حياء من الله يسترون الجبر باختيار خافت موهوم..
وقد أسهمت بعض المرويات في تكوين هذه الشبهة وتمكينها، وكانت بالتالي سببا في إفساد الفكر الإسلامي، وانهيار الحضارة والمجتمع...
إن العلم الإلهي الذي ذكرنا شموله وإحاطته وصاف كشاف، يصف ما كان ويكشف ما يكون، والكتاب الدال عليه يسجل للواقع وحسب! لا يجعل السماء أرضا ولا الجماد حيوانا إنه صورة تطابق الأصل بلا زيادة ولا نقص، ولا أثر لها في سلب أو إيجاب..
وعندما يذكرنا ربنا بهذا كله فلكي يكشف لنا جانبا من عظمته حتى نقدره حق قدره..
وعندما نتعلم منه أن ما نجهل من مستقبل، هو مكشوف لديه فليس معنى هذا أن الامتحان الذي نتعرض له صوري وأننا مسوقون الى هذا المستقبل برغم أنوفنا...
إن هذه الأوهام تكذيب للقرآن والسنة، فنحن يجهدنا وكدحنا ننجو أو نهلك، والقول بأن كتابا سبق علينا بذلك، وأنه لا حيلة لنا بإزاء ما كتب أزلا... هذا كله تضليل وإفك لقوله تعالى: «وقد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها...»(99). «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن من شاء فليكفر»(100).
والواقع أن عقيدة الجبر تطويح بالوحي كله، وتزييف للنشاط الإنساني من بدء الخلق الى قيام الساعة، بل هي تكذيب لله والمرسلين قاطبة..
ولما كانت بعض المرويات مسئولة عن هذا البلاء فقد أحببت أن أشرح القضية بضرب بعض الأمثلة..
قد يقول لك الأستاذ بعد ما خبر تلامذته في قاعة الدرس: إنني أعتقد أن لانا سوف ينجح وفلانا سوف يرسب.. ثم يعقد الامتحان آخر العام ويدخله الطلاب، فإذا رأي الاستاذ يتحقق! فيقول لك مباهيا: إن كلامي لا يقع على الأرض، كان لابد أن يتحقق ما قلت!.
هل معنى ذلك أن رأي الاستاذ هو الذي أنجح هذا وأسقط ذاك؟ كلا، إن ذلك نجح بجهده، وذاك سقط بلعبه.. وما قول الأستاذ إلا تصوير لصدق حكمه(101).
إن لله المثل الأعلى، وعلمه بكل شيء مستيقن، وعلمه السابق الذي لا يتخلف ليس سببا في نجاة ولا هلاك، إنه لا يختلف لأنه علم الله الذي يستوي عنده الماضي والحاضر والمستقبل. والظن بأن نجاة من نجا وهلاك من هلك هو أثر إكراه الله لهذا وذاك هو من الظن السوء، وما أراه إلا كفرا..!!
ومن ثم فإننا نتناول بحذر شديد ما جاء في حديث مسلم «فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب يعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحكم ليعمل بعمل أ÷ل النار... الخ».
إذا كان الحديث المذكور تنويها بشمول العلم الإلهي، وأن بدايات بعض الناس قد تكون مخافة لنهاياتهم فلا بأس من قبوله بعد الشرح المزيل للبس، المبطل للجبر..
أما المعنى القريب للحديث فمردود يقينا، وهو مخالف للكتاب والسنة، أو للعقل والنقل..
وأذكر هنا: أن الإمام مالكا في موطئه روى حديث عائشة ِ الذي نقله مسلم ِ «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسو الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ وهن فيما يقرأ من القرآن»(!) الإمام مالك: ليس على هذا العمل... ورفض الحديث.
وحق له أن يرفضه، وقد بنى مالك مذهبه كالأحناف على أن مطلق الرضاع يحرم..
ونحن نؤكد مرة ومرتين أنه ليس لروايات الآحاد أن تشغب على المحفوظ من كتاب الله وسنة رسوله، أو أن تعرض حقائق الدين للتهم والريب
وقد قرأت ما رواه الترمذي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سئل عن قوله تعالى: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى. شهدنا. أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين»(102).
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: سمعت رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ يسأل عنها فقول رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ: «إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح على ظهره، فاستخرج منه ذرية فقال: هؤلاء خلقت للنار، وبعمل أهل النار يعملون. فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل؟ قال: فقال رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ: إن الله إذا خلق العبد للجنة، استعمله بعمل أهل الجنة، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار، استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار».
وهذا السياق يكاد يكون نصا في الجبر، ولذلك نرفضه، ونراه من أوهام الرواة، بل نراه من الجهل بمعاني القرآن الكريم!.
فإن هذا التفسير المنسوب لعمر يسير في اتجاه مضاد للتفسير البديهي المفهوم من الآيات البينات، الآيات تقول للمشركين عن رب العزة: لا وجاهة لكم عندي، ليس لكم عذر قائم ولا حجة ناهضة، إنني منحتكم عقلا يفكر وفطرة تبعث على التوحيد والاستقامة، وأنزلت ما يمنعكم من تقليد الآباء الجهلة، فلماذا تجاهلتم هذه المعالم كلها، وهمتم على وجوهكم في طرق الشر والغواية... أفبعد هذا التفصيل والتوضيح تبعدون عني ولا ترجعون إلي؟.
هذا هو تفسير الآيات كما ينقدح في ذهن كل عاقل، وكما يثبت لأول وهلة في فهم القارئ العادي..
ولنذكر الآيات كما وردت في القضية كلها:
«وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنسهم أست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غالين. أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون. وكذلك نصل الآيات ولعلهم يرجعون» (الأعراف: 172 ِ 174).
فأين ِ يا أولي الألباب ِ آثار الجبر الإلهي هنا؟ وأين ما يفيد أن الله خلق ناسا للنار يساقون إليها راغمين، وخلق ناسا للجنة يساقون إليها محظوظين؟ إن التعلق بالمرويات المعلولة إساءة بالغة للإسلام، وينبغي ألا نتجاوز كتاب ربنا وسنة نبينا، فذاك نهج سلفنا الأول....
كل ميل بعقيدة القدر الى الجبر فهو تخريب متعمد لدين الله ودنيا الناس، وقد رأيت بعض النقلة والكتابين يهونون من الارادة البشرية، ومن أثرها في حاضر المرء ومستقبله، وكأنهم يقولون للناس: أنتم محكومون بعلم سابق لا فكاك منه، ومسوقون الى مصير لا دخل لكم فيه فاجهدوا جهدكم فلن تخرجوا عن الخط المرسوم لكم مهما بذلتم!.
إن هذا الكلام الرديء ليس نضح قراءة واعية لكتاب ربنا، ولا اقتداء دقيق بسنة نبينا، إنه تخليط قد جنينا منه المر.!!.
يقول الله لكل بشر على ظهر الأرض: «فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون. من كفر فعليه كره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون»(103). فهل ربط الجزاء بالعمل هنا من قبيل المزاح أو الخديعة؟.
وعندما يصف ربنا جزاء الكذبة والمكذبين، ويذيقهم عقبى ماقدموا ويقول: «فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديد ولنجزينهم أسوأ الذين كانوا يعملون. ذلك جزاء أعداء الله. النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون»(104).
هل هذا الربط المتكرر بين العمل والجزاء؟ هل هذه النقمة المحسوسة على المجرمين، تومئ من قرب أو بعد إلى أن القوم كانوا أهل خير فلوى زمامهم قدر سابق، أو كتاب ما حق؟ ما أقبح هذا الفهم!.
في يوم الحساب يحصد الناس ما زرعوا لأنفسهم، والقرآن حريص كل الحرص على إعلان هذه الحقيقة: وهي إنك واجد ما قدمت! لن تؤاخذ أبدا بشيء لم تصنعه، لم تغلب على إرادتك يوما فيحسب عليك ما لم تشأ… إن المغلوب على عقله أو قصده لا يؤاخذ أبدا، بل إن التكليف يسقط عنه!!.
وتدبر قوله تعالى: «ألقيا في جهنم كل كفار عنيد. مناع للخير معتد مريب. الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد. قال قرينه: ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد. قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد. ما يبدل القول لي وما أنا بظلام للعبيد(105)».
ربنا سبحانه وتعالى ينفي الظلم عن نفسه، ويقول إنه ما عذب إلا من فرط وأساء.
ومع ذلك يجئ أقوام منا فيزعمون أنه رمى بناس في النار بعد أن قهرهم على طريقها، وأنه لا يسأل عما يفعل!! وليس بظالم فيما أوقع بعباده!!.
هذا تفكير أعمى لا يتصل بفطرة الله ولا يوحيه ويجب فطام العوام عنه!!.
وسبب هذا الشرود: سوء الفهم للآيات، وسوء النقل للاحاديث..
ولنضرب أمثلة لما ذكرنا: إن الحق يعرض على الناس، فمن قبله شرح الله به صدره، وأنار عقله، ومن أبى زاد الله قلبه ظلمة وسلوكه حيرة..
وعندما يضل الله مجرما فلن ينقذه أحد، ولن يجد وليا ولا نصيرا، وفي هذا يقول الله تعالى: «من يضلل الله فلا هادي له، ويذرهم في طغيانهم يعمهون»(106).
الجملة الأولى في الآية تفيد أن من عاقبه الله بالإضلال لن ينفعه أحد، والجملة الثانية تفيد أنه إنما أضله لطغيانه وعماه.
لكن البعض يقف عند الجملة الأولى وينسى الثانية أو يفهم أن طغيانه جاء نتيجة إضلال الله له وهذا جهل كبير، فإن إضلاله جاء نتيجة طغيانه، فالإضلال نتيجة لا سبب.
ويؤكد هذا قوله تعالى في موضع آخر: «قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا، حتى إذا رأوا ما يوعدون، إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا واضعف جندا. ويزيد الله الذين اهتدوا هدى....»(107)
وقد يجيء بعض الناس إلى آية يقف عقله الكليل عندها فيفهمها فهما مقلوبا مثل قوله تعالى: «فلله الحجة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين»(108).
أو قوله تعالى: «ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول مني لاملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين»(109).
إنه يفهم أن الله خلق للنار ناسا، وخلق للجنة آخرين، ثم دفع هؤلاء دفعا الى الفنار ودفع هؤلاء دفعا الى الجنة، وقد سبق بذلك كتابه!!
وهذا كله جهل، فالآيات تعني أن الله كان قادرا على أن يخلق الناس كلهم ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون! لكنه ِ وهو المريد المختار ِ صنع البشر على مثال آخر، أو على نموذج فيه صلاحية للعوج والاستقامة، وأدخلهم في مسابقة عامة أو في اختبار حر وسوف تمتلئ النار بالساقطين وتمتلئ الجنة بالناجحين...
نعم هو من بدء الخلق يعرف ما سيكون، لكن علمه مبتوت الصلة بنجاة من نجا وهلاك من هلك.
وقد يتقعر البعض ويقول: ما تم شيء إلا بإذنه! ولكن نجيب على هذه الشبهة نقول:
إن المجرم يذهب الى حقل قمح ناضج السنابل حافل بالخير، فيشعل النار فيه، فإذا قبض عليه يقول: ما كانت النار لتشتعل لولا «الأوكسيجين» الذي خلقه الله في الهواء! ولو خلا الجو من هذا العنصر ما احترق الحقل، فالله هو المسئول عن جريمتي، إذ بإذنه تمت!.
إن إرادة الله مبثوثة في كل شيء، ولو قهرتنا على عمل ما حوسبنا، إننا نحاسب على ما قدمت أيدينا ولن نستطيع شرح العلاقة بين إرادة الله المحيطة، وبين الحرية المتاحة لنا في الاتجاه الى اليمين أو الشمال...
وتصيد الشبهات للفرار من المسئولية لا يجدى.
وكل أثر مروي يشغب على حرية الإرادة البشرية في نصع المستقبل الأخروي يجب ألا نلتفت إليه، فحقائق الدين الثابتة بالعقل والنقل لا يهدها حديث واهي السند أو معلول المتن.
لكننا مهما نوهنا بالإرادة الإنسانية لا ننسى أننا داخل سفينة يتقاذفها بحر الحياة بين مد وجزر، وصعود وهبوط، والسفينة تحكمها الأمواج ولا تحكم الأمواج.
ويعني هذا أن نلزم موقفا محددا بازاء الأوضاع المتغيرة التي تمر بنا.
هذا الموقف من صنعنا وبه نحاسب! أما الأوضاع التي تكتنفنا ليست من صنعنا، ومنها يكون الاختبار الذي يبت في مصيرنا..!
إن جراثيم الأمراض تملأ الجو، ولو أن كل عدوى تصيب لهلك البشر!
وإلا، فما قيمة جهاز المناعة الكامن في أجسامنا؟ وكيف يحمى؟ وكيف يفشل؟.
والصبغات الموروثة للخصائص المادية والنفسية والفكرية، ما نصيبنا منها؟ إن ذلك ليس إلينا وإن حدد المجال الذي يتم فيه اختبارنا.!.
إن الفلاح يرمي في التراب حفنات من البذور، قد ترتد اليه قناطير مقنطرة، وقد تعود عطاء محدودا، وقد تذهب سدى! وجهود الناس في الدنيا تتبع هذا المسار..
وقد نعزم وينفك عزمنا من تلقاء نفسه، وقد تعترضه عوائق تعصف به لأنه لا يطيق مواجهتها..
وقد نطيع حافزا نفسيا عابرا فيبلغ بنا الى القمة أو يهوى بنا الى القاع...
إن الإنسان عبد لله، وليس إلها على ظهر الأرض.. وقد شاء الله أن يخلقه على نحو خاص، فليس جمادا، ولا دابة ولا ملكا..
وبهمته أن يعبد ربه، وأن ينجح في أداء هذه العبادة، وأن يقهر المثبطات والعقبات، فإن نجح نجا، وإلا طاح!!.
ولن يغنى عنه أن يقول: إنني «جماد» لا إرادة لي. أو أنني ورقة تطير بها الريح وتهبط.. كلا، إنك إنسان مكتمل المشيئة في كل ما يزكي نفسك أو يدنسها، والسفسطة لا تجدي «ومن لناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله، له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عاب الحريق. ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد»(110).
وبعد انتهاء الحياة تعود الأرواح الى بارئها، ونحن أمام موقفين متضادين، هناك من قضى عمره كدحا الى الله وجهادا في سبيله، وهناك من عاش ذاهلا غادرا لم يقم لله بحق... أما الأولون فإن الملائكة تستقبلهم بالترحاب والود، تقول لهم «.... ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون»(111).
وأما الآخرون فالاستقبال عابس، والافق ملئ بالدخان والنذر، لقد واجه كل امرئ منهم ما كان ينكر، وعلم علم اليقين انه كان في ضلال مبين! إنه يتمنى في هذه اللحظة المستحيل، يتمنى لو عاد الى الدنيا مرة أخرى كي يستأنف حياة أهدى...!!
«حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: رب ارجون. لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها، ومن ورائهم برزخ الى يوم يبعثون»(112).
وقد أحصيت في كتاب آخر نحو عشرة مواضع تكررت فيها هذه المنى! وهيهات فليس لامتحان العمر ملحق، ولا دور ثان يستدرك فيه المفرط ما فات.
وهذا الندم ِ بعد فوات الأوان ِ ينطق بحقيقة واحدة، شعور بالمجرم أنه هو الذي ظلم نفسه، وهو الذي صنع حتفه بظلفه!.
إنه لن يحاول الكذب فيقول: كنت مجبورا على ما كان مني، أو سبق علي كتاب بما لم أرد لنفسي!.
ولو أنه حاول الافتراء لأخرس الله لسانه، وأنطق أركانه بما حدث... إن الله لا يكره أحدا على طريق الشر ثم يدخله النار! ومن تصور هذا فهو جاهل بالله طائش العقل...
ومن المنتمين الى ديننا من يتصور ذلك ِ للأسف الشديد ِ ويحاول إساغته بترهات لا تقال.. ونشرح هنا موقف الضالين كما صورته سورة المؤمنين وحدها:
ليس العمر ساعة واحدة. إنه ساعات شتى. بعضها يسر وبعضها يضر. ليس العمر موقفا واحدا، إنه مواقف بعضها يشرف وبعضها يخزي، والمهم هو المحصل الأخير! «فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون. فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون. ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون. تفح وجوههم النار وهم فيها كالحون»(113).
ولنتدبر هذا الحوار بين رب العزة وبين الأشقياء المسجونين في جهنم! إنه يقول لهم: «ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون(114)؟» ترى ما جواب القوم؟ إنهم يطلبون فرصة أخرى ينجحون نفيها بعد هذه الفرصة الضائعة! يقولون: «ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين. ربنا أخرجنا منها فإن عندنا إنا ظالمون»(115).
ويستمع رب العزة إليهم، ثم يرد بما معناه: كان على الأرض عمل ولا حساب أما هنا فحسب ولا عمل، إنها فرصة واحدة توالت الرسل للحث على انتهازها، لكن المجرمين كابروا وكذبوا. يقول الله لهم: «اخسئوا فيها ولا تكلمون. إنه كان فريق من عبادي يقولون: ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين. فاتخذتموهم سخيا حتى أنسوكم ذكرى وكنتم منهم تضحكون»(116).
هذا تذكير بأيام الطغيان الأولى، لطالما وثب الزائغون الطاغون على جمهور المؤمنين الضعفاء فأذاقوهم عذاب الهون، وكانوا منهم يسخرون!.
ها قد تبدلت المواقف وتغيرت الأحوال، ورجحت كفة الخير، وجنى الصابرون عقبى ما تحملون وأملوا...
ويقول الله سبحانه خاتما الحوار: «إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون»(117).
أترى في هذا الحوار اثارة من ظلم نزلت بمعذب؟ أجرؤ أحد أن يفتري على الله كذبا فيقول له: إنك كتبت على ما كتبت، والآن تؤاخذني بما لم أستطع الفرار منه؟.
إن تصوير القدر على النحو الذي جاءت به بعض المرويات غير صحيح، وينبغي ألا ندع كتاب ربنا لأوهام وشائعات تأباها روح الكتاب ونصوصه...
القرآن قاطع في أن أعمال الكافرين هي التي أردتهم «يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون»(118). وقاطع في أن أعمال الصالحين هي التي نجت بهم «ونودوا أ تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون»..(119).
فلا احتجاج بقدر، ولا مكان لجبر.
وعلى من يسيئون الفهم أو النقل ألا يعكروا صفوا الإسلام..
وعندما كنت أكتب هذا البحث وقعت في يدي كلمة جميلة للأستاذ أحمد بهجت عنوانها «المغفلون» رأيت إثباتها لغرض سينكشف بعد قليل...
– «هناك ناس يحبون الله.. وهناك ناس يكرهون الخلق..
هناك ناس تخشع قلوبهم لذكر الله. وهناك ناس يشمئزون إذا تعلق الأمر بالحق.
هناك ناس يحبون الدين، ويحبون أن تشيع الفضيلة في الناس وأن تنتشر القيم بينهم، وهناك ناس يكرهون الدين كرههم للعمى، وهؤلاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الناس، وأن ينتشر العرى لتسقط العيون الجائعة عليه كما يسقط الذباب على اللحم المكشوف»
والصراع بين المؤمنين والكارين جزء من سنة الحياة.
لقد خلق الله ناسا هم أهل للجنة، وخلق ناسا هم أهل للنار، والذين يدخلون الجنة يدخلونها برحمة الله وعفوه، والذين يدخلون النار يدخلونها بإصرارهم واختيارهم وحريتهم المطلقة. ولا حجة لأحد على الله عز وجل.
لقد أقيمت الحجة على الناس.. في فطرتهم وفي آيات الله في الكون. والأصل المعروف هو استغناء الله تعالى عن الخلق، وحاجة الخلق إليه «يأيها الناس أنتم الفقراء الله واله هو الغني الحميد»(124).
ونحن نعرف أن عبادة العابدين لا تزيد في ملكه سبحانه، كما أن كفر الكافرين وإلحاد الملحدين لا ينقص من ملكه سبحانه شيئا. الدين فائدة للناس لا فائدة لله.
واتباع الدين لخير الناس لا لخير أحد غيرهم، ومن هنا نرى المغفلين عادة يقفون في المعسكر المعادي للدين.
وقد وصف المغفلون بأن لهم أعينا لا يبصرون بها، وآذانا لا يسمعون بها، وقلوبا لا يفقهون بها(121).
أيضا تمت مقارنتهم بالبهائم، وصرح النص القرآني أن الأنعام أهدى منهم. «أولئك كالأنعام بل هم أضل...»(122).
وقد كان الرسول يحزن لتكذيب الناس له ويدهشه هذا الغلو في العداء واللدد في الخصومة، وأفهمه الله تبارك وتعالى أن الناس لا يكذبونه ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون. والظالم مغفل كبير، إنه يشتري النار بإرادته واختياره، وليس بعد هذا التغفيل تغفيل.
والظالم يكسب الدنيا ويخسر الآخرة، وهذا أيضا تغفيل عظيم..
لأن الدنيا إذا قيست بالآخرة كانت أقل من جناح بعوضة. نسأل الله السلامة..» ا. هِ
وهذا كلام صادق، حسن الوقع والثمر. وقد أثبتناه بين يدي كلام آخر لا يزيد أمتنا إلا سقاما، ذكره أحد الواعظين في مجال تخويف الناس من الله حتى يدعوا الرذائل! انظر كيف خوفهم من الله؟ قال: إننا مهما عملنا من خير لا نعرف مصايرنا. وقد نكون من أهل النار ونحن لا ندري..!!
ثم ذكر أحاديث في القدر لا تخدم إلا مبدأ الجبر، بل تجعل العصاة يمضون مع المنحدر الى نهايته لأنهم يحسون فقدان الإرادة التي تسيطر على الأمور.
وأغلب المسلمين تساورهم هذه الظنون المجنونة لأنهم فهموا أن المثوبة والعقوبة حظوظ عمياء، أو مصادفات ليست لها ضوابط.
ونحن نتلو قوله تعالى: «قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا..»؟ ولكن الله القدير الحكيم العدل القائل: «كتب ربكم على نفسه الرحمة» لا يخلق ناسا للنار لمجرد أنه يريد لها العذاب.
ولنذكر طرفا من هذه الأحاديث:
جاءت في القدر أحاديث كثيرة، نرى أنها بحاجة الى دراسة جادة، حتى يبرأ المسلمون من الهزائم النفسية والاجتماعية التي أصابتهم قديما وحديثا..
روى أبو داود عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لابنه عند الموت: يا بني إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، إني سمعت رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ يقول: إن أول ما خلق اله القلم، فقال له: أكتب! قال: يا رب وما أكتب؟ قال: أكتب مقادير كل شيء حتى يوم القيامة. يا بني إني سمعت رسول الله يقول: من مات على غير هذا فليس مني»!.
وفي رواية أخرى للترمذي، ما يؤكد هذا الحديث.
وقد علق الشيخ محمد حامد الفقي على الحديث ورواته بأن في السند متهما بالوضع، ومتروكا، ومنكر الحديث!!
ومع ذلك فنحن مع تهافت الأسانيد نرى في المتن جملا مقبولة تتلاقى مع دلالات القرآن القريبة والبعيدة، وتتفق مع العقيدة الصحيحة: وهي أن الله أحاط بكل شيء علما، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وعلينا بعد ذلك أن نكافح لنضع مستقبلنا في الدار الآخرة غير وانين ولا متقاعسين..
المشكلة تكمن في أحاديث أخرى صحيحة السند، غير أن متونها تقفنا أمامها واجمين! لنبحث عن تأويل لها أو مخرج.
خذ مثلا نحديث عائشة رضي الله عنها قالت دعي رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ الى جنازة غلام من الأنصار، فقلت: يا رسول الله، طوبى لهذا! عصفور من عصافير الجنة، ولم يدرك الشر ولم يعمله! قال: أو غير ذلك يا عائشة؟ إن الله عز وجل خلق للجنة أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم! وخلق للنار أهلا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم»!.
وخذ مثلا حديث سهل بن سعد أن رسول الله قال: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار وإنه لمن أهل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة وإنه لمن أهل النار»!!
وخذ مثلا حديث عبد الله بن عمرو قال رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ: «إن اله خلق خلقه في ظلمة، ألقى عليهم من نوره! فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل! فلذلك أقول: جف القلم على علم الله تعالى!».
وهناك أحاديث كثيرة تدور على هذا المحور، وهو أن الإنسان مسلوب المشيئة، وأنه مقهور بكتاب سابق، وأن سعيه باطل لأنه لا يغير شيئا مما خط عليه في الأزل.
نقول: هل صحيح أن سعي الإنسان باطل؟ فلماذا يقول الله تعالى عن يوم الحساب: «إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى»(123).
ولماذا يقول: «وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى»(124).
إن الله تبارك وتعالى يطلب من الإنسان أن ينصف نفسه من نفسه! وأن يعترف بأنه أخطأ حيث ينبغي أن يصيب، وأساء حيث يستطيع أن يحسن، ولذلك يقول له: «اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا»(125).
فهل يقال له ذلك وهو مجبور مسكين؟ أم يقال له ذلك وهو حر مختار؟
إن ظواهر الجبر في هذه الآثار كلها مرفوضة عند علماء الإسلام، وأمامنا أمران لا ثالث لهما، إما صرف هذه الظواهر الى تأويل قريب مقبول!
وإما اعتبارها آثارا بها علة قادحة تسقطها من درجة الصحة، وإيرادها في مجال التربية والتعليم لا يجوز.
وقد استطعت بشيء من التكلف أن أصرف شبهة الجبر عن آثار شتى! لكني لم أستطع إصلاح عقول تريد أن تسوق الإسلام كله الى أحاديث غير واضحة. تظهر عليها العلل القادحة.
يقول الله سبحانه وتعالى في الأمم التي حكم عليها بالهلاك: «... وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. ثم كان عاقب الذين أساءوا السوآى..»(126).
الله يعاقب مقترفي السيئات بالسوآى، فهذا عدله، ولو شاء عفا، وهذا حقه.
ولكه لا يظلم مثقال ذرة... ومن العجب أن ننسب إليه الجبر ثم نقول لا يسأل عما يفعل! إن الذين يخطئون في الفهم ويجورون في الحكم لا ينبغي أن يسقطوا عوجهم الكفرى على دين الله...
والله ولي التوفيق. وهو حسبنا ونعم الوكيل.