الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: عقيدة المُسلم
المؤلف: محمد الغزالي
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الفصل الثالث (الكمال الأعلى)

الفصل الثالث (الكمال الأعلى)

القدرة

العالم وما فيه من سكون وحركة، اثر لقدرة الله سبحانه وتعالى. وليست لشيء ما، قدرة ذاتية يستمدها من  طبيعته المجردة. فإذا رأيت البذور تشق التربة، وتنمو رويدا رويدا لتستوي على سوقها، فذلك بقدرة الله. وإذا رأيت الأمواج تلطم الشطآن رائحة غادية لا تهدأ حتى تثور، فذلك بقدرة الله. وإذا رأيت القاطرات أو الطائرات ، تنهب الفضاء وتطوي الأبعاد، وتحمل الأثقال، فذلك بقدرة الله.

وإذا رأيت البشر يموج بعضهم في بعض، وينفعلون بالحب والبغض، والفرح والحزن، وينطلقون عاملين، أو يهدأون نائمين، فذلك بقدرة الله.

وسواء شعرت أو لم تشعر، فنبضات قلبك في حناياك، وسريان دمك في عروقك، وكمون الحس في أعصابك، وتجدد الحياة في خلاياك، وانسكاب الافرازات من غددك، ذلك كل بقدرة الله. لا تحسبن شيئا في الكون قادرا بنفسه.

فكما أن القدرة أبدعته أولا من عدم، فقد أودعت فيه من أسرارها، وبثت فيه من آثارها، ما يدل عليها. وبعض الجاحدين من علماء الطبيعة يردون ما يقع تحت أبصارهم من هذه الدلائل الباهرة إلى مجهول محض، أو قوى كامنة في المواد والعناصر المختلفة. وهذا تخريف شائن، وتسفيه للعقل، ومغالطة للواقع. إن النور المتولد عن انتشار الكهرباء في الأسلاك، والحركة الناشئة عن امتداد الأبخرة في المواسير، والحديد المرتفع في الجو، نتيجة تغيير المراوح الدائرة لمقادير الضغط -حول الطائرة – كل أولئك لا يرفع قدر عنصر من العناصر المخلوقة، فيهب له مرتبة الوجود المستقل، فضلا عن الإيجاد الرائع!

لماذا يطلب منا أن نظن في مواد التربة أنها – بقدرتها- خلقت النبات؟ ولو كان ذلك حقا، فما الذي يمنع التربة أن تكون إلها؟ ولو كانت العناصر جميعا بهذه المثابة مع حركاتها وسكونها، فأي خبط تقع فيه نتيجة هذا الفرض الأحمق؟

أليس اقصر طريق نصل به إلى الحق أن ننظر إلى العالم كله، من أرضه لسمائه، على انه صنع القدرة العليا، وان كل ما يتجدد فيه إنما يقع تحت إشراف القدرة وهيمنتها؟

من المؤسف أن تكون السمة الغالبة على العلوم الطبيعية كافة أنها تقوم على البحث المجرد في مادة الوجود، وعلى تعرف حقيقة العلاقات والروابط بين شتى العناصر. وقلما تلتفت إلى شيء بعد ذلك، إذا وفقت إلى نتائج معينة في موضوع بحثها.

وتنتهي اغلب هذه العلوم بمن يدرسها إلى علم جيد بالمخلوقات، وجهل مطبق بخالقها، لأنه لم ترد إليه إشارة ما في غضون بحوثها الكثيرة المتشعبة.

وهذه –لا ريب- خيانة علمية، فان دراسة هذا الكون العظيم تنفذ إلى صميم الفكر الحر بأشعة من الهدى والإيمان. وتجعل الإنسان يتطلع –ملء الفؤاد- بعواطف الرهبة والرغبة إلى هذا الخالق العظيم.

وهذه البحوث المجردة تشعر بآثار القدرة الرائعة فيما تتناوله من نواحي الطبيعة، غير أنها تطويها طيا تحت أسماء مبهمة، وتستدرج المتعلم بإجراء الملاحظات والتجارب، ثم تشغله بتدوين النتائج القريبة وحسب!.

أما الالتفات من وراء هذه الحجب الشفافة إلى عظمة الله جل جلاله فأمر لا يكترث له كثير من علماء الكون والحياة. وهكذا تظل بحوثهم مبتورة، لأنها تنقصها الحلقة المفقودة بين الخلق والخالق. من ذلك كله نعلم أن الله قدير على كل شيء، وانه قوي متين، وانه لا يؤوده خلق ولا أمر. (وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض انه كان عليما قديرا) (فاطر:44)

والقدرة في مجالها الواسع لا يعييها شيء البتة، وآثارها التي نشهدها تدل على طاقة لا تقف عند حدود. وليس معنى ذلك بداهة أن تخرج القدرة على منطقها. فيقال –مثلا-: إنها لا تستطيع قلب الحقائق!

وقد كان الدكتور "زكي مبارك" سخيفا، ولعله "سكران" يوم كتب في (البلاغ): إن الله لا يستطيع إخراجي من ملكه، وان الله لا يستطيع الجمع بين النقيضين.. !!

والجنون فنون.

  

الإرادة

والله –سبحانه وتعالى- فيما خلق وفيما يخلق، وفيما دبر ويدبر به شؤون العالم- كان يصوغ الكائنات في الأوضاع التي يريدها، ويضفي عليها الأوصاف التي يشاؤها، ويبرزها في الأوقات التي يريدها، ويضفي عليها الأوصاف التي يشاؤها، ويبرزها في الأوقات التي يختارها، لا يستكرهه احد على شيء من ذلك كله. وما ترى في الأرض والسماء من تنوع في الوجود، وتميز في السمات، هو مظهر الإرادة الحرة في تعلقاتها كافة.

فما أوجده الله في هذا العصر كان من حقه الكامل أن يوجده في الأيام الخالية. وما جعله الله كوكبا متألقا كان يستطيع جعله جندلا باردا.

وتوزيع الصفات والأحجام والاحوال في أنحاء الكون العريض ليس إلا المشيئة العليا لله عز وجل. ولو أراد أن يخلق العالم الذي نعيش فيه على نحو آخر في قوانينه وأنظمته وأحيائه وأشيائه كلها لفعل.

وانك لترى انطلاق المشيئة دون أي عائق في إخراجها الأصناف المختلفة من الأصل الواحد! فالحقول المتجاورة تختلف محصولاتها كما وكيفا! والبذور المتجانسة تتفاوت فروعها حلاوة وحموضة، ولونا ووزنا في النبات، ولؤما ونبلا وذكاء وبلادة في الإنسان والحيوان. (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل، صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد، ونفضل بعضها على بعض في الأكل، إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) (الرعد:4).

وقديما استدل الأئمة على عظمة الإرادة –في هذا المعنى- بالنحل يأكل من ورق الشجر فيحوله شهدا، ويأكل منه الدود فيحوله حريرا، وتأكل منه أطيار أخرى فتحوله قذرا. وإذا اتجهت الإرادة إلى شيء فيستحيل أن يختلف أثرها. (إن ربك فعال لما يريد) (هود:107). (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (يس:82). فإرادة الله نافذة في السماء والأرض، لا راد لها ولا معقب عليها. (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) (القصص:68).

وقد تطلق الإرادة على قصد الشيء بأسلوب سلبي. فأنت إذا خرجت من بيت يستطيع صاحبه منعك من الخروج منه ولكنه تركك، فهو بسكوته يريد خروجك. والى هذا المعنى يشير المتنبي –لما ترك سيف الدولة مغاضبا- ثم قال- مبررا عمله- وملقيا التبعة على صاحبه- :

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا         ألا تفارقهم فالراحلون همو

ومثل هذا ترك امرئ يمشي في طريق الضلالة ويهيم على وجهه، لأنه حرم أسباب اللطف، والله قادر على سوقها إليه لو شاء! ولعل ذلك تفسير قوله تعالى: (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا، يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم) (آل عمران:176). (ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما، ولهم عذاب مهين) (آل عمران:178).

  

الحكمة

وشمول الإرادة وعموم القدرة ، وكون الله سبحانه يفعل ما يريد متى يريد وكيف يريد، ليس معناه أن أمور الخلق والرزق، وشؤون القبض والبسط، وحظوظ الرفعة والضعة، والإعزاز والإذلال، والنصر والهزيمة –أن هذه جميعا تصدر على طريقة الارتجال السريع أو الخواطر السانحة، أو تتم اتفاقا وتقع مصادفات عارضة! كلا.كلا

فان الكون كله خاضع لشبكة دقيقة النسج من الأسباب والمسببات، والسنن الثابتة الخالدة، والقوانين المترابطة المتكاملة، لا تضطرب ولا تختلف ولو اجمع البشر على مناقضتها.

فالنبات يتم نضجه بالإرادة والقدرة.. ولكن مظهر الإرادة والقدرة – فيما نعرفه- من غرس وسقي، وتعهد، وزمان ومكان. والجنين يكتمل بشرا سويا بالإرادة والقدرة. ولكن اكتماله في أطوار وأحوال، لابد من توافرها، ويستحيل أن يولد بغيرها. وقول الله انه يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء. لا يعني انه –بين عشية وضحاها- يقيم دولة ويهدم أخرى.

فدون إقامة الممالك وقبل انهيارها توجد مقدمات طويلة تستغرق سنين أو عصورا، حتى تقع نتائجها اللازمة.

وأصحاب العقول الضيقة والأفكار القاصرة يحسبون أن وصف الله عز وجل بأنه يفعل ما يشاء، معناه أن أحكامه في عباده لا ضابط لها ولا رابط بينها. ولعلهم يقيسون سعة السلطان الالهي على ما عهدوه من تصرفات ذوي السلطة فيهم. أولئك الذين يخبطون خبط عشواء ويعبثون عبث الحمقى. تعالى الله عما يظن الجاهلون علوا كبيرا.

إن الأسباب والمسببات هي المفاتيح الملقاه بين أيدي البشر، ليصلوا بإرادتها إلى ما وراءها، من خير أو شر. وعموم المشيئة والقدرة مقيد بما شرع الله في كونه، أو بين عباده من قوانين كونية، أو قوانين شرعية.

كذلك ليس معنى أن الله يفعل ما يشاء، انه يثيب العاصي أو يعذب الطائع، أي انه يجوز عليه الظلم، ويقع منه الغبن!!

وهذا جهل شنيع ونسبة ذلك إلى الله تكذيب لما قال في كتابه العزيز. ثم إن هذه العدالة مردها إلى ما ينبغي لله من كمالات بداهة. وليس مردها إلى انه لو ظلم تعرض لعقاب أو سؤال، فذلك مستحيل.

ومن أين يحدث ذلك، وهو المتفرد في الوجود بالألوهية، بين عبيد عنت له وجوههم، وذلت له رقابهم؟؟

أن بعض العامة من المسلمين يظنون في انطلاق المشيئة أن السنن الكونية صفر، وان العدالة العليا قد تتخلف، ونشأ عن هذا استهتار غبي بالأعمال والمسؤوليات، سنعالجه عند الكلام عن القضاء والقدر.

 

الحياة

مراتب الوجود تختلف رفعة وضعة، فالجماد انزل مرتبة من النبات، والحيوان أعلى درجة من النبات، والوجود الإنساني ارقى من انواع الوجود الاخرى.

 واتصاف الله سبحانه وتعالى بالحياة، معناه ان وجوده بلغ الغاية في عظمته واثاره، فهو موجودº ويعرف انه موجود، وهو يهب الوجود لغيره عن ادراك واختيار، ومن ثم فهو حي.

ان بعض الفلاسفة الذين يقولون بان العالم معلول في وجوده بغيره، ويسمون الخالق علة العلل أو مبدا الوجود، يعطون صورة مبهمة عن هذا الوجود الاعلى.

حتى لتحسب ان صدور الكائنات عن بارئها الاعظم يشبه التفاعلات الكيماوية التي لاروح فيها ولا حياة معها، وهذا ضلال..

فدلائل الحياة الكاملة تنبثق من الذات العليا انبثاقا يتضاءل أمامه كل ما نعرف من صنوف الحياة ودرجاتها المختلفة.

أطلق لخيالك العنان وتصور كل ما تنتجه الأيدي "الحية" من أعمال. وما تنشئه العقول "الحية" من أفكار، وما تهتز به الأفئدة "الحية" من مشاعر.

واجعل هذا الخيال يضم أشتات ذلك من مشارق الأرض ومغاربها، ويستجمع ما حدث في الاعصار الخالية، وما يحدث اليوم، وما سوف يحدث غدا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها..

إن مظاهر هذه الحياة المفعمة بالقوة والإنتاج، لا تعد شيئا مذكورا بالنسبة إلى الحياة الإلهية الواسعة، بل هي اثر ضئيل من أعمال الحي الذي لا يموت، الحي الذي ينفخ من روحه في الموات فيهتز، وفي الجماد فيتحرك: (إن الله فالق الحب والنوى، يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون) (الأنعام:95) (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) (البقرة:255).

  

العلم

الله تعالى عليم بكل شيء، لم يسبق معرفته جهل، ولا يعدو عليها نسيان، ولا يمكن أن تخالف الواقع. وعلمه محيط بالأمس والغد، بالظاهر والباطن، بالدنيا والآخرة.

قد يعرف الإنسان شيئا عن حاضره، وقد يذكر طرفا من ماضيه، وما وراء ذلك فهو بالنسبة إليه عماء. بيد أن الإنسان لا يذكر من ماضيه الطويل إلا قليلا من الحوادث، ولا يدري من تاريخ العالم الذي يعيش فيه شيئا طائلا.

لكن الله –وحده- يحصي أعمالنا الماضية ساعة ساعة، ويسجل أحوال العالم الغابر دولة دولة، وحادثة حادثة. (قال فما بال القرون الأولى؟ قال علمها عند ربي في كتاب، لا يضل ربي ولا ينسى) (طه:51-52).

انه علم يشرق على كل شيء، فيجلي بواطنه وخوافيه، ويكشف بداياته ونهاياته، ويكتنه ذاته وصفاته.

فالشهود والغيب لديه سواء، والقريب والبعيد والقاصي والداني. (إليه يرد علم الساعة، وما تخرج من ثمرات من أكمامها، وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه) (فصلت:47).

والعلم الإلهي يشرف على كل شيء إشرافا تاما، ويهيمن على أطوار الموجودات- ما يحس منها وما يتوهم- هيمنة كاملة.

فعدد ما في صحاري الأرض من رمال، وعدد ما في بحار الدنيا من قطرات وعدد ما في الأشجار من ورقات، وعدد ما في الأغصان من ثمار، وما في السنابل من حبوب، وما في رؤوس البشر وجلودهم من شعر.

ثم ما يمكن أن يطرأ على هذه الأعداد الكثيرة من أحوال شتى، وما تحتاج إليه في وجودها من قوى متجددة، وما يعتريها من أوصاف متغايرة، ذلك كله يستوعبه شعاع واحد من أشعة العلم التي لا تدري عقولنا من كنهها قليلا: (واسروا قولكم أو اجهروا به انه عليم بذات الصدور.  ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) (الملك:13-14). وهذا العلم من خصائص الذات المقدسة.

وقد ينير الله بعض العقول بحقائق يسيره، على قدر طاقتها من المعارف الكونية أو رشحات ضئيلة من الغيوب الخفية، حسب قواعد مدروسة، وحكم مأنوسة.

وما وصل إليه البشر من ذلك مقرر معروف، وما أوتوا إلا القليل. أما الله عز وجل فكما قال في كتابه: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) (الأنعام:59).

 

السمع والبصر

عن عائشة (رضي الله عنها): "الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات" لقد جاءت المجادلة "خولة" إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)  في جانب البيت  تحدثه، ما اسمع ما تقول، فانزل الله عز وجل: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله، والله يسمع تحاوركما، إن الله سميع بصير) (المجادلة: 1)

اجل! فما من كلام يدور بين الناس، أو حديث يتجاذبون أطرافه إلا سبق وقعه إلى سمع الرحمن، جل وعلا، قبل أي شيء!.

ولا تحسبن أن الله حين يسمع نجوى جماعة يشغله ذلك عن سماع قوم آخرين. كلا فما يشغله شأن عن شأن، وما تغيب عنه همسة وسط الضجيج، ولا تشتبه عليه لغة على اختلاف الالسنة.

انك –بالوسائل التي هدي إليها البشر- تجلس في المشرق فتنقل إليك محطات الإذاعة الأغاني والأحاديث من المغرب، طاوية الأبعاد الشاسعة.

فما أدرانا بما وراء ذلك من أسرار الكون.

وما أيسر – في منطق العقل- أن يشرف رب الكون بسمعه على كل حركة وسكنة في الوجود، تنبعث من مصدرها القريب أو البعيد –وليس ثم قرب ولا بعد بالنسبة إلى الله- فيعلم كنهها، ويسمع صوتها، ويبصر وضعها! إن ربك يسمع كل صوت.

وهناك أصوات يسمعها ويحبها "ما أذن –ما استمع- الله لشيء أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به".

وكما يحب الله صوت الوحي، تتلوه الالسنة، يكره صوت الفحش والسوء. (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، وكان الله سميعا عليما) (النساء:148).

ولا تستكثر أن يقال لك: إن الله يسمع خفقان القلوب في خفايا الخلق أجمعين. فما القلوب إلا اثر قدرته، شحنها بالحياة ثم دفعها فهي تسير إلى اجل معلوم، فكيف لا يسمع اثر ما أوجد؟

وكما أن الله يسمع كل شيء، فهو يشهد كل شيء، ورؤيته تنظر في أعماق الظلمات فتستشف كوامنها. فما هو بحاجة إلى ضياء يبصر به الخفي، أو مكبر يعظم به الدقيق. إذا كنت ثالث ثلاثة، فاعلم أن هناك رابعا يبصر ما تفعلون، ويسمع ما تقولون. (له غيب السموات والأرض، أبصر به واسمع، ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا) (الكهف:26).

عندما أرسل الله موسى وهارون إلى فرعون، توجسا من طغيانه، وقالا: (ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى. قال: لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) (طه:45-46).

انه معهما ومع كل كائن، من بدء الخلق إلى قيام الساعة، وما قبل ذلك وما بعد ذلك، يسمع ويرى. وهو –سبحانه- قد ركب في وجوهنا هذه العيون التي نقرأ بها ونكتب، ونشهد بها كما نشاء. ولكن ما قيمة رؤيتنا هذه إلى جانب الرؤية الإلهية المحيطة الشاملة. لو أن كل ذي بصر انتظموا صفا يستغرق محيط الأرض، ثم اجتهدوا في رؤية ما حولهم، ما أبصروا شيئا يذكر إلى جانب الرؤية الإلهية التي تستوعب جميع المدركات، من جميع الجهات، في وقت واحد. سواء فيها المستخفي بالليل والسارب بالنهار، الخالي وحده، والبارز للناس: (وما تكون في شأن، وما تتلوا منه من قرآن، ولا تعملون من عمل، إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه) (يونس:61).

والإحساس بهذه الحقيقة جزء من الدين، بل هو قمته العليا: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فان لم تكن تراه فانه يراك".

وملاحظة العبد لله، أساسها شعوره بأنه سبحانه قائم على كل نفس بما كسبت، ومطلع على ما أسرت وأعلنت، وذلك وحده لُب التقوى وسر الإخلاص.

  

الكلام

هو وسيلة للإبانة عما في النفس من معارف ونصائح ورغبات شتى، وتفهيم ذلك للآخرين. ولا شك أن الله سبحانه وتعالى مستحق لهذا الوصف. فقد عهد إلى ألوف من ملائكته، بالقيام على شؤون الإحياء والإماتة، وفي أنحاء العالم العريض، كما عهد إلى ألوف وألوف منهم بشؤون شتى، لا ندري منها إلا القليل.

وهذا التسخير الدائم خاضع لأوامر الله التي يتكلم بها، خلقا ورزقا، ورفعا وخفضا، ومحوا وإثباتا، وتقديرا وتدبيرا ..الخ.

وما حفل به علم الله فوق الحصر، وما يدل على هذا العلم –من كلمات لا نهاية لها- كذلك.

إن احدنا –في مباشرة أعماله المحدودة- يحتاج إلى قاموس من الألفاظ. فما ظنك برب العالمين، وهو يحكم ملكوته الواسع العظيم؟ ألا ترى أن كلامه من السعة والاستبحار على النحو الذي يقول الله تعالى فيه: (ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر، ما نفذت كلمات الله، إن الله عزيز حكيم) (لقمان:27) (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا) (الكهف:109).

وكتب الله التي انزلها على أنبيائه مظهر من مظاهر اتصافه جل شأنه بِ "الكلام". وقد كلم الله موسى تكليما، وسوف يكلم كثيرا من عباده يوم القيامة. وأرسل الروح الأمين بختام الوحي إلى صاحب الرسالة العظمى. فكان القرآن الكلمة الأخيرة في هدايات الله لعباده. (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) (الأنعام:115).

أما حقيقة الكلام –كصفة الله- فلا نقصر فيها ولا نطيل، لأننا دون هذا المجال بكثير. بيد أننا نجزم بان الكلام الإلهي ليس ألفاظا تصنعها الشفتان واللسان، وتضبطها الرئتان والحنجرة والأسنان، فذاك شأن الإنسان لا وصف الرحمن.

 

أنت أنت الله[1]

إذا ما اتجه الفكر في السموات حيث انتشرت النجوم في الليل، وإذا ما كل البصر فيما لا نهاية له في الآفاق المظلمة، وإذا ما خشعت النفس خشعتها من رهبة السكون الشامل، فانك تشرف بوجهك الكريم من خلال هذه الآفاق، وتسمع صوتك في ذلك السكون، وتمس بعظمتك النفس الخاشعة المطمئنة.

حينئذ تبدو الآفاق المظلمة كأنها باسمة مشرقة، ويتحول السكون إلى نبرات مطربة، تبعث من كل صوب، وحينئذ تتغنى النفس الخاشعة لتقول:

" أنت أنت الله"

وإذا ما كان المتأمل على شاطئ البحر الخضم، وأرسل الطرف بعيدا، حيث تختلط زرقة السماء بزرقة الماء، وحيث تنحدر شمس الأصيل رويدا رويدا كأنها الإبريز المسجور، لتغيب في هذا المتسع الملح الأجاج، وحيث تتهادى الفلك ذات الشراع الأبيض في حدود الأفق الملون بألوان الشفق، كأنها طائر يسبح في النعيم.

إذ ذاك يشعر المتأمل بعظمة واسعة عظمة البحر الواسع. وإذ ذاك تقر العين باطمئنان الفلك الجاري على أديم الماء الممهد، وفي رعاية الله الصمد، حيث تكون مظهر العظمة، وحيث تطمئن النفس لرؤية ما تطمئن إليه في منظر جميل.

إذ ذالك يدق الفؤاد بدقات صداها في النفس "أنت أنت الله".

وإذا ما انطلقت السفينة بعيدا في البحر اللجي، وهبت الزوابع، وتسابقت الرياح، وتلبد بالسحب الفضاء، واكفهر وجه السماء، وابرق البرق، وأرعد الرعد، وكانت ظلمات بعضها فوق بعض، ولعبت بالسفينة الأمواج، وأجهد البحار جهده، وافرغ الربان حيلته، وأشرفت السفينة على الغرق، وتربص الموت من كل صوب وحدب. إذا ذاك يشق ضياؤك هذه الظلمات والمسالك، وتحيط رأفتك بهذه الأخطار والمهالك، وتصل بحبال نجدتك المكروبين البائسين.

وإذ ذاك يردد القلب واللسان "أنت أنت الله".

وإذا ما اشتد السقم بمن أحاطت به عناية الأطباء، وسهر الأوفياء، ونام بين آمال المخلصين ودعوات المحبين، ثم ضعفت حيلة الطبيب، ولم ينفع وفاء الحبيب، واستحال الرجاء إلى بلاء.

إذ ذاك تتجلى مستويا على عرش عظمتك، والنواصي خاشعة، والنفوس جازعة، والأيدي راجفة، والقلوب واجفة لتقول: "أنا قضيت"، ويقول الطبيب والقريب والحبيب: "لك الأمر، أنت أنت الله".

وإذا ما باين الدنيا إنسان وباينته، إذ ينظر إلى المال فيلقاه فانيا، والى الجاه فيلقاه ذاويا، والى الأماني فيلقاها زائلة، والى الآمال فيجدها باطلة، والى الشهوات فيجدها خادعة كاذبة، والى المسرات فيجدها آفلة غاربة. إذ ذاك يستغني عن الجاه والمال، وتشل في نفسه حركة الآمال، وبين جاه يدول، وأمل يزول لا يملأ فراغ النفس إلا ذكرك: "أنت أنت الله".

وإذا ما وقعت العين على زهرة تتفتق في الأكمام، أو تلاقت العين بعين يملؤها الحين والابتسام، وإذا أعجب المعجبون بجمال الفجر المتنفس، وتغريد الطير المتربص، وعاود الصدر انشراحه، وملأ القلب ارتياحه.

إذ ذاك يشرق في قلوبنا نورك الجميل فنراك "أنت أنت الله".

فيما يمس النفس من مظاهر العظمة، ومظاهر السعة، ومظاهر الرحمة، ومظاهر القدر والقضاء، ومظاهر الدوام والبقاء، ومظاهر الجمال والجلال، اعتاد الناس أن يصفوك بالعظيم، والواسع الرحيم، والقادر والدائم، والجميل والجليل، وأوتار القلوب تردد: "أنت أنت الله، أنت أنت الله".



[1] من "خواطر نفس" للدكتور منصور فهمي

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

عقيدة المُسلم 

السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث 

الجانب العاطفي من الإسلام 

الإسلام والطاقات المعطلة 

قذائف الحق 

فقه السيرة 

الإسلام خارج أرضه 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca