ولم يؤثر عن أمة من الأمم العناية برواة أخبارها وكتبها، ومأثورات أنبيائها كما عرف ذلك عن هذه الأمة الإسلامية التي عنيت بهذه الناحية أتم العناية، حتى إن اهتمامها بالأسانيد والرواة لم يقف عند حد العلوم الشرعية، بل تعداها إلى العلوم الأدبية والأخبار التاريخية وغيرها وإن كان في الحديث النبوي وما إليه أدق وأوضح.
قال أبو على الجياني: (خص الله تعالى هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب).
وقال ابن حزم: 'نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم مع الاتصال خص الله به المسلمين دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد صلى الله عليه وسلم، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرا...ولا يمكن أن يبلغوا إلى صاحب نبي ولا إلى تابع له'.
وقد أثر عن السلف في الحث على العناية بالإسناد أقوال كثيرة:
قال ابن المبارك: 'الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما يشاء'.
وقال سفينا بن عيينة: ' حدث الزهري يوما بحديث فقلت: هاته بلا إسناد، فقال الزهري: أترقى السطح بلا سلم؟'.
وقال الثوري: 'الإسناد سلاح المؤمن'.
وقال أحمد بن حنبل: 'طلب الإسناد العالي سنة عن السلف، لأن أصحاب عبدالله كانوا يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عمر ويسمعون منه'.
وقال محمد بان أسلم الطوسي: 'قرب الإسناد قرب أو قربة إلى الله تعالى'.
وقال محمد بن سيرين: 'إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخدون دينكم'.
وقال: 'لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم'.
وحكى الأوزاعي عن سليمان بن موسى قال: (لقيت طاووسًا فقلت: حدثني فلان كيت وكيت قال: إن كان صاحبك '....' فخذ عنه).