ضعف الوعي القرآني جريمة!
السلسلة الذهبية لا تشفع لمتن متهافت.. الفقيه مع المحدث يضبطان السنة النبوية لا يسأل الرجل: فيم ضرب امرأته؟.
جزيرة المسيخ الدجال!.
لا علاقة للمرأة بإنجاب ذكور ولا إناث.
المنهج الذي هداني الله اليه ِ وله المنة ِ أن أعرف الرجال بالحق، ولا أعرف الحق بالرجال! وأن أنظر بتأمل الى ما قيل ولا أنظر بتهيب الى من قال!.
والوصول الى الحق يحتاج الى الذكاء قدر ما يحتاج الى الاخلاص، ومن ثم منح الله أجرين لمن عرفه! ومنح أجرا واحدا لم اخطأه وهو حريص على بلوغه..
وبعض الناس يظن أن خطأ مجتهد ما قضاء على مكانته، ونسف لشخصيته، هذا جهل كبير! فما أكثر الأخطاء التي وقع فيها مجتهدون من كبار الأئمة...
إن بناءهم العلمي شاهق، والخير الذي انفجر منهم دافق، فلا تهدمهم قذاة، أو تزري بهم كبوة! والدهماء عندنا ميالون الى القول بعصمة الأكابر، ونحن لا نعرف في تاريخنا إلا معصوما واحدا، هو محمد بن عبد الله صاحب الرسالة الخاتمة...
وقد نقدت مرويات جاءت في الصحاح رأيتها تمس الصميم من ديننا! وتفتح ثغرات مخوفة ينفذ منها عدونا، ما قصدت بذلك أن ألمز كبيرا أو أضع من قدره، ولا قصدت بذلك أن أرفع خسيستي «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم» وإنما كان نصحي لله ورسوله ومصلحة الدين الذي شرفت بالانتماء إليه والدفاع عنه..
من ذلك اعتراضي على نقل و رأي لنافع مولى عبد الله بن عمر في أمرين حساسين يتصل أحدهما بالأسرة والآخر بالدعوة أو الدولة، رأيت التابعي الكبير تورط فيهما تورطا مفزعا مسيئا، ولا يجوز السكوت!
كلنا يقرأ قوله تعالى «نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم» والحرث مكان البذر لا غير، لا يقول غير ذلك أحد يعرف لغة الوحي..
بيد أن فهما شاذا أثبته في الصحاح من لا يدققون في المتون رأوا فيه أن الرجل يستطيع أن يتجاوز ذلك من زوجته!.
ونظرت ِ بتجرد ِ الى هذا النقل السيء فرأيته يخزي النساء الحرائر، ويرضي الرجال الشواذ، ويقلب موازين الفطرة، ويفتح بابا جيدا لمرض «الإيدز» فلم أتريث في رفضه، وقلت: لكل جواد كبوة!.
ونافع غفر الله لنا وله، برأيه هذا أو بروايته يخالف دلالات القرآن، وسننا أخرى أثبتها الرواة كما يخالف طبائع الأحياء من أناسي ووحوش ودواب..
ولكن ناسا في عصرنا ما كادوا يقرؤون ما كتبت حتى انبروا لمهاجمتي والنيل مني، وليس هذا بضائري! وإنما لفت نظري أن القضية العلمية لفها ضباب مفتعل، فلم تبحث، ولم يذكر حكم الله فيها حتى لخيل الى أن التجهيل في الحكم مقصود!! والصياح الذي طال حبله هو:
أتعترض على نافع يا... أتشكك في السلسلة الذهبية يا... أتكذب السنة النبوية يا... الخ وتحول الاعتراض الى عواء يسمع صداه من ريب ومن بعيد، فذكرت قول الشاعر:
|
كريم أصابته ذئاب كثيرة |
فلم يدر حتى جئن من كل مذهب! |
قلت: لابد من إنصاف الحقيقة العلمية التي كادت تختفي مع هذا العواء، ليعرف الرجال والنساء أن ما حكاه نافع باطل، وإن إفساد الدين لا يستطيعه بعض المتحمسين العميان من عبيد الأسماء.
قلنا: إن الشهوة الجنسية ليست رجسا من عمل الشيطان إنما تمت في نطاقها المرسوم، هذا النطاق هو الزواج، وهو لا يتم عقلا ولا نقلا الا بين رجل وامرأة، أما ما وراء ذلك فدنس مرفوض.
والمجتمعات الوثنية، والملحدة، تمد رقعة الشهوة فلا تقف عند حد، وقد لاحظنا ذلك في الجاهليات القديمة والحديثة على سواء.
نشأت علاقات شاذة لا يبقى بها النوع! وإذا بقي على نحو خبيث شرير كما قال تعالى: «والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه. والذي خبث لا يخرج إلا نكدا..»
وقد كان المشركون العرب يفتنون في إرواء ظمئهم الجنسي، يشبههم في ذلك الأوروبيون والأمريكيون اليوم فهم يتعدون دائرة الحلال المباح الى دائرة أخرى مليئة بالمستنقعات والأوبئة.
وعندما تحدث القرآن الكريم عن قوم لوط ذكر أوصافا محددة، هي الإسراف، والعدوان، والجهالة، والإجرام والإفساد وما يتصل بهذه المعاني المظلمة..
وقد لاحظت أن أكثر ذلك كان في القرآن النازل بمكة قمعا لغرائز السوء، وتذكيرا بمصاير الهالكين «أتأتون الذكران من العامين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم؟ بل أنتم قوم عادون...».
ثم بدت شرائع الأسرة في المدينة المنورة إقامة لمجتمع فاضل طاهر، وشرح القرآن الكريم أن المرأة سكن لزوجها، وتبع يفيض بالود والرحمة، وأن العلاقة بينهما تبلغ حد الامتزاج «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن».
وأن المقصود ليس إنشاء ذرية ما يبقى بها النوع! بل إنشاء ذرية صالحة تزيد بها الحياة كما وكيفا، ومن ثم فلا مكان لشذوذ أو عدوان أو فساد.
ولا يجوز أبدا أن يستضعف الرجل امرأته فيرتكب معها ما لا يليق، فعن عبد الله بن عمرو أن النبي ِ صلى الله عليه وسلم ِ قال: هي اللوطية الصغرى! «يعني الرجل يأتي امرأته في دبرها». وعن عمر بن الخطاب قال رسول الله: «استحيوا فإن الله لا يستحيي من الحق ولا تأتوا النساء في أدبارهن»! وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال: «استحيوا من الله فإن الله لا يستحيي من الحق!! لا يحل مأتاك النساء في حشوشهن» يعني في غير الحرث.
وقد قص علي صديق ثقة أن طالبة مطلقة طلبت منه أن يستمع إليها بعيدا عن الزميلات! قال: كانت بادية الغضب تبلغ حد الهياج، سألته أتستطيع أن تضع في عقد الزواج شرطا يصون كرامتها؟ قال: ما هذا الشرط؟ فتمعر وجهه وتهدج صوتها وقالت نحن بشر! لسنا بهائم.. وخفت حديثها واستحيت من إتمامه، ولكنه عرف أن الزوج الذي طلقه أو طلقته كان شاذا.
في عالم البهائم تكره الأنثى ِ بعد أن تحمل ِ أن يتصل بها ذكر، لأن المقصود تم وهو الحمل!.
أما في عالم الإنسان فالصلة أرقى وأزكى لأن التواصل في مهاد الأسرة استدامة للسكن المنشود والود المتبادل.
وأريد أن يعرف المسلمون الحكمة العليا من الزواج فيكون كلا الزوجين امتداد لسعادة الآخر ولا يتم ذلك إلا بالأسلوب المشروع.د
وإني أطلب من الزوجة التي يشذ زوجها أن توبخه وأن تعنه، وقد جعل ابن تيمية ذلك ذريعة الى أن يحكم القاضي بالطلاق..
من أجل هذا كله رفضنا ما رواه نافع غفر الله لنا وله، وإن تصعب له من لا يفقهون.
لقد ابتلي الإسلام بأعداء ينتقصون أطرافه من الخارج، كما ابتلي بأعداء يشوهون حقائقه من الداخل، ولعل العدو الداخلي أنكى من العدو الخارجي..!.
لقد رأيت مرويات كثيرة لا تستحق الحياة، ومع ذلك فقد ضربت حتى زاحمت على الصدارة!.
والعلة في هذه الفوضى غفلة أهل الإيمان، واسترسالهم أحيانا مع الظنون..
إن أكذوبة الغرانيق لم يضعها مستشرقون وإنما وضعها ناس عندنا فقدوا الوعي والتقوى، وأكذوبة أن الرسول عشق بنت عمته زينب بعدما زوجها من زيد بن حارثة!! فرواية بلغت الغاية من الغثاثة والسخف، ومع ذلك وجدت من يرويها..
ومن قديم وعلماء الإسلام النقدة يحمون الحقيقة ويزودون عنها الخرافيين وذوي الأهواء..
وقد رفضت دون تردد ما فهمه البعض من أن الرسول ِ عليه الصلاة والسلام ِ قد يغير على الناس دون دعوة، ويأخذه على غرة، فلا يدري القتيل لم قتل؟ ولا يدري الجريح لم جرح؟.
الإسلام بطبيعته دين دعوة، يقول لك تعلم وعلم، اقتنع وأقنع غيرك، انقل الحق وأعل مناره حتى يستطيع الآخرون السير على شعاعه «ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير...».
والبلاغ يجب أن يكون مبينا حتى ينتقل الوضوح من صدرك الى صدر سامعك، وتكونوا سواسية في الاستبانة والوعي!.
وهذا ما عنته الآيات «قل: إنما يوحي الي إنما إلهكم إله واحد، فهل أنتم مسلمون، إن تولوا فقل آذنتكم ِ أعلمتكم ِ على سواء،وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون».
وقد كان التوحيد ِ ولا يزال ِ يشق طريقه بصعوبة، وتكمم الأفواه الصياحة به، ويحتدم القتال من أجل حقه في الحياة، وقد أمر المسلمون أن تكون دعوتهم الى الإسلام ِ قبل الاشتباك ِ هي آخر ما يقطع الأعذار!.
لقد كانوا يدعون فقاومهم الفتانون، وهاهم أولاء بل الحرب يدعون ليستجيب لهم من يؤثر الحق والسلام. والتبعة بع هذا على عبدة الأوثان، ولا عدوان إلا على الظالمين، كما قال الرسول الأمين...
فهل صحيح أن الدعوة كانت في صدر الإسلام ثم نسخت؟ كما فهم نافع مولى عبد الله بن عمر؟.
هذا الفهم مخالف للكتاب وللسنة وللواقع التاريخي.
ولنقرأ هذا الحديث الذي رواه مسلم وغيره عن يربدة رضي الله عنه قال: «كان رسول الله إذا أمر الأمير على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: أغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا.
فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم الى ثلاث خلال، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ادعهم الى الإسلام! فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم.
ثم ادعهم الى التحول من دارهم الى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذي يجرى على المؤمنين الى أن قال:
وإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم.. فإن أبوا فاستعن بالله تعالى عليهم وقاتلهم...».
والذي نلفت النظر اليه بدءا ذي بدء أن هذا الحديث قيل في أواخر العهد النبوي! لأن ذكر الجزية ورد فيه، والجزية لم تعرف في الشريعة إلا بعد نزول سورة براءة، وهذه السورة نزلت في آخر السنة التاسعة من الهجرة، أي قبل وفاة الرسول ِ صلى الله عليه وسلم ِ بعام تقريبا...
ويعني هذا التحقيق التاريخي أن الدعوة كانت قائمة أول حياة الرسول وآخرها، وأن الزعم بنسخها لا أصل له، وأن نافعا غفر الله له جانبه التوفيق في فهمه!.
بل إن ابن هشام في سيرته كان أولى بالحق عندما ذكر ان بني المصطلق بلتهم الدعوة وأنهم ِ حين بلغتهم ِ قرروا رفضها، وانحازوا جانبا كي يأخذوا أهبتهم للقتال! ثم فوجئوا بالغارة التي أجهضت استعدادهم، وفضت جموعهم..
على أن الأمر كله بحاجة الى ايضاح، فقد كان المسلمون بعد تسعة عشر عاما من بدء الدعوة يعدون خوارج على القانون! كان المشركون يشمئزون من عقيدة التوحيد، ويبطشون بجميع دعاتها لو استطاعوا!.
ومع أن عهد الحديبية منحهم اعترافا بوجودهم المادي والأبي إلا أن هذا لعهد سرعان ما خرجت قريش عليه، وعادت جزيرة العرب سيرتها الأولى في التعصب للوثنية وعبيدهم وحدهم.
إن العرض الذي وضعناه تحت أعين المشركين وهو «لكم دينكم ولي دين» استبعد وتنوسى وأمسى المسلمون أحوج أهل الأرض للدفاع عن أنسهم وإقامة دولة تحمي عقائدهم وشرائعهم، وترغم الوثنية على احترام الحرية الدينية...
وأقول: ما أشبه الليلة بالبارحة إنه محظور علينا أن نحيا بالإسلام كما نريد.
ولأترك هذا الشجن لأذكر أثرا آخر يعرف منه القراء خلق رسول الله، ومبلغ حرصه على حقن الدماء، ورفضه الشريف لقصة «الغارة بلا إنذار» التي توهمها بعض الرواة!.
روى أبو داود عن الحارث بن مسلم عن أبيه قال: بعثنا رسول الله في سرية، فلما بلغنا المغار ِ مكان المعركة ِ استحثثت فرسي، فسبقت أصحابي، فتلقاني أهل الحي بالرنين! فقلت لهم: قولوا لا إله إلا الله تحرزوا، فقالوها! فلامني أصحابي وقالوا حرمتنا الغنيمة(*******)...
فلما قدمنا على رسول الله أخبروه بالذي صنعت فدعاني، فحسن لي ما صنعت! ثم قال لي: أما إن الله تعالى قد كتب لك بكل إنسان منهم كذا وكذا من الأجر...
وقال: أما إني سأكتب لك بالوصاة بعدي، ففعل، وختم عليه، ودفعه إلي!!».
إن محمدا ِ عليه الصلاة واسلام ِ أشرف من أن يأخذ الناس على غرة، وعلى الذين يقرؤون الأحايث أن يتفقهوا، وأن يدرسوا الملابسات والتواريخ والأحوال، وقد قلت وما زلت أقول لا سنة بلا فقه...
إننا مع تدبر القرآن نعرف أسلوب الدعوة في العرض والإقناع، ومع دراسة التاريخ نعرف أن الوثنيين كابروا الحق لآخر رمق، وأن الوثنية الى آخر قادتها مسيلمة احتقرت البرهان! واعتسعت الطريق، فلم يكن من السيف بد، ولسنا نحن الذين نختل الدنيا أو نستبيح الناس.
فقهاء السيرة والتاريخ والأخلاق يعلمون أن الدعوة الى الإسلام فريضة لا يقدر أحد على الغائها، وأن هذه الدعوة عامة لا يحدها زمان ولا مكان وأنها ِ تتأكد ِ وقبل نشوب الحرب خاصة ِ.
وقد شرحنا في كتبنا الأخرى أسباب القتال، وأنها كما تكون دفاعا عن الحقائق والحقوق تكون تأمينا لمسار الدعوة من الفتانين والمعونين..
أي أني أعرض ما عندي على الناس بأدب وتلطف، فإذا قال لي أحد: أنصرف عني، لا أحب أن أسمعك، ولست لك عدوا ولا صديقا، أذهب إلى غيري ولا شأن لي بما تصنع معه أو بما يصنع معك.!
فإنني والحالة هذه أتركه غير مفكر في إلحاق اذى به، منفذا قوله تعالى: «فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم والقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا».
هل الرومان الذين احتلوا مصر والشام وساقوا جيوشهم الى الحجاز من هذا القبيل؟ لا، إنهم دخلوا بلادنا غزاة وأقاموا بها معتدين.
وكانوا بأقوالهم وأعمالهم وأحوالهم مصادر طغيان وفتنة، وما بد من تحرير الأرض منهم وإعادتهم من حيث جاءوا.
وترك الشعوب بعد ذلك حرة تعتنق الإسلام إذا شاءت أو تتركه مع المشاركة في أعباء الدفاع العسكري عن الأرض التي كانت مستعمرة ثم حررها الإسلام.
هل الفرس أحسن حالا من الرومان؟ كلا إن كسرى أصدر أمرا بالقبض على محمد بعد ما مزق رسالته، وكان حبذه يحتلون العراق، وموقفه حاسم في رفضه الدعوة والدعاة، فما يجوز تركه! تلك هي هي الأسباب الأولى للفتوح.
وقد حرص الخلفاء والأمراء وقادة الجند ألا يشتبكوا في حرب إلا بعد دعوة متأنية واضحة مفصلة، وهت هذه الوقائع من «حياة الصحابة» التي يجهلها للأسف بعض أدعياء السلفية، ممن صدقوا أن الرسول يأخذ الناس على غرة! أو أن الدعوة كانت ثم ألغيت، كما توهم نافع مولى ابن عمر..
جاء في كتاب «حياة الصحابة» تحت عنوان، دعوة الصحابة الى الله ورسوله في القتال على عهد أبي بكر، ووصية أبي بكر الأمراء بذلك.
أخرج البيهقي (ج9 ص85) وابن عساكر عن سعيد بن المسيب أن أبا بكر رضي الله عنه لما بعث الجنود الى الشام أمر يزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، ولما ركبوا مشى أبو بكر مع أمراء جنوده يودعهم حتى بلغ ثنية الودع فقالوا: يا خليفة رسول الله! تمشي ونحن ركبان، فقال: إني احتسبت خطاي هذه في سبيل الله.
ثم جعل يوصيهم، فقال: أوصيكم بتقوى الله، أغزوا في سبيل الله، فقاتلوا من كفر بالله فإن الله ناصر دينه، ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تجنبوا، ولا تفسدوا في الأرض، ولا تعصوا ما تؤمرون.
فإذا لقيتم العدو من المشركين ِ إن شاء الله ِ فادعوهم الى ثلاث، فإن هم أجابوكم فأقبلوا منهم وكفوا عنهم.
ادعوهم الى الإسلام فإن هم أجابوكم فأقبلوا منهم وكفوا عنهم.
ثم ادعوهم الى التحول من دارهم الى دار المهاجرين، فإن هم فعلوا فأخبروهم أن لهم مثل ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين.
وإن هم دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم على دار المهاجرين فأخبروهم أنهم كأعراب المسلمين يجرى عليهم حكم الله الذي فرض على المؤمنين وليس لم في الفىء والغنائم شيء حتى يجاهدوا مع المسلمين.
فإن هم أبوا أن يدخلوا في الإسلام فادعوهم الى الجزية، فإن هم فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم وإن هم أبوا فاستعينوا بالله عليهم فقاتلوا إن شاء الله.
ولا تحرقن نخلا ولا تحرقنا ولا تعقروا الهيمة ولا شجرة ثمر ولا تهدموا بيعة ولا تقتلوا الوالدان ولا الشيوخ ولا النساء، وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما حسبوا أنسهم له.
وفي عهد عمر بن الخطاب أننا فتح فارس جاءت هذه القصة تحت عنوان: دعوة سلمان الفارسي يوم القصر الأبيض ثلاثة أيام.
وأخرج أبو نعيم في الحلية (ج1 ص189) عن أبي التبختري أن جيشا من جيوش المسلمين كان أميرهم سلمان الفارسي رضي الله عنه فحاصروا قصرا من قصور فارس فقالوا: يا أبا عب الله! ألا ننهد إليهم؟ قال: دعوني لأدعوهم كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم.
فقال لهم: أنا رجل منكم فارسي، أترون العرب تطيعني فإن اسلمتم فلكم مثل الذي لنا وعليكم مثل الذي علينا، وإن أبيتم إلا دينكم تركناكم عليه واعطيتمونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون. قال: ورطن إليهم بالفارسية وأنتم غير محمودين.
وإن أبيتم نابذناكم على سواء، فقالوا: ما نحن بالذي نؤمن! وما نحن بالذي نعطي الجزية! ولكن نقاتلكم!.
قالوا: يا أبا عبد الله ! ألا ننهد إليهم؟ قال: لا، فدعاهم ثلاثة أيام الى مثل هذا. ثم قال: انهدوا إليهم فنهدوا إليهم. قال: ففتحوا ذلك الحصن.
وأخرجه أيضا أحمد في مسنده، والحاكم في المستدرك كما في نصب الراية (جِ3 ص378) بمعناه. ويه: فلما كان في اليوم الرابع أمر الناس فغدوا إليها ففتحوها. وأخرجه ابن أبي شيبة كما في الكنز (جِ2 ص298). وأخرجه أيضا ابن جرير (جِ4 ص173) عن ابي التبختري قال: كان رائد المسلمين سلمان الفارسي، وكان السلمون قد جعلوه داعية أهل فارس. قال عطية: وقد كانوا أمروه بدعاء أهل بهر سبر وأمروه يوم القصر الأبيض فدعاهم ثلاثا ِ فذكر الحديث في دعوة سلمان رضي الله عنه بمعناه.
هذا، والروايات في الدعوة الى الإسلام قبل القتال مستفيضة أيام رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ وأيام الصحابة رضي الله عنهم.
وغفلة نافع غفر الله لنا وله عن هذه الحقيقة لعلها كبوة الجواد.
والملام كله على من يتعصبون لخطئه، ويخاصمون الصواب بعد ما تبين...
ولا أدري لحساب من؟ ينشر بعض الجاهلين أن سيد الدعاة يأخذ الناس على غرة من غير دعوة ولا بلاغ، وأن الدعوة كانت في مرحلة موقوتة ثم اختفت؟؟
ما يبلغ الأعداء من جاهل ما يبلغ الجاهل من نفسه..!
الكلمات الصادقة المضيئة تنبع من سرائر هادية زاكية، وهي تلتمس أول ما تلتمس في تراث الأنبياء، ولم يبق موضع الثقة من هذا التراث الغالي إلا ما خلفه لنا محمد عليه الصلاة والسلام في كتابه وسنته..
أما هذا القرآن فقد أعيي الإنس والجن أن يجيئوا بمثله، ومنذ نزل الى يوم الناس هذا إلى أن تبدل الأرض غير الأرض والسموات، وهو محفوظ بحفظ الله لا ترقى إليه ريبة، ولا يتوهم في تحريف، ولا يستغني طلاب الحق عن آياته البينات...
وأما السنة فأوجز ما يقال فيها أنها «تنزيل من التنزيل أو قبس من نور الذكر الحكيم» وقد أوتي محمد جوامع الكلم، وانسابت هداياته من ينبوع جياش بالرشد حافل بالخير، وسبحان من أبدع محمدا!! إنه الإنسان الفذ الذي صان الإيمان مادة ومعنى، وعاش به سيرة ودعوة، وأقام على دعائمه مجتمعا ودولة، وأنشأ باسمه حضارة ترنو إليها المشارق والمغارب، ويرهب باسها المعتدون والفوضويون..
والثقافة الإسلامية قامت على الكتاب والسنة معا، وقد يئست الشياطين من تحريف الكتاب، فحاولت النيل من السنة ولكن العلماء النقدة صدوا هذا الهجوم، ومضوا بقافلة الإسلام منيعة الجانب على حين طاشت رسالات، وحالت رسوم..!
ول نزال ِ بفضل الله ِ نحرس الإسلام، ولن تخلو الأرض من قائم له بحجة...
ولا أعرف أحدا من علماء الإسلام هون من مكانة السنة النبوية، ولا أجاز أن يقول رسول الله كلمة ويمضي هو على خلافها، بل ذلك طريق الكفر..
وما قد يقع بين العلماء من شجار في القضايا الفرعية أساسه: أقال رسول الله هذا الحديث أم لا..؟
قد تقول: فقد رسا علم المصطلح، وأتضحت منه أسس القبول والرد بشتى المرويات.
ونقول: صدقت وذلك ما نريد تطبيقه لا غير!..
إننا نلتزم بما وضع أئمتنا الأولون، ولا نفكر في البعد عنه، كل ما لفتنا النظر اليه أن الشذوذ والعلل في متون الأحاديث يتدخل فهيما الفقهاء الى جانب الحفاظ، وقد تدخلوا فعلا في الماضي، وجد في عصرنا ما يستدعي المزيد من البحث والاستقصاء..
وأعرف أن البعض يوجس خيفة من هذا القول ولكن تجاربي في ميدان الدعوة تجعلني أزيد الأمر تفصيلا.
في أيام الهزائم الإسلامية التي نعانيها، والتي ألصقت بالإسلام ما شاء أعداؤه من نقائص، سمعت خطيبا يروي هذا الحديث: «لا يسأل الرجل: فيم ضرب امرأته؟»
قلت له: إن ديننا متهم بأنه ضد حقوق الإنسان، وضد كرامة المرأة خاصة! فما حملك على إيراد حيث يفيد أن الرجل يضرب امرأته كيف يشاء لا يسأل عما يفعل! وأنت تعلم أن هذا المعنى مرفوض في الكتاب والسنة جميعا؟.
قال: إنني رويت حديثا صحيحا، قلت له: ألا تحفظ حديث مسلم في صحيحه «لتؤدين الحقوق الى أهلها يوم القيامة حتى يفاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» أفتكون الزوجة المضروبة أهون على الله من نعجة منطوحة ظلما؟.
قال: النساء منذ حواء الى اليوم يستحققن الحذر والتأديب، وقد جاء في الحديث: «لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر»! فقلت له: ما خانت حواء آدم، ولا أغرته بالأكل من الشجرة، هذا من أكاذيب التوراة!.
والقرآن صريح وحاكم في أن آدم هو الذي عصى ربه! ولكنكم دون مستوى القرآن الكريم، وتنقلون من المرويات ما يقف عقبة أمام سيرة الدعوة الإسلامية!.
لماذا لا يسأل الرجل: فيم ضرب امرأته؟ أنربي بناتنا ليذهبن الى فحل يلطمهن أو يؤذيهن دون مساءلة في الدنيا والآخرة؟.
بأي منطق تتكلمون؟ «إن الله لا يظلم مثقال ذرة» «من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا».
ذاك في الآخرة، ومن حق المرأة في الدنيا أن تشكو ما نزل بها الى اهلها، أو الحكم الذي يمثلها أو القاضي الذي يجب أن يسائل زوجها!.
ولها بعدئذ ان تطلب الخلع او تطلب التطليق للضرر..
إنك أيها المتحدث باسم الإسلام تفتن الناس عنه بهذه الأحاديث.
وهاكم موقفا آخر من واعظ يحب الحكايات ويستنصت الناس بما تحوي من عجائب!.
قال: إن الدجال موجود الآن في إحدى الجزر ببحر الشام أو بحر اليمن، مشدود الوثاق، وقد رآه تميم الداري بعد ما غرقت السفينة التي كان يركبها هو وصحبه، وتحادثوا معه، وهو موشك على الخروج!.
وقد حدثت بذلك فاطمة بنت قيس في سياق طويل!
قال لي طالب يسمع الدرس: هل يمكن أن نذهب في رحلة الى هذه الجزيرة لنرى الدجال؟ قلت له: وماذا تفعل برؤيته؟ الدجالون كثيرون، وإذا تحصنت بالحق نجوت منهم ومن كبيرهم عندما يخرج!.
قال: ألم يزر أحد هذه الجزيرة بعد تميم الذاري؟ فآثرت السكوت، وصرفت الطالب عن الموضوع بلباقة..
إن أساطيل الرومان والعرب والترك والصليبيين تجوب البحرين الأبيض والأحمر من بضعة عشر قرنا ولم تر هذه الجزيرة.
وفي عصرنا هذا طرق كل شبر في البر والبحر، والتقطت صور لأعماق المحيطات عن طريق الأقمار الصناعية! فأين تقع هذه الجزيرة؟.
وأخيرا تذكرت كلمة عمر بن الخطاب وهو يرد حديث فاطمة بنت قيس في نفقة المطلقة ثلاثا، قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لحديث امرأة لان ندري حفظت أم نسيت؟.. قلت: ونحن لا نعرض كتاب ربنا وسنة نبينا للتكذيب من أجل حديث السيدة نفسها، في قضية أخرى!.
يجب أن تسير قافلة الكتاب والسنة دون عائق!.
وثم أمر أخير، لقد ثبت على وجه اليقين أن الجنين يتكون من حيوان منوي وحيد يخترق ببيضة ِ بويضة ِ المرأة، هذا الحيوان الفذ يسبق مئات الملايين من أمثاله تسبح في الماء الدافق.
وعندما يصل تبدأ المرحلة الأولى من الحياة الإنسانية.
وهو الذي تنشأ عنه الذكورة والأنوثة، ليس لماء المرأة دخل في هذا بل قال العلماء، إن البلبل الذي يرطب الرحم عند الوقاع لا يسمى ماء إلا مجازا ولا دخل له في التكوين.
وقد التقطت صور للحيوان المنوي الذي ينشئ الذكورة، وللآخر الذي ينشئ الأنوثة، كما أمكن في الأنابيب الجمع بين الحيوان المنوي والبيضة.
والمعروف أن القرآن الكريم سبق إلى تقرير هذه الحقيقة في قوله تعالى: «وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى»
واليقين الثابت بالعلم وبالوحي لا يجوز أن يتقدم عليه ظن علمي يرويه حديث آحاد، يزعم فيه الراوي أن الأنوثة تنشأ من علو ماء الأنثى على ماء الرجل!!.
إن حديث الآحاد يتأخر حتما أمام النص القرآني والحقيقة العلمية والواقع التاريخي، أو يتأخر كما يقول المالكيون أمام عمل أهل المدينة، وأمام القياس القطعي كما يقول الأحناف.
ذاك ما هديت إليه، فان كان حقا فمن الله، وإن كان خطأ فمني واستغفر الله أولا وآخرا.