ِ هناك فرق بين الإقتناع بوجود الملائكة والشعور بوجودها معنا، فالشعور بوجود الملائكة يعني الإحساس والشعور بوجود كائنات لا نراها وبعضها لها صلة بنا في عالم الشهادة، وبالتالي لابد من وجود نفس الشعور الذي يشعر به إنسان يحس أن حوله كائنات لا يراها لأن وجودها وجود حقيقي وليس وجود مجازي، ونوضح ذلك بأمثلة بسيطة جدا كالتالي:
ِ لو قيل لرجل إن الشقة التي تسكنها هي شقة مسكونة، تسكنها الأشباح والأرواح، بماذا يشعر ؟ إنه يشعر بالخوف والرعب، وإذا كان مضطرا للبقاء في هذه الشقة فكيف يعيش حياته وهو مقتنع ومصدق بأن هذه الأشباح والأرواح تعيش معه في شقته ؟، إن وجود الملائكة أعظم وأعجب وأغرب من ذلك وهي تعيش معك الآن، فإذا كنت تدعي أنك تشعر بوجود الملائكة فلماذا لا تشعر بنفس هذا الشعور لهذا الرجل ؟، إن البشر ليسوا هم فقط سكان هذه الأرض، ولكن تعيش معهم كائنات هائلة لا نراها هي الملائكة، بل إنه لكل إنسان إثنان رقيب وعتيد يسيران معه في كل لحظة لا يفارقانه، وهذا يعني شعور بمراقبة وإصطحاب هذين الملكين لك في كل لحظة يا ترى ماذا كتبوا لك في صحيفتك بالأمس ؟ إن كل خطوة خطوتها وكل كلمة قلتها بالأمس تم نسخها وتسجيلها ((هَذَا كöتَابُنَا يَنْطöقُ عَلَيْكُمْ بöالْحَقّö إöنَّا كُنَّا نَسْتَنْسöخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ))()، وبماذا تعد نفسك ليكتبوه في صحيفتك هذه الليلة ؟، فإذا لم تشعر بشئ من ذلك فهذا يعني أن الرقيب والعتيد غير موجودان في مشاعرك.
ِ يدور في خيال بعض الناس أن هناك كائنات فضائية علي كوكب آخر وصلت لتكنولوجيا هائلة وتأتينا إلى الارض، ألا نشعر أن هناك كائنات حقيقية أعظم وأعجب من هذا وهي حولك الآن من الملائكة والجن فلماذا لا تشعر بالخوف ؟ إنك أنت الآن يتم تسجيل ما تقرأه في هذا الكتاب، ألا يدعو ذلك لحدوث مشاعر، لو أن إنسان يسير ومعه إثنان ملازمان له في كل لحظة من حياته مهمتهما مراقبته وتسجيل كل شئ عنه وهما في حالة إختفاء فلا تراهما، فهل يمكن أن ينساهما أو لا يؤثر ذلك في مشاعره شيئا، إن معك رقيب وعتيد ليسوا من البشر ولكن من خلق آخر هائل الخلقة لا تراهما، ألا يدعوا ذلك إلى أي شئ من الإحساس أو الشعور بالقلق، إنك إذا كنت لا تري الملائكة بعينك فهذا لا يعني ألا تشعر بوجودهم حولك، لأنك اذا لم تشعر بوجود الملائكة فإن الملائكة لا وجود لها في مشاعرك، إن هناك فرق بين معرفة الشئ بالحواس وبين معرفة الشئ بالمشاعر، فإن رؤية الملائكة لا يستطيعه أحد لوجود موانع، أما الشعور بوجود الملائكة فلابد من وجوده، فإن عدم رؤية الشئ لا يعني عدم وجوده، ولكن قد تكون هناك موانع تحول من الرؤية، فلو أراد الله أن تزول الموانع من رؤية الملائكة لرأي الناس كلهم الملائكة وهي تسير حولنا ومعنا في الطرقات الآن، وعلي المرء أن يتصور ويشعر بأن هذه الموانع غير موجودة فيشعر أنه يري الملائكة، وبغير هذا الشعور لا تستطيع أن تشعر أن الملائكة موجودة وتراك وتسمعك ولا تستطيع أن تشعر بصفات الملائكة وخلقتهم الهائلة، فإنك عندما تسير في الطريق لماذا لا تشعر أنهما يسيران معك ؟ اليس هذا حق، إن هذا تصور بسيط جدا، وهذا واقع الآن وليس من الغيبيات المستقبلية، ولكنك تجد هذا الكلام مستغربا رغم أنه الواقع، واذا لم تشعر بالملائكة الموجودة الآن معك فكيف تشعر بما هو أبعد من ذلك بالآخرة التي لم تقع بعد والتي هي أعجب وأغرب وأخطر، وبماذا تشعر تجاه الملائكة وهي تراك الآن وأنت لا تراها ؟.
ِ أيهما أصعب الإحساس بوجود الملائكة وهي حولك، أم الإحساس بوجود الله ؟، طبعا الإحساس بوجود الله أصعب، فإذا لم تكن تشعر بوجود الملائكة وهي حولك، فهذا يعني أنك لا تشعر بوجود الله، كما أن الإحساس بمراقبة الملكين لك، أسهل من الإحساس بمراقبة الله لك، فإذا لم تكن تشعر بمراقبة الملكين لك، فهذا يعني أنك لا تشعر بمراقبة الله لك.
ِ لقد صنع الله مخلوقات من النار ومخلوقات من النور ومخلوقات من الطين هم الجن والملائكة والإنسان، وأنت واحد من هذه المخلوقات، فلابد أن يشعر الإنسان أنه ضعيف وأن الله هو القوي ويعترف بضعفه ويشعر به، ويشعر بمدي قوة الله.
ِ لماذا تخاف الملائكة من الله ؟: ((وَيُسَبّöحُ الرَّعْدُ بöحَمْدöهö وَالْمَلائöكَةُ مöنْ خöيفَتöهö))()، وكيف أن هذا الخوف يؤدي بهم إلى عمل دائم هو أنهم يسبحون الله تعالي، وفي الحديث: ((مررت بجبريل ليلة أسري بي بالملإ الأعلى وهو كالحلس() البالي من خشية الله عز وجل))()، إن الملائكة عرفت عظمة الله وعظمة قدره وعظمة قدرته، إذن الشعور بطبيعة حياة الملائكة يؤدي إلى الشعور بمدى عظمة الله وخشيته والخوف منه.