هذه البحوث في العقيدة دفعتني إلى كتابتها قلة الرسائل التي تعني بهذا اللون من علوم الدين. وتعرضه في أسلوب يتفق مع حاجة المسلمين المعاصرين.
وقد رأيت أن أسوق الأصول العلمية لعقيدة المسلم، في نسق يخالف ما ألف الناس قراءته من هذه الأصول في مظانّها من ثقافتنا الدينية.
لا لأني سآتي جديد في هذا الميدان. بل نزولا على منطق التجارب، وانتفاعا بما اكتنف جوانب التاريخ الإسلامي من أحداث، وتوخياً للسير في هدي النصوص المجردة من الكتاب والسنة.
فالذي يقرأ شيئا عن عقيدة المسلم في العلم الموسوم بِ "علم الكلام" أو "علم التوحيد"، لا يعوزه أن يسجل ملاحظات هامة عن المسائل التي تمخضت عنها مناظراتهم، وعن اثر ذاك كله في إيمان العامة والخاصة جميعا!!
والذي آخذه على منهج البحث في "علم الكلام" – في حدود ما درسنا من كتبه – انه:
1-نظري بحت، ينظم المقدمات ويستخلص النتائج كما تصنع ذلك الآلات الحاسبة في عصرنا هذا، أو الموازين التي تضبط أثقال الأجسام، ثم تسجل الرقم وتقذف به للطالبين.
كذلك سارت الاستدلالات في هذا العلم الخطير، فتكلمت عن الله سبحانه وتعالى وعن صفاته الكريمة، وانتهت إلى حقائق جيدة، يستريح إليها العقل الحصيف.
بيد أن الإسلام في تكوينه للعقيدة يخاطب القلب والعقل، ويستثير العاطفة والفكر، ويوقظ الانفعالات النفسية مع إيقاظه للقوى الذهنية.
وقد كنت أرقب – عن كثب – ما تخلفه دروس التوحيد من كتبه المقررة، فما كنت أجد فارقا يذكر –لدى السامعين- بينها وبين شروح المعادلات الجبرية مثلا.
كلاهما ترويض للعقل مبتوت الصلة بالفؤاد. فكأن الطالب يذكر طائفة من الأدلة على الوجود الدائم "لواجب الوجود"، ولا يستشعر في قرارة نفسه عظمة الخالق المتعال. أو يختلج في بدنه عرْق من الرغبة أو الرهبة نحو من سوّاه، وإلهمه فجوره وتقواه.
أفهكذا تدرس العقيدة؟ وقد فزع العامة إلى علوم التصوف يستكملون منها ما عز عليهم إدراكه في علم الكلام، ولكن التصوف ميدان كثير المزالق، وشطحات السائرين فيه أكثر من سدادهم.
ولا شك أن هذا العالم أنعش عاطفة الحب الإلهي، وربط قلوب الناس ربطا رقيقا ببديع السموات والأرض، إلا أن مخاطر الشغل به تجعلنا نتوجس منه.
وقد حاولت في أثناء الكتابة عن عقيدة المسلم أن أرطب جفاف التفكير العقلي برشحات من المشاعر الحية، ولم أتكلف لذلك إلا أن اجعل نصوص الكتاب والسنة نصب عيني.
فلا يستكثرن القارئ إيراد الشواهد منها، فإن لذلك حكمة مقصودة تعرف بعد مطالعتها في سياقها.
2-وللظروف التي نشأ فيها "علم الكلام" اثر سيء في سرد حقائقه وصوغ دقائقه، فإن جحيم السياسة، وتطاحن الأحزاب المختلفةº أرسل شواظا من الأحكام الإسلاميةº لا نزال إلى اليوم نشقى بها، برغم القرون الطويلة التي مرت عليها!!
وفي ضجيج الخصومة السافرة يعسر البحث عن الحقيقة! ولو أمكن الوصول إليها، فإنه يصعب الاقتناع بها!
ومن الغفلة أن نحسب تكوين العقيدة يتم في مجلس مناظرة، تُتصيّد فيها النصوص، وينشد فيها الغلب، ويلعب فيها بالألفاظ، ويستغل منطق "أرسطو" في المخاتلة وإيقاع الخصم أمام العامة!
وعفا الله عن أجدادنا، فقد أولعوا بذلك، وأعانهم عليه أن الدولة الإسلامية كانت سيدة العالم.
فلا بأس على رجالها أن يشتغلوا بالترف العقلي، وان يحولوا فراغهم من الجهاد في سبيل الله إلى الجهاد في هذا الميدان الخطر، فانشغلوا بأنفسهم عن أعدائهم، ثم ذهب الرجال وبقي الجدال.. بقي إلى اليوم يهدد وحدة الأمة ويهز كيانها!
ومع أن الدولة الإسلامية جثت على قدميها أمام الصليبية الغازية، واقترب الخطر على الإسلام من صميم عقائده وصميم دياره، فإن الريح النتنة لهذا الجدل ما تزال تهب من بعض الجماعات التي تحترف –للأسف الشديد- خدمة الإسلام.
و لا أحسب امة تحتاج إلى وحدة الأفكار والمشاعر مثل هذه الأمة الإسلامية. فإذا نشب خلاف على شيء ما، فان تحويل هذا الخلاف من الأدمغة المفكرة إلى صفوف الأمة، يعد جريمة في حق الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) وجماعة المسلمين..
يقول الأستاذ الجليل "احمد عزت باشا" – معلقا على الخلافات الناشبة في علم الكلام: "كانت هذه الخلافات في الأصل مما لا ينبغي أن يتجاوز حدود المناظرات المنطقية والعلمية والفنية، ولكنا أقحمنا اسم الله في مناقشاتنا التي لا معنى لها.
فحاول كل فريق منا إسناد الكفر والإلحاد إلى الفريق الآخر، فقلبنا الخلاف البدائي خصومة دينية لا تهدأ. فاختلاف الجهمية والمعتزلة نشأ – في أصله- عن التعبير بأن العبد خالق لفعله، بدل التعبير بأنه فاعل لفعله، وعن تصور الاستقلال التام في الإرادة البشرية.
وهذه العقيدة –خطأ كانت أو صوابا – صالحة لتكون موضع مناقشة علمية يستطيع فيها الطرفان مناقضة بعضهما بعضا ونقده، بل استجهاله واستحماقه! ولكن المسألة لم تقف عند هذا الحد.
فقالت القدرية: إن عدم القول بعقيدتنا يعني إسناد الظلم إلى الله في عذاب الآخرة. وقال معارضوهم: إنكم تنكرون عموم القدرة والإرادة الإلهية، وهذا كفر.. نشأ أولا هذا الخلاف، ثم توسع على مرور الزمن، حتى تولدت منه مبادئ غريبة غير معقولة .."
والولع بالخلاف سرى حتى ضم إلى العقائد أمورا مضحكة. فهناك خلاف بين المعتزلة وأهل السنة على حقيقة السحر. وعلى تكون السحب (!) فأي خلط هذا؟
وبين المسلمين اليوم نزاع يفصم وحدتهم حول ما دار بين علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة في مسائل الخلافة. فهل على وجه الأرض امة تجتر ماضيها السحيق لتلوك منه خلافات قاسية كهذه الأمة؟ ولماذا نقحم هذه الأمور إقحاما في شئون العقيدة؟ ولماذا لا تبقى في نطاق الذكريات التاريخية التي تدرس كأي تاريخ لتؤخذ منه العبرة فحسب؟ وما صلة الإيمان بالله واليوم الآخر بحكمنا: أن هذا أصاب وهذا اخطأ والله يقول: "تلك امة قد خلت، لها ما كسبت ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عما كانوا يعملون" (البقرة:134).
واني لأقرأ في صحفنا الدينية اليوم نزاعا بين أتباع السلف والخلف –كما اسموا أنفسهم- وأسمع ألفاظ الكفر تتبادل كما تتبادل الكرة أرجل اللاعبين فأهز رأسي عجبا! إن أعراض المرض لا تزال تعرو الأمة المنهوكة، وما تزال بحاجة إلى عناية الراشدين المخلصين من الأطباء الماهرين.
وقد استقرت رواسب هذا الخلاف الطائش في أذهان العامة ثم سيطرت على سلوكهم بعد ما اخذوا أسوأ ما فيها، ورفضوا أفضل ما فيها.
فإذا اختلف القدامى : هل العمل ضرورة للإيمان أو كمال فيه؟ ترجح لدى العامة انه كمال فقط. فيستفيد المجتمع من هذا الخلاف ترك العمل!
وإذا اختلف القدامى: هل للإنسان قدرة وإرادة يفعل بهما ويترك؟ أو هو مقهور مكتوف اليدين؟ ترجح لدى العامة أن المرء لا عزم له ولا حول ولا طول. فيستفيد المجتمع من هذا الخلاف سقوط الهمة وخور العزيمة!
وإذا تجادل القدامى: هل للمسلم حق الالتجاء إلى الله دون وساطة الصالحين من الأحياء أو المقبورين؟ ترجح لدى العامة أن المسلم لا يستغني عن معونة الأولياء، وانه إذا ذهب إلى ربه من دونهم فالويل له! فيستفيد المجتمع من هذا الخلاف شيوع الشرك وضعف الصلة برب الأرض والسماء!
وهكذا لصقت بالمجتمع الإسلامي مجموعة خسائس لا شك في أنها بعيدة الأثر فيما لحقه من اضمحلال وهوان.
وقد بذلت جهدي –حين تصديت لتصوير عقيدة المسلم – أن أتجنب أشواك هذا الخلاف، فإذا استطعت طيه في السياق المطرد طويته وتجاهلته . وإذا اضطررت إلى خوضه عالجته على كُره، وذكرت ما استبان لي انه صواب، وقد استجهل الطرف المقبل ولا أكفره، لان الجهل الفاضح – كما ظهر لي- أساس كثير من المشكلات العلمية المبهمة.
وربما لمحت في أخلاق بعض المجادلين عوجا، وفي أسلوبهم عنفا، فأوثر مغفرة هذا على مقابلة السيئة بمثلها، لأننا امة فقيرة إلى التجمع والائتلاف.فلندفع ثمن هذا من أعصابنا، والمرجع إلى الله.
3-وإذا كان علم التوحيد على النحو الذي وصفنا فان كتبه التي تشيع بيننا الآن فشلت في أداء رسالتها شكلا وموضوعا. فمن ناحية الشكل لا معنى البتة لعرض علم ما، في توزيع مضطرب بين مَتن وشرح وحاشية وتقرير، وفي لغة ركيكة اللفظ، سقيمة الأداء، لغة تصور سقوط البلاغة العربية على عهد الحكم التركي.
وتطور الأدب في عصرنا هذا لا ينكر، وقد بلغ من تمكين المؤلفين والمتأدبين في اللغة العربية أن تناولوا الموضوعات التافهة فأخرجوها في ألبسة زاهية ووجهوا ألوف القراء – بسحر بيانهم – إلى ما يريدون.
فهل يبقى الكلام في العقائد وحدها حكرا على هذا النمط الزري من الحواشي والمتون؟! على اننا إذا تغاضينا عن الشكل، وتعرضنا للجوهر بالنقد والتمحيص، لا نلبث أن ندرك أن هذا الجانب الإلهي من الثقافة الإسلامية طغت عليه الفلسفات الغربية التي نقلها السريان عن اليونان وغيرهم.
فإذا بعلوم العقيدة تتحول من مجراها العتيد، وإذا بكتب التوحيد تزدحم باصطلاحات الفلاسفة وطرائق تفكيرهم. ويبدو أن الأسلاف الباحثين في هذه الناحية من الإسلام قد فتنهم الإعجاب بما نقله إليهم التراجمة من ثمرات العقل اليوناني.
ولسنا بصدد الحكم على قيمة هذا العمل وحكمته، وان كنا ننوه بدلالته على مدى الحرية التي منحها الإسلام أتباعه، وعلى أن الدائرة التي يعمل فيها العقل الإسلامي تسع العالم اجمع، فليست مغلقة على عصبية أو جنسية أو فكرة محلية.
غير أن عناصر العقيدة كادت تتيه وسط هذا الركام من المنقول والأقيسة والمصطلحات فوجب تجميعها في نسق متقارب. ثم إن غرسها في الأفئدة لن يثمر ويزدهر إلا بأسلوب الإسلام نفسه. ومن العجيب انك تقرأ في أمهات الكتب الكلامية، وتطوي الصفحات الطوال، فلا تكاد تعثر على آية أو حديث، إلا اقتباسات يسيره، تبدو كالزهرات المنفردة في الأرض السبخة.
ربما استراح عشاق البحث الفلسفي المجرد لهذه الكتب، و لا عليهم! لكن هذا لا يغنينا عن عرض العقيدة الخالصة حقائق تتصل عن قرب بمصادرها الأولى (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) (الأحزاب:4)
محمد الغزالي