الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: عقيدة المُسلم
المؤلف: محمد الغزالي
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الفصل الثاني (الوحدة المطلقة) - إنما الله إله واحد

الفصل الثاني(الوحدة المطلقة)

إنما الله إله واحد

ليس لهذا العالم إلا إله واحد، يخضع له بالقهر والجبروت كل ما سواه: (إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) (مريم: 93 – 95).

وإذا استقرأنا ما توهمه الناس شريكا لله في ألوهيته، لم نجد أحدا من هؤلاء الشركاء المزعومين ترشحه حالته، ليكون في هذا الوجود شيئا طائلا.

لقد عبد القدماء أحجارا اقتطعوها من سطح الأرض، فهل يصح – في خلد عاقل – أن حجرا من الأرض – بل الأرض كلها- تصلح لتكون إلها؟!

وعبدوا صنفا من الحيوان وقدسوا نسله –كما يفعل الهندوس إلى اليوم- فهل هناك عجل – مهما زاد لحمه وشحمه- يصلح لمنصب الألوهية؟ فما الذي يوضع بعده في أطباق الآكلين؟

إن الوثنيين سفهوا أنفسهم عندما هووا بها إلى هذا الدرك!

وقد ادعى بعض الناس الألوهية لنفسه، كفرعون حاكم مصر، وكهذا (الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم: ربي الذي يحيى ويميت قال: أنا احيي وأميت) (البقرة:258)

فظن هذا المغفل أن السلطة التي يستمتع بها والتي تجعله يقتل من الرعية ما يشاء ويبقي ما يشاء، ظن ذلك مسوغ الطموح لمنصب الألوهية..

وهذا الظن يبقى في رأس صاحبه حتى يقطعه جمهور الثوار، ويرمون به في الأقذار.

وبعض الدهماء من اليهود والنصارى ضلوا في فهم أنبيائهم، ورفعوهم إلى مصاف الآلهة، مع أن هؤلاء المرسلين ليسوا إلا عبيدا موهوبين، وقد كذبوا بهذا على أنفسهم وعلى الواقع.

فمن الحماقة أن تظن في بشر –مهما علا شأنه- انه خلق كوكبا من الكواكب ولماذا نذهب بعيدا؟ إن احدهم لم يخلق ذبابة أو ما دونها، فكيف يعد إلها من يعجز عن أي خلق؟

بل أن جرثومة من آلاف الجراثيم التي تكمن في بطن ذبابة، لو سلبت احدهم صحته ما قدر على ردها!! فمن أين بعد هذا ينسب إلى الألوهية؟

  

عيسى بن مريم

لم تصادف خرافة من الرواج في العالم مثل الخرافة التي تعد عيسى إلها لهذا العالم، أو شريكا فيه مع الله!! وهذه الخرافة تتسع وتضيق حسب اختلاف الأهواء والآراء.

فتارة تعتبر هذا العالم خاضعا لإشراف شركة مساهمة: من الله، ثم من عيسى، وأمه، والروح  القدس. وتارة تضيق فتعتبر هؤلاء الشركاء شُعَبا شتى لحقيقة واحدة، أو مظاهر متعددة لإله واحد، على نحو يعجز العقل عن تصوره. وذلك كله شرود عن الصواب وضلال كبير.

(لقد كفر الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم ...) (المائدة: 72)

(لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد ...) (المائدة:73)

وعيسى بشر يأكل ويشرب ويقذف من جسمه بالفضلات الحيوانية، فكيف تنفى عنه صفته الإنسانية، أو يزعم له ما هو فوقها؟

(ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام) (المائدة: 75).

ثم هو عبد يعنو وجهه لربه الأعلى، ويذل في ساحته، ويسمع –في صمت وإقرار- هذا التقرير الخطير: (قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه. ومن في الأرض جميعا.؟؟) (المائدة:17).

وعيسى نفسه يعرف أنه وأمه عبدان فقيران لله. ويوم الحساب يقران بذلك ويسنكران غلو المغالين فيهما.

(أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق) (المائدة:116). (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به: أن اعبدوا الله ربي وربكم ...؟!) (المائدة:117).

والواقع الذي يعلو به صوت البديهة: انه من المستحيل جعل عيسى إلها، يخلق ويرزق، ويحيي ويميت، ويدبر شؤون البلاد والعباد، وأمر السماء والأرض .. الخ. لأنه في حياته عبد ضعيف، وبعد مماته رفات موارى في حفرة من التراب.

ومؤلهو عيسى يشعرون بذلك جيدا.

ومن ثم فهم يلتمسون له القوة –التي تجعل منه إلها- من طبيعة أخرى غير طبيعته العاجزة كانسان، وذلك بالتحايل على إيجاد نسبة بينه وبين الله –سبحانه وتعالى – هي نسبة البنوة – كأنه ولي عهد!! .. وزين لهم هذا التخبط أن عيسى ولد من أم فقط.

والحق أن النسبة بين الله وبين خلقه كافة هي نسبة الموجد المتفضل بالإيجاد، المختار فيه أتم اختيار، على عالم لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. وان كل صامت وناطق في هذا العالم يدين لله بكينونته، وهو طوعا أو كرها يسبح بحمده ويذل لربوبيته!!

والله سبحانه وتعالى قد يجعل بعض مخلوقاته أرضا وبعضها سماء، بعضها ترابا وبعضها ذهبا، بعضها نباتا وبعضها حيوانا، بعضها إنسا وبعضها جنا..

فما أعلى شأنه من خلقه، فهو محض فضله، وما حدد له وضعه فهو محض حكمته. وقد يمنح بعض البشر والملائكة مواهب تميزهم عن أقرانهم ثم يختارون رسلا لعباده.

و أيا ما يفعل ربك بخلقه، فان ذلك ما يمس اصل النسبة المقررة بين العالم وموجده العظيم. أإذا جعل المهندس بعض أحجار البيت دعائم مختفية في الطين، وبعضها الآخر شرفات تعلو في الفضاء، ظنت الأحجار العالية أنها قد تحولت مهندسا أو شبه مهندس.

أي سخف هذا الذي يجعل بعض الخلق شركاء في الألوهية، لأنه منح فضل احترام؟ وكيف يتصور في بديع السموات والأرض أن يكون والدا لتلك الأجساد التي ذرأها؟ وما عيسى في جانب الملكوت الضخم؟

(وقالوا: اتخذ الرحمن ولدا سبحانه! بل عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) (الأنبياء:26-28).

وشأن الألوهية اعز مما يهرف به الجهلة من ولادة وبنوة واتصال وإنسال!! (لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء، سبحانه هو الله الواحد القهار) (الزمر:4).

ولو كانت ولادة عيسى من أم فقط –ترشحه للألوهية- بصفة البنوة –لكان آدم أولى منه بها، بل لكان الملائكة المقربون أولى بذلك. فهم من الملأ الأعلى، وليس من الحمأ المسنون.

 

مغالطة

قرأت في مذكرات الدكتور"شبلي شميل" كلمة لمواطن نصراني استعار لنفسه اسما مسلما، واجتهد أن يوفق بين الإسلام والنصرانية في حقيقة "عيسى بن مريم"!!

وقد بنى هذا الكاتب فكرته –على أن كلتا الديانتين- تتضمن حقائق مبهمة . فإذا كان الغموض يكتنف أوصاف المسيح وعلاقته برب العالمين في النصرانية، فكم في الإسلام من تعاليم غامضة؟! فهذه بتلك ...! ولا داعي لاعتبار التثليث معضلة تنافي التوحيد الواجب لله..

قال الكاتب: "جهل اكثر كتاب المسلمين عقيدة النصارى في الإله الواحد الذي ليس بمادة، كما جهل أكثر كتاب النصارى عقيدة المسلمين، ولكن لظهور الصعوبة في فلسفة العقيدة النصرانية يقول النصارى: إن في الدين شيئا هو فوق العقل، ويعدون ذلك من مفاخرهم في تدينهم".

فيظن المسلم أنهم يريدون بقولهم فوق العقل انه غير معقول، وليس هذا هو المراد بل المراد أن العقل لا يكاد يدركه. وكان مثل هذا القول شائعا ومعروفا عند المسلمين أيضا.

ولكن بعض كتابهم في هذه الأيام الجديدة، قاموا ينادون بان الدين الإسلامي وحده دين العقل، ويفسرونه بان العقل يدرك كل شيء فيه.

ولسنا ندري كيف يدرك العقل أمور العالم الغيبي، مثل انهار اللبن والعسل التي في الجنة، ومثل عالم الأرواح المجردة وعالم الملائكة؟

ولا نعرف كيف يستطيع أولئك العقلاء تفسير النار التي رآها موسى (فلما أتاها نودي: يا موسى، إني أنا ربك، فاخلع نعليك بالواد المقدس طوى) (طه: 11-12).

أي عقل يدرك حقيقة هذا النداء الذي سمعه موسى فخر صعقا؟ وأي عقل يدرك حقيقة نفخ الله في فرج مريم؟، كما جاء في القرآن المجيد بنص هذه الآية: (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها، فنفخنا فيه من روحنا) (التحريم:12)

النصراني يقول: الإله واحد كما يقول المسلم.

ثم يقول النصراني: إن عيسى كلمة الله وروح الله، وهكذا يقول المسلم أيضا. والنصراني يقول: أن مريم عذراء حملت بعيسى الذي هو روح الله وكلمة الله من غير أن يمسها بشر، وهكذا يقول المسلم أيضا.

فأنا اسأل إخواني المسلمين أن يبينوا لي الفرق أولا بين هذه التعابير، وان يفهموها جيدا قبل أن يجادلوا النصارى على التعبير بالأب والابن والروح القدس، وقبل أن يسألوا عن هذه الفلسفة التي تبين أن هذه الكلمات الثلاث تدل على حقيقة واحدة ظهرت في ثلاثة مظاهر، وما نار موسى عن القارئ ببعيد".

هذا الكلام ينطوي على مغالطة بينة، ولقد أوضحنا في الفصل السابق أن هناك فرقا بين ما يصعب على العقل إدراكه، وبين ما يجزم العقل باستحالته.

ففي عالمي الغيب والشهادة حقائق شتى نوقن بوجودها ونجهل كنهها، وجهلنا بكنهها لا يخدش وجودها الثابت.

وفي عالمي الغيب والشهادة كذلك أمور نحكم بامتناعها، ولا يمكن تلبيس الممكنات الغامضة بالمستحيلات المعدومة.

والقول: بان الثلاثة واحد، كالقول: باجتماع النقيضين. ليس مسألة غامضة، بل مسألة مستحيلة بالبداهة.

 

عرض واقعي وجدل نظري

باستقراء التاريخ وأحداثه، لا نجد دعوى يؤبه لها من احد يزعم انه إله مع الله.

والذين فهم ذلك عنهم، إما متهمون أبرياء كبعض الرسل والملائكة، وإما مخلوقات لا تحس ولا تعقل. كالأحجار والأبقار، وإما حكام سفلة، كفراعنة مصر وأشباههم..

وقد قام العلماء ببحوث جدلية ليثبتوا انه ليس هناك مع الله إله آخر، وان كان الواقع العملي ينطق بذلك- فنحن في عالمنا المادي لم نجد هذا الآخر المزعوم، وفيما وراء المادة لم يحاول هذا الآخر أن يتصل بنا.

والمرسلون قاطبة أكدوا –واحدا بعد الآخر- أنهم جاؤوا من عند الله رب العالمين: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه انه لا إله إلا أنا فاعبدون) (الأنبياء:25).

فما الذي اخرس هذا الإله الآخر عن ذلك التحدي ليشكو ما وقع به من ظلم؟ الحق أن الملك كله لله، وان الآلهة الأخرى الموهومة ليست إلا خيالات عقول مريضة، وأسماء لا مدلول لها أبدا.

(ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض، وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، إن يتبعون إلا الظن وان هم إلا يخرصون) (يونس:66).

وأما الفروض التي ذكرها العلماء لنفي التعدد في الألوهية، فهي تقرر لجملة من الحقائق التي لا مراء في ضرورة توفرها لمن يجب اعتباره إلها.

إن كان هذا الإله موجودا مع الله فما موقفه منه؟ بل –أولا- ما هي منزلته منه؟

إن كان دونه منزلة ومكانة فليس بإله، وان كان أعلى منه فهو أحق منه بالألوهية. وان كان مثله فما هي الحدود والفواصل بين عمليهما واختصاصيهما؟ وكيف ينفذ أمرهما معا في الإحياء والإماتة، والاشقاء والإسعاد، وغير ذلك؟

(ما اتخذ الله من ولد وما كان معه إله، إذا لذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، سبحان الله عما يصفون) (المؤمنون:91). (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، فسبحان الله رب العرش عما يصفون) (الأنبياء:22).

على أن نظام العالم يطرأ عليه فساد  في سمائه أو أرضه. وسنن الكون الماضية قاطعة بصدورها عن إله احد فرد صمد. (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) (البقرة:163).

  

إخلاص التوحيد

بعد الاستقراء التاريخي والاستعراض العقلي لمن نُحلوا وصف الألوهية زورا نجزم بأنه لا إله إلا الله، ونوقن بأنه لا شيء في العالم يرقى عن مستوى العبودية الذليلة لهذا الإله الواحد القهار.

غير أن البشر – وإن أحسوا بصوت الفطرة يصرخ في أعماق نفوسهم معلنا هذه الحقيقة الواحدة- يأبون إلا أن يلبسوا الحق بالباطل، وان يشربوا هذا التوحيد الواضح بما يفسد صفاءه، بل بما يجتث جذوره!

فهم يعترفون –برغم أنوفهم- أن الله هو الخالق الرزاق، والنصارى المشركون بعيسى لا اظنهم يزعمون أن عيسى بنى أفقا من السماء، أو أرسى ركنا من الأرض، أو رزق امة من الناس، أو انبت حقلا من الحبوب أو حديقة من الفاكهة.. كلا، كلا. فالله وحده رب هذا كله.

ومع هذا الاعتراف فهم لا يوحدون الله في العبادة، ولا يتوجهون إليه بالطاعة، ولا يتزلفون إليه بهذه الشهادة التي تنبعث من فطرتهم، بل يذهبون إلى غيره بكل هذا ..!

ومن هذا الغير؟ ولم تنصرف إليه وجوه الخلق؟

لقد احتال المشركين لتبرير شرودهم، بأنهم لم يذهبوا بعيدا، وبأن أولئك الذين اتجهوا إليهم من دون الله، إنما هم "مفاتيح" للإله الأكبر لجأوا إليها لتوصلهم إليه..

وقالوا ما نستطيع أن ننسب إلى حجر أو بشر خلقا أو رزقا، ولا أن نجحد تفرد الله بهذا العمل، ولكننا اتخذنا بناته وبنيه وسطاء خير له..!! (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر:3).

وهذا الصنيع الطائش لغو ومجون. فليس لله بنات ولا بنون، وليس بين الله وعباده كلهم وسطاء ولا شفعاء ولا سماسرة.

ولكل بشر –في الأولين والآخرين- أن يتقدم إليه مباشرة. وإذا أذنب فله الحق كله أن يتصل بربه معتذرا مستغفرا، لا يحمل توبته احد من الناس.

والذي شرع لعباده الدين من بدء الخليقة، وضح لهم على لسان رسله هذه الحقيقة. ولو أن لله ولدا أو شريكا – سبحانه وتعالى عن هذا الإفك- لما ضارتنا عبادته (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) (الزخرف:81).

لكن هذا محض الكذب والدجل، فكيف نتورط فيه؟

والمؤسف أن البشر لما اختلقوا على الله هذه الفرية- فرية الشركاء والوسطاء- ظل الضلال ينحدر بهم من ظلمة إلى ظلمة حتى نسوا الله نفسه- الذي اتخذوا الشفعاء سماسرة له- وذكروا ما دونه من أصنام أو أنبياء أو من أولياء.

(وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون) (الزمر:45)

ومن هنا ظفر هؤلاء الشركاء بنصيب الأسد في كل شيء، في العبادة والإخلاص، والسؤال والنذر، والحب والحماسة، ولم يبق لله من ذلك شيء يذكر.

(وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا: هذا لله، بزعمهم، وهذا لشركائنا، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو لا يصل إلى شركائهم، ساء ما يحكمون) (الأنعام:136).

وفي الحديث القدسي: "إنني والإنس والجن في نبأ عجيب، اخلق ويعبد غيري وارزق ويشكر سواي".

ولقد سرت هذه اللوثة في العقائد حتى كادت تفسد على الناس حياتهم ومصيرهم. وحسب الدنيا ضلالا، أن تعمى عن إشراق التوحيد في أنحاء الوجود. وانك لتأسى إذ ترى للوثنية المخّرفة أجيالا تزحم مناكب الأرض. وللنصرانية المشركة أقطارا تسودها الأوهام. (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون) (يوسف:106).

وشيوع هذا الشرك في العالم هو الخطوة المؤدية حتما إلى جحود مبدأ الألوهية، وعدم الإيمان بالله العظيم.

  

مقارنات بين الشركاء والعبيد

أراد الله عز وجل أن يُعّرف سفهاء المشركين بأقدار الآلهة التي عبدوها من دون الله، فردد هذه المعبودات المظلومة بين صنفين: إما أن تكون جمادات، فالعبيد اوسع قدرة من الآلهة، لان لهم جوارح يستخدمونها فيما يشاؤون.

اما هذه الاصنام المعبودة فماذا لها؟

(ألهم أرجل يمشون بها؟ أم لهم أيد يبطشون بها؟ أم لهم أعين، يبصرون بها؟ أم لهم آذان يسمعون بها) (الأعراف:195) ليس لها من ذلك شيء.

وإما أن تكون هذه الآلهة المزعومة تملك ما ذكر من أدوات ومشاعر، فماذا يمنحها ذلك من فضل؟ سيكون الآلهة والعبيد سواء في القوى الذاتية والمنزلة الكونية، فأي ألوهية تلك؟ (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم، فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين) (الأعراف:194).

وليست طبيعة الإنسان أن يقف حاسرا قاصرا أمام ألوهية هي دونه أو هو فوقها فإذا دعاها كانت بين أمرين: إما ألا تسمع وإما ألا تجيب. (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم، ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير) (فاطر:14). ولذلك فان من النقائض أن تتعلق النفس البشرية بهذه الأوهام والأباطيل.

لقد كثر في القرآن الكريم ضرب الأمثال، وسوق الأدلة واستثارة الانتباه، واستنهاض الكرامة الآدمية، حتى تقوم من هذه الوهدة التي تذل فيها لمن هو دونها أو لمن هو مثلها.

وأفاض القرآن في استقصائه للمعاني التي تصون الوجه من دنس الشرك، وفي مخاطبة العاطفة الإنسانية بأسلوب رائع في رقته، واضح في غايته.

(أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار؟) (يوسف:39) . (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون، ورجلا سَلَما لرجل، هل يستويان مثلا، الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون) (الزمر:29)؟

والحق أن التوحيد روح الإسلام، وجوهر عقيدته، ومحور عباداته المنوعة، ومبدأ التوحيد يسري في تعاليمه كافة سريان الماء في النبات أو الأعصاب في البدن.

وقد وضح القرآن الكريم حقيقته، وبسط فكرته، وناقش ما قد يعرض له أو يعارضه، حتى ليعتبر التوحيد الإسلامي أصرح وأكمل ما أسسه دين في قلوب بنيه، ودمغ البشر جميعا بطابع العبودية لله وحده، وانتزاع كل شعور يتجه بالمرء إلى تقديس كائن ما –هنا أو هناك- كل ذلك من عناوين الإسلام الأولى وليس من إشاراته الثانوية أبدا.

(إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار) (المائدة:72).

والله –وحده- هو الضار النافع، الخافض الرافعº الذي يخذل أو ينصر، ويعطي أو يمنع. وليس لأحد بعده تعقيب على حكمه، وليس من شأن ملك في السماء أو نبي في الأرض التدخل في مشيئة الله.

فهي التي تحكم أبدا، واليها يُحتكم أولا و آخرا. وأولياء الله أو أعدائه لا يفرضون رغباتهم على الإرادة العليا .

" ولذلك فان من إخلاص التوحيد أن نكل ما فوق قدرتنا وإرادتنا إلى الله وحده وان نربط خوفنا ورجاءنا به". (أليس الله بكاف عبده) (الزمر:36). (قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره؟ أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته؟ قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون) (الزمر:38).

للمؤمن قبلة واحدة يوليها وجهه، ويهب لها فؤاده، ويبثها نجواه وشكواه، ويعرف على أشعتها طريقه في ظلمات الحياة.

للمؤمن صلة عليا بالله، يحدد –على أساسها- علاقاته بالناس. وله عواطف تجيش بالأمن والقلق، والسخط والرضا، والحب والبغض، والوحشة والأنس. ومهما اضطربت في نفسه هذه المشاعر المعتادة، فان ضوابط اليقين تحكمها، وعرفانه بربه هو الذي ينقضها أو يبرمها.

وقد كان إمام الأنبياء يغرس هذه المعاني في قلوب المؤمنين حين كان يدعو في تهجده. "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت واليك انبت، وبك خاصمت واليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت اعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت"

هذه الضراعة الحارة النابضة هي آية التوحيد الكامل. إذا بثت عصارتها في القلوب هزتها بالحياة والنماء، وإذا فرغت الأنفس منها زوت، والتوت، وخبطت في عماء ما بعده عماء.

ونحن –في الدنيا- نمر بتجارب شتى تكشف عن معادننا وخصائصنا كما تكشف التجارب في معامل الكيمياء عن ميزان الغازات والسوائل المختلفة…

وما يعرف الإيمان والكفر، وما يتكشف الإخلاص والنفاق، وما يتميز الخبيث والطيب إلا في هدي هذه التجارب التي تكفل القدر بإجرائها: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) (الأنبياء:35).

وإذا رأيت المرء يحب غير الله أكثر مما يحب الله، ويخاف العبد أكثر مما يخاف الرب، ويتعلق قلبه بالناس أكثر مما يتعلق برب الناس، ويصدر عمله ابتغاء رضاهم أكثر مما يتطلب ثواب الآخرة. فإذا نزلت به نكبة كان تفكيره في فلان قبل تفكيره في الله، وإذا أصابه خير كان حمده لفلان اسبق من شكره لله..

فاعلم أن هذا الشخص قد أشرك..

ولئن كان بعض العلماء يقول: إن الشرك في العمل غير الشرك في الاعتقاد، وان هذا شرك اصغر وذاك شرك اكبر.

الحقيقة: أن المسألة أصعب مما يتصورون ومما يصورون للعامة.

فالشرك عين حمئة قذرة، إذا انفجرت في قلب وبدأت تسيل قطرات راشحة توشك أن تتحول سيلا كاسحا، ويومئذ لا يبقى في القلب إيمان حق، ويتجول ما يسمونه شركا اصغر إلى عين الشرك الذي يعده الإسلام أقبح الكبائر.

إن الأمور صغيرها

 

مما يهيج له العظيم

والإسلام يوم حارب اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، لم يحاربها لذواتها، ولم تكن بينه وبينها عداوة شخصيةº إنما حاربها لأنها احتلت من قلوب الملتفين بها مكانة السيد المتصرف من عبيده الاذلين. فكل ما يصرف القلوب مثلها عن الله فهو صنم.

وكل من تكون في قلبه منزلة لشيء ما غير الله، مثل منزلة هذه الأصنام في قلوب المشركين القدامى، فهو –و لا كرامة- مثلهم، يحسب منهم ويحشر معهم.. ولا عجب فالخمر لم تحرم لعينها، وإنما حرم المسكر من كل شراب. والإيمان بالله لا تتفاوت حقيقته، وان اختلفت نواقضه على توالي الأيام.

 

توحيد العامة وما يعلوه من غبار

ينبغي لهذه الأمة أن تكون مثلا عاليا في إسلام الوجه لله، وإفراده بالنية والعمل، بيد إننا نلحظ –آسفين- أن هناك مسالك شائعة بين الجماهير الغفيرة من المسلمين، لها دلالتها الخطرة على فساد التفكير، وضلال الاتجاه، واضطراب المقصد.

ولا نحب أن نوارب في الكشف عن هذه العلة، فان أي خلل في دعائم التوحيد معناه الخبل الذي يدرك موطن القيادة الفكرية في هذا الدين الحنيف.

إذ التوحيد في الإسلام حقيقة وعنوان، وساحة وأركان، وباعث وهدف، ومبدأ ونهاية. ولسنا –كذلك- ممن يحب تصيد التهم للناس، ورميهم بالشرك جزافا، واستباحة حقوقهم ظلما وعدوانا.

ولكننا أمام تصرفات توجب علينا النظر الطويل، والنصح الخالص، والمصارحة بتعاليم الكتاب والسنة كلما وجد عنها أدنى انحراف.

لقد اهتمت حكومة انجلترا –في سبيل مكافحة الشيوعية- بالحالة الدينية، في مصر! فكان مما طمأنها على إيمان المصريين (!) أن ثلاثة ملايين مسلم زاروا ضريح احمد البدوي بطنطا هذا العام.

والذين زاروا الضريح ليسوا مجهولين لدي – فطالما أوفدت رسميا لوعظهم، فكنت اشهد من أعمالهم ما يستدعي الجلد بالسياط لا ما يستدعي الزجر بالكلام، وكثرتهم الساحقة لا تعرف عن فضائل الإسلام وأنظمته شيئا. ولو دعوا لواجب ديني صحيح لفروا نافرين، وان كانوا أسرع إلى الخرافة من الفراش إلى النار!

وحسبك من معرفة حالهم: أنهم جاؤوا الضريح المذكور للوفاء بالنذور والابتهال بالدعاء! ولمن النذور؟ ولمن الدعاء؟ إنه أول الأمر للسيد. فإذا جادلت القوم، قالوا: إنه لله عن طريق السيد البدوي. وأكثر أولئك المغفلين لغطا يقول لك: نحن نعرف الله جيدا، ونعرف أن أولياؤه عبيده، وإنما نتقرب بهم إليه، فهم اطهر منا نفسا وأعلى درجة. وهذا الكلام –على فرض مطابقته لواقع القوم- غلط في الإسلام فان الله سبحانه وتعالى لم يطلب منا أن نجيء معنا بالاخرين ليحملوا عنا حسناتنا، أو ليستغفروا لنا زلاتنا. (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟) (الشورى:21).

بل المعروف من بديهيات الإسلام الأولى، أن الطلب ووسيلته جميعا، يجب أن يكونا من الله. (إياك نعبد وإياك نستعين) (الفاتحة:5) "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله".

أليس من المضحك أن نستنجد بقوم يطلبون لأنفسهم النجدة، وان نتوسل ممن يطلب هو كل وسيلة ليستفيد خيرا أو يستدفع شرا؟ (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم اقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه) (الإسراء:57).

إن المسلمين لما طال عليهم الأمد نسوا الحق. والمرء قد يعذر إذا ذهل عن شأن تافه، أو فاته استصحاب شيء هين، أما أن يذهل عن كيانه وإيمانه فهنا الطامة. واحسب أن القرآن الكريم كان يقصد إلى التنديد بهذا اللون من إفساد التوحيد عندما قال: (يوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء؟ أم هم ضلوا السبيل؟ قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا ..) (الفرقان:17-18).

اجل! لقد نسوا الذكر، وما قام عليه الذكر من توحيد شامل. وليس يغني في الدفاع عن أولئك الجهلة من العوام أنهم يعرفون الله، ويعرفون انه وحده مجيب كل سؤال، وباعث كل فضل، وان من دونه لا يملكون من ذلك شيئا.

فان هذه المعرفة لا تصلح ولا تقبل إلا إذا صحبها إفراد الله بالدعاء والتوجه، والإخلاص، فان المشركين القدماء كانوا يعرفون الله كذلك. (قل من يرزقكم من السماء والأرض؟ أمن يملك السمع والأبصار؟ ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي؟ ومن يدبر الأمر؟ فسيقولون الله) (يونس:31).

ومع أنهم يقولون "الله" بصراحة وجلاء، فلم يحسبوا بهذا القول مؤمنين، لان الإيمان –إذا عرفت الله حقا- ألا تعرف غيره فيما هو من شؤونه.

ولذلك يستطرد القرآن في مخاطبة هؤلاء: (فقل أفلا تتقون * فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون * كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون) (يونس: 31-33).

إن العامة عندما يشدون الرحال إلى قبور تضم رفات بعض الناس. وعندما يهرعون بالنذور والحاجات والأدعية إلى من يظنونهم أبوابا لله، إنما يرتكبون في حق الإسلام مآثم شنيعة.

ومهما قلبنا عملهم هذا من جميع وجوهه فلن نجد فيه ما يطمئن إليه ضمير المؤمن أبدا. ومحبة الصالحين وبغض الفاسدين من شعائر الإسلام حقا. ومظاهر الحب والبغض معروفة.. هي مصادقة للأحياء أو منافرة، واستغفار للموتى أو لعنة. وأين من عواطف الحب والبغض هذا الذي يصطنعه المسلمون اليوم؟؟..

إن الواحد منهم قد يصادق افسق الناس، وقد يقطع والديه – وهما أحياء- ثم تراه مشمرا مجدا في الذهاب إلى قبر من قبور الصالحينº لا ليدعو لهº ويطلب من الله أن يرحم ساكن هذا القبر، بل ليسأل صاحب القبر من حاجات الدنيا والآخرة ما هو مضطر إليه وذلك ضلال مبين!!

وبناء المعابد على قبور الصالحين تقليد قديم، وقد ذكر القرآن ما يدل على شيوعه في الأمم السابقة. وفي قصة أهل الكهف تسمع قوله عز وجل: (فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم اعلم بهم، قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا) (الكهف:21).

ويظهر أن اتخاذ المساجد على القبور كبناء التماثيل، لم يكن محظورا أول أمره إذ لم تكن له دلالة مثيرة. غير أن البشر سفهوا أنفسهم، فالأحجار التي نحتوها للعظماء عبدوها، أو – على حد تعبيرهم- اتخذوها إلى الله زلفى. والمعابد التي أقاموها على قبور الصالحين قدسوها وسلكوها مسلك الأصنام في الشرك.

فلما جاء الإسلام أعلن على هذين المظهرين من مظاهر الوثنية حربا شعواء، وشدد تشديدا ظاهرا في حق هذه المساخر المنافقة.

وقد رأينا كيف أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أرسل علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ، وأمره أن يسوي بالأرض كل قبر وان يهدم كل صنم. فجعل الأضرحة العالية والأصنام المنصوبة سواء في الضلالة. وقال النبي (صلى الله عليه وسلم)  - في البيان عن سفاهة القدامى وفي التحذير من متابعتهم-: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، ألا لا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن هذا".

وكان يرفع الخمرة عن وجهه في مرض الموت ويكرر هذا المعنى. وكأنه يتوجس شرا مما يقع به فدعا الله "اللهم لا تجعل قبري من بعدي وثنا يعبد".

ومع كثرة الدلائل التي انتصبت في الإسلام دون الوقوع في هذا المحظور، فقد اقبل المسلمون على بناء المساجد فوق قبور الصالحين. وتنافسوا في تشييد الأضرحة، حتى أصبحت تبنى على أسماء لا مسميات لها، بل قد بنيت على ألواح الخشب وجثث الحيوانات.

ومع ذلك فهي مزارات مشهورة معمورة، تقصد لتفريج الكرب، وشفاء المرضى وتهوين الصعاب!.

وأحب ألا أثير فتنة عمياء بهدم هذه الأضرحة. فان النبي (صلى الله عليه وسلم) امتنع عن هدم الكعبة وإعادة بناءها على قواعد إبراهيم لان العرب كانوا حديثي عهد بشرك. وجماهير العامة الآن ينبغي أن تساق سوقا رفيقا إلى حقائق الإسلام، حتى تنصرف -في هدوء- عن التوجه إلى هذه الأضرحة وشد الرحال إلى ما بها من جثث.

وإخلاص المعلم وأسلوبه في الدعوة، عليهما معول كبير في تمحيص العقيدة مما علق بها من شوائب وعلل. وقد تكون لدى بعضهم شبه في معنى التوسل. فلنفهم أولئك القاصرين أن التوسل في دين الله، إنما هو بالإيمان الحق والعمل الصالح، وقد جاء في السنة: (اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الذي لا إله إلا هو، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد) فهذا توسل بالإيمان بذات الله. وجاء –كذلك- توسل بالعمل الصالح في حديث الثلاثة الذين آواهم الغار. وجاء توسل بمعنى دعاء المرء لأخيه بظهر الغيب. ودعاء المسلم للمسلم مطلوب على أية حال.

ولا نعرف في كتاب الله ولا في سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) توسلا بالأشخاص مهما علت منزلتهم –سواء أكانوا أحياء أو أمواتا- على هذا النحو الذي أطبق عليه العامة وحسبوه من صميم الدين، ودافعوا عنه بحرارة وعنف ضد المنكرين والمستغربين.

  

حول توحيد العامة

جاءتني رسالة  كريمة الأسلوب، حسنة الجدال، من طالب أديب يذكر فيها حجج القائلين بالوسيلة ويسردها على النحو الآتي:

1-    جمهور الناس عصاة، والله يتقبل من المتقين

فلو ذهب الإنسان إلى ربه وهو موقر بالسيئات، لم يجب له سؤلا ولم يسق له فضلا. ومن ثم فعلى الإنسان أن يبحث عن وساطة مقبولة، كولي صالح مثلا.

2-    لا يسوغ القول بان هذا شرك، لان النية هي الحكم على الأعمال والمتوسلون لم ينووا شركا أو يرضوا به .

3-    الصحابة والفقهاء والأئمة جميعا كانوا يتوسلون إلى الله بالأنبياء والأولياء. وقد توسل عمر بالعباس عم النبي (صلى الله عليه وسلم) .

4-    يتساءل الكاتب عن قول الله في جدار الغلامين اليتيمين (وكان أبوهما صالحا) (الكهف:83)

أليس في ذلك ما يفيد أن بركة الأموات تتعدى إلى الأحياء؟؟

وفي قوله لنبيه (صلى الله عليه وسلم): (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله) (النساء:64). أليس في الآية ما ينص على التوسل؟

وجاءتنا رسالة من أزهري يقول فيها: إن احد العلماء الرسميين يقول: إن التوسل بأصحاب القبور واجب، فان لصاحب القبر تأثيرا أقوى من تأثير الحي، ولا حرج في ذلك ما دام المتوسل يعتقد أن الله هو الفاعل.

ويقول أن الآيات التي استشهدنا بها على نفي هذه المزاعم نزلت في المشركين خاصة، وان الرسول (صلى الله عليه وسلم) أمر الأعمى أن يتوسل به إلى الله، فرد الله عليه بصره.. الخ.

هذه هي جملة الشبه التي تعلق بها طائفة من الناس وبنوا عليها مسالك طائشة، عكرت رونق التوحيد الخالص، وردت كثيرا من المسلمين إلى جاهلية طامسة مهلكة. ونحن نغالب السآمة التي تعترينا كلما خضنا في هذا الحديث، أو سطرنا فيه حرفا.

فان الجدل فيه طال مع وضوح الحق واستبانة النهج، ولم يبق إلا أن يحمل الناس حملا.

واليك البيان الحاسم لما سبق سرده من شبهات:

فأما أن العاصي ليس له اللجوء إلى الله مباشرة، وانه أولى به أن يستصحب احد المقربين قبل مناجاة رب العالمين، فكلام لا اصل له في الإسلام قط.

إن إبليس دعا ربه مباشرة وأجيب ...ž! (قال : رب فأنظرني إلى يوم يبعثون، قال: فانك من المنظرين إلى يوم البعث المعلوم) (الحجر: 36-38).

والمشركون دعوا الله مباشرة أجيبوا: (دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين* فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق) (يونس:22-23).

فهل عصاة المسلمين يحرمون من حق أخذه إبليس وجنوده؟

إن أي مسلم يقع في خطأ، فعليه أن يجأر بالدعاء إلى الله على عجل ، من غير توسيط نبي، ولا ولي، ولا شيطان. (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله) (آل عمران:135).

ثم أن الرجل إذا كان بحالة لا يقبل منه دعاء معها، فلن يقبل فيه دعاء غيره له، ولو كان الداعي سيد الأنبياء.

ألا ترى كيف رُفض استغفار الرسول (صلى الله عليه وسلم) لعبد الله بن أبي؟

فأما المسلم المعتاد، فله –بل عليه- أن يدعو الله، ولا ينظر في هذا الضرب من العبادة إلى مخلوق أبدا ...

وصحيح أن إجابة الدعاء تقتضي الإخلاص والتقوى. ولكن ما صلة ذلك بما نحن فيه؟ أتظن أن الرجل إذا فقد الحرارة والصدق والتقى يذهب إلى ميت أو حي ليجد لديه العوض عما فقده؟ هذا زعم باطل، وليس في دين الله ما يؤيده، بل إن دين الله ضده.

والقول بأن العمل لا ينظر إليه، وإنما تعتبر النية المصاحبة له، غير صحيح، فالعمل المقبول –دينا- يجب أن تتوافر فيه أولا: النية الصالحة، وثانيا: الصورة المشروعة.

وفقدان العمل لأحد هذين الركنين يبطله.

فالعمل المتفق ظاهره مع الشرع إذا كان صاحبه مرائيا أو منافقا يحبط أجره. والقصد الصالح إذا لم يجر في طريقه الذي رسمه الدين فلا قيمة له ولا يلتفت إليه، والتشريعات الوضعية لا تكترث بحسن النية عند ارتكاب محظور، وترى أن الجهل بالقانون لا يمنع من تطبيق القانون، وذلك سدا للاحتيال وحماية للحقيقة. فهل يكون دين الله انزل من هذه التشريعات؟ ولماذا نستحي من وصف القبوريين بالشرك؟ مع أن الرسول وصف المرائين به فقال: "الرياء شرك".

إن واجب العالم المسلم أن يرمق هذه التوسلات النابية باستنكار، ويبذل جهده في تعليم ذويها طريق الحق، لا أن يفرغ وسعه في التمحل والاعتذار! ولست ممن يجب تكفير الناس بأوهى الأسباب، ولكن حرام أن ندع الجهل يفتك بالعقائد ونحن شهود.

أي جريمة يرتكبها الطبيب إذا هو طمأن المصدور ومنع عنه الدواء، وأوهمه انه سليم معافى؟ إن ذلك لا يجوز.

أما القول بان الصحابة كانوا يتوسلون إلى الله بأشخاص الأحياء أو الأموات فمنكر قبيح. وما يروى من شعر منسوب إلى الإمام الشافعي فمنحول لا اصل له. وقد ذكرنا – نحن- أن دعاء الإنسان لنفسه ولغيره مطلوب. وقد جاء ذلك في القرآن على لسان النبيين والصالحين.

فمن دعاء إبراهيم: (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) (إبراهيم:41)

ومن أدعية نوح: (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات) (نوح:28)

(والذين جاؤوا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) (الحشر:10)

وقد امرنا النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يدعو بعضنا لبعض بظهر الغيب.

ومن هذا القبيل، وفي حدود تلك الدائرة من استعطاف العبيد لله، وتواصيهم باسترحامه واستغاثته، طلب عمر من العباس أن يدعو الله للمسلمين، فدعا العباس، وكان المسلمون حوله يؤمنون.

بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس فقال: إن العباس لما استسقى به عمر قال: "اللهم، لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث".

وليس ذلك مقصورا على أن يدعو من نتوسم فيهم الصلاح لمن نظن بهم التقصير فهذا خطأ، بل الأمر اعم. وقد طلب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من عمر أن يدعو له. وامر الرسول عليه الصلاة والسلام جمهور الأمة أن يدعو له.

أولسنا نصلي عليه كما أمر الله؟ فما صلة ذلك بالتوسل على هذا النحو المجنون الذي سقط فيه العامة، وجاراهم عليه الكسالى والمرتزقة والقاصرون من أدعياء العلم؟

ولست ادري: ما علاقة التوسل بالآية الكريمة: (وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا اشدهما ويستخرجا كنزهما) (الكهف:82)

إن الآية تفيد أن صلاح الآباء يمتد نفعه إلى الذرية كما أن فسادهم ينتقل خطره إليها. (وليخش الذين  لو تركوا خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله) (النساء:9).

فالصالحون بعد موتهم قد يظهر في أعقابهم اثر من بركة استقامتهم. ونقول: "قد" لان للوراثة قوانين سنها رب الوجود الأعلى ولا تعرف بالضبط اتجاهاتها.

وقد كان إبراهيم من نسل رجل كافر، وكان لنوح ابن عنيد الضلال. والله يقول –في ذرية نوح وإبراهيم- : (ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين) (الصافات:113).

ومن المنتسبين إلى الأسرة النبوية في هذا العصر من أساءوا إلى الإسلام والعروبة أشنع الإساءة. فان كان السائل يقصد أن هؤلاء هم أصنام العصر الحديث الذين يتوسل بهم المتوسلون، فقد كفرنا بهم وآمنا بالله وحده.

إن الحسين لم يدفع عن نفسه وهو حي، فكيف يدفع عن غيره وهو ميت؟ وقوله تعالى: (لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك) (النساء:64). ليس تصريحا ولا تلميحا إلى جواز التوسل.

والآية ناطقة بان المجيء للظفر باستغفار الرسول (صلى الله عليه وسلم) . وذلك –بداهة- في أثناء الحياة لا بعد الموت.

وللصوفية شطحات في هذا الموضع إن صدقوا فيها فهي أحوال توقف عليهم وليس لدين الله بها شأن. ومصادر التشريع معروفة. ولم نعرف من مصادر التشريع أن فلانا الصالح رأى في منامه كذا وكذا، أو أن فلانا المجذوب خيل إليه في أثناء زيارته للروضة النبوية كيت وكيت.

ولقد كان ابن عمر –لما فاض قلبه من حب الرسول (صلى الله عليه وسلم)- يتصرف تصرفات خاصة، فكان في سفره ينزل حيث نزل الرسول(صلى الله عليه وسلم)، ويقعد حيث قضى حاجته ولو لم تكن له حاجة.

واعتبر العلماء هذا كله عاطفة لابن عمر وحده لا يلزم بها احد، ولا توصف بأنها شرع. فإذا كان بعض الناس يحكي أمورا عن مجيئه للرسول (صلى الله عليه وسلم) في قبره، وانه سلم فسمع الرد ثم حظي بتقبيل اليد!! فهو بين حالتين:

إما أن يكون كاذبا فلا قيمة لكلامه.

واما أن يكون مجذوبا تخيل فخال ولا قيمة لكلامه كذلك

ونحن لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لهذه الحكايات.

أما ذلك الذي يوجب التوسل ويرى أن تأثير الميت أقوى من الحي فهو رجل مخبول!

وزعمه بانتفاء الشرك ما دام الاعتقاد أن الفاعل هو الله كلام فارغ.

وقد ابنا أن المشركين القدماء كانوا يعرفون أن الفاعل هو الله.

وان توسلهم كان من باب (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) (الزمر:3)

وان ندمهم يوم القيامة إنما هو على تسويتهم المخلوق بالخالق: (تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين) (الشعراء:97-98) وهناك عشرات الآيات التي تؤكد المعنى. سيقول بعض الناس: إن القدماء كانوا يعبدون. أما عوام اليوم فهم يدعون ويسالون فقط، وشتان بين عباده الجاهلين وتوسل المحدثين بأولياء الله.

ونقول: هذه مغالطة، فالسؤال والدعاء –بنص القرآن والسنة- عبادة محضة: (وقال ربكم ادعوني استجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (غافر:60). وفي الحديث "الدعاء مخ العبادة"

فلماذا نتوجه إلى البشر بما هو من خصائص الألوهية؟

وإذا وقع الجهال في تلك الخطايا بغباوتهم، فلماذا لا نسارع إلى إنقاذهم منها، بدل تزوير الفتاوى؟

وقد تذكر في هذا المجال قصة الأعمى الذي توسل إلى الله بنبيه (صلى الله عليه وسلم) ليرد إليه بصره. ومع أن القياس مع الفارق –لو صحت القصة- فهذا الأعمى دعا الله، وأولئك الحمقى يدعون غيره.

إلا أن القصة نفسها ليست من قسم الحديث الصحيح. والاحتجاج بالآثار الضعيفة في العقائد والأحكام لا يقبل من صاحبه. ومثل هذه الرواية قد تروج عند الوعظ بفضائل الأعمال.

وآيات القرآن ينظر فيها إلى عموم اللفظ لا إلى خصوص السبب. وقد حرم الله الشرك على العرب فهو على غيرهم حرام. فالقول بان الآيات نزلت في أهل الجاهلية وحدهم جهالة لا نأبه لقائلها، ولا نقيم لها اعتبارا. رزقنا الله صدق التوحيد، وأحيانا وأماتنا عليه.

جاء عن النبي (صلى الله عليه وسلم) : "الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور، وان تبغض على شيء من العدل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟"

ثم تلا: (قل أن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) (آل عمران:31). يعني أن إخلاص التوحيد يقتضي محبة العدل وكراهية الظلم. فإذا أحب الناس جائرا وكره عادلا فقد أشرك!!.

فإذا كان حس الإسلام مرهفا إلى هذا الحد في تمحيص القلوب ونقد اتجاهاتها الخاطئة، فكيف يسوغ أن نأتي إلى رجل يجأر بالدعاء لغير الله، ويخاف ويرجو غير الله، ثم نقول له: لا بأس عليك؟

إن موقف العالم المسلم في هذه القضية ليس موقف المحامي الذي يدافع عن المجرم فيقف ساعة أو أكثر ليزيف التهمة ويؤول القانون!! بل موقف الذائد عن معالم الإسلام. فإذا كان لا يعاقب المتهم لأنه جاهل –كما يقولون- فليعلمه دين الله، ولا يتركه نهبا للشياطين.

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

عقيدة المُسلم 

السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث 

الجانب العاطفي من الإسلام 

الإسلام والطاقات المعطلة 

قذائف الحق 

فقه السيرة 

الإسلام خارج أرضه 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca