الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: خصائص التصور الإسلامي
المؤلف: سيد قطب
التصنيف: رمضان
 

الربانية

القسم الأول

||قل : إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم\\

الربانية أولى خصائص التصور الإسلامى ، ومصدر هذه الخصائص كذلك .. فهو تصور اعتقادى موحى به من الله - سبحانه - ومحصور فى هذا المصدر لا يستمد من غيره .. وذلك تمييزا من التصورات الفلسفية التى ينشئها الفكر البشرى حول الحقيقة الإلهية ، أو الحقيقة الكونية ، أو الحقيقة الإنسانية ، والارتباطات القائمة بين هذه الحقائق ، وتمييزا له كذلك من المعتقدات الوثنية ، التى تنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية .

ويستطيع الإنسان أن يقول - وهو مطمئن - : إن التصور الإسلامى هو التصور الاعتقادى الوحيد الباقى بأصله الربانى وحقيقته الربانية . فالتصورات الاعتقادية السماوية ، التى جاءت بها الديانات قبله ، قد دخلها التحريف - فى صورة من الصور - كما رأينا . وقد أضيفت إلى أصول الكتب المنزلة ، شروح وتصورات وتأويلات وزيادات ، ومعلومات بشرية ، أدمجت فى صلبها ، فبدلت طبيعتها الربانية . وبقى الإسلام - وحده - محفوظ الأصول ، لم يشب نبعه الأصيل كدر ، ولم يلبس فيه الحق بالباطل . وصدق وعد الله فى شأنه :

إنا نحن نزلنا الذكر ، وإنا له لحافظون

(الحجر : 9)

وهذه الحقيقة المسلمة ، التى تجعل لهذا التصور قيمتة الفريدة .

ومفرق الطريق بين التصور الفلسفى والتصور الاعتقادى - بصفة عامة - أن التصور الفلسفى ينشأ فى الفكر البشرى - من صنع هذا الفكر - لمحاولة تفسير الوجود وعلاقة الإنسان به . ولكنه يبقى فى حدود المعرفة الفكرية الباردة . أما التصور الاعتقادى - فى عمومه - فهو تصور ينبثق فى الضمير ، ويتفاعل مع المشاعر ، ويتلبس بالحياة . فهو وشيجة حية بين الإنسان والوجود . أو بين الإنسان وخالق الوجود.

ثم يتميز التصور الإسلامى بعد ذلك عن التصور الاعتقادى - فى عمومه - بأنه - كما أسلفنا - تصور ربانى ، صادر من الله للإنسان . وليس من صنع الإنسان . تتلقاه الكينونة الإنسانية بجملتها من بارئها . وليست الكينونة الإنسانية هى التى تنشئه ، كما تنشئ التصور الوثنى ، أو التصور الفلسفى - على اختلاف ما بينهما -وعمل الإنسان فيه هو تلقيه وإدراكه والتكيف به ، وتطبيق مقتضياته فى الحياة البشرية .

وينص المصدر الإلهى الذى جاءنا بهذا التصور - وهو القرآن الكريم - على أنه كله من عند الله ، هبه للإنسان من لدنه ، ورحمة له من عنده . وأن الفكر البشرى - ممثلا ابتداءً فى فكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو فكر الرسل كلهم - باعتبار أنهم جميعا أرسلوا بهذا التصور فى أصله - لم يشارك في إنشائه ، وإنما تلقاه تلقيا ، ليهتدى به ويهدى . وأن هذه الهداية عطية من الله كذلك ، يشرح لها الصدور . وأن وظيفة الرسول - أى رسول - فى شأن هذا التصور ، هى مجرد النقل الدقيق ، والتبليغ الأمين ، وعدم خلط الوحى الذى يوحى إليه من عند الله بأى تفكير بشرى - أو كما يسميه الله سبحانه بالهوى ! أما هداية القلوب به ، وشرح الصدور له ، فأمر خارج عن اختصاص الرسول ، ومرده إلى الله وحده فى النهاية :

وَكَذَلöكَ أَوْحَيْنَا إöلَيْكَ رُوحًا مöنْ أَمْرöنَا مَا كُنْتَ تَدْرöي مَا الْكöتَابُ وَلَا الْإöيمَانُ وَلَكöنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدöي بöهö مَنْ نَشَاءُ مöنْ عöبَادöنَا وَإöنَّكَ لَتَهْدöي إöلَى صöرَاطٍ مُسْتَقöيمٍ(52) صöرَاطö اللَّهö الَّذöي لَهُ مَا فöي السَّمَاوَاتö وَمَا فöي الْأَرْضö أَلَا إöلَى اللَّهö تَصöيرُ الْأُمُورُ …

(الشورى : 52-53)

وَالنَّجْمö إöذَا هَوَى(1)مَا ضَلَّ صَاحöبُكُمْ وَمَا غَوَى(2)وَمَا يَنْطöقُ عَنْ الْهَوَى(3)إöنْ هُوَ إöلَّا وَحْيñ يُوحَى ….

(النجم : 1-4)

وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوöيلö(44)لَأَخَذْنَا مöنْهُ بöالْيَمöينö(45)ثُمَّ لَقَطَعْنَا مöنْهُ الْوَتöينَ(46)فَمَا مöنْكُمْ مöنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجöزöينَ …

(الحاقة : 44-47)

يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلّöغْ مَا أُنزöلَ إöلَيْكَ مöنْ رَبّöكَ وَإöنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رöسَالَتَهُ …

(المائدة : 67)

إöنَّكَ لَا تَهْدöي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكöنَّ اللَّهَ يَهْدöي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بöالْمُهْتَدöينَ …

(القصص : 56)

فَمَنْ يُرöدْ اللَّهُ أَنْ يَهدöيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لöلْإöسْلَامö وَمَنْ يُرöدْ أَنْ يُضöلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّöقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فöي السَّمَاءö ….

(الأنعام : 125)

وهذا التوكيد على مصدر هذا التصور ، هو الذى يعطيه قيمته الأساسية ، وقيمته الكبرى .. فهو وحده مناط الثقة فى أنه التصور المبرأ من النقص ، المبرأ من الجهل ، المبرأ من الهوى .. هذه الخصائص المصاحبة لكل عمل بشرى ، والتى نراها مجسمة فى جميع التصورات التى صاغها البشر ابتداء من وثنيات وفلسفات . أو التى تدخل فيها البشر من العقائد السماوية السابقة ! وهو كذلك مناط الضمان فى أنه التصور الموافق للفطرة الإنسانية ، الملبى لكل جوانبها ، المحقق لكل حاجاتها ، ومن ثم فهو التصور الذى يمكن أن ينبثق منه ، ويقوم عليه ، أقوم منهج للحياة وأشمله .

***

ولكن إذا كان الفكر البشرى لم ينشئ هذا التصور ، فإنه ليس منفيا من مجاله ، ولا محظورا عليه العمل فيه ، بيد أن عمله هو التلقى والإدراك والتكيف والتطبيق فى واقع الحياة .. غير أن القاعدة المنهجية الصحيحة للتلقى - كما أشرنا فى كلمة عن المنهج - هى هذه .. إنه ليس للفكر البشرى أن يتلقى هذا التصور بمقررات سابقة ، يستمدها من أى مصدر آخر ، أو يستمدها من مقولاته هو نفسه ، ثم يحاكم إليها هذا التصور ، ويزنه بموازينها .. إنما هو يتلقى موازينه ومقرراته من هذا التصور ذاته ، ويتكيف به ، ويستقيم على منهجه كما يتلقى الحقائق الموضوعية فى هذا التصور من المصدر الإلهى الذى جاء بها ، لا من أي مصدر آخر خارجه . ثم هو الميزان الذى يرجع بكافة ما يعين له ، من مشاعر وأفكار وقيم وتصورات ، فى مجرى حياته الواقعية كذلك . ليرفعها عنده ، ويعرف حقها من باطلها ، وصحيحها ، وصحيحها من زائفها :

فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول ..

(النساء : 59)

وفى الوقت ذاته يعتبر الفكر البشرى - فى ميزان هذا التصور - أداة قيمة وعظيمة ، يوكل إليها إدراك خصائص هذا التصو ومقوماته - مستقاه من مصدرها الإلهى - وتحكيمها فى كل ما حوله من القيم والأوضاع . دون زيادة عليها من خارجها ، ودون نقص كذلك منها .. ويبذل منهج التربية الإسلامى لهذه الأداة العظيمة من الرعاية والعناية ، لتقويمها وتسديدها وأبتعثها للعمل ، فى كل ميدان هى مهيأة له .. الشئ الكثير(1) .

على أن الفكر ليس وحده الذى يتلقى هذا التصور . إنما هو يشارك فى تلقيه ، فميزة هذا التصور - المنبثقة من خاصية الربانية - أنه يلبى الكينونة الإنسانية بجملتها .. ويدخل كذلك فى دائرة إدراكها .. والذى لا تدركه منه إدراك ماهية وحقيقة ، أو إدراك علية أو كيفية .. لا يتعذر عليه التسليم به فى طمأنينة . لأنه داخل فى مفهوم منطقها المعقول . منطقها الذى يسلم بالحقيقة البسيطة : حقيقة أن المجال الذى يتناوله هذا التصور - بما فيه من حقيقة الذات الإلهية وصفاتها ، ومن تعلق إرادة الله بالخلق وكيفيته - أكبر وأوسع من الكينونة الإنسانية بجملتها . فهو مجال السرمدية الأزلية الأبدية الكلية المطلقة . والكينونة الإنسانية - ككل ما هو مخلوق حادث - متحيزة فى حدود من الزمان والمكان ، لا تملك مجاوزتها على الإطلاق ، ولا تملك من باب أولى الإحاطة بالكلى المطلق بأى حال .

يَامَعْشَرَ الْجöنّö وَالْإöنسö إöنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مöنْ أَقْطَارö السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إöلَّا بöسُلْطَانٍ …

(الرحمن : 33)

لَا تُدْرöكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرöكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطöيفُ الْخَبöيرُ …

(الأنعام : 103)

ومن ثم فلا قدرة للكينونة البشرية بجملتها - لا الفكر وحده - على العمل خارج هذه الحدود . إنما وظيفتها أن تتلقى من الذات الإلهية المطلقة المحيطة بالوجود . وأن تتلقى فى حدود طبيعة الإنسان، وفى حدود وظيفته .

ونزيد هذه الجملة الأخيرة إيضاحا .. فالإنسان محكوم أولا ، بطبيعته : طبيعة أنه مخلوق حادث . ليس كليا ولا مطلقا . ليس أزليا ولا أبديا . ومن ثم فإن إدراكه لابد أن يكون محدودا بما تحده به طبيعته .. ثم هو محدود بوظيفته . وظيفة الخلافة فى الأرض لتحقيق معنى العبادة لله فيها - كما سيجئ - ومن ثم فقد وهب من الإدراك ما يناسب هذه الخلافة . بلا نقص ولا زيادة . وهناك أمور كثيرة لا يحتاج إليها فى وظيفته هذه . ومن ثم لم يوهب القدرة على إدراكها - إدراك ماهية أو إدراك كيفية - وإن كان موهوبا أن يدرك إمكانها وأن يحيل هذا على معرفته بطلاقة المشيئة الإلهية من ناحية ، ومن ناحية أخرى على معرفته بأنه هو مخلوق حادث ، غير كلى ولا مطلق ، فلا يمكن - من ثم - أن يحيط بخصائص الأزلى الأبدى ، الذى هو بكل شئ محيط .

والقرآن الكريم يشير إلى بعض هذه الجوانب ، التى لم يزود الإنسان بالقدرة على الإحاطة بها .. بماهيتها أو بكيفيتها .. إما لأنها لا تدخل فى حدود طبيعة البشرية المحدودة وإما لأنها لا تلزم له النهوض بوظيفته المحددة كذلك ..كما يشير إلى طريقة الفطرة السليمة المؤمنة فى تلقى هذه الجوانب المنحرفة الزائغة .

من هذه الجوانب مسألة كنه الذات الإلهية .. فالكينونة الإنسانية لا تدركها وليس مما تعرفه شئ يماثلها فيمكن أن تقابلها به ، وتقيسها عليه :

لَا تُدْرöكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرöكُ الْأَبْصَارَ ..

(الأنعام :103)

ليس كمثله شئ ..

(الشورى : 11)

فلا تضربوا لله الأمثال ..

(النحل : 74)

ومنها مسألة المشيئة الإلهية وكيفية تعلقها بالخلق :

قَالَ رَبّö أَنَّى يَكُونُ لöي غُلَامñ وَقَدْ بَلَغَنöي الْكöبَرُ وَامْرَأَتöي عَاقöرñ قَالَ كَذَلöكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ..

(آل عمران : 40)

قَالَتْ رَبّö أَنَّى يَكُونُ لöي وَلَدñ وَلَمْ يَمْسَسْنöي بَشَرñ قَالَ كَذَلöكö اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إöذَا قَضَى أَمْرًا فَإöنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ..

(آل عمران : 47)

هكذا دون للبيان للكيفية ، لأنها فوق إدراك الكينونة البشرية . وكل من أراد من البشر بيان الكيفية تخبط وخلط ، لأنه قاسها على كيفيات عمل الإنسان ، وشتان شتان(1)!

ومنها مسألة الروح - سواء كان المقصود بها :

الحياة أو جبريل أو الوحى :

ويسألونك عن الروح . قل : الروح من أمر ربى . وما أوتيتم من العلم إلا قليلا

( الإسراء :85 )

ومنها مسألة الغيب المحجوب عن العلم البشري إلا بالقدر الذي يأذن به الله لمن يشاء

وَعöنْدَهُ مَفَاتöحُ الْغَيْبö لَا يَعْلَمُهَا إöلَّا هُوَ

( الأنعام :59 )

عَالöمُ الْغَيْبö فَلَا يُظْهöرُ عَلَى غَيْبöهö أَحَدًا(26)إöلَّا مَنْ ارْتَضَى مöنْ رَسُولٍ

( الجن :26 - 27 )

قل : لا أقول لكم عندى خزائن الله ولا أعلم الغيب ..

(الأنعام : 50)

وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا ، وما تدرى نفس بأى ارض تموت …

(لقمان : 34)

ومن هذا الغيب خاصة مسألة موعد الساعة :

إن الله عنده علم الساعة …

(لقمان : 34)

يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةö أَيَّانَ مُرْسَاهَا(42)فöيمَ أَنْتَ مöنْ ذöكْرَاهَا(43)إöلَى رَبّöكَ مُنتَهَاهَا(44)إöنَّمَا أَنْتَ مُنذöرُ مَنْ يَخْشَاهَا(45)كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إöلَّا عَشöيَّةً أَوْ ضُحَاهَا …

(النازعات : 42-46)

بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ، فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون …

(الأنبياء : 40)

ويبين الله - سبحانه - كيف ينبغى تلقى هذه وأمثالها ، مما هو فوق مدركات الكينونة البشرية:

هُوَ الَّذöي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكöتَابَ مöنْهُ آيَاتñ مُحْكَمَاتñ هُنَّ أُمُّ الْكöتَابö وَأُخَرُ مُتَشَابöهَاتñ فَأَمَّا الَّذöينَ فöي قُلُوبöهöمْ زَيْغñ فَيَتَّبöعُونَ مَا تَشَابَهَ مöنْهُ ابْتöغَاءَ الْفöتْنَةö وَابْتöغَاءَ تَأْوöيلöهö وَمَا يَعْلَمُ تَأْوöيلَهُ إöلَّا اللَّهُ وَالرَّاسöخُونَ فöي الْعöلْمö يَقُولُونَ آمَنَّا بöهö كُلّñ مöنْ عöنْدö رَبّöنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إöلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابö(7)رَبَّنَا لَا تُزöغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إöذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مöنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إöنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ .

(آل عمران : 7-8)

وفيما عدا هذه الجوانب فإن الفكر البشرى - أو الادراك البشرى بتعبير أشمل - مدعو للتدبر والتفكر ، والنظر والاعتبار ، والتكيف والتأثر ، والتطبيق ، فى عالم الضمير وعالم الواقع ، لمقتضيات هذا التصور ، والإيجابية فى العمل والتنفيذ وفق هذا التصور الشامل الكبير .وما من دين احتفل بالإدراك البشرى ، وإيقاظه ، وتقويم منهجه فى النظر ، واستجاشته للعمل ، وإطلاقه من قيود الوهم والخرافة ، وتحريره من قيود الكهانة والأسرار المحظورة . ! وصيانته فى الوقت ذاته من التبديد فى غير مجال ومن الخبط فى التيه بلا دليل .. ما من دين فعل ذلك كما فعله الإسلام ..

وما من دين وجه النظر إلى سنن الله فى الأنفس والآفاق ، وإلى طبيعة هذا الكون وطبيعة هذا الإنسان ، وإلى طاقاته المذخورة وخصائصه الإيجابية ، وإلى سنن الله فى الحياة البشرية معروضة فى سجل التاريخ .. ما من دين وسع على الإدراك فى هذا كله ما وسع الإسلام .

فى تربية الإدراك وتقويمه وتقويم منهج النظر والحكم :

ولا تقف ما ليس لك به علم . إن السمع والبصر والفؤاد . كل أولئك كان عنه مسؤولا …

(الإسراء : 36)

يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم .

(الحجرات : 12)

وما يتبع أكثرهم إلا ظنا ، إن الظن لا يغنى من الحق شيئا …

(يونس : 36)

ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون …

(الزخرف : 20)

وفى النظر فى آيات الله فى الأنفس والآفاق :

قل : انظروا ماذا فى السماوات والأرض …

(يونس : 101)

وفى الأرض آيات للموقنين ، وفى أنفسكم . أفلا تبصرون؟

(الذاريات : 20-21)

سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق …

(فصلت : 53)

وفى النظر إلى سنن الله فى الحياة البشرية وفى مصائر من قبلهم ودلالتها التاريخية :

قل : سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة . إن الله على كل شئ قدير …

(العنكبوت : 20)

أَوَلَمْ يَسöيرُوا فöي الْأَرْضö فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقöبَةُ الَّذöينَ مöنْ قَبْلöهöمْ كَانُوا أَشَدَّ مöنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مöمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بöالْبَيّöنَاتö فَمَا كَانَ اللَّهُ لöيَظْلöمَهُمْ وَلَكöنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلöمُونَ(9) ثُمَّ كَانَ عَاقöبَةَ الَّذöينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بöآيَاتö اللَّهö وَكَانُوا بöهَا يَسْتَهْزöئُون …

(الروم : 9-10)

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتöي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مöنْ أَطْرَافöهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقّöبَ لöحُكْمöهö وَهُوَ سَرöيعُ الْحöسَابö …

(الرعد : 41)

وأمثال هذه التوجيهات كثير كثرة ملحوظة فى القرآن الكريم ، يتكون منها منهج كامل لتربية الإدراك البشرى وتقويمه وتوجيهه (1) . وستأتى منه نماذج كثيرة فى الفصول التالية .

على أن الله ، فاطر هذا الإنسان ، العالم بحقيقة طاقاته ، كان يعلم أنه بقدر ما وهبه من القدرة على إدراك قوانين المادة ، والتعرف إلى طاقات الكون فى هذا المجال ، لتسخيرها فى الخلافة .. بقدر ما زوى عنه من أسرار الحياة - كنهها وكيفية وجودها وتصرفها - وأسرار تكوينه الروحى والعقلى . وحتى تكوينه الجسمى المتصل بنشاطه الروحى والعقلى لا يزال معظمه خافيا على علمه وإدراكه ، على نحو ما كشف لنا فى القرن العشرين عالم من أكبر العلماء المتخصصين فى إخلاص وصراحة ، وهو الدكتور الكسيس كاريل فى كتابه : الإنسان ذلك المجهول وهو يقول :

… لقد بذل الجنس البشرى مجهودا جبارا لكى يعرف نفسه . ولكن بالرغم من أننا نملك كنزا من الملاحظة التى كدسها العلماء والفلاسفة والشعراء وكبار العلماء الروحانيين فى جميع الأزمان ، فإننا استطعن أن نفهم جوانب معينة فقط من أنفسنا .. إننا لا نفهم الإنسان ككل .. إننا نعرفه على أنه مكون من أجزاء مختلفة . وحتى هذه الأجزاء ابتدعتها وسائلنا ! فكل واحد مكون من موكب من الأشباح ، تسير فى وسطها حقيقة مجهولة !

وواقع الأمر أن جهلنا مطبق . فأغلب الأسئلة التى يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشرى تظل بلا جواب ، لأن هناك مناطق غير محدودة فى دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة.. فنحن لا نعرف - حتى الآن - الإجابة على أسئلة كثيرة مثل :

*كيف تتحد جزيئات المواد الكيماوية لكى نكون المركب والأعضاء المؤقتة للخلية .

*كيف تقرر الجينس - وحدات الوراثة - الموجودة فى نواة البويضة الملقحة صفات الفرد المشتقة من هذه البويضة ؟

*كيف تنتظم الخلايا فى جماعات من تلقاء نفسها ، مثل الأنسجة والأعضاء ؟ فهى كالنمل والنحل تعرف مقدما الدور الذى قدر لها أن تلعبه فى حياة المجموع وتساعدها العمليات الميكانيكية الخفية على بناء جسم بسيط ومعقد فى الوقت ذاته .

*ما هى طبيعة تكويننا النفسانى والفسيولوجى ؟ إننا نعرف أننا مركب من الأنسجة والأعضاء، والوسائل ، والشعور ولكن العلاقات بين الشعور والمخ ما زالت لغزا .

*إننا ما زلنا بحاجة إلى معلومات كاملة تقريبا عن فسيولوجية الخلايا العصبية .. إلى أى مدى تؤثر الإرادة فى الجسم ؟ كيف يتأثر العقل بحالة الأعضاء ؟ على أى وجه تستطيع الخصائص العضوية والعقلية ، التى يرثها كل فرد ، أن تتغير بواسطة طريقة الحياة ، والمواد الكيماوية الموجودة فى الطعام ، والمناخ ، والنظم النفسية والأدبية ؟

*إننا ما زلنا بعيدين جدا من معرفة ماهية العلاقات الموجودة بين الهيكل العظمى والعضلات والأعضاء ، ووجوه النشاط العقلى والروحى .. وما زلنا نجهل العوامل التى تحدث التوازن العصبى ، ومقاومة التعب ، والكفاح ضد الأمراض .

*إننا لا نعرف كيف يمكن أن يزداد الإحساس الأدبى ، وقوة الحكم ، والجرأة .

*ولا ما هى الأهمية النسبية للنشاط العقلى الأدبى .. كذا النشاط الدينى .

*أى شكل من أشكال النشاط مسؤول عن تبادل الشعور والخواطر ؟

*لا شك مطلقا فى أن عوامل فسيولوجية وعقلية معينة هى التى تقرر السعادة أو التعاسة .. النجاح أو الفشل .. ولكننا لا نعرف ما هى هذه العوامل .

*إننا لا نستطيع أن نهب أى فرد ذلك الاستعداد لقبول السعادة بطريقة صناعية وحتى الآن فإننا لا نعرف : أى البيئات أكثر صلاحية لإنشاء الرجل المتمدن وتقدمه ..

*هل فى الإمكان كبت روح الكفاح والمجهود ، وما قد نحس به من عناء بسبب تكويننا الفسيولوجى والروحى ؟

*كيف نستطيع أن نحول دون تدهور الإنسان وانحطاطه فى المدنية العصرية ؟

بالنسبة لنا . ولكنها ستظل جميعا بلا جواب .. فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان ما زال غير كاف ، وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية فى الغالب(1) ..

هذا هو مدى جهلنا بحقيقة الإنسان - إحدى الحقائق التى يتألف منها التصور الاعتقادى الشامل - بل جهلنا بأصغر وأظهر جانب من جوانب هذه الحقيقة .. كما يقرره عالم من أكبر العلماء فى القرن العشرين ، غير متهم فى علمه ، وغير منازع فى مكانته فى العالمين : القديم والجديد !

أما أسباب هذا الجهل ، من وجهة نظره القائمة على المنهج العلمى كما هو معروف فى الغرب ، وعلى انطباعاته فى جو بيئته الغربية وفى جو البحث العلمى ، وفى حدود العلم كما يقرر هو فى مقدمة الكتاب .. أما أسباب هذا الجهل من وجهة نظره هذه التى نوافقه فى بعضها . فهى كما يقول :

قد يعزى جهلنا فى الوقت ذاته ، إلى طريقة حياة أجدادنا . وإلى طبيعتنا المعقدة . وإلى تركيب عقلنا … .

ويتحدث عن السببين الأولين حديثا دقيقا ، ولكنه لا يعنينا هنا . فننتقل إلى حديثه عن السبب الثالث :

يقول :

وثم سبب أخر للبطء الذى اتسمت به معرفتنا لأنفسنا . وذلك أن تركيب عقولنا نبتهج بالتفكير فى الحقائق البسيطة . إذا أننا نشعر بضرب من النفور حين نضطر إلى تولى حل مشكلة معقدة مثل : تركيب الكائنات الحية والإنسان .. فالعقل - كما يقول برجسون - يتصف بعجز طبيعى عن فهم الحياة .. وبالعكس فإننا نحب أن نكتشف ، فى جميع العوالم ، تلك الأشكال الموجودة فى أعماق شعورنا .. إن دقة النسب البادية فى تماثيلنا وإتقان آلاتنا يعبران عن صفة أساسية لعقلنا .. فالهندسة غير موجودة فى دنيانا ، وإنما أنشأناها نحن . إذ أن وسائل الطبيعة لا تكون أبدا بالدقة التى تتصف بها وسائل الإنسان !!! فنحن لا نجد فى العالم ذلك الوضوح وتلك الظواهر ، وبعض النظم البسيطة التى تحمل عناصر ، لإحداها بالأخرى علاقات معينة ، تكون قابلة للوصف حسابيا .. وقدرة الاستخلاص هذه التى يتمتع بها العقل البشرى ، مسؤولة عن ذلك التقدم الرائع الذى أحرزه علماء الطبيعة والكيمياء ..

ولقد لقيت الدراسة الطبيعية - الكيماوية للكائنات الحية نجاحا مماثلا . فقوانين الطبيعة والكيمياء ، متماثلة فى عالم الكائنات الحية وعالم الجماد - كما خطر ببال كلود برنار منذ أمد بعيد - وهذه الحقيقة توضح لماذا اكتشف علم وظائف الأعضاء الحديث مثلا أن استمرار قلوية الدم وماء المحيط تفسرها قوانين متماثلة ، وأن النشاط الذى تستهلكه العضلات المتقلصة يقدمه تخمر السكر .. الخ .. إن النواحى الطبيعية - الكيماوية للكائنات الحية يسهل تقريبا فحصها ، مثل تلك النواحى فى الأشياء الأخرى الموجودة فى العالم المادى .. وتلك هى المهمة التى نجح علم وظائف الأعضاء فى تحقيقها .

إن دراسة الظواهر الفسيولوجية الحقة - أى تلك الظواهر التى تنتج من تنظيم الكائن الحى - تواجه عقبات أكثر أهمية . إذ أن شدة ضآلة الأشياء التى يجب تحليلها ، تجعل من المستحيل استخدام الفنون العادية لعلمى الطبيعة والكيمياء .. فأى طريقة يمكن أن تكشف القناع عن التركيب الكيمياوى لنواة الخلية الجنسية ، والكروموسومات ؟ والجينس ناقلات الوراثة التى تؤلف هذه الكروموسومات ؟ ..

مهما يكن .. إن المجموع الكلى للمواد الكيماوية شديدة الضآلة ، على أعظم جانب من الأهمية ، لأنها تحتوى على مستقبل الفرد والجنس(1) .. كما أن قابلية أنسجة معينة لسرعة العطب ، مثل المادة العصبية ، عظيمة إلى درجة أن دراستها فى حالة الحياة مستحيلة تقريبا .. ونحن لا نملك أى فن يمكننا من النفوذ إلى أعماق المخ وغوامضة ، أو إلى الاتحاد المتناسق بين خلاياه . وعقلنا الذى يحب ذلك الجمال البسيط للتراكيب الحسابية ، يتنابه الفزع حينما يفكر فى تلك الأكداس الهائلة من الخلايا والأخلاط والإحساسات ، التى يتكون منها الفرد ، ومن ثم فإننا نحاول أن نطبق على هذا المخلوط ، الأفكار التى ثبتت فائدتها فى مملكة الطبيعة والكيمياء والميكانيكيات . كذا فى النظم الفلسفية والدينية .. ولكن مثل هذه المحاولة لا تلقى نجاحا كبيرا . لأن أجسامنا لا يمكن أن تختزل إلى : نظام طبيعى كيميائى . أو إلى كيان روحى .. بالطبع .. إن على علم الإنسان أن يستخدم آراء جميع العلوم الأخرى .. ولكن عليه أيضا أن ينمى آراءه الخاصة لأنه علم جوهرى ، مثل علوم الجزيئات والذرات والإلكترونات .

وينهى هذا الفصل بقوله :

صفوة القول : أن التقدم البطئ فى معرفة بنى الإنسان - إذا قورن بالتقدم الرائع فى علوم الطبيعة والفلك والكيمياء والميكانيكا ، يعزى إلى حاجة أجدادنا إلى وقت الفراغ . وإلى تركيب عقولنا ..

وهذه العقبات أساسية . وليس هناك أمل فى تذليلها .. وسيظل التغلب عليها شاقا ، يستلزم جهودا مضنية ..

إن معرفة أنفسنا لن تصل أبدا إلى تلك المرتبة من البساطة المعبرة ، والتجرد ، والجمال ، التى بلغها علم المادة . إذ ليس من المحتمل أن تختفى العناصر التى أخرت تقدم علم الإنسان .. فعلينا أن ندرك بوضوح ، أن علم الإنسان هو أصعب العلوم جميعا(2) .

هذا هو تعليل ذلك الجهل بحقيقة الإنسان ، وأصغر جانب من جوانب هذه الحقيقة - من وجهة نظر العالم الغربى الكبير .. ومهما نختلف معه فى طريقة النظر إلى القضية كلها .. فإننا نكتفى بهذه الشهادة .. ونراه قد لمس فيها السبب الأساسى - وهو طبيعة تكوين عقلنا - فهذا التكوين مرتبط بوظيفة الإنسان فى الأرض - وظيفة الخلافة - وهى تقتضى أن يكون تركيب عقله على هذا التصميم لأنه أنسب تصميم للقيام بالوظيفة ! وسيتقدم فى إدراك قوانين المادة وتسخيرها ، كما سيتقدم فى معرفة جوانب من حقيقة الإنسان أكثر مما عرف . ولكن أسرار التكوين الإنسان ستظل خافية عليه أبدا .. سيظل سر الحياة ، وسر الموت ، خافيين تماما . وسيظل سر الروح الإنسانى بعيدا عن مجال إدراكه .. لأن شيئا من هذا كله لا يلزمه فى وظيفته الأساسية .

وعلى أية حال ، فإنه من خلال هذه الشهادة - وحدها - تبرز لنا حقيقتان جاهرتان :

أولهما : حقيقة رحمة الله بهذا الإنسان ، حين لم يدعه - بجهله هذا الذى يشهد به عالم كبير من علمائه فى القرن العشرين - يصنع تصوره الاعتقادى لنفسه . وهذا التصور يشتمل تفسيرا شاملا - لا لحقيقة الإنسان المجهولة له فحسب ، ولكن كذلك الحقيقة الألوهية الكبرى ولحقيقة الحياة وسائر الارتباطات بين هذه الحقائق جميعا .. وحين لم يدعه - بجهله هذا بحقيقة ذاته - يصنع منهج حياته وشكل نظامه ، وشريعته وقوانينه .. وكلها تقتضى علما كاملا شاملا . لا بحقيقة الإنسان وحدها . ولكن كذلك بحقيقة الكون الذى يعيش فيه الإنسان وبحقيقة الحياة التى ينتسب إليها. ثم بحقيقة القوة الكبرى الخالقة المدبرة لهذا الكون وما من فيه ..

وثانيهما : حقيقة التبجح الذى تبجحه كل من تصدى من جنس البشر - قديما وحديثا - لوضع ذلك التفسير الشامل للكون والحياة والإنسان . ولوضع مناهج للحياة وأنظمة للناس وشرائع لحياتهم .. بمثل هذا الجهل ، الذى لا يمكن أن يؤدى ، إلا لمثل ما أدى إليه من تيه وركام فى التصورات . ومن فساد وقصور فى المناهج . ومن شقاء وتعاسة فى الحياة . فهذه كلها هى النتائج الطبيعية والثمار المرة لذلك التبجح الكرية ! ولذلك الجهل العميق(1) .

إن التصور الربانى الذى يتلقاه الإنسان من الله هبة لدنية خالصة .. قد أعفى البشر الضعاف الجهال من الكد فيها ، ووفر عليهم هم إنشائها ، وتبديد طاقتهم فى هذا المجال الذى لم يهبهم الله دليله ولا أداته .. وذلك ليفرغوا لتلقى هذه الهبة وإدراكها ، والتكيف بها ، واتخاذها أساسا لمنهج حياتهم ، وميزانا لقيمهم . ودليلا هاديا يصلون به ومعه .. فإذا فارقوه ضلوا وتاهوا ، وخبطوا وخلطوا ، وجاءوا بما يضحك ويبكى من التصورات والانحرافات ، وشقوا وتعسوا بالمناهج والأنظمة التى يقيمونها على أساس من ذلك الجهل العميق ! ومن ذلك التخبط والتخليط !

وفى هذا يقول الأستاذ أبو الحسن الندوى فى كتابة القيم : ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين :

وقد كان الأنبياء - عليهم السلام - أخبروا الناس عن ذات الله وصفاته وأفعاله . وعن بداية هذا العالم ومصيره . وما يهجم عليه الإنسان بعد موته . وأتاهم علم ذلك كله بواسطتهم عفوا بدون تعب . وكفوهم مؤونة البحث والفحص ، فى علوم ليس عندهم مبادئها ، ولا مقدماتها التى يبنون عليها بحثهم ، لتوصلوا إلى مجهول . لأن هذه العلوم وراء الحس والطبيعة ، ولا تعمل فيها حواسهم ، ولا يؤدى إليها نظرهم ، وليست عندهم معلوماتها الأولية .

لكن الناس لم يشكروا هذه النعمة ، وأعادوا الأمر جذعا ، وبدأوا البحث أنفا . وبدأوا رحلتهم فى مناطق مجهولة ، لا يجدون فيها مرشدا و لا خريتا(1) . وكانوا فى ذلك أكثر ضلالا ، وأشد تعبا وأعظم اشتغالا بالفضول .. من رائد لم يقتنع بما أدى إليه العلم الإنسانى فى الجغرافية ، وما حدد وضبط الخرائط على تعاقب الأجيال ، فحاول أن يقيس ارتفاع الجبال وعمق البحار من جديد ، ويختبر الصحارى والمسافات والحدود بنفسه .. على قصر عمره ، وضعف قوته ، وفقدان آلته .. فلم يلبث أن انقطعت به مطيته ، وخانته عزيمته فرجع بمذكرات وإشارات مختلة .. وكذلك الذين خاضوا فى الإلهيات ، من غير بصيرة ، وعلى غير هدى ، جاءوا فى هذا العلم بآراء فجة ، ومعلومات ناقصة ، وخواطر سانحة ونظريات مستعجلة .. فضلوا وأضلوا (2) .

على أن أمر الذين حاولوا إنشاء تصورات اعتقادية من عند أنفسهم ، أو إنشاء تصورات فلسفية لتفسير الوجود وارتباطاته كانوا أشد ضلالا من هذا الذى صوره الأستاذ الندوى ، وأكثر خطرا على حياة البشرية . أما الأخطر من هذا كله ، فكان هو تحريف العقائد السماوية - وبخاصة النصرانية - وقيام كنيسة فى أوربا تملك السلطان باسم هذه النصرانية المحرفة ، وتفرض تصوراتها الباطلة بالقوة كما تفرض معلوماتها الخاطئة والناقصة عن الكون المادى ، وتعارض بوحشية خط البحث العلمى فى ميدانه الأصيل ، بمقولات تعطيها طابع الدين . والدين منها برئ ..

وقد نشأ هذا كله من تدخل الفكر البشرى بالإضافة والتأويل والتحريف للأصل الربانى للعقيدة النصرانية وللتصور النصرانى . وإلحاق هذا كله بالأصل الربانى والعقيدة السماوية .

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

Query Error