الفصل الأول (الحقيقة الأولى)
الله
هذا الاسم الكريم عَلَم على الذات المقدسة التي نؤمن بها ونعمل لها، ونعرف أن منها حياتنا واليها مصيرنا. والله –تبارك وتعالى- أهل الحمد والمجد – وأهل التقوى والمغفرة، لا نحصي عليه ثناء، ولا نبلغ حقه توقيرا وإجلالا.
لو أن البشر – منذ كتب لهم تاريخ، و إلى أن تهمد لهم على ظهر الأرض حركة – نسوا الله وكفروا به، ما خدش ذلك شيئا من جلإله – ولا نقص ذرة من سلطانه، ولا كف شعاعا من ضيائه، ولا غض بريقا من كبريائه، فهو –سبحانه- أغنى بحوله، وأعظم بذاته وصفاته، وأوسع في ملكوته وجبروته من أن ينال منه وهم واهم، أو جهل جاهل.
ولئن كنا في عصر عكف على هواه، وذهل عن أخراه، وتنكر لربهº إن ضير ذلك يقع على أم رأسه ولن يضر الله شيئا.
(ومن الناس من يجادل في الله بغير علم . ويتبع كل شيطان مريد. كُتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير) (الحج 3-4)
وجوده
وجود الله تعالى من البداهات التي يدركها الإنسان بفطرته، ويهتدي إليها بطبيعته وليس من مسائل العلوم المعقدة، ولا من حقائق التفكير العويصة. ولولا أن شدة الظهور قد تلد الخفاء، واقتراب المسافة جدا قد يعطل الرؤية، ما اختلف عن ذلك مؤمن ولا ملحد. (أفي الله شك فاطر السموات والأرض) (إبراهيم:10). وقد جاءت الرسل لتصحيح فكرة الناس عن الألوهية. فإنهم وان عرفوا الله بطبيعتهم إلا أنهم اخطأوا في الإشراك به، والفهم عنه. (هذا بلاغ للناس. ولينذروا به وليعلموا انه هو إله واحد) (إبراهيم:52) (فاعلم انه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) (محمد:19).
والبيئة الفاسدة خطر شديد على الفطرة، فهي تمسخها وتشرد بها، وتخلف فيها من العلل ما يجعلها تعاف العذب وتسيغ الفج.
وذاك سر انصراف فريق من الناس عن الإيمان والصلاح، وقبولهم للكفر والشرك! مع منافاة ذلك لمنطق العقل وضرورات الفكر و أصل الخلقة.
" إني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، فأتتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم .."
وقد اقترنت حضارة الغرب –التي تسود العالم اليوم- بنزوع حاد إلى المماراة في وجود الله، والنظر إلى الأديان –جملة- نظرة نقص، أو قبولها كمسكنات اجتماعية لأنصارها والعاطفين عليها.
ولا شك أن المحنة التي يعانيها العالم الآن أزمة روحية، منشؤها كفره بالمثل العليا التي جاء بها الدين – من الحق- والإنصاف، والتسامح – والإخاء-.
فلا نجاة له مما يرتكس فيه إلا بالعودة إلى هذه المثل، يهتدي إليها بفطرته، كما يهتدي سبيله الجنين في ولادته، والفرخ من بيضته.
ومتى هُدي العالم إلى الفطرة، هُدي الإسلام، فان الإسلام هو دين الفطرة. ولا بأس من سوق طائفة من الدلائل التي تفتق للذهن الغافل منافذ يبصر بها ويلتفت لما وراءها.
(أ)إن الإنسان لم يخلق نفسه، ولم يخلق أولاده، ولم يخلق الأرض التي يدرج فوقها، ولا السماء التي يعيش تحتها.
والبشر الذين ادعوا الألوهية لم يكلفوا أنفسهم مشقة إدعاء ذلك. فمن المقطوع به أن وظيفة الخلق والإبراز من العدم، لم ينتحلها لنفسه إنسان ولا حيوان ولا جماد. ومن المقطوع به كذلك، أن شيئا لا يحدث من تلقاء نفسه، فلم يبق إلا الله وقد قرر القرآن الكريم هذا الدليل:
(أم خلقوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون. أم خلقوا السموات والأرض، بل لا يوقنون) (الطور: 35-36) ويلفت أنظار العرب إلى مظاهر الإبداع في المجتمع الساذج الذي يحيون فيه. (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟ والى السماء كيف رفعت؟ والى الجبال كيف نصبت؟ والى الأرض كيف سطحت) (الغاشية:17-20)
ويسمى هذا الدليل: دليل الإبداع
(ب) لو دخل المرء دارا، فوجد بها غرفة مهيأة للطعام، وأخرى للمنام، وأخرى للنظافة، وأخرى للضيافة.. الخ، لجزم بأن هذا الترتيب لم يتم وحده، وان هذا الإعداد النافع لابد قد نشأ عن تقدير وحكمة، واشرف عليه فاعل يعرف ما يفعل.
والناظر في الكون وآفاقه، والمادة وخصائصها، يعرف أنها محكومة بقوانين مضبوطة، شرحت الكثير منها علوم الطبيعة والكيمياء والنبات والحيوان والطب، وأفاد منها الناس أجمل الفوائد.
وما وصل إليه علم الإنسان من أسرار العالم، حاسم في إبعاد كل شبهة توهم انه وجد كيفما اتفق. كلا. إن النظام الدقيق المختفي في طوايا الذرةº مطّرد فيما بين أفلاك السماء الرحبة من أبعاد: (تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا. وهو الذي جعل الليل والنهار خلقة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكورا) (الفرقان: 61 -62) ، (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (الجاثية: 12-13).
وفي القرآن الكريم آيات شتى، تقرر هذا الدليل، ويسمى: دليل العناية
(ج) هل فكرت في هذه السيارات المنطلقة - اعني هذه الكواكب التي تخترق اعماء الجو- والتي تلزم مدارا واحدا لا تنحرف عنه يمينا ولا يسارا، وتلتزم سرعة واحدة لا تبطئ فيها ولا تعجل، ثم نرتقبها في موعدها المحسوب فلا تخالف عنه أبدا؟ž إن الكرة تنطلق من أقدام اللاعبين ثم لا تلبث أن تهوي بعد تحليق. أما هذه الكرات الغليظة الحجم، الحي منها والميت، المضيء منها والمعتم، فهي معلقة لا تسقط، سائرة لا تقف .. كل في دائرته لا يعدوها. وقد يصطدم المشاة والركبان على أرضنا وهم أصحاب بصر وعقل. أما هذه الكواكب التي تزحم الفضاء فإنها لا تزيغ ولا تصطدم: (والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم. والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون) (يس:38 – 40 )
من الذي هيمن على نظامها واشرف على مدارها؟ بل من الذي امسك بأجرامها الهائلة، ودفعها بهذه القوة الفائقة؟ إنها لا ترتكز في علوها إلا على دعائم القدرة، ولا تطير إلا بأجنحة أعارها لها القدر الأعلى: (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن امسكهما من احد من بعده، انه كان حليما غفورا) (فاطر:41) أما كلمة الجاذبية فدلالتها العلمية كدلالة حرف "س" على المجهول. أنها رمز لقوانين تصرخ باسم الله، ولكن الصم لا يسمعون.
ويسمى هذا الدليل: دليل الحركة
(د) لاشك أن لوجود كل واحد منا بداية معروفة. فنحن قبل ميلادنا لم نكن شيئا يذكر: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) (الإنسان:1). وعناصر الكون الذي نعيش فيه كذلك، لها بداية معروفة. وعلماء الجيولوجيا يقدرون لها أعمارا محدودة، مهما طالت فقد كانت قبلها صفرا. وكان هناك ظن بأن المادة لا تفنى، اعتمد عليه فريق من الناس في القول بقدم العالم وما يتبع هذا القدم الموهوم من أباطيل. على أن تفجير الذرة هدم هذا الظن، ولو لم يتم تفجيرها ما قبلنا هذا الظن على انه حقيقة ثابتة. فإن المفتاح الذي يفتح على العالم أبواب الفناء ليس من الضروري أن يضعه الله في أيدي العلماء. وعدم اهتداء الناس إلى ما يدمر مادة الكون، لا يعني أن مادة الكون غير قابلة للدمار والفناء. ولم لا يكون ذلك حصانة أقامها القدر الأعلى، حتى يمنع العالم من الانتحار؟ إننا جازمون بأن وجودنا محدث، لأن تفكيرنا وإحساسنا يهدينا لذلك. وغير معقول أن يتطور العدم إلى وجود تطورا ذاتيا.
انه إذا وقعت حادثة لم يدر فاعلها.. قيل: إن الفاعل مجهول. ولم يقل احد قط: أن ليس لها فاعل. فكيف يراد من العقلاء أن يقطعوا بين العالم وربه؟ إننا لم نكن شيئا فكنا.
فمن كوننا ؟؟ (قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) (الأنعام:91)
ويسمى هذا: دليل الحدوث
هل العالم خلق صدفة؟
نشوء حياتنا هذه ودوامها يقومان على جملة ضخمة من القوانين الدقيقة يحكم العقل باستحالة وجودها هكذا جزافاً !!
فوضع الأرض أمام الشمس مثلا .. ثم على مسافة معينة لو نقصت –بحيث ازداد قربها من الشمس- لاحترقت أنواع الأحياء من نبات وحيوان. ولو بعدت المسافة لعم الجليد والصقيع وجه الأرض، وهلك كذلك الزرع والضرع.. أفتظن إقامتها في مكانها ذاك لتنعم بحرارة مناسبة جاء خبط عشواء؟ وحركة المد والجزر التي ترتبط بالقمر!! أفما كان من الممكن أن يقترب القمر من أمه أكثر، فيسحب أمواج المحيطات سحبا يغطي به وجه اليابسة كلها، ثم ينحسر عنها وقد تلاشى كل شيء؟ من الذي أقام القمر على هذا المدى المحدود ليكون مصدر ضوء لا مصدر هلاك؟
إننا على سطح هذه الأرض نستنشق "الأكسجين" لنحيا به ونطرد "الكربون" الناشئ من احتراق الطعام في جسومنا. وكان ينبغي أن يستفيد الأحياء – وما أكثرهم- هذا العنصر الثمين في الهواء، فهم لا ينقطعون عن التنفس أبدا. لكن الذي يقع أن النبات الأخضر يأخذ "الكربون" ويعطي بدله "أوكسجين" وبهذه المعاوضة الغريبة يبقى التوازن في طبيعة الغلاف الهوائي الذي يحيا في جوفه اللطيف الحيوان والنبات جميعا!! أفتحسب هذا التوافق حدث من تلقاء نفسه؟! إني أحيانا اسرح الطرف في زهرة مخططة بعشرات الألوان. التقطها بأصابع عابثة من بين مئات الأزهار الطالعة في إحدى الحدائق..
ثم اسأل نفسي: بأي ريشة نسقت هذه الألوان؟ إنها ليست ألوان الطيف وحدها. إنها مزيج رائق ساحر من الألوان التي تبدو هنا محففة، وهنا مظللة، وهنا مخططة، وهنا منقطة..
وانظر إلى أسفل، إلى التراب الاعفر الذي اطلع على هذه الألوان انه –بيقين- ليس راسم هذه الألوان ولا موزع أصباغها.
هل الصدفة هي التي اشرفت على ذلك؟ أي صدفة؟ إن المرء يكون غبيا جدا عندما يتصور الأمور على هذا النحو.. وألوان الزهرة هذه ملاحظة شكلية ساذجة بالنسبة إلى ملاحظة قصة الحياة في أدنى صورها. إن إنشاء الحياة في اصغر خلية يتطلب نظاما بالغ الأحكام. ومن الحمق تصور الفوضى قادرة على خلق "جزيء" في جسم دودة حقيرةº فضلا عن خلق جهازها الهضمي أو العصبي. فما بالك بخلق هذا الإنسان الرائع البنيان الهائل الكيان. ثم ما بالك بخلق ذلكم العالم الرحب..؟؟
لماذا يطلب مني –إذا رأيت ثويا مخيطا أنيقا- أن أتصور خيطا قد دخل من تلقاء نفسه في ثقب إبرة، اشتبكت من تلقاء نفسها في نسيج الثوب، أو أخذت تعلو وتهبط صانعة الصدر والذيل والوسط والأكمام والأزرار والفتحات والزركشة والمحاسن إلخ.
إن إحالة الأمور على المصادفات ضرب من الدجل العلمي يرفضه أولو الألباب. لنفرض أن الآلة الكاتب في احد الدواوين وجدت بجوارها ورقة مكتوب عليها اسم عمر ماذا يعني هذا..؟
احد أمرين: اقربهما إلى البداهة وهو أن خبيرا في الكتابة طبع الاسم على الورقة. والأمر الثاني: أن حروف الاسم تجمعت وترتبت وتلاقت هكذا جزافا.
إن الفرض الأخير معناه من الناحية العلمية ما يأتي:
الابتداء بكتابة العين، أو سقوط حرفها وحده على الورقة دون وعي يجوز بنسبة 1 إلى 28 – وهو عدد حروف الهجاء العربية-. وسقوط حرفي العين والميم يجوز بنسبة 1 إلى 28 × 28 ونزول الحروف الثلاثة بعوامل الصدفة المحضة يجوز بنسبة 1 إلى 28 × 28 × 28 أي بنسبة 1 إلى 21952..
وليس أغبى فكرا ممن يترك الفرض الوحيد المعقول ويؤثر عليه فرضا آخر لا يتصور وقوعه إلا مرة بين اثنتين وعشرين ألف مرة..
والصدف حين تخط على القرطاس كلمة عمر اقرب إلى الذهن من تصور الصدف هذه تخلق قطرة ماء في المحيطات الغامرة، أو حبة رمل في الصحاري الشاسعة..
إن العلم بريء من مزاعم الإلحاد، ومضاد لما يرسل من أحكام بلهاء..
عقيدة الألوهية عند الفلاسفة والعلماء
معرفة الله سبحانه وتعالى مركوزة في كل طبع، واسمه الكريم معروف في كل لغة، واختلاف الأجناس والألسنة لم يصرف الأفئدة والأفكار عن هذه الحقيقة الواحدة.
بيد أن هذه المعرفة المتصلة برب العالمين لم تأخذ امتدادها الكامل وسماتها الراشدة، ولم تبرأ من الأوهام وتبعد عن الأهواء، إلا عندما تلقاها الناس مصفاة من ينابيع الوحي، وسمعوا آياتها تتلى من أفواه الأنبياء.
ولكن ذلك لم يمنع الكثير ممن لم يدخلوا في نطاق الرسالات الأولى – أو لم تبلغهم- على وجه صحيح- هدايات القرآن الكريم، أن يفكروا في الله من تلقاء أنفسهم، وان يطلقوا لعقولهم عنان البحث.
والفلسفة الإلهية حافلة بالكثير من هذه الأفكار، كما أن علماء الكون في العصر الأخير قد تكلموا عن الله في حدود ما هداهم إليه البحث المجرد في آفاق الطبيعة وأسرارها، وقوانينها. والفلاسفة القدامى اسموا الله: الصانع، والعقل الأول، وواجب الوجود، وسبب الأسباب، وغير ذلك من الأسماء التي اصطلحوا عليها. كما أن للعلماء المحدثين تصورات في الألوهية التبس فيها الحق بالباطل كما سترى.
وعلة هذا اللبس، أن هداية السماء لم تصحب العقل في سيره. ومن ثم اقر العقل بالمبدأ الواجب، واخطأ في التفاصيل المتعلقة به. المهم أن العقل الذكي، والبحث النزيه والفكرة المبرأة عن الغرض، المستقيمة على النهج، تتأدى بأصحابها –حتما- إلى الله، وتقفهم خاشعين أمام الشعور الغامر بعظمته وجلاله.
وان من الغباوة والبلادة أن يظن السفهاء من الناس أن الإيمان وليد استغلاق الذهن، أو أن استبحار العلوم واتساع المعارف الإنسانية يخدش قاعدة الإيمان ويوهي الصلة بالإله الديان.
قال "هرشل" –من فلاسفة القرن الثامن عشر- (انه كلما اتسع نطاق العلوم تحققت وكثرت الأدلة على وجود حكمة خالقة قادرة مطلقة. وعلماء الأرضيات والهيئة والطبيعيات والرياضة يهيئون بمساعيهم واكتشافاتهم كل ما يلزم لإنشاء معبد العلومº إعلاء لكلمة الخالق).
وانظر إلى مادُوّن من آراء لسقراط عن تلميذه أفلاطون:
"هذا العالم يظهر لنا على هذا النحو الذي لم يترك فيه شيء للمصادفة، بل كل جزء من أجزائه متجهة نحو غاية، وتلك الغاية متجهة إلى غاية أعلى منها، وهكذا يتم الوصول إلى غاية نهائية منفردة وحيدة"
من أين نشأ هذا النظام الكامل في تفرعاته؟ المحفوف بالعظمة والجلال من نواحيه كافة؟ ليس من الممكن أن يحمل ذلك على المصادفة. فلو أمكننا أن نقول: انه نشأ من تلقاء نفسه، لصح لنا أن نقول: أن ألواح "بوليكلت" و "زونكريس" حدثت من تلقاء نفسها.
وإذا ما نظرنا إلى أن العناصر التي تحتوي عليها الكائنات كثيرة إلى درجة لا يمكن أن يحصرها العقل، كان من المحال أن نحمل وجود ذلك كله على المصادفة، فلابد إذن من وجود عقل أعلى .. وهو الصانع الوحيد. لأن الطبيعة اثر يتجلى فيه الاتحاد الدال على وحدانية الصانع، الذي ينفذ حكمه كنفوذ الفكر في الحال، بدون أي خطأ. وهو حاضر غالب –أي عالم قادر- ومع هذا، فمن المستحيل اداركه بالحواس.. فهو كالشمس التي تمس جميع الأبصار، لكنها لا تبيح لأحد أن ينظر إليها. ا.هِ. من تاريخ التصوف للأستاذ "محمد علي عيني بك".
وقد شرح "لابلاس" دليل الحركة الكونية، وأبان قوة هذا الدليل في حسم الشبهات التي يثيرها الجاحدون، فقال: "أما القدرة الفاطرة فقد عينت جسامة الأجرام الموجودة في المجموعة الشمسية وكثافتها، وثبتت أقطار مداراتها، ونظمت حركاتها بقوانين بسيطة، ولكنها حكيمة، وعينت مدة دوران السيارات حول الشمس، والتوابع حول السيارات بأدق حساب، بحيث أن هذا النظام المستمر إلى ما شاء الله لا يعروه خلل".
هذا النظام المستند إلى حساب يقصر عقل البشر عن إدراكه، والذي يضمن استمرار المجموعة إزاء ما لا يعد ولا يحصى من المخاطر المحتملة، لا يمكن أن يحمل على المصادفات في نظر "لابلاس" إلا باحتمال واحد في أربعة تريوليونات.
وما أدراك ما أربعة تريوليونات؟ انه عدد من كلمتين، ولكن لا يمكن أن يحصيه المحصي إلا إذا لبث خمسين ألف عام، يعد الأرقام ليلا ونهارا على أن يعد في كل دقيقة 150 عددا".
وقال سبنسر:
" إننا مضطرون إلى الاعتراف بأن الحادثات مظاهر قدرة مطلقة متعالية عن الإدراك. وان الأديان كانت أول من قبل هذه الحقيقة العلوية ولقنها. ولكنها نشرت أول الأمر ممزوجة بالأباطيل"؟ وسبنسر غير متدين.
إن العقول السليمة تتلاقى على الحق، وكلما زادت علما كان تلاقيها على الحق أيسر واقرب. ومن اجل هذا رأينا العلماء بعد ذلك الانتكاس المادي الذي اعترى بعضهم في أواخر القرن التاسع عشر يرجعون إلى التلاقي على الحق، ويكادون يجمعون اليوم إجماعا بلسان أكابرهم على أن هذه القوانين والنواميس التي نشأت على أساسها الحياة وتطورت، تنطوي على وحدة في القصد، والإرادة، والعناية، والحكمة. يستحيل معها على العقل السليم المفكر أن يؤمن بان هذه الحياة خلقت وتطورت بالمصادفة العمياء. فهذا اللورد "كلفن" العالم الإنجليزي الكبير يعلن هذا الإيمان على الناس، ويسخر من القائلين بالمصادفة في خلق هذه الحياة، ويعجب من إغضاء بعض العلماء عما في آثار الحكمة والنظام من حجة دامغة، وبرهان قاطع على وجود الله ووحدانيته حيث يقول:" يتعذر على الإنسان أن يتصور بداية الحياة أو استمرارها دون أن تكون هنالك قوة خالقة مسيطرة. واني لاعتقد من صميم نفسي أن بعض العلماء في أبحاثهم الفلسفية عن الحيوان قد أغضوا إغضاء عظيما مفرطا عما في نظام هذا الكون من حجة دامغة، فان لدينا فيما حولنا براهين قوية قاطعة على وجود نظام هذا الكون من حجة دامغة. فان لدينا فيما حولنا براهين قوية قاطعة على وجود نظام مدبر وخير. وهي براهين تدلنا بواسطة الطبيعة على ما فيها من اثر إرادة حرة، وتعلمنا أن جميع الأشياء (الحية) تعتمد على خالق واحد احدي ابدي".
وهذا "اينشتاين" العصيم يأتي من بعد "كلفن" ليقول:
"إن جوهر الشعور الديني في صميمه هو أن نعلم بان ذلك الذي لا سبيل لمعرفة كنه ذاته موجود حقا، ويتجلى بأسمى آيات الحكمة وابهى أنوار الجمال. وإنني لا أستطيع أن أتصور عالما حقا لا يدرك أن المبادئ الصحيحة لعالم الوجود مبنية على حكمة تجعلها مفهومة عند العقل. فالعلم بلا إيمان يمشي مشية الأعرج، والإيمان بلا علم يتلمس تلمس الأعمى".
فهل تريد أحسن من هذا التلاقي بين عقول العظماء وبين القرآن الذي يقول لنا: (إنما يخشى الله من عباده العلماء). ولبعض الناس –مع إيمانهم بالألوهية- أفكار خاطئة في تصورهاº كتب "كميل فلامريون" في كتاب "الله في الطبيعة": " إذا انتقلنا من ساحة المحسوسات إلى الروحيات فان الله يتجلى لنا كروح دائم موجود في حقيقة كل شيء. ليس هو سلطانا يحكم من فوق السموات، بل نظام مستتر مهيمن على كافة الموجودات!. ليس مقيما في جنة مكتظة بالصلحاء والملائكة!! بل إن الفضاء اللانهائي مملوء به. فهو موجود مستقر في كل نقطة من الفضاء، وفي كل لحظة من الزمان، أو بتعبير اصح: هو قيوم لا نهائي، منزه عن الزمان والمكان والتسلسل والتعاقب. ليس كلامي هذا من جملة عقائد ما وراء الطبيعة المشكوك بصحتها، بل من النتائج القاطعة التي استنبطت من القواعد الثابتة للعلم، كنسبية الحركة وقدم القوانين. إن النظام العام الحاكم في الطبيعة، وآثار الحكمة المشهودة في كل شيء، المنتشرة كنور الفجر وضياء الشفق في الهيئة العامة، لاسيما الوحدة التي تتجلى في قانون التطور الدائم، تدل على أن القدرة الإلهية المطلقة هي الحوافظ المستترة للكون، هي النظام الحقيقي، هي المصدر الأصلي لكافة القوانين الطبيعية وأشكالها ومظاهرها".
والقائل فيلسوف ينكر اليهودية والنصرانية، ولا يعرف الإسلام، ولكنه يعرف الله الواحد من إدمانه النظر في العلوم والأكوان، وأمثاله كثيرون. وفكرة هذا العالم عن الألوهية تظهر فيها فلسفة وحدة الوجود. وهي فلسفة ندّت عن الصواب، وإن تعبّق بها بعض القدامى من فلاسفة الهنود، وسرت عدواها إلى التصوف الإسلامي، فشردت به عن الحق، وعن تعاليم الإسلام.
وأفكار أولئك الباحثين لو أنها ضبطت بتعاليم الوحي، ومشت في هدي الشريعة، لاستقامت مع ما ذكر القرآن الكريم عن الله عز وجل من صفات، وما نسب إلى ذاته العظمى من نعوت الجلال والجمال..!!
وحسب أولئك – وان لم يعرفوا الحق كاملا- أن لاح منه بريق فأقروا ولم ينكروا. ولئن صدقوا ما عرفوا، إنهم أهل الإيمان الصحيح الكامل لو اتيحت لهم آياته، ويسرت لهم رسالاته، أي لو اتيحت لهم معرفة الإسلام الصحيح من خلال الكتاب والسنة.
ومع زحمة الوجود بالدلائل المؤيدة لعقيدة الألوهية، وانتصاب الشواهد المتكاثرة في الآفاق ترشد الناس إلى رب العالمين، فان العالم لم يخل من منكرين يجحدون الحق ويكفرون بالله. وقد استقصينا أقوال هؤلاء فلم نر بها إلا الانكار المجرد والعناد السمج.
يقول "يوخنز" عميد العلماء الماديين في العصر الماضي: " من الممكن إرجاع ظهور الأجرام السماوية وانتشارها وحركاتها إلى أصول بسيطة من الممكنات، فلا يبقى إذن محل للاعتقاد في قوة خالقة مشخصة". ويقول: "إن الإنسان محصول المادة وليست له خاصة فكرية على النحو الذي يصور الروحانيون". ويقول –ماضيا في إنكار الروح، ومصورا العقل الإنساني بصورة مادية- : " إن الكبد والكليتين تفرز مادة مرئية دون أن نعلم نحن بذلك. أما الحركة الدماغية فلن تكون خارج إرادتنا وإدراكنا، والدماغ يفرز قوة بدل المادة (!).."
ويقول "بروسيه" – مؤيدا هذا التفسير المادي للروح والعقل- : (إن الذكاء والحساسية عمل من أعمال الأجهزة العصبية، كما أن تحويل المأكولات إلى دم يندفع في العروق، عمل الأجهزة الهضمية والتنفسية..!)
وكتبت جريدة طبية مقالة ذكرت فيها أن (الفكر تركيب يشبه حمض فورميك! والتفكير تابع للفسفور! والفضيلة والصداقة والشجاعة ما هي إلا تيارات كهربية للأعضاء الإنسانية). يبدو أن الفيلسوف يقر مرغما – من قبيل إنطاق الحق له – (بأنا) التي ينكرها "
ثم إنهم يقولون: "إن القوة لا تنفصل عن المادة – كما يقررون- فأين مادة القوة التي يفرزها الدماغ؟".
الحق أن الإلحاد الذي يشيع بين طوائف المتحذلقين والمتنطعين لا يستند البتة إلى ذرة من المعرفة أو التفكير السليم.
هذه هي الصورة التي يقدمها الملحدون للإنسانية ومعنوياتها! وهذه هي أدلتهم على إنكار ما وراء المادة، وعلى رفض الإيمان بالله العلي الكبير. وقد سميانها أدلة تجاوزا، و إلا فأي إمارة على الفهم الصحيح في هذا اللغو القبيح؟ ومتى كان التشكيك والفرض والتوهم أدلة محترمة؟ إن من المقطوع به عقلا أن العدم لا يتحول إلى وجود ولا يخلق وجودا. فإذا قيل: أن العالم مفتقر في أحداثه إلى سبب، وان الأحياء محتاجة في وجودها إلى خالق. قيل: بل يجوز أن يتم ذلك من تلقاء نفسه.
وإذا كانت حركة المرور في القاهرة –مثلا- تتطلب فرقة من الجنود لتنظيمها و إلا لسرت الفوضى في أرجائها، فهل يستغرب القول بقدرة منظمة مشرفة على الألوف المؤلفة من الكواكب السيارة في الفضاء؟ وهل يعتبر القول بأن المصادفات المخصصة هي التي تتولى هذا التنظيم.. هل يعتبر إلا لغوا ومجونا؟
ثم ما هذه السخافات الزاعمة بن الفضائل والرذائل اهتزازات كهربائية للأعضاء والأجهزة الجسمانية! . لأنه لا روح –كما يقولون! - .
يجيب "كميل فلامريون" –متهكما فيقول- : "ما معنى إفراز القوة؟ ولم لا يفرز الدماغ كيلومترات أو فراسخ؟".
ويقول المشير "احمد عزت باشا" : " من حيث انه لا روح ولا نفس ناطقة، فمن الذي يشعر بما تفرزه الحركة الدماغية؟ ومن الذي لا يشعر بها؟ وما معنى كلمة "نحن" التي يستعملها ذلك المتكلم؟ (يوختز السابق).
لا ريب في وجود الله
نيويورك –رويتر- استفتت مجلة "كوليرز" المعروفة، عددا كبيرا من علماء الذرة والفلك، وعلم الأحياء "البيولوجيا" والرياضة.
"فأكدوا أن لديهم أدلة وقرائن كثيرة تثبت وجود كائن أعظم ينظم هذا الوجود ويرعاه بعنايته ورحمته وعلمه الذي لا حد له".
ويقول الدكتور "راين" انه ثبت من أبحاثه في المعامل: ان في الجسم البشري روحا أو جسما آخر غير منظور.
وقال عالم آخر: " انه لا يشك في أن الكائن الأعظم –وهو ما تسميه الأديان السماوية"الله" – هو الذي يسيطر على الطاقة الذرية وغيرها من الظواهر والقوانين الخارقة في هذا الوجود".
ونشرت جريدة (المصري) هذا التلغراف الذي أذاعته (رويتر) على العالم كله. وقد قرأته كغيري، وشعرت بعاطفة من السرور تغمرني، لان أولي العلم وأرباب البحث لمسوا –ولا أقول عرفوا- أثرا الحقيقة العليا، وبدأ إيمانهم بالله يتركز على أساس من التجربة المادية والإحساس النفسي.
أتعرف ما هو الإلحاد؟ أن يسفه المرء نفسه، ويركب رأسه، ويغمض عينيه عن كل ما حوله، ثم يصدر الأحكام جزافا، لا تخضع لمنطق، ولا يربطها فكر سليم.
وعندما جاء القرآن ليأخذ بأيدي الناس إلى الحق المبين لم يكلفهم عسرا . ولم يزد أن طلب إليهم فتح أبصارهم على آفاق السماء، وفجاج الأرض، وخواص الأشياء.
(قل انظروا ماذا في السموات والأرض..) (يونس:101)
(أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء..) (الأعراف:185)
(أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق واجل مسمى..) (الروم:8).
فإذا أرسل المرء نظراته الفاحصة يستقصي بها أنباء الوجود ويستكنه أسرار الحياة، فسيرجع –بعد جولة قريبة- بهذه الحقيقة المشرقة اللامعة.
الحقيقة التي أجملتها الآية الكريمة: (الله خالق كل شيء، وهو على كل شيء وكيل * له مقاليد السموات والأرض، والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون* قل أفغير الله تأمرونيّ اعبد أيها الجاهلون) (الزمر:62-64)؟
إن للإلحاد شبابا ممسوخا في بلادنا، يعرف قشورا من العلم، ويتعلق بأوهام لا وزن لها عند أولي الألباب. تراه يتكلم عن الألوهية والدين والوحي فيلوي لسانه بعبارات مشحونة بالغرور الادّعاء.
وليس وراءها إلا ما يذكرك بقول الله: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله) (الحج:8-9)
إلى هؤلاء الشباب ممن يظنون العلم طريق الإلحاد، نسوق إليهم نتائج البحوث التي وصل إليها سادتهم عن اصل الحياة.
لماذا كفروا؟
قال الإمام الغزالي في (الأحياء): "اعلم أن اظهر الموجودات وأجلاها هو الله تعالى، وكان هذا يقتضي أن تكون معرفته أول المعارف واسبقها إلى الأفهام، وأسهلها على العقول، ولكن ترى الأمر بالضد من ذلك! فلابد من بيان السبب فيه.
وإنما قلنا: انه اظهر الموجودات وأجلاها لمعنى لا نفهمه إلا بمثال. وهو أنا إذا رأينا إنسانا يكتب أو يخيط –مثلا- كان كونه حيا عندنا من اظهر الموجودات! فحياته وعلمه وقدرته وإرادته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظاهرة والباطنة. إذ صفاته الباطنة كشهوته وغضبه وخلقه وصحته ومرضه. كل ذلك لا نعرفه. وصفاته الظاهرة لا نعرف بعضها، وبعضها نشك فيه كمقدار طوله واختلاف لون بشرته، وغير ذلك من صفاته. أما حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيوانا، فإنه جلي عندنا. وان كنا لا نرى بأعيننا حياته وقدرته وإرادته. فان هذه الصفات لا تحس بشيء من الحواس الخمس، ولا يمكن أن تُعرف حياته وقدرته وإرادته إلا بخياطته وحركته.
ولو نظرنا إلى كل ما في العالم سوى هذه المظاهر لم نعرف به شيئا من صفاته فما عليه إلا دليل واحد هو عمله بيديه، وهو مع ذلك الدليل الواحد على وجوده يوصف بأنه موجود جلي واضح.
فماذا يقول المرء في وجود الله الذي لا تحصى أدلته لكثرتها؟
وماذا يقول في أوصافه التي يشهد كل شيء بعظمتها؟
إن وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له –بالضرورة- كل ما نشاهده وندركه بالحواس الظاهرة والباطنة.
كل ما نشاهده من حجر ومدر، ونبات وشجر وحيوان، وسماء وارض، كوكب، وبر وبحر، ونار وهواء، وجوهر وعرض. بل أول شاهد عليه أنفسنا نحن وأجسامنا وأوصافنا، وتقلب أحوالنا وتغير قلوبنا، وجميع أطوارنا، في حركاتنا وسكناتنا.
واظهر الأشياء في علمنا أنفسنا، ثم محسوساتنا بالحواس الخمس، ثم مدركاتنا بالعقل والبصيرة. وكل واحد من هذه المدركات له مدرك واحد، وشاهد واحد، ودليل واحد، وجميع ما في العالم شواهد ناطقة، وأدلة شاهدة، بوجود خالقها ومدبرها، ومصرفها، ومحركها، ودالة على علمه وقدرته ولطفه وحكمته والموجودات المدركة لا حصر لها.
فان كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا، وليس يشهد إلا شاهد واحد. وهو ما أحسسنا به من حركة يده. فكيف لا يظهر عندنا ما لا يتصور في الوجود شيء –داخل نفوسنا وخارجها- إلا وهو شاهد عليه؟ وعلى عظمته وجلاله؟
إذ كل ذرة فينا نحن البشر تنادي بلسان حالها، انه ليس وجودها بنفسها، ولا حركتها بذاتها، وأنها تحتاج إلى موجد ومحرك لها.
يشهد بذلك أولا تركيب أعضائنا، وائتلاف عظامنا ولحومنا، وتكوين أعصابنا وانسياب شعورنا، وتشكل أطرافنا وسائر أجزائنا الظاهرة والباطنة.. فإنا نعلم أنها لم تأتلف بأنفسها، كما نعلم أن يد الكاتب لم تتحرك بنفسها. ولكن لما لم يبق في الوجود شيء مدرك، محسوس أو معقول، حاضر أو غائب إلا وهو شاهد ومعرف له عظم ظهوره سبحانه، فانبهرت العقول ودهشت عن إدراكه".
ثم قال الغزالي موضحا علة هذا القصور: (ذلك، وما تقصر عن فهمه عقولنا له سببان: احدهما: خفاؤه في نفسه وغموضه، وذلك لا يخفى مناله. وثانيهما: ما يتناهى وضوحه...!!
إن الخفاش يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار، لا لخفاء النهار واستتاره، لكن لشدة ظهوره، فان بصر الخفاش ضعيف، يبهره نور الشمس إذا أشرقت، فتكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سببا لامتناع إبصاره، فلا يرى شيئا إلا إذا امتزج الضوء بالظلام وضعف ظهوره.
فكذلك عقولنا ضعيفة، وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة، وفي غاية الاستغراق والشمول.. حتى لم تشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السموات والأرض: فصار ظهوره سبب خفائه، فسبحان من احتجب بإشراق نوره، واختفى عن البصائر بظهوره.
ولا يتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور، فان الأشياء تستبان بأضدادها، وما عم وجوده حتى انه لا ضد له، يعسر إدراكه. فلو اختلفت الأشياء فدل بعضها دون بعض أدركت التفرقة عن قرب، ولكن لما اشتركت في الدلالة على نسق واحد أشكل الأمر.
ومثاله نور الشمس المشرق على الأرض، ما كان أيسر جحوده لو انه دائم البقاء! وما أكثر الكافرين به لكن لنور الشمس حالا أخرى.. فإنا نعلم انه عرض من الأعراض، يحدث في الأرض، ويزول عند غيبة الشمس.
فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها، لكنّا نظن انه لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها: وهي السواد والبياض وغيرهما. فانا لا نشاهد في الأسود إلا السواد، وفي الأبيض إلا البياض.
فأما الضوء فلا ندركه وحده.
ولكن لما غابت الشمس وأظلمت المواضع أدركنا تفرقة بين الحالين. فعلمنا أن الأجسام كانت قد استضاءت بضوء، واتصفت بصفة فارقتها عند الغروب. عرفنا وجود النور بعدمه، وما كنا نطلع لولا عدمه إلا بعسر شديد.
وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام والنور.
هذا مع أن النور اظهر المحسوسات، إذ به تدرك سائر المحسوسات، فما هو ظاهر في نفسه هو مظهر لغيره.
انظر كيف تصور استبهام أمره بسبب ظهوره لولا طريان ضده؟
فالله تعالى هو اظهر الأمور، وبه ظهرت الأشياء كلها، ولو كان له عدم أو غيبة أو تغير لانهدمت السموات والأرض، وبطل الملك والملكوت، ولأدركت بذلك التفرقة بين الحالين.
ولو كان بعض الأشياء موجودا به، وبعضها موجودا بغيره، لأدركت التفرقة بين الشيئين في الدلالة. ولكن دلالته عامة في الأشياء على نسق واحد، ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه.
فلا جرم اورثت شدة الظهور خفاء، فهذا هو السبب في قصور الأفهام. انتهى ما جاء في "الأحياء" مع تصرف لإيضاح المقصود.
هو الأول
وجود الله سبحانه وتعالى ممتد في القدم، بحيث لا يتصور قبله وجود قط. وما دام كل وجود قد نشأ عنه، فالله تعالى اسبق منه، ونحن لا نعرف عن الأول شيئا، إذ عَهْدُنا بالوجود قد حدث بعد ميلادنا.
عن أبي كعب (رضي الله عنه): أن المشركين قالوا للنبي (صلى الله عليه وسلم) : انسب لنا ربك، فنزل: (قل هو الله احد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد) (الإخلاص: 1-3) لأنه ليس شيء يولد إلا وسيموت، وليس شيء يموت إلا سيورث، إن الله تعالى لا يموت ولا يورث.
(ولم يكن له كفوا احد) (الإخلاص:4) قال: لم يكن له شبيه ولا عديل وليس كمثله شيء.
إن أولئك المشركين نظروا إلى الألوهية بعقولهم القاصرة، وقاسوا وجودها المطلق على وجودنا المحدود، فتوهموا أن له أولا.
وليس الأمر كما يتوهمون. إن لوجودنا المادي أولا. لأننا نحس بذلك وندركه عن يقين، ونجزم باستحالة غيره.
أما الوجود الإلهي فقديم لا أول له.
وقد تمر بالخاطر هواجس نتساءل عن أسرار هذا الأزل الغامض على عقولنا، وذلك من استشراق العقل إلى اكتناه ما يعجزه، ولا يقدح ذلك في صحة الإيمان.
فعن أبي هريرة (رضي الله عنه): ( أن أناسا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سألوه : إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم احدنا أن يتكلم به؟ قال: أوجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان" (أي: كراهتكم لتلك الوسوسة صريح الإيمانº والصريح: الخالص من كل شيء).
وفي رواية أخرى: (الحمد لله الذي رد كيده –الشيطان- إلى الوسوسة". وعن ابن مسعود (رضي الله عنه): "قالوا: يا رسول الله، إن احدنا ليجد في نفسه ما لان يحترق حتى يصير حممة، أو يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه من أن يتكلم به، قال:ذلك محض الإيمان".
إن تاريخ الإنسان والعالم والحياة كلها جد بعد عدم، لا يُدرى مداه. وربما استطاع الإنسان إدراك أعراض يسيرة في بيئته المحدودة، أعراض تمس يومها الحاضر، أو أمسها القريب، أو غدها الموشك. وقد يكون من هذه الأعراض المدركة جملة من المعارف النافعة..
ثم تقف بعد ذلك أشعة بصيرته فلا تستطيع حراكا ولا إدراكا..
فإذا كانت تلك حدود قدرته العقلية في عالم الشهادة، فلا جرم انه يكون في عالم الغيب اعجز، وعن فهمه اقصر. وراكب السفينة قد يستطيع التجوال فيها، فإذا بدا له أن يقذف بنفسه في أغمار اليم فقلما يعود.
وعقلنا في قوته المحدودة كبصرنا الذي لا يقرأ إلا على أشبار، فإذا ابتعد الخط عنه مسافة لم يميز منه حرفا. كذلك لا يستطيع العقل أن يدرك إلا في دائرة وجوده الضيقة: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) (الإسراء:85).
ومن ثم فنحن نؤمن بقدم الذاتية الإلهية وامتداد هذا القدم في أغوار الأزل الذي لا نعرف عنه كنهه.
.. ذلك وطبيعة الوجود المحدث تقتضي البداية والنهاية، أما من وجوده من ذاته فحقه أسمى من أن يسبقه أو يطرأ عليه عدم.
و الآخر
والله سبحانه باق أبدا، انه ليس جسما فيموت، ولا مادة فتتحلل وتذوي، إنه الدائم الذي يصير إليه كل شيء.
(كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم واليه ترجعون) (القصص:88)
(وتوكل على الحي الذي لا يموت، وسبح بحمده، وكفى به بذنوب عباده خبيرا) (الفرقان:58)
وذو الوجود الخالد المتأبي على الفناء قد يمنح للأخيار من عبادة الخلود في جنات النعيم
فهذا الفضل الممنوح لا يعني أن بشرا أصبح حقيقا بوصف الباقي والآخر.
فالأمر كما قلنا: أن وجود الله عز وجل واجب له من ذاته لا ينفك عنه أبدا.
أما ما عداه فهو صفر إن لم تدركه نعمة الوجود المفاض عليه من الخالق جل علاه.
حاجة العالم إلى الله
قد يشرف المهندسون والبناءون على تشييد عمارة ضخمة، ثم ينفضون أيديهم منها، أو يموتون عنها. وتبقى العمارة بعدهم أمدا بعيدا، قائمة الجدران مستوية الأركان. إن هذه العمارة لم تخلق من عدم والفعلة فيها لم يزيدوا أن ضموا حجرا حجرا، ثم انتهى عملهم إلى هذا الحد.
أما بناء هذا الكون الفسيح، وتشييد سقفه المحفوظ، وتمهيد أرضه وتهيئتها للعمران، فهو عمل آخر أساسه الإبداع من العمل المطلق.
وكما أن العالم في وجوده احتاج إلى ربه، فهو في بقائه يحتاج إليه لحظة بعد لحظة.
ولا توجد ذرة في الأرض ولا في السماء تستمد وجودها من ذاتها، حتى يتصور استغناؤها بنفسها، بل على العكس، هذا الوجود المفاض عليه يتلاشى ويضمحل إذا شاء مفيضه أن يحرمها منه، مثلما يتقلص الظل إذا ذهب ما يلقيه.
لن يكون نهار إلا مع وجود الشمس، ولن يكون عالم إلا مع وجود الله. (ولله المثل الأعلى) (النحل:60) (يا أيها الناس انتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد. إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز) (فاطر: 15-17)
فالعقول وما يتردد فيها من أفكار، والقلوب وما يتجدد فيها من مشاعر، والأجسام وما يتدفق فيها من دماء، وما يتحرك فيها من أجهزة وعضلات، في كل بلد، بل في كل قارة، منذ بدء الخلق والى قيام الساعة، وما نعرف وما لا نعرف، إنما يقوم بقيام الله عليه، ولو شاء تركه لأصبحنا وما وجدنا وقتا نفكر فيه بأننا فنينا، لأننا سنكون فنينا فعلا.
إن الأرض التي تسير عليها بقدميك لا تمسك نفسها تحتك، فهي لا تشعر بك، ثم هي لا تصنع شيئا من الحبوب والفواكه التي تغلها.
فأنى لها الخلق والإتقان وهي جامدة هامدة لا تحس ولا تعلم؟
إن الإمداد الإلهي وحده، هو الذي قام ويقوم بما ترى، قياما لا تتوهم معه غفلة ولا تفريط ولا فتور، و الا لهلكنا واختل كل شيءžž!!
الفارق بين وجودنا ووجود الله، أن الله تبارك وتعالى وجوده واجب له من ذاته. أما نحن فليس من ذواتنا شيء قط، إن منحنا نعمة الوجود بقينا ما بقيت معارة لنا، و الا اختفينا فلم يمسكنا شيء.
ومن هنا نعرف أن لله صفات كثيرة، توضح معالم كماله، نذكر منها ما يلي:
ليس كمثله شيء
مخالفة الذات الإلهية لغيرها من المحدثات ظاهرة، والبداهة تقضي بأن بين المخلوق والخالق أمدا بعيدا، وان الخالق لا يشبه شيئا من خلقه، لا في ذاته، ولا في صفاته.
وقد وصف الله عز وجل نفسه بصفات كثيرة، من الصعب إدراك حقيقتها على النحو الذي ندرك به أمورنا المعتادة، بل هذا مستحيل!
من أين للتافه أن يعرف كنه العظيم؟
إن النملة لا تعرف حقيقة الإنسان، فحدود عالمها الذي تعيش فيه تقفها دون ذلك. والطفل –في المرحلة الأولى من عمره- لا يعرف ما هي الرجولة، ولا ما يصحبها من سعة عقل، واستحكام إدراك.
بل إن الإنسان عاجز عن إدراك حقيقة الوجود المادي الذي يعيش فيه، فكيف يعرف ما وراءه من غيوب؟
إذا قيل: أن الله يسمع، فليس ذاك بأذن كآذاننا. أو يرى، فليس ذلك بعين كأعيننا. وإذا قيل: انه بنى السماء، فليس على النحو المألوف من تكليف فعلة واستحضار أدوات. وإذا قيل: يده فوق أيدينا، فليس الوصف لجارحة كأعضائنا. والذي نوقن به ابتداء، أن صفات المحدثين وأحوالهم لا يجوز أن تنسب إلى الله، فهو –سبحانه وتعالى- غير مخلوقاته.
وشأن الألوهية أسمى مما تتصور الأذهان الكليلة والعقول القاصرة.
وقد وردت في الوحي الكريم كلمات عن الوجه، واليدين، والأعين والاستواء على العرش، والنزول إلى السماء، والقرب من العباد..الخ، حاول كثير من المسلمين استكناه دلالتها واستكشاف حقيقتها، فلم يرجعوا إلا بالحيرة، حتى قال قائلهم.
|
نهاية إقدام العقول عقال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا وكم من جبال قد علا شرفاتها
|
|
وآخر سعي العالمين ضلال ! سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا ! رجال فبادوا والجبال جبال!
|
ولا غرو فان البحث عبث فيما لا يملك المرء وسائل الخوض فيه.
إن الكيميائي قد يعرف خواص سائل أو غاز يقلبه تحت يده، ويجري عليه ما شاء من تجارب – فكيف يجوز للعباد أن يتدخلوا بالبحث النظري في شأن الألوهية لينكروا أو ليثبتوا؟ وشأن الألوهية بالنسبة إليهم عزيز المنال، والحق يقول- في كلامه عن ذاته وصفاته- : (هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا) (آل عمران:7).
وعلى ذلك فكل ما قطعنا بثبوته في كتاب الله وسنة رسوله مما وصف الله به نفسه وأسنده إلى ذاتهº قبلناه على العين والرأس، لا نتعسف له تأويلا ولا نقصد به تجسيما ولا تشبيها، ويحتاج الكلام في هذا الموضوع إلى زياد بيان:
إن اللغات من وضع الناس على مر الزمان. فنحن العرب وضعنا كلمة "أذن" مثلا لهذا التجويف أيمن الوجه أو أيسره الذي نسمع عن طريقه الأصوات و نتبين الكلمات..
وقد وضع غيرنا من أبناء اللغات الأخرى كلمات تدل على هذه الحاسة غير الكلمة المتداولة بيننا، والمهم أن هذه الألفاظ الموضوعة استحدثها الناس لمفاهيم مادية أو معنوية مارسوها وألفوها، ومن هنا فالمجيء بهذه الكلمات للدلالة على أمور مغيبة ليس إلا من قبيل التقريب للذهن، ولا يمكن أن تكون هذه العبارات التي صنعناها نحن بيانا للمحسوسات أو المعقولات المأنوسة لنا في عالمنا –وصفا حقيقيا لعالم ما وراء المادة.
على ضوء هذا الملحظ نفهم حديث أي لغة عن الله جل شأنه وعن صفاته العليا، إن الأمر لا يعدو تقريب الحقائق المطلقة لوعينا المحدود. والله اكبر من أن تحيط بعظمته عقولنا. أو تستوعب كمالاته أقدارنا. ولغات البشر اجمع قوالب صالحة لما يدور في حياتهم من تفاهم، ولكتها دون ما ينبغي لذات الله من تجلية وإدراك.
وقد اتفق المسلمون سلفهم وخلفهم على ذلك. ولكن اختلفت مناهجهم في التنزيه والتمجيد. فمنهم من وقف عند ظاهر النص. ولكنه قال: ليس هذا الظاهر على ما نألف في فهمنا المادي للأمور. ومنهم من قال: أن هذا الظاهر ليس مرادا والمقصود كذا .. والهدف واحد تقريبا. إذا جاء في القرآن الكريم مثلا: (ولتصنع على عيني) قال الأولون: إن له عينا ليست كأعيننا. وقال الآخرون: إنما هي الرعاية والحفظ..
كلا الفريقين يوافق الآخر على تنزيه الله ونفي شبهة بالحوادث، ولكن أسلوب التنزيه عند هذا غيره ذاك.
وكنت أود لو كف المسلمون الأوائل عن خوض معارك الجدل في الموضوع، أو لو استبان بعضهم وجهة نظر الآخر بدقة.
وأنا شخصيا أوثر مذهب السلف. وارفض أن يشتغل العقل الإسلامي بالبحث المضني فيما وراء المادة. وارتضى قبول الآيات والأحاديث التي تضمنت أوصافا لله جل شأنه دون تأويل.
ولئن كنا نسلك هذا المسلك في تقديس الذات ونسبة الصفات، إننا لا نحب أن نتخذ منه ذريعة لتكفير من قصدوا إلى تنزيه الله عن طريق التأويل، وصرف الآثار الواردة إلى المجاز لا إلى الحقيقة.
فان الذين اوّلوا فعلوا ذلك خشية أن يؤول أمر الألوهية إلى مثل ما عليه اليهود والنصارى، من تجسيم زري، وأحوال مضحكة.
إن التوراة تحكي: أن صراعا نشب بين الرب ويعقوب، لم يفلت منه الرب إلا بصعوبة، وبعدها قدم ليعقوب لقبه المعروف "إسرائيل"! وكلام الإنجيل عن الله يخيل إليك انه رب أسرة من والد ووالدة!
فجنوح المؤولين –عندنا- إلى المجاز، قد يكون هناك ما يُعْتَذر به عنهم. بيد أننا لاحظنا أن هذا التنزيه والتأويل والانصراف الدائم عن الحقيقة إلى المجاز قد جنى على اصل الإيمان لدى جمهور العامة، وجعل فكرتهم غامضة عن إله: لا هو في السماء ولا هو في الأرض، ليست له يد، ولا عين، ولا وجه، لا يوصف بفرح ولا رحمة ولا ضحك، ولا ولا، مما وصف به نفسه.
والخطة المثلى أن نتقبل ما ورد به الشرع، و ألا نتكلف علم ما لم نطالب بعلمه مما يدق عن الافهام. وهناك فرق بين أن يحكم العقل باستحالة شيء وبين أن يعلن عجزه عن فهم شيء. فالعقل يحكم بأن اجتماع النقيضين مستحيل.
فالضوء –مثلا- لا يكون موجودا وغير موجود في وقت واحد. ولكن العقل الذي يحكم باستحالة هذا، يعجز عن فهم حقيقة الضوء. ما هي؟ وما كنهها ؟ وما انتقالها بهذه السرعة الهائلة؟
وهذا العجز الظاهر لا يمس حقيقة الضوء، ولا يمس وجودها. فعدم علمك بشيء، ليس علما بعدم ذلك الشيء.
وللأستاذ عبد الكريم الخطيب كلام في هذا الموضوع ننقله إتماما للفائدة.. قال: والذات الإلهية ليست ذاتا مبهمة مجهلة. كما أنها ليست محدودة مجسدة. هي "ذات" لا كالذوات التي يراها الحس أو يتخيلها الوهم، لأنها لو وقعت في دائرة الخيال –مهما امتد واتسع- كانت بهذا المعنى محددة ومقيدة..
وذات الله _ مع أنها فوق أن تدرك وفوق أن تحد _ قد وصفت في القرآن بصفات كثيرة كالإرادة ، والقدرة، وغيرها . وهى صفات كاملة الكمال المطلق.
ومع هذا فلا بد أن تضاف إلى " ذات " كما تضاف مثل هذه الصفات وغيرها إلى ذواتنا . مع الفارق البعيد بين كمالها في ذات الإله ، ونقصها في الإنسان !
جاء في القرآن الكريم كثير من هذه الآيات التي تضيف إلى الله صفات عاملة في الوجود . كقوله تعالى في أول ما نزل من الكتاب : (اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق . اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم ) "العلق : 5:1 ".
ففي الآيات تعريف بذات الله . وأنها تخلق وتعلم.
وكقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (البقرة:185) فالله سبحانه وتعالى مريد.وبإرادته تتعلق مصاير الأمور. وكقوله جل شأنه: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى. وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار. عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال) (الرعد: 8-9).
فالله في هذه الآيات يعلم وهو حكيم... وكل شيء عنده بمقدار، وقد وصف نفسه بأنه الكبير المتعال. وكقوله سبحانه: (الله لطيف بعباده، يرزق من يشاء وهو القوي العزيز) (الشورى:19) فالله لطيف. وقوي. وعزيز.
وكقوله تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله. والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) (المجادلة:1). فذات الإله تسمع كل شيء، وترى كل شيء.
ويقول جل شأنه: (إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء. لا إله إلا هو العزيز الحكيم) (آل عمران:5-6)
وأكثر فواصل القرآن تنتهي بصفة من صفات الله تعالى. أو المزاوجة بين صفتين من صفاته. فمن النوع الأول قوله تعالى: (إن الله كان بكل شيء عليما) (النساء:126).
ومن النوع الثاني وهو الأعم قوله تعالى: (وكان الله غفورا رحيما) (النساء:96)، (إن الله كان عليا كبيرا) (النساء:34)، (والله واسع عليم) (البقرة:247)، (لا إله إلا هو العزيز الحكيم) (آل عمران:18) ، (انه كان بعباده خبيرا بصيرا) (الإسراء:30).
ولا شك أن هذه الصفات –كما قلنا- كلما ذكرت ذكر معها "ذات" تعمل في الوجود بهذه الصفات. وان تلك الصفات لابد أن تضاف إلى ذات تقوم بها. وأكثر من هذا، فقد جاء في القرآن آيات تذكر "للذات" يدا، وعينا، ويدين، وأعينا كقوله تعالى: (ولتصنع على عيني) (طه:39). وقوله: (يد الله فوق أيديهم) (الفتح:1) وقوله: (وقالت اليهود يد الله مغلولة. غلت أيديهم. ولعنوا بما قالوا، بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء) (المائدة:64). وقوله: (واصنع الفلك بأعيننا) (هود:37).
كذلك ورد في السنة المطهرة أحاديث تذهب هذا المذهب، كقول الرسول الكريم: "خلق ادم على صورة الرحمن" وقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا تزال جهنم تقول: هل من مزيد حتى يضع رب العزة قدمه فيها. فتقول: قط، قط (كفى كفى) وعزتك. فيزوي بعضها إلى بعض" وقوله: "قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرفه كيف يشاء!!".
فهذه الآيات وأمثالها لا يمكن أن يقراها قارئ أو يستمع إليها مستمع دون أن تتحرك في ذهنه صور لهذه الصفات، وان يكون لهذه الصفات متعلق بأي "ذات" تفيض عنها..!
قال: ويصح لنا أن نسأل: أكل ما ذكر عن ذاته وصفاته في كتاب الله، وفي حديث الرسول (صلى الله عليه وسلم) من الوضوح والجلاء بحيث لا يحتاج إلى سؤال أبدا؟
ونستطيع أن نقول في الإجابة على ذلك: نعم.
فإن مفهوم الألوهية حين يعرف الإنسان الطريق إليه، وحين يتلقاه بقلبه ويستقبله بفطرته – لواضح اشد الوضوح. إذ هو الكمال المطلق الذي يسمح للإنسان أن ينطلق إلى ما لا نهاية في السمو والارتفاع بمقام الذات .. وكلما انتهى إلى غاية مد بصره إلى غيرها وهكذا أبدا. (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) (الشورى:11).
وفي هذا "المفهوم" عاش الصحابة والتابعون –رضوان الله عليهم- لا يسألون: ما يد الله؟. وما عينه؟. وما قدرته؟. وما علمه؟.
فلقد هدوا بفطرتهم إلا جواب لهذه الأسئلة إلا ما يجده المرء في قلبه وفي كيانه كله، من تقديس الله وجلاله، ونسبة الكمال المطلق كله إليه!
ولقد هدوا بفطرتهم أيضا إلى أن العقل لا يستطيع أن يدرك كنه صفة من هذه الصفات. ولا أن يمسك بها على أية صورة. فان أية صورة لن تكون هي أبدا ما دام الكمال المطلق هو صفتها.
و "الله" الذي جاء القرآن ليدل الناس عليه، ويعرفهم به ويدعوهم إلى إفراده بالوحدانية واختصاصه بالعبادة –هذا الإله لابد أن يكون له مفهوم في عقول الناس حتى يعرفوه، وحتى يأنسوا به، وينظروا إليه فيما يأخذون أو يدعون من أمره ونهيه.
ومن هنا كان لابد أن تقيم الشريعة الإسلامية (مفهوما) للإله في عقول الناس كي يكون (الله) حقيقة يؤمنون بها، ويتعاملون معها.
فما المفهوم الذي جاء به القرآن لذات الإله؟ اهو مادي؟ اهو معنوي؟ وهل هو محدود أو مطلق؟
لقد كان صنيع الإسلام في هذا الأمر الخطير آية الآيات ومعجزة المعجزات الدالة على صدق الرسالة المحمدية، وعلى أنها متلقاة من احكم الحاكمين رب العالمين! وننظر فنرى عجبا عجابا .. حكمة بالغة، وتدبيرا محكما.
فأولا: لم يكن مفهوم الألوهية –في شريعة الإسلام- مفهوما ماديا. لأنه لو كان كذلك لتجسد الإله. ولو تجسد لتحدد. ولو تحدد لوقع في دائرة الحس وفي محيط النظر. ولأصبح شيئا من الأشياء.. يحوي مكان وتفرغ منه أمكنة، ويراه خلق ويغيب عن خلق. وذلك مما يذهب بجلال الذات، وينزل قدرها، ويسقط من هيبته.
إن اكبر شيء نراه، ونرى امتداد سلطانه في الوجود هو (الشمس) وقد كانت لهذا إله الآلهة في وقت من الأوقات.
ولكن العقل الرشيد لا يقبل أن يكون الإله محيزا، يحضر ويغيب. وهذا إبراهيم عليه السلام وقد نظر إلى النجم، ثم إلى القمر.. فلما أفلا قال: ( لا أحب الآفلين) . والحب هنا إجلال وتقديس. ثم نظر إلى الشمس، فلما افلت التمس الإله في وقت غير الكواكب والشموس... (فلما رأى الشمس بازغة. قال:هذا ربي.. هذا اكبر.. فلما أفلت قال: يا قوم ، إني بريء مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين) (الأنعام:78-79).
ثانيا: لم يرتض الإسلام أن يكون مفهوم الإله أمرا "معنويا" وفكرة مجردة مطلقة لا يدل عليها وصف، ولا يدرك لها واقع تتجلى فيه. فإنها لو كانت كذلك لما امسك بها عقل، ولا اطمأن إليها قلب، ولما وجد الإنسان لمثل هذه الفكرة المجردة أثرا يعمل في كيانه، ويؤثر في سلوكه..
ومن اجل هذا لم يكن مفهوم الإله –في شريعة الإسلام- هذا أو ذاك، لم يكن شيئا ماديا، كما لم يكن فكرة مجردة.
وإنما اختار الإسلام لمفهوم الإله –في أذهان البشر- مقاما وسطا بين هذين، بين التجسيد والتجريد. فحيث ينظر الإنسان إلى الله في القرآن الكريم يجد "الله" سميعا، بصيرا، عالما، قادرا، حكيما، مريدا، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، قائم على الملك. مستو على عرشه، والملائكة حافون من حول العرش لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وهذا من شأنه أن يخيل للإنسان صورا ما "للذات".
ثم ينظر المسلم في كتاب الله فيرى "الله" "ليس كمثله شيء"..
ويعمل هذا المفهوم عمله في تفكير الإنسان، فتأخذ تلك المفاهيم التي كانت قد بدأت تتشكل وتتجسد –تأخذ في "الذوبان" كما تذوب صخور الثلج في عباب المحيط.
ذلك –في إيجاز- هو الذي يقع في إدراكي للمفهوم الذي أراد القرآن أن يقيمه في عقول الناس وقلوبهم.. وذلك المفهوم ضروري –كما قلنا- لكي نستشعر "الذات" ونتجه إليها ونرفع لها صلواتنا ودعواتنا..
أما حقيقة هذه الذات العظمى فأمر وراء ما نتصور..
ولكن لما لم يكن بد من أن نتصور فقد أسعفنا القرآن الكريم بالقدر الضروري الذي يسد حاجتنا في هذا المقام فجعل للإله مفهوما غير مجسد "ذاتا" لها العلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغير ذلك من صفات الكمال التي تليق برب العالمين..
الله ذات .. ولكن ليس كمثله شيء!!!
ما نعلم وما لا نعلم
وقف مرة الأستاذ : آينشتاين" العالم الكبير عند درج صغير في أسفل مكتبه وقال: "إن نسبة ما اعلم إلى ما لا اعلم، كنسبة هذا الدرج إلى مكتبي" ولو انصف لقال: انه اقل من هذه النسبة. فانا لا نعلم أي شيء هو؟
إننا نعيش في عالم مملوء بالحقائق والقوى، ولا نعلم أي شيء. وهذا في الدنيا التي نعيش فيها، ونلمسها، ونزاول شؤوننا فيها، فكيف بالعوالم الأخرى البعيدة عنا؟
نقول: أن العالم مكون من ذرات، ونقول: إن الذرة مكونة من اليكترونات، أو من نواة وشحنة كهربائية سالبة وموجبة..
ويتغير رأينا في تكوين الذرة بمعدل مرة في كل أربع سنوات، وننجح فنعمل من الذرة قنابل ذرية، ونحن لا نعلم حقيقتها شيئا.
نقول: إن الأجسام تسقط لقانون الجاذبية، والمصباح يشتعل بالكهرباء، ونسخر الكهرباء في إيجاد الحرارة، والبرودة، والحركة، وإيجاد الأمواج واستقبالها. ولكن ما الكهرباء؟ لا نعلم عن حقيقتها شيئا، وإنما نعلم كيف تستخدم. بل الحياة نفسها لم نعرف حقيقتها، وان كانت تسكن فينا، وكل ما حولنا لا نعلم حقيقته وإنما نعرف أعراضه.
وبعبارة أخرى نعرف "كيف" ولا نعرف "ما" و "ماذا". ما الحب، ما الجمال، ما القبح، ما الحرية، ما كل شيء معنوي؟
كل هذه لا نعرف عن حقيقتها شيئا. وكل ما يستطيعه العقل، أن يعرف صفاتها. ما الدين، ما الخوف، ما الأمل، ما الشجاعة، ما الفضيلة، ما الرذيلة؟ لا شيء غير الصفات.
قد نعلم أن اثنين واثنين أربعة، ثم نعلم اجزاءها ومضاعفاتها.
أما سائر الأشياء فنعرف أعراضها، ولا نعرفها. وكأنه مُنحنا عقلا ليس من طبيعته أن يعرف شيئا عن الحقائق. وكل الذي يعرفه الإنسان –لو كان ذكيا- أن يوجه سلوكه في الحياة حسب طبائع الأشياء وحقائقها.
ولذلك انصف أصحاب مذهب "البراجماتزم" إذ انكروا قدرة العقل على معرفة الحقيقة، وقصروه على معرفة الوسائل للغايات.
والذين يشتعلون بالعلومº ويقولون: أنهم وضعوا قوانينها كقوانين الجاذبية وقوانين الطبيعة والكيمياء، لا يزعمونها شرحا للحقائق، ولكن شرحا لأوصافها، وحتى هي شرح لصفاتها الظاهرة، لا صفاتها الباطنة.
انك تقول: أن فلانا يحبني، وفلانا يكرهني. ولكن، ما حقيقة الحب والكره؟ لا نعرف.
قد تكون معرفة الفن أسهل من معرفة العلم، أو بعبارة أخرى أسهل من معرفة الحقيقةº لان الفن عمل، والعلم فهم، ونحن على العمل اقدر منا على فهم الحقائق.
ولذلك سهلت الحياة لأنها فن، وصعبت معرفة الحقائق، لأنها علم. انك تستطيع أن تعلم انك إذا صنعت القطار على نمط صحيح لا يصطدم ولا تخرج عجلاته، وتستطيع –بقدر الامكان- أن تتقي الأحداث، وتستطيع أن تترقب النجاح في عمل إذا سرت فيه سيرا حسنا، لان هذه كلها فن لا علم.
وحتى أنت _ في هذه _ عرضة للخطأ ، فقد يحدث ما ليس في الحسبان، ويخرج القطار عن القضيب ، ويصطدم بجاموسة مرة _ عرضا _في الطريق . وتصطدم سيارتك بما لم تقدر مطلقا أنها تصطدم به . فكيف الحقائق المجهولة ؟
إن كان ذلك ، فكيف نأمل أن نعرف العقل والنفس ، وحقيقة الشعور ، وما إلى ذلك ؟
كل ما نتحدث به عن هذه الأشياء ألفاظ جوفاء ، وتشدق سخيف ،لا حقيقة وراءه.
ولو أنصف مؤلفو المعاجم ، ومحاولو التعريفات لكفوا عن ذلك . لأنهم لا يصلون إلى حقيقته ، وإنما يدورون حول أنفسهم .
ولو دققت النظر في تعريفاتهم، لوجدتها تعريفا بالمثل، لا تعريفا بالحقيقة. وأكثر الناس يعيشون بعقيدتهم لا بعلمهم، وبخرافاتهم وأوهامهم لا بعقلهم، فكيف وعقلهم لم يدرك حقيقة ما حوله؟
إن كان هذا حقا، فكيف يحاول العقل الإنساني البحث عن الله؟ انه يكون كقوم لم يعرفوا أرضهم، فبحثوا عن المريخ، أو لم يعرفوا ما أمامهم فحاولا أن يعرفوا ما فوقهم.
ويعجبني ما نسب إلى الإمام علي كرم الله وجهه، في الله تعالى: "انه لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر، لا بذي عظم تناهت به الغايات، فعظمته تجسيدا، ولا بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما".
كما يعجبني قول ابن أبي الحديد:
|
والله لا موسى ولا علموا ولا جبريل وهِ كلا، ولا النفس البسِ من كنه ذاتك غير انِ فلتخسأ الحكماء عن من أنت يارسطو ومن ومن أنت سينا حين مر هل انتم إلا الفرا فدنا فاحرق نفسه
|
|
عيسى المسيح ولا محمد ِو إلى محل القدس يصعد ِيطة لا، ولا العقل المجرد ِك واحدي الذات سرمد حرم له الأفلاك سجد افلاط قبلك يا مبلد د ما بنيت له وشيد ش رأى الشهاب وقد توقد ولو اهتدى رشدا لأبعد
|
وقوله أيضا:
|
فيك يا أعجوبة الكو أنت حيرت ذوي اللبِ كلما أقدم فكري ناكصا يخبط في عمِ
|
|
ن غدا الفكر كليلا ِب وبلبلت العقولا فيك شبرا فر ميلا ِياء لا يهدي السبيلا
|
وما نقلنا آنفا عن الأستاذ "احمد أمين" تحديد حق للنطاق الذي يصل فيه عقل الإنسان وينتج. وقد زينت الحرية العقلية التي اتاحها الإسلام للباحثين تجاوز هذا النطاق فعدوا قدرهم، وخاضوا في بحوث لا طائل تحتها.. وبلغ بهم التيه في ميدان النظر أن تكلموا في ذات الله، هل صفاتها عينها؟ أو غيرها؟ أو لا عين ولا غير؟
ومضى بهم الجدل المحض إلى غير قرار! وأي قرار في أمر لا يمكن أن تصل إليه الأفكار؟
إن هذا البحث لو كان في ذات الإنسان لكان عسيرا، فكيف يسمح به في ذات الله –جل وعلا-؟
إن علماء المسلمين الذين كتبوا في العقائد لم يقصدوا إلا الخير. ولست أظن أن واحدا من الأولين والآخرين عمد إلى تشويه الدين أو مسخ آثاره في الأفئدة. وقد تأدى الجدل ببعضهم إلى التقاذف بتهم مريبة.
وقد نبت في هذا العصر قوم يريدون إقحام العامة فيما لا يطيقون من بحوث، فبلبلوا الأفكار في وقت نحتاج فيه إلى تجميع الشمل وتركيز القوة ضد الحضارة المادية التي تريد أن تطوي أعلام التوحيد وتستأصل شأفة الإسلام.
وما دام هناك من يعتنق مبدأ التأويل ويستمسك به، فليس من السائغ أن نرميه بالإفك ونسلخه من الملة كما يفعل الجهال.
وحسبنا أن نذكر الحق المجرد، وان نعرف الناس جميعا، أن الله عز وجل ليس كمثله شيءº ثم لنطهر أنفسنا من الخلاف في الحظوظ والأهواء.
الغنى المطلق
الله سبحانه وتعالى واسع الغنى، وليست سعة غناه راجعة إلى انه يملك هذا العالم بسماواته وأرضه وما حوى من معادن نفيسة وعناصر غالية.
ولا لأنه يملك عددا لا يحصى من الجن والإنس والملائكة . لا .. لا. فالغنى الإلهي أعظم من ذلك وامجد!.
إننا قد نعتبر الرجل غنيا لأنه يملك القناطير من الذهب والفضة، أو لأنه يحكم الألوف المؤلفة من الناس. فإذا فقد ذلك لم يصبح على شيء من الغنى، إذ انهارت الدعائم التي يقوم عليها. وقد يكون الملكوت الواجب الذي نعرف اقله ونجهل أكثره مظهرا للغنى الإلهي العظيم.
لكن الله عز وجل يستطيع أن يفني ذلك اجمع، ولا ينقص غناه المطلق شيئا البتة!! ويبقى قائما بنفسه، مستغنيا عن خلقه، ومستكملا نعوت قداسته، ومستعليا في أنوار جلالته.
إن العرش فما دونه صفر إلى جانب الذات العليا، وتسبيح العباد من بدء الخلق إلى قيام الساعة، أو لغو الفجار في هذا الأمد الطويل، لا يضفي ولا ينتقص من عظمة الحق شيئا.
وقد جاء في الحديث القدسي: " يا عبادي لو أن أولكم واخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على اتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على افجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا"
المخلوقات جليلها ودقيقها تقوم بالله عز وجل، أما الله، فقائم بنفسه، مستغن بذاته عما سواه.
النقول المعزوة لأولئك العلماء عن كتاب "الدين والعلم" للمشير: احمد عزت باشا مع تعليقات يسيره له
أي:انه يعترف من حيث لا يدري بان هناك روحا، لان هناك من يلاحق الحركة الدماغية ويبدي بشأنها رأيا