الفصل التاسع (الخلود)
هذه الحياة
قبل أن نأتي إلى الحياة الدنيا، كم سبقتنا من عصور؟ وبعد أن نغادر هذه الحياة، كم ستعقبنا من أجيال؟. وما نسبة هذا العمر المحدود بين ما سبقه وما لحقه من أزمنة؟ انه قليل قليل! ولكن من هذا القليل الممنوح لي ولك، تتكون الحياة الدنيا!!.
من هذا الظهور المحفوف بالفناء قبله والخفاء بعده تعمر الأرض! في طريق الحياة الممتد يجري جيل من البشر وما يزال يجري، حتى إذا نال منه الكلال وأدركه الإعياء مات. وقبل أن يخلو الطريق من الأنفاس اللاهثة والأقدام اللاغبة ينبت جيل آخر يستأنف السعي، ويمثل الدور نفسه.
ويسحب الجيل المنهوك، فيلف في الأكفان، ويوارى التراب. وينفرد الجيل الجديد بالسعي، حتى إذا لحقه ما أصاب سلفه، سحب –كذلك – وجيء بآخرين، وهكذا دواليك.
هذه هي مواكب الحياة.. عمل متواصل من أعمار متقطعة! والعجب أن هذا العمل الموصول يسخر من القائمين به، فهم لا يحسبون أنفسهم حلقة من السلسلة المتقطعة المتراخية مع الأمس، والمتطاولة مع الغد. بل إن الواحد منهم يخدعه الغرور، فما يفكر انه جديد على الدنيا، وانه –كما ظهر فيها فجأة- سيختفي بغتة.
كلا إن الغرور يخيل إليه انه كان من الأزل وسيبقى إلى الأبد!! فإذا جاءه الموت دهش لمقدمه، كأن الموت حدث غريب. غير أن الدهشة لا تدفع اليقين، وكذلك يترك الإنسان الحياة الدنيا.
من الخير للمرء –وهو في صحته البدنية ويقظته الذهنية- أن يعرف طبيعة الدار التي يعيش فيها، فلا يبني طباقا عالية على دعائم منهارة.
لكن ما معنى ذلك؟
أهذا فقط كل حظ الإنسان من الوجود؟
ونبادر إلى الإجابة الحاسمة: لا.
لئن كانت الحياة على ظهر الأرض بهذه المثابة، إن الحياة التي تليها هي الأمل الأسمى والحظ الأوفر. ولو كان العيش في هذه الدنيا هو كل شيء، لكان الانتحار العاجل أولى بالناس أجمعين. إن الدار الآخرة هي الحيوان، والاستعداد لها هو وظيفة العقلاء في هذه الفترة الضيقة من آجالهم.
خلق الناس للبقاء فضلت امة يحسبونهم للنفاد
إنما ينقلون من دار أعمال إلى دار شقوة أو رشاد
والحصيف هو الذي يوزع اهتمامه على كلتا الدارين بقدر ما تستحقانه، فيجعل عمله لهذه، بقدر مقامه فيها، وعمله لتلك بقدر بقائه فيها.
ما وراء الحياة الدنيا
يعلم الناس جميعا أن الموت نهاية حاسمة لكل حي، ومصير لا بد أن ترده كل نفس. ولكن أكثرهم يأخذ عن الموت فكرة غامضة، ويكون له صورة مغلوطة مشوهة.
ينال الإنسان منها ما ينال الدواب النافقة، تحت أكوام التراب، أو الأنعام المهضومة في بطون الآكلين! ثم لا شيء بعد ذلك.
وهذا ضلال بعيد .. فليس الموت فناء ولا شبه فناء.
ربما كان الموت نومة طويلة، كما أن النوم الذي نعرفه وفاة قصيرة!
وقد جعل القرآن الموت قسيما للنوم، وجعل الحالتين أعراضا للأنفس لا تتأثر كثيرا بها. (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى اجل مسمى) (الزمر:42).
ولئن كانت الروح تفارق الجسد إلى حين، إن ذلك لا يغير من حقيقة الإنسان شيئا. فالجسد كالثوب، يكتسي الإنسان به ويعرى عنه، ولا مدخل له في جوهره. ولا يجوز أن نعد الموت إلا انتقالا من مكان إلى مكان، لا ينقص فيه إدراك المرء لحقائق الوجود شيئا، ولا يخف إحساسه بها، بل قد يتضح ويزيد.
ولو فهمنا تلك الحقيقة لما اكترثنا للموت، ولما تهيبنا الإقبال عليه، ولما شعرنا بالتوجس من بوادره ومواطنه.
البرزخ
لا يكاد المرء يترك دنيانا هذه حتى يبدأ حسابه، ويظهر ثوابه أو عقابه، وقد ساق لنا القرآن الكريم طرفا من أحوال الناس في هذه المرحلة من حياتهم الآخرة، فهو يقول عن الكفار من آل فرعون: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، ويوم تقوم الساعة ادخلوا آل فرعون اشد العذاب) (غافر:46).
ويصف نعيم الشهداء، وترقبهم لإخوانهم وأبنائهم كي يقدموا عليهم ويشاركوهم في السعادة التي غمروا بها: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (آل عمران:169-170).
وبوادر الشر أو بواكير الخير تظهر في اللحظة الأخيرة من عمر الإنسان على آخر منازل الدنيا وأول مراتب الآخرة. فقد جاء في السنة انه في تطمين المؤمن حين يحتضر نزل قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون) (فصلت:30).
كما أن نذر العقاب الأليم تواجه الفساق والظلمة في تلك الساعة الحرجة. (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت، والملائكة باسطوا أيديهم اخرجوا أنفسكم، اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) (الأنعام:93).
(ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق، ذلك بما قدمت أيديكم، وان الله ليس بظلام للعبيد) (الأنفال:50-51)
وللعصاة من المؤمنين حظهم من المتاعب والآلام جزاء تفريطهم في الواجب واستهانتهم بالحرام. وقد جاء: أن النبي (صلى الله عليه وسلم) مر على قبر دفن فيه شخصان، فقال: "يعذبان وما يعذبان في كبير!! كان احدهما لا يستبرء من بوله، وكان الآخر يمشي بالنميمة بين الناس".
والأدلة على ثواب القبر وعذابه كثيرة، تتضافر على إثبات أن قبل الجنة والنار مقدمات تحفل بالبشرى، أو تطفح بالإنذار. وفي الحديث: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي. إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وان كان من أهل النار فمن أهل النار.. فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة".
إن الموت –على الحقيقة- طور من الأطوار التي تعرو الحي في سنيه المختلفة، كالطفولة والرجولة والكهولة. إلا أن هذا الطور يمتاز بأن الروح فيه أقوى إدراكا واصدق حسا.
ولو تصور المقدمون على الانتحار أي حياة يقبلون عليها، أو أي مرحلة يصيرون إليها لفكروا طويلا، قبل أن يرتكبوا حماقتهم.
إنهم يريدون –بفعلتهم الشنعاء- أن يفروا من الشعور بالضيق، ومواجهة النتائج المحزنة إلى عالم يحسبونه خاليا من الشعور.. ومن رؤية العواقب المحذورة.
وما دروا أن قوام العالم الجديد الذي يقتحمون اسواره هو الإحساس المضاعف ومجابهة شتى النتائج. وفكرة الكثيرين عن الموت تغلب عليها الجهالة والكفران. والقبر في -نظرهم – مكان يخيم عليه الصمت والظلام، وتعبث فيه الديدان والحشرات .. فحسب.
ولسنا نتجاهل هذا المنظر الكئيب، ولكننا ننكر انه النهاية الحاسمة للعواطف الجياشة بالخير، والمشاعر المهتاجة بالشر، وما انبنى على هذه وتلك من حضارات وعمران وخصام ووئام.
إن هذا المنظر يخفي وراءه –في عالم لا ندريه- سهولا فسيحة تحفل بالأزهار والنوّار، وتفوح منها العطور المنعشة أعدها الله للمؤمنين الصالحين.
وثمّ وهاد أخرى تُدَعُّ فيها الأنفس الشريرة، وتئن تحت وقع المطارق المنهالة والمقاطع المحماة، أعدها الله للفاسقين عن أمره الظالمين لخلقه.
وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يفيض في شرح الحقائق المتصلة بهذا العالم المغَّيب، حتى ليكاد سامعوه يرون آفاقه رأي العين، الصحو منها والنائم. وذلك حتى يؤسس في أفئدتهم يقينا بأن الموت المرتقب مرحلة تلي هذه الحياة كما تلي الرجولة الطفولة.
وان وقفة مفاجئة لوجيب هذا القلب الدائب الخفقان، ترمي بالمرء في أحضان هذا العالم الحق.
وإليك هذا الوصف المفصل لمقدمات اليوم الآخر، كما يعرفنا به رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل عليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ويجيء ملك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. قال: فتخرج فتسيل كما تسيل القطرة من السقاء فيأخذها. فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منه كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض. قال: فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان ابن فلان، بأحسن أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له فيفتح له. فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهي بها إلى السماء السابعة. فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض في جسده.
فيأتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم!؟ فيقول: هو رسول الله فيقولون: ما يدريك، فيقول: قرأت كتاب الله؟ وآمنت به وصدقته.
فينادى من السماء: أن قد صدق عبدي، فافرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره. قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيول: ابشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الحسن يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح.
فيقول: رب أقم الساعة، رب أقم الساعة! حتى ارجع إلى أهلي ومالي.
وان العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الآخرة وإقبال من الدنيا، نزل إليه ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح، فيجلسون منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة، اخرجي إلى سخط من الله وغضب. فتفرق في جسده، فينزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول، فيأخذها. فإذا أخذها لم يدعوها في يديه طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها. فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذه الريح الخبيثة! فيقولان: فلان ابن فلان، بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا، فيستفتح له، فلا يفتح له.
ثم قرأ رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (لا تفتّح لهم أبواب السماء، ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) (الأعراف:40).
فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتابه في سجين، في الأرض السفلى، ثم تطرح روحه طرحا ثم قرأ: (ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق) (الحج:31).
فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا ادري. قال: فيقولان: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا ادري! قال: فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم! فيقول: هاه هاه لا ادري.
فينادي مناد من السماء: أن كذب فافرشوه من النار، وافتحوا له بابا إلى النار. فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه.ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: ابشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه القبيح يجيء بالشر. فيقول: أنا عملك الخبيث، فيقول: رب لا تقم الساعة. "وفي رواية له بمعناه، وزاد: فيأتيه آت قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح فيقول: ابشر بهوان من الله، وعذاب مقيم. فيقول: بشرك الله بالشر؟ من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، كنت بطيئا عن طاعة الله، سريعا في معصيته، فجزاك الله شرا. ثم يقيض له أعمى، أصم، أبكم، في يده مرزبة، لو ضرب بها جبل كان ترابا، فيضربه فيصير ترابا. ثم يعيده الله كما كان، فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين. قال البراء: ثم يفتح له باب من النار، ويمهد له من فرش النار.".
ونحن لا ندري عن كنه الجزاء في القبور شيئا، ولا حدود ما يصيب الأبدان والأرواح منه.
نعم نحن نوقن بهذا الجزاء.
أما كيف يقع؟ وأما البحث في التفاصيل الورادة به؟ وِما التساؤل عن طرائقه بعد بلى اللحم والعظم فهذا ما لا نستطيع الخوض فيه.
لان أمر المادة كأمر الروح غريب، وما يتجلى للناس من خصائص الحياة وأسرارها يوما بعد يوم، يجعلنا نصدق ما خبرنا به الوحي، ونكل دقائقه للمستقبل ولا نحب أن نرجم فيه بغيب.
عمر الفرد وعمر الدنيا
عندما ينقضي اجل الإنسان من فوق ظهر الأرض، يسافر إلى الآخرة تاركا خلفه الناس، يكدحون ويؤملون. فإلى متى يتصل هذا العمران، ويبقى بنو ادم يؤدون رسالتهم في هذه الحياة. ويتخرجون من تجاربها المضنية، إما إلى الجنة، وإما إلى النار؟؟.
متى يأذن الله بانتهاء عالمنا هذا الذي تتوارث الأجيال أفراحه وأحزانه، وتزحمه بصراعها الدائم، تارة على الحق، وتارات وتارات على الباطل؟؟ متى؟
الظاهر من نصوص الدين أن للدنيا نهاية مقررة لا تعدوها. تشقق بعدها السماء، وتنهد الأرض، وتغيض البحار، ويهلك الحرث والنسل، وتطوى الصفحة الحافلة بتاريخ رهيب، من بدء الخلق إلى فنائه. وكما أن للإنسان عادة – قبل أن يحين اجله- أعراضا تؤذن بموته من شيخوخة أو مرض أو غيرها، فللإنسانية كلها قبل انتهاء اجلها اعراض.
إذا ظهرت عليها دل ذلك على أن عمرها أوشك، ومصيرها اقترب. وعندي ان المبرر الأول لوجود الحياة وبقائها هو وجود أناس -قلوا أو كثروا- يعرفون ربهم ويؤدون واجبه حقا.
فإذا خلت الدنيا من هؤلاء، وبدا أن مثلهم لن يتمخض عنه المجتمع البشري في طول البلاد وعرضها، فمعنى ذلك أن الدنيا أفلست وحقت عليها الكلمة، وان فض هذه السوق أصبح محتوما!!
وعلامات الساعة التي ذكرها القرآن الكريم، وأفاضت فيها السنة تشير إلى هذا في جلاء.
إن الرسل الكرام بذلوا جهود الجبابرة في محاربة الجاهلية، وقيادة الناس إلى الله، وقد استجابت لهم امة من الناس، ومشت حينا من الدهر تحت لوائهم وستظل تمشي إلى ما شاء الله.
فإذا انكمشت أمتهم، ونكس لواؤهم، وطمست شرائعهم، وهان على الناس أمرهم، وقامت الحضارات المختلفة على إنكار وحيهم وإقصاء هديهم.. ثم شاع الفساد، واستبيحت الحرمات، وغلقت المعابد، ونسي الله –جل وعلا – وماج الناس بعضهم في بعض.. يومئذ يُستحصد هذا العمران كله، ويقترب للناس حسابهم.
اجل .. قد تقدم البشرية خطوات رحيبة إلى الأمام في ميادين العلم، حتى لتسخر كل شيء لخدمة الإنسان وترفيه عيشه.
بيد أن الإنسان عندما يصل إلى هذه الدرجة من الارتقاء المادي قد يكون وصل إلى الحضيض من الناحية الأدبية.
سيطغى، ويقتل، ويعربد، ويتأله: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها، وأزينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها امرنا ليلا أو نهارا، فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) (يونس:24).
وإليك من حكم النبوة ما يدلك على أن الساعة تقوم عقب فساد عريض لا ينتظر لظلامه فجر!. وفي فترة تخلد الدنيا فيها إلى أهوائها، فلا يتوقع لها طهر أو ارتقاء. عن انس عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "لا تقوم الساعة على احد يقول: الله الله". وعن حذيفة عن النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا تقوم الساعة حتى يكون اسعد الناس بالدنيا لكع بن لكع".
ويبلغ من انمحاء معالم الدين أن تعود الوثنية إلى الجزيرة مرة أخرى: " لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليّات نساء دوس حول ذي الخلصة". وهو صنم كان العرب يعبدونه في الجاهلية الأولى.
ويتهاوى الناس على اللذائذ يطلبونها من كل سبيل، ويدفعون ثمنها شرفهم ومروءتهم: "يكون بين يدي الساعة فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا".
وتهيج نيران الحروب في الأرض نتيجة سقوط الضمائر وخراب الذمم: "لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج! قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل القتل!" وتمحق البركة من الأعمار –فهي مهما طالت- قصيرة تمر ما يكاد احد يشعر بها. "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة من النار" – كإشعال عود من الثقاب.
والأحاديث متكاثرة على أن الساعة تقوم على أشرار الناس. ولا يذهبن بك التشاؤم مذهب بعض الواهمين كلما رأوا منكرا يفشو ضربوا كفا على كف، وقالوا: قامت الساعة!!
إنها ستقوم حتما، بيد أن تربصها بهذا الأسلوب غير مستساغ.. إن الأرض –من قديم- مسرح للفساد وسفك الدماء. والعراك بين الخير والشر ناشب من قرون سحيقة، والأيام بينهما دول. وانهزام الخير حينا، لا يعني أن يفض الله هذا المجتمع المائج. ولكن الذي نزعمه هنا: أن الإنسانية المبتلاة بوجودها على ظهر الأرض، قد يرخى لها العنان ما أثمرت حضارة أو امة أو طائفة تستقيم على الطريق، وتسبح بحمد الله، وقد يغتفر شر كثير إلى جوار هذا الخير.
فإذا انقطع الأمل من رشد الناس، وأطبق أهل الأرض على العبث فيها، خلفا بعد سلف، استؤصلت شأفتهم، ثم جمع الأولون والآخرون أمام الله لمحاكمة عامة شاملة. (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا، وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا) (الكهف:7-8).
من اشراط الساعة
على أن هناك علامات حاسمة تسبق الختام الأخير لهذا العالم. نذكر في -إيجاز- بعضها، حتى لا يستطرد بنا الحديث.
- منها: رجوع عيسى بن مريم إلى الحياة الدنيا مرة أخرى، ولعله خص بذلك من بين الأنبياء، لأن الخرافة التي تعلقت بشخصه ملأت الأرجاء، وقامت باسمها دول قوية، فليكذب الرجل نفسه ما أشاع الخلق عن ألوهيته، وهو ليس إلا عبدا لله. ولما كانت الحياة وحدة متماسكة فنزوله في آخر الزمن كاف في الدلالة على هذا المعنى، وان جاء عقب ضلال طويل!!
- ومن علامات الساعة: ظهور الدجال، وهو رجل اعور داهية، يبدو من صفاته المذكورة له انه ماهر في علوم الطبيعة، وقد يوفق إلى طائفة من المخترعات الرائعة، ويؤتى القدرة على خداع العامة بما يملك من وسائل ليست بأيديهم. وهذا الأعور الدجال من عباقرة اليهود يدعي الألوهية، وقد حذرتنا السنة من الاستماع له، وسيطوف في البلاد، يدعو لنفسه، حتى يقتل آخر الأمر.
- ومن علامات الساعة: شروق الشمس من حيث تغرب، وهذا الانقلاب الفلكي، إيذان بأن النظام الدقيق الذي تماسك به أجرام السماء يوشك أن يختل بإذن صاحبه، ثم تنكدر النجوم، وتسير الجبال، وتحشر الوحوش!!
- ومن علامات الساعة: خروج الدابة، وعندي أن هذه العلامة نوع من العتاب والتقريع لبني آدم الذين جهلوا ربهم، وجحدوا حقه، ومع ما آتاهم من عقل وفكر ، فلا بأس أن تخرج سلالة من البغال أو الحمير لتضرب حوافرها جباه الساسة والقادة، وتقول لهم: أما لكم رأي يصلكم بالله رب العالمين؟ أين الذكاء والفهم؟! كيف تلحدون؟
(وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون) (النمل:82).
البعث والجزاء
سننتهي من هذه الدنيا، وستنتهي هذه الدنيا بعدنا .. ثم ماذا؟
نحب أن نقول أولا، أو نؤكد ما قلناه قبلا: أن الله سبحانه وتعالى ماجد عظيم، وان كماله الأسنى لا ترقى إلى كنهه العقول، وانه أوجد البشر تفضلا وأعطاهم – على ظهر هذا الكوكب الضيق- فرصة خطيرة لو أحسنوا استغلالها، وانه سبحانه وتعالى لن يمنح الخلود في جواره الكريم إلا لمن ينتهزون هذه الفرصة .. فترشحهم أعمالهم وأحوالهم للصعود إلى الرفيق الأعلى؟
إن الله المجيد لا يقبل إلى جواره الأوغاد.
إن الله العليم لا يقبل إلى جواره الجهلة.
إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا.
إن الله نظيف يحب النظافة.
إن السفلة الذين التصقوا بالتراب، وعاشوا له، لن يرتفعوا عنه.
(إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء) (الأعراف:40). من الخير للإنسان أن يعلم علم اليقين، أن عمره المحدود في هذه الدنيا، إن لم يكن وسيلة للتكمل والترقي، فلن يشرق غده، ولن يخرج منه بطائل. فالجنة التي وعد الله بها المتقين لا تتسع لخسيس ولا مهين، وإذا لم يكن الإنسان على حظ من الكمال والفضيلة، فلن يجد بها منزلا.
لما استكبر بها إبليس طرد منها، وقال الله له: (فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين) (الأعراف:13).
ولما غفل ادم عن حق ربه، ووهنت في الخير عزيمته، اخرج منها وزوجه وعرفهما الله عز وجل وعرف ذريتهما من بعدهما، أن للجنة مستوى خاصا من الكمال، من فقده لم يبق لها أهلا.
فمن بقيت في نفسه أثارة من شر، وأدركه الموت ولم يتطهر منها، حبس على شواطئ الآخرة، ولم يدخل جنة ربه على تلك الحال.
قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذّبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة".
أرأيت؟ لابد من تهذيب وتنقية؟
فمن لم يستو وينضج ويطب في الدنيا انتظرته جهنم لتكمل له ما نقصه، وتعوض ما فاته. (أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم. كلا إنا خلقناهم مما يعلمون) (المعارج:38-39).
لقد خلق الإنسان من أصول، فيها كدر وكثافة وهوان، من حمأ مسنون ونطفة امشاج، وأمامه في الدنيا فسحة من الأجل، ينبغي أن يستغلها في ترشيح نفسه للملأ الأعلى، فيقهر أهواءه، ويمسح اكداره، ويرقق من طينته، ويسمو بطبيعته، ويتعهد روحه بالصقل والتهذيب حتى يطيب ويطهر: فإذا جاءته رسل ربه لتنقله إلى الدار الآخرة، صدق قول الله: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) (النحل:32).
إن هناك أقواما تشم في أعمالهم نتن الطين الذين خلقوا منه، وتلمح في أخلاقهم كدره وسواده! هؤلاء ليسوا أصحاب الجنة مهما زعموا وأملوا!!
يعقد الإسلام صلة وثيقة بين فعل الخير في الدنيا وما يعقبه من سعادة في الآخرة، كما يعقد الصلة نفسها بين اقتراف الشرور، واستحقاق العذاب الأليم. وقد يحاول بعض الناس بأساليب ملتوية، وعلل مكذوبة أن يشكك في هذه الصلات القائمة، ولكن هيهات!!
فالمجرم لابد أن يلقى عقوبته، وان يواجه الجزاء من جنس العمل. (إن الله لا يصلح عمل المفسدين. ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون) (يونس:81-82).
وعندما يتلاوم العصاة يوم القيامة، ويحاول كل فريق منهم إلقاء التبعة على الآخر ليتنصل من الذنب، ويفر من العقاب، عندئذ يقرع آذانهم صوت الحق. (قال: لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد، ما يبدل القول لدي، وما أنا بظلام للعبيد) (ق:28-29).
والمحسن لا يتخلف عنه الوعد الحق، ولا تنقص مكافأته على صالح عمله ذرة: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم، خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم) (لقمان:8-9).
ونحب أن ننبه إلى تلاعب طائفة من أدعياء العلم بالنصوص الورادة، وخبثهم في فصل العلاقة بين العمل وجزائه، والاحتيال بذلك على تحقير مظهر الخير في العمل الطيب، ومظهر الشر في العمل الفاسد.
والحيلة التي يتوسلون بها إلى ذلك، إيهام الناس أن الجزاء مرتبط بالمشيئة العليا لا بعمل الإنسان. وان الفسقة قد ينالهم العفو مهما ارتكبوا، وينشد شاعرهم:
وإني –وان أوعدته أو وعدته – لمخلف ايعادي ومنجز موعدي !!
وانه يجوز أن يدخل القانتون العابدون نار جهنم...!! لان الله لا يسأل عما يفعل. وهذا كلام يخالف الحقائق المقررة في دين الله.
والغرض منه –كما أسلفنا- إسقاط قيم الأعمال، فلا يرهب احد ذنبا، ولا يرجو مؤمن حسنة.
وهذه الفلسفة الحقيرة أدت عملها في إفساد الأمة، وتلويث المجتمع، وإهانة الدين وتعاليمه. والله سبحانه وتعالى يكذب ذلك كله بأسلوب صريح: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم !؟ ساء ما يحكمون) (الجاثية:21).
(أم نجعل الذين امنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل المتقين كالفجار* كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) (ص:28-29).
إن أولي الألباب يوقنون بان عموم المشيئة لا يعني التسوية بين خائن وأمين، وان جواز العفو لا يعني إبطال الشرائع وتعطيل القوانين.
حول شفاعة إمام الأنبياء
يلغط عوام المسلمين بأحاديث واردة في شفاعة النبي (صلى الله عليه وسلم) لبعض العصاة. وتعلق أولئك العوام بأحاديث الشفاعة يخيل إليك أن قوانين الجزاء بطلت، وان نيران الجحيم توشك أن تتحول بردا وسلاما على عصاة المؤمنين.
وكثيرا ما يفرط هؤلاء الجهال في الفروض، ويقعون في أوخم الذنوب، ثم يقولون: امة محمد بخير.!
وهذا مسلك ساقط.
ومحمد (صلى الله عليه وسلم) أول من يستنكره ويحارب أصحابه، وينذرهم بأنهم أصحاب الجحيم. فإما أن الجزاء حق، وانه يتناول الذرة من الخير والشر، وانه يعم الناس أجمعين، فذلك صريح القرآن. (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) (الزلزلة:7-8).
والقول بأن قوانين الجزاء توقف بالنسبة لأتباع نبي ما سخف فارغ، وقد كذب القرآن الكريم في مواضع شتى مزاعم الأولين والآخرين لما جمحت بهم أمانيهم إلى هذا الوهم الباطل.
ولسنا نرد ما صح من أحاديث الشفاعة، بل نثبتها في مواضعها التي لا تعدوها حتى لا نحرف الكلم عن مواضعه.
روى الشيخان: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "إن لكل نبي دعوة مستجابة واني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، فهي نائلة منكم أن شاء الله، من مات لا يشرك بالله شيئا".
هل معنى هذا الحديث أن الشفاعة التي يرجوها الرسول (صلى الله عليه وسلم) تنقذ مرتكبي الفواحش والمناكر ممن ماتوا لا يشركون بالله شيئا، دون أن يستوفوا جزاءهم؟؟؟.
إن الرسول (صلى الله عليه وسلم) نفسه يرد هذا الزعم. وقد روى البخاري حديثا يصف فيه أهوال الحشر، وأحوال أهل النار، قال النبي (صلى الله عليه وسلم) فيه:
"يضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ احد إلا الرسل، وكلام الرسل: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: نعم، قال: فانه مثل شوك السعدان غير انه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو، حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النار، أمر الله الملائكة أن يخرجوا من كان يعبد الله، فيخرجوهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل آثار السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن ادم تأكله النار إلا اثر السجود فيخرجون من النار قد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل..".
وهذا الحديث يفيد أن من المسلمين الذين يعبدون الله وحده قوما سيدخلون النار، وان لهبها سينال ملامحهم، فلا يعرفون إلا بآثار السجود.
وأن رحمة الله فحسب، هي التي تدركهم فتنقذهم مما يعانون من بلاء. ثم تغسل اوضارهم الأولى بماء الحياة لينبتوا –بعد- خلقا جديدا يصلح للنعيم والرضوان.
فليس للشفاعة هذا النطاق الواسع الذي يبرر به الخطاءون إصرارهم، وما تفيدهم أمانيهم فيها شيئا. وقد بين الله سبحانه وتعالى أن الشفاعة لا تجدي على كافر، ولا على فاسق مثقل بالخطايا.
قال الله تعالى: (واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا، ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة، ولا هم ينصرون) (البقرة:123). وقال كذلك: (ولا تزر وازرة وزر أخرى وان تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى) (فاطر:18).
والنفس المثقلة بالخطايا – ولو كانت لرجل من المصلين- لا يفوتها جزاؤها كما رأيت في حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وهو يصف أمته عند اجتياز الصراط.
والظاهر أن الشفاعة التي يرجوها النبي الكريم إنما تدرك صنفا من الناس تأرجحت موازين الحق والباطل في أعماله فهو بين السقوط والنجاح.
ونحن في حياتنا ننظر إلى التلامذة الذين يقتربون من النهاية الصغرى للنجاح نظرة رأفة، ونميل إلى منحهم درجة أو درجتين جبرا لنقصهم.
أما الذين يبتعدون عن المستوى الأدنى للنجاح مسافة بعيدة، فإننا نحكم بسقوطهم فورا. فلعل الشفاعة المنسوبة للرسول الكريم تنقذ أمثال هؤلاء المقاربين للنجاة وبهذا التفسير يتم الجمع بين النصوص.
وقد يكون المقصود من هذه الشفاعة التنويه بمكانة النبي (صلى الله عليه وسلم)، والإشادة بمنزلته الكبرى عند الله.. ومثال ذلك في مجتمعنا انه في مناسبات خاصة –كعيد ميلاد الملك أو جلوسه- يفرج عن طوائف المسجونين ممن قضوا اغلب المدد المحكوم عليهم بها، ويراد إشعارهم بفضل المناسبة التي ستسوق لهم العفو والحرية.
وهذه الحرية الممنوحة بالعفو العام، لا تخدش اصل العقوبة المقررة. ولا يفهم منها انه لا ضرورة لسن القوانين، وبناء المحاكم، وتعيين القضاة، كما يريد أن يفهم ذلك عوام المسلمين من أحاديث الشفاعة المنسوبة لنبيهم (صلى الله عليه وسلم)، والتي تشير إلى أن الله قد يجيب دعاء نبيه وهو جاث بين يدي ربه يسأل الصفح عن الأمم الغفيرة من الأولين والآخرين، التي أدركها حر الموقف المعنت، وألهب عصاتها شواظ من النار المستعرة، فهي تضرع إلى الله أن يرفع غضبه، وتتردد على أنبيائه جميعا كي يشاركوهم الرجاء والدعاء.
على انه مهما بلغت منزلته عند الله فلن يتجاوز في الله حد الملق والزلفى لمولاه، وما كان لنبي أن يفرض رأيا أو يقرر حكما: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، حتى إذا فُزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير) (سبأ:23). (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) (النبأ:38).
فلا كلام إلا بإذن، ولا كلام إلا بصواب، ومرد الأمر لله وحده. فإذا كان من الناس من يقترف الموبقات المهلكة اعتمادا على شفاعة موهومة فليذكر قول الحق في أهل النار: (ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نك من المصلين، ولم نك نطعم المسكين، وكنا نخوض مع الخائضين، وكنا نكذب بيوم الدين، حتى أتانا اليقين، فما تنفعهم شفاعة الشافعين) (المدثر:42-48).
ونحن بعد هذه المقدمات الواجبة نروي حديث الشفاعة العظمى معتقدين أن قارئه لن يتجاوز به حدوده. عن انس أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " يجمع الله الناس يوم القيامة فيهتمون لذلك وفي رواية –فيلهمون لذلك. فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا. فيأتون ادم فيقولون: أنت ادم أبو البشر، خلقك الله بيده وأسكنك جنته، واسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا. فيقول: لست هناكم، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا نوحا أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. فيأتون نوحا فيقول: لست هناكم ، فيذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا. فيأتون إبراهيم، فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته التي أصاب فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله وأعطاه التوراة. قال: فيأتون موسى، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، فيستحي ربه منها، ولكن ائتوا عيسى روح الله وكلمته. فيأتون عيسى روح الله وكلمته، فيقول: لست هناكم ولكن ائتوا محمدا (صلى الله عليه وسلم)، عبدا قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): فيأتون، فاستأذن على ربي –تعالى- فيؤذن لي، فإذا أنا رايته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله. فيقال: يا محمد، ارفع راسك، قل تُسمع، سل تعطه، واشفع تشفع. فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي، ثم اشفع، فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة. ثم أعود، فأقع ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: ارفع يا محمد رأسك، قل تسمع، سل تعطه، اشفع تشفع. فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي ثم اشفع، فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، قال: فلا ادري في الثالثة أو في الرابعة –قال فأقول: يارب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن (أي من وجب عليه الخلود).
إن إتباع الدين يجب أن يعرفوا أن الحساب الإلهي لا يغفل الذرة من الخير أو الشر، وان هذه الدقة تنفي كل تصرف ينطوي على الفوضى، وكيل الجزاء جزافا.
وقد ندد القرآن الكريم باليهود، لما سرت بينهم هذه الآراء الغريبة، حتى ظن عامتهم أن الجنة حكر لهم ولذرياتهم –لأمر ما- فاقبلوا على ملذات العيش الأدنى ينتهبونها ويقولون –في يقين- سيغفر لنا!!.
(فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب، يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون: سيغفر لنا، وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه، ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق؟؟ -ودرسوا ما فيه – والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) (الأعراف:169).
والمؤسف أن هذا القطع بين العمل والجزاء رسب في أوهام العامة، فاساؤوا به إلى أنفسهم والى دينهم، ثم إن عوج سلوك المنسوبين إلى الدين وقلة تفقههم، وسوء ذوقهم، مكن للإلحاد في الأرض، ورفع الثقة من الأديان وممثليها جملة.
والعجب للمسلمين، يصابون بهذه اللوثة، وهم يقرأون قول الله: (ليس بأمانيّكم ولا أمانّي أهل الكتاب، من يعمل سوءاً يجز به، ولا يجد له من دون الله ولياً و لا نصيراً) (النساء:123).
الجزاء حق، ولقد أكثر القرآن من التذكير، ومن سوق النذير بعد النذير لان أكثر الناس يذهلهم ما أمامهم عما وراءهم. بل ربما انكروه وسخروا منه غير عابثين بهذا الغد الزاحف.
ولو عقلوا لعرفوا أن الآخرة هي المستقبل الذي يجب على كل راشد أن يوفر فيه أسباب سعادته، وان يجعل حاضره من الدنيا تمهيدا له، وان يجعل سعيه في حياته غراسا لا تنتظر ثمراته القريبة بقدر ما تؤمل عند الله عواقبه المذخورة.
إن نتائج أعمالنا في الدنيا خطيرة جدا.
سنقضي سنوات احتواها كتاب مؤجل، ثم تصير الدنيا – بعد أن نتركها كما كانت قبل أن نطرقها – صفرا، إلا مما تزودنا به منها. ولو كان أكثر الناس وطيد الرجاء في حياة مقبلة ما أرخص عمره، وما احتسب وقته أهون ما لديه من متاع.
"ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل منهما بنون. فكونوا من أبناء الدار المقبلة، ولا تكونوا من أبناء الدار المدبرة، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل".
منكرو البعث وسخف مزاعمهم
من العصور الخالية وأقطار الأرض منكوبة بصنف من الناس، يظنون إنهم مربوطون بأعباء الحياة كما تربط الحمير بعربات القمامة، تظل تدور بها حتى يغلبها الإعياء، وتدركها الشيخوخة، فتموت حتف انفها، أو يطلق عليها الرصاص.. ثم لا شيء!.
يقولون: إن هي إلا أرحام تدفع، وارض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر.
وهؤلاء كثيرا ما يشغبون على المؤمنين، ويجادلونهم بالباطل، ويحاولون توكيد رأيهم السقيم بالإصرار والحلف!! الحلف بما لا يؤمنون! (واقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت. بلى. وعدا عليه حقا؟ ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ليبين لهم الذي يختلفون فيه، وليعلم الذين كفروا أنهم كاذبين، إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (النحل:38-40).
ومما يحفظ للمعري في ترجيح حياة المصدّق بالآخرة، وتقبيح حياة الإلحاد وما يكتنفها من فساد:
قال المنجم والطبيب كلاهِِِما لا تحشر الاجسِاد قلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسِِر أو صح قولي، الخسار عليكما!
طهرت ثوبي للصِِلاة، وقِبله طهر فأين الطهر من جسديكما؟
وذكرت ربي في الضمائر مؤنسا خلدي بذاك، فأوحشِِا خلديكما
وبكرت في البردين ابغي رحِمة منه، ولا ترعان من برديِكما!!
إن لم تعد بيدي منافع بالِِذي آتي، فهِِل من عائد بيديكما؟
بُرد النقي وان تهلهل نسِِجه خِِِير بعلم الله من بُرديكما!
وهذا الكلام من المعري يصف من الموضوع ناحية جانبية فقط. فإن الدين يحفظ القلوب أن تمرض، ويصون الأعراض أن تخدش. بل بقي الأبدان –بمسلكه النظيف- عوادي شتى تتمخض عنها الشهوات المنطلقة والأهواء العاصفة.
لكن هذه الثمار الجميلة ليست الدليل الفذ. ويبدو أنها ذكرت فقط، إغلاقا لباب الجدل مع السفهاء.
روي أن واحدا من أولئك المنكرين جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) بعظم بال وعرضه عليه، يحسب المغفل انه سيفحمه إذ يريه العظم ثم يتساءل كيف يتحول هذا إلى بشر سوي؟ (وضرب لنا مثلا -ونسي خلقه-) (يس:78). وهذا الاعتراض صفعة للسائل المستبعد، ترده إلى مكانته التي يتطاول فوقها. (قال من يحي العظام وهي رميم؟ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم.... أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم؟ بلى، وهو الخلاق العليم) (يس 78-80).
نعم يحييها المبدع المنفرد في شؤون الخلق والإيجاد والتصوير..
ودلائل البعث ترجع –في جملتها- إلى لفت أنظار الناس نحو حقائق بديهية مسلمة، فالذي بدأ الخلق يستطيع –إذا أفناه- أن يعيده. (ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف اخرج حيا؟ أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا) (مريم:66-67).
وهذا الخلق المعاد تتكرر تحت أعيننا صور شتى له كل يوم، بل كل لحظة. فالرجل من حيث لا يشعر تصنع غدده الجنسية ألوف الألوف من الحيوانات المنوية، في واحد منها فقط أساس كامل لبشر كامل.
ولعل لهذه الكثرة في إيجاد أصول الحياة يقصد بها إلى الدلالة على أن الموجد على درجة من الغنى في خلق أسباب الحياة، تجعل إنشاء الناس أمرا تافها بالنسبة إلى قدرته. (أفرأيتم ما تمنون؟ أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون؟ نحن قدّرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين، على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون، ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون؟) (الواقعة:58-62).
وعن أبي رزين العقيلي: قلت يا رسول الله: "كيف يعيد الله الخلق وما آية ذلك؟ قال: أما مررت بوادي قومك جدبا، ثم مررت به يهتز خضرا؟ قال: نعم، قال: فتلك آية الله في خلقه، كذلك يحي الله الموتى!".
والواقع أن الزروع التي تكسو وجه الأرض، وتمشي فيها بالحياة والنماء، ليست مما تصح الغفلة عن دلالته.
إن الفلاح يستودع ظلمات التراب حبة واحدة، أو ساقا واحدا، فإذا حقله يتحول -باسم الله- إلى جنان يانعة وثمار شهية وحصاد ميمون..
كيف تحول الكدر والقذر والطين إلى ثمار وأغصان ورياحين؟! (وترى الأرض هامدة، فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ذلك بأن الله هو الحق، وأنه يحيي الموتى، وأنه على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور) (الحج:5-7).
والمادة الميتة تتحول -في كل غذاء نتناوله- إلى خلايا حية في جسومنا، يسري فيها الشعور، وتنتفض بالحركة.
فما معنى استنكار ما يقع شبيهه بيننا أبدا؟ هل النشور إلا هذا؟
ثم ما ظن الإنسان بنفسه؟
إن الأرض ومن عليها خلق صغير متواضع بالنسبة إلى الوجود الضخم الذي يزحم الفضاء البعيد ويزخر به الملكوت الرحيب، وشأن الناس إلى جانب العوالم الأخرى قليل. (لخلق السموات والأرض اكبر من خلق الناس، ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (غافر:57).
فكيف يستكثر على من يقيم قصرا منيف الشرفات، سامق العمد أن يبني كوخا تافها بعد عدمه؟
إن البعث عقيدة فوق الشبهات، فلنتهيأ له بالزاد الطيب، من الهدى والتقى والعفاف.
خطب النبي (صلى الله عليه وسلم) أول بعثته فقال: "إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غششت الناس جميعا ما غششتكم، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتجزون بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوءا، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا".
فإذا طلعت الشمس يوم من أيام الدنيا بعد نوم مستغرق، فاذكر أن هناك يقظة، سوف تعقب الهجعة المؤقتة في القبر، يساق بعدها أهل الشر إلى سقر ويساق أهل الخير إلى (مقعد صدق عند مليك مقتدر) (القمر:55).