كذلك يتعامل التصور الإسلامي مع الإنسان .. مع هذا الإنسان الواقعي ، الممثل في هؤلاء البشر كما هم ، بحقيقتهم الموجودة ! . مع هذا الإنسان ذى التركيب الخاص ، والكينونة الخاصة . الإنسان من لحم ودم وأعصاب . وعقل ونفس وروح ، الإنسان ذي النوازع والأشواق ، والرغائب والضرورات . الإنسان الذي يأكل الطعام ويمشي ففي الأسواق . ويحيا ويموت . ويبدأ وينتهي . ويؤثر ويتأثر .
ويجب ويكره . ويرجو ويخاف ، ويطمع وييأس . ويعلو وينحط . ويؤمن ويكفر . ويهتدى ويضل . ويعمر الأرض أو يفسد فيها ويقتل الحرث والنسل .. إلى آخر سمات الإنسان الواقعي ، وصفاته الميزة :
يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء . واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام . إن الله كان عليكم رقيباً
(النساء:1)
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، إن الله عليم خبير ..
(الحجرات:13)
سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون
(يس:36)
ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين . ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين. ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة ، فخلقنا المضغة عظاماً . فكسونا العظام لحماً ، ثم أنشأناه خلقاً أخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين.
(المؤمنون:12-14)
هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً . إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً . إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً (الإنسان:1-3)
قتل الإنسان ! ما أكفره ! من أى شيء خلقه ؟ من نطقة خلقه فقدره . ثم السبيل يسره . ثم أماته فأقبره . ثم إذا شاء أنشره ..
(عبس:17-22)
وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً . فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا ضر مسه . كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون
(يونس:12)
وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا . قل الله أسرع مكراً . إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ..
(يونس:21)
وَلَئöنْ أَذَقْنَا الْإöنسَانَ مöنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مöنْهُ إöنَّهُ لَيَئُوسñ كَفُورñ(9)وَلَئöنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيّöئَاتُ عَنّöي إöنَّهُ لَفَرöحñ فَخُورñ(10) إöلَّا الَّذöينَ صَبَرُوا وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö أُوْلَئöكَ لَهُمْ مَغْفöرَةñ وَأَجْرñ كَبöيرñ
(هود:9-11)
وَمöنْ النَّاسö مَنْ يُعْجöبُكَ قَوْلُهُ فöي الْحَيَاةö الدُّنْيَا وَيُشْهöدُ اللَّهَ عَلَى مَا فöي قَلْبöهö وَهُوَ أَلَدُّ الْخöصَامö(204)وَإöذَا تَوَلَّى سَعَى فöي الْأَرْضö لöيُفْسöدَ فöيهَا وَيُهْلöكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحöبُّ الْفَسَادَ(205)وَإöذَا قöيلَ لَهُ اتَّقö اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعöزَّةُ بöالْإöثْمö فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبöئْسَ الْمöهَادُ(206) وَمöنْ النَّاسö مَنْ يَشْرöي نَفْسَهُ ابْتöغَاءَ مَرْضَاةö اللَّهö وَاللَّهُ رَءُوفñ بöالْعöبَادö
(البقرة:204-207)
وهكذا يتعامل التصور الإسلامي مع الإنسان الذي هو كائن واقعي ، له خصائصه ، وله مشخصاته وله فاعليته وله انفعاله ، وله تأثره وله تأثيراته .. لا معنى مجرد ، أو فرض من الفروض لا رصيد له من الواقع .
إنه لا يتعامل مع الإنسانية كمعنى مجرد ، ولا يتخذها إلهاً يتوجه إليه بالعبادة(1) بينما هذا المعنى المجرد لا وجود له ، أو لا ضابط له ، في عالم الواقع .. ولا يتعامل مع العقل المطلق (2) ككائن مشخص ، لأن العقل المطلق ليست له كينونة واقعية . إنما هناك العقل المفرد ، في كل فرد على حدة . ومن ثم فليس هو الذي يخلق الكون أو يخلق الروح(3).
إنه يختلف عن المثالية العقلية التي تتعامل مع مقولات عقلية بحتة ، لا صلة لها بالموجودات المؤثرة والمتأثرة في الكون والحياة .
وفي الوقت نفسه يفترق عن الوضعية الحسية التي تتخذ من الطبيعة إلهاً يخلق العقل ! ويخلق المدركات العقلية ! فالله- في التصور الإسلامي – هو خالق الطبيعة وخالق الإنسان ! والعقل الإنساني يدرك نواميس الطبيعة، ويتعلم قوانينها ، ويتعرف إلى طاقاتها ومدخراتها ، ويؤثر فيها تأثيراً إيجابياً تأثراً حسياً وعقلياً .. في توازن واعتدال .
وكأنما كان الإسلام – بل هو كان – ينظر ما وراء القرون إلى هذه اللوثات التي ستصيب البشرية ، على أيدي الفلاسفة و المفكرين المحدثين .. من مثالية عقلية إلى وضعية حسية إلى مادية جدلية .. فصاغ تصوره في هذا التوازن العجيب . الشامل المتكامل . ليستقر منه الضمير البشرى على قرار ثابت . وليعود إليه الإدراك الفصل . ويجد عنده الهدى والنور في متاهات العقول والأهواء ؟
وصدق الله العظيم :
(إن هذا القرآن يهدى للتي هى أقوم)
(الإسراء:99)
( ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله ، وعمل صالحاً ، وقال إنني من المسلمين)
(فصلت:33)
* * *
فأما المدلول الثاني للواقعية في التصور الإسلامي ، فيتعلق بطبيعة المنهج الذي يقدمه للحياة البشرية . وواقعية هذا المنهج ، مع طبيعة الإنسان ، وطبيعة الظروف التي تحيط بحياته في الكون ، ومدى طاقاته الواقعية الحقيقية :
إن الإنسان – في التصور الإسلامي – هو هذا الإنسان الذي نعهده . هذا الإنسان بقوته وضعفه . بنوازعه وأشواقه . بلحمه ودمه وأعصابه ، بجسمه وعقله وروحه ...إنه ليس الإنسان كما يريده خيال جامح ، أو كما يتمناه حلم سابح مع قضايا ذهنية من قضايا المنطق الشكلى ! كما أنه ليس الإنسان الذي يضعه المنطق الوضعى في أسفل سافلين ، ويجعله مخلوقاً من مخلوقات هذه المادةالصماء أو من مخلوقات الاقتصاد!
إنه الإنسان الذي خلقه الله ليستخلفه في هذه الأرض ، فيقوم فيها بالخلافة الحركية الإيجابية ، التي تنشئ وتبدع في عالم المادة ما يتم به قدر الله في الأرض والأحياء والناس .
إنه الإنسان الواقعى كما أسلفنا . ومن ثم فإن المنهج الذي يرسمه له الإسلام منهج واقعي كذلك . منهج حركى . تنطبق حدوده على حدود طاقات الإنسان وتكوينه وواقعية لحمه ودمه وأعصابه ، وجسمه وعقله وروحه . الممتزجة في ذلك الكيان .
والمنهج الإسلامي للحياة – على كل رفعته ونظافته وربانيته ومثاليته – هو في الوقت ذاته منهج لهذا الإنسان – في حدود طاقاته الواقعية – ونظام لحياة هذا الكائن البشرى الذي يعيش على هذه الأرض . ويأكل الطعام ، ويمشى في الأسواق ، ويتزوج ويتناسل ويحب ويكره ، ويرجو ويخاف ، ويزاول كل خصائص الإنسان الواقعي كما خلقه الله
وهو يأخذ في اعتباره فطرة هذا الإنسان ، وطاقاته واستعداداته ، وفضائله ورذائله وقوته وضعفه ...فلا يسوء ظنه بهذا الكائن ، ولا يحتقر دوره في الأرض ، ولا يهدر قيمته في صورة ما من صور حياته . كما أنه لا يرفع هذا الإنسان إلى مقام الألوهية ، ولا يخلع عليه شيئاً من خصائصها . كذلك لا يتصوره ملكاً نورانياً شفيفاً لا يتلبس بمقتضيات التكوين المادي ، ومن ثم لا يستقذر دوافع فطرته بمقتضيات هذا التكوين الفطرى .
ومع اعتبار المنهج الإسلامي لإنسانية الإنسان من جميع الوجوه فهو وحده الذي يملك أن يصل به إلى أرفع مستوى ، واكمل وضع ، يبلغ إليه الإنسان ، في أى زمان وفي أى مكان .
وليس هنا مكان تفصيل هذه الحقيقة . فسيجىء موضعها في القسم الثاني من هذا البحث عند الكلام عن حقيقة الإنسان .. فنكتفي هنا بهذا القدر . لنخلص منه إلى بعض النصوص ، التي تصور واقعية المنهج الإسلامي ، وانطباقها على واقعية الكائن الإنساني ، مع الهتاف له دائماً بالرفعة والطهارة ، وبلوغ أقصى كما له المقدر له في حدود فطرته .
(وَقَالُوا مَالö هَذَا الرَّسُولö يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشöي فöي الْأَسْوَاقö لَوْلَا أُنزöلَ إöلَيْهö مَلَكñ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذöيرًا(7)أَوْ يُلْقَى إöلَيْهö كَنزñ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةñ يَأْكُلُ مöنْهَا وَقَالَ الظَّالöمُونَ إöنْ تَتَّبöعُونَ إöلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا(8)انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطöيعُونَ سَبöيلًا(9)تَبَارَكَ الَّذöي إöنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مöنْ ذَلöكَ جَنَّاتٍ تَجْرöي مöنْ تَحْتöهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (
(الفرقان:7-10)
(وَقَالُوا لَنْ نُؤْمöنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مöنْ الْأَرْضö يَنْبُوعًا(90)أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةñ مöنْ نَخöيلٍ وَعöنَبٍ فَتُفَجّöرَ الْأَنهَارَ خöلَالَهَا تَفْجöيرًا(91) أَوْ تُسْقöطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كöسَفًا أَوْ تَأْتöيَ بöاللَّهö وَالْمَلَائöكَةö قَبöيلًا(92)أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتñ مöنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فöي السَّمَاءö وَلَنْ نُؤْمöنَ لöرُقöيّöكَ حَتَّى تُنَزّöلَ عَلَيْنَا كöتَابًا نَقْرَؤُه قُلْ سُبْحَانَ رَبّöي هَلْ كُنتُ إöلَّا بَشَرًا رَسُولًا؟)
(الإسراء:90-93)
(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت )..
(البقرة:286)
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحöيضö قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزöلُوا النّöسَاءَ فöي الْمَحöيضö وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإöذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مöنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إöنَّ اللَّهَ يُحöبُّ التَّوَّابöينَ وَيُحöبُّ الْمُتَطَهّöرöينَ(222)نöسَاؤُكُمْ حَرْثñ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شöئْتُمْ وَقَدّöمُوا لöأَنفُسöكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشّöرْ الْمُؤْمöنöينَ)
(البقرة:222-223)
(وعسى أن تكرهوا شىء وهو خير لكم ، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم ، والله يعلم وأنتم لا تعلمون ( . . .
( البقرة : 216 )
(زُيّöنَ لöلنَّاسö حُبُّ الشَّهَوَاتö مöنْ النّöسَاءö وَالْبَنöينَ وَالْقَنَاطöيرö الْمُقَنْطَرَةö مöنْ الذَّهَبö وَالْفöضَّةö وَالْخَيْلö الْمُسَوَّمَةö وَالْأَنْعَامö وَالْحَرْثö ذَلöكَ مَتَاعُ الْحَيَاةö الدُّنْيَا وَاللَّهُ عöنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبö(14)قُلْ أَؤُنَبّöئُكُمْ بöخَيْرٍ مöنْ ذَلöكُمْ لöلَّذöينَ اتَّقَوْا عöنْدَ رَبّöهöمْ جَنَّاتñ تَجْرöي مöنْ تَحْتöهَا الْأَنْهَارُ خَالöدöينَ فöيهَا وَأَزْوَاجñ مُطَهَّرَةñ وَرöضْوَانñ مöنْ اللَّهö وَاللَّهُ بَصöيرñ بöالْعöبَادö)
(آل عمران:14-15)
(وَسَارöعُوا إöلَى مَغْفöرَةٍ مöنْ رَبّöكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعöدَّتْ لöلْمُتَّقöينَ(133)الَّذöينَ يُنْفöقُونَ فöي السَّرَّاءö وَالضَّرَّاءö وَالْكَاظöمöينَ الْغَيْظَ وَالْعَافöينَ عَنْ النَّاسö وَاللَّهُ يُحöبُّ الْمُحْسöنöينَ(134)وَالَّذöينَ إöذَا فَعَلُوا فَاحöشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لöذُنُوبöهöمْ وَمَنْ يَغْفöرُ الذُّنُوبَ إöلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصöرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135)أُوْلَئöكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفöرَةñ مöنْ رَبّöهöمْ وَجَنَّاتñ تَجْرöي مöنْ تَحْتöهَا الْأَنْهَارُ خَالöدöينَ فöيهَا وَنöعْمَ أَجْرُ الْعَامöلöينَ )
(آل عمران:133-136)
(الرّöجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النّöسَاءö بöمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبöمَا أَنفَقُوا مöنْ أَمْوَالöهöمْ فَالصَّالöحَاتُ قَانöتَاتñ حَافöظَاتñ لöلْغَيْبö بöمَا حَفöظَ اللَّهُ وَاللَّاتöي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعöظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فöي الْمَضَاجöعö وَاضْرöبُوهُنَّ فَإöنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهöنَّ سَبöيلًا إöنَّ اللَّهَ كَانَ عَلöيًّا كَبöيرًا)
(النساء:34)
(فَلْيُقَاتöلْ فöي سَبöيلö اللَّهö الَّذöينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بöالْآخöرَةö وَمَنْ يُقَاتöلْ فöي سَبöيلö اللَّهö فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلöبْ فَسَوْفَ نُؤْتöيهö أَجْرًا عَظöيمًا(74) وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتöلُونَ فöي سَبöيلö اللَّهö وَالْمُسْتَضْعَفöينَ مöنْ الرّöجَالö وَالنّöسَاءö وَالْوöلْدَانö الَّذöينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرöجْنَا مöنْ هَذöهö الْقَرْيَةö الظَّالöمö أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مöنْ لَدُنْكَ وَلöيًّا وَاجْعَل لَنَا مöنْ لَدُنْكَ نَصöيرًا(75)الَّذöينَ آمَنُوا يُقَاتöلُونَ فöي سَبöيلö اللَّهö وَالَّذöينَ كَفَرُوا يُقَاتöلُونَ فöي سَبöيلö الطَّاغُوتö فَقَاتöلُوا أَوْلöيَاءَ الشَّيْطَانö إöنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانö كَانَ ضَعöيفًا)
(النساء:74-76)
(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ، شهداء بالقسط ، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا . اعدلوا هو أقرب للتقوى ، واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون )
(المائدة : 8)
(فَإöذَا جَاءَتْهُمْ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذöهö وَإöنْ تُصöبْهُمْ سَيّöئَةñ يَطَّيَّرُوا بöمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إöنَّمَا طَائöرُهُمْ عöنْدَ اللَّهö وَلَكöنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(131)وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتöنَا بöهö مöنْ آيَةٍ لöتَسْحَرَنَا بöهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بöمُؤْمöنöينَ(132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهöمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادöعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرöمöينَ(133)وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهöمْ الرّöجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بöمَا عَهöدَ عöنْدَكَ لَئöنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرّöجْزَ لَنُؤْمöنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسöلَنَّ مَعَكَ بَنöي إöسْرَائöيلَ)
(الأعراف: 31-33)
وكلما مضينا هكذا مع النصوص القرآنية التي تقرر تكاليف الحياة الإسلامية ، وتضع حدود المنهج الإسلامى للحياة ، لا حظنا الواقعية في هذا المنهج وانطباقها على واقعية الفطرة الإنسانية ، وحدود طاقاتها الموهوبة لها ، وحدود الاستعدادات المهيأة للعمل والنشاط . بحيث لا تكبت طاقة واحدة ، ولا تكف عن العمل وبحيث لا تكلف كذلك أكبر من وسعها ولا تكلف ما ليس من طبعها وفطرتها . وتتجلى هذه الواقعية بوضوح حين ننظر مثلاً فيما تتطلبه العقيدة البراهمية من معتنقيها وحين نراها تطلب إليهم الكف عن كل ما ينمى أو يصون تكوينهم الجسدى ، وذلك كى تسارع أرواحهم في الانطلاق من قيد الجسد ، والخلاص من هذا العدم المظلم الناقص الشرير ، والعودة إلى الوجود الكامل الخير المنير !
كذلك حين ننظر إلى التصورات الكنيسة التي اصطبغت بها النصرانية ، ونراها تعامل التكوين الإنساني – المؤلف من المادة والروح – في حالة ازدواج مركب كامل – انفصال عالم الروح عن عالم الجسد ، وفي استقذار كل ما هو جسدى على الإطلاق . فضلاً على تكليف الإنسان ما لا يطاق .. على سبيل المثال ، معاشرة زوجة لا يطيق عشرتها . أو الانفصال عنها – دون كلمة طلاق- مع عدم معاشرة زوجة لأخرى بعدها ! .. وغير هذا كثير في التصورات الكنسية ، التي تصادم فطرة الإنسان وتكوينه الواقعى !
* * *
إن الإسلام دين للواقع . دين للحياة . دين للحركة . دين للعمل والنتاج والنماء دين تطابق تكاليفه للإنسان فطرة هذا الإنسان . بحيث تعمل جميع الطاقات الإنسانية عملها الذي خلقت من أجله . وفي الوقت ذاته يبلغ الإنسان أقصى كماله الإنساني المقدر له ، عن طريق العمل والحركة ، وتلبية الطاقات والأشواق ، لا كبتها أو كفها عن العمل ، ولا إهدار قيمتها واستقذار دوافعها..
ومن ثم تتحقق صفة الواقعية للمنهج الإسلامي الموضوع للحياة البشرية ، تحققها للتصور الإسلامي ذاته عن الله والكون والحياة والإنسان . ويتطابق التصور الاعتقادى والنهج العملى في هذا الدين تطابقاً لا تفاوت فيه .
ومن ثم ينطلق الإنسان بكل طاقاته ، يعمر في هذه الأرض ويغير ، وينمى في موجوداتها ويطور ، ويبدع في عالم المادة ما شاء الله له أن يبدع . لا يقف في وجهه حاجز من التصور الاعتقادى ، ولا من المنهج العملى . فكلاهما واقعىمطابق لواقعية الكينونة الإنسانية وللظروف الحقيقية المحيطة بها في هذا الكون من حولها . وكلاهما صادر من الجهة التي صدر عنها الإنسان ، والتي زودته بطاقاته واستعداداته .
ومن ثم يتسنى للإنسان ، المؤمن بهذه العقيدة ، المدرك لحقيقة التصور الإسلامي ، وللمنهج الإسلامي المنبثق منه ، أن ينشىء من الآثار الواقعية في هذه الأرض ، وأن يحقق من الإبداع المادى فيها ، وفاق ما ينشئه من الصلاح الأخلاقى ، وكفاء ما يحققه من الرفعة والتطهر . في تناسق وتوازن وشمول وإيجابية وواقعية :
) فطرة الله التي فطر الناس عليها . لا تبديل لخلق الله . ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (الروم : 30)