لكن قابلية هذا العلم على التأثير في حملته والتعدي إلى آخرين متوقفة على شرطين مهمين:
الشرط الأول: صفاء بلا ابتداع.
بأن يكون على السنية المحضة، والاتباع الصارم، والانتساب إلى ما كان عليه السلف فهما وعملا، وهذا الانتساب معلم بارز من معالم تمييز البدعة أشار إليه النسفي في تفسيره لما وصف الله تعالى به نفسه أنه : " بديع السماوات والأرض "، فقال: (أي مخترعهما ومبدعهما لا على مثال سبق. وكل من فعل ما لم يسبق إليه يقال له: أبدعت . ولهذا قيل لمن خالف السنة والجماعة : مبتدع، لأنه يأتي في دين الإسلام ما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم) (1).
ويجتمع هذا التمييز إلى تمييز آخر كامن في الوضوح الذي حواه الدعاء الذي لقنه الله تعالى لكل مؤمن فهو يقوله بكرة وأصيلا، ويتضرع أن: { اهدنا الصراط المستقيم } .. أي : ( ثبتنا على المنهاج الواضح)، كما قال النسفي.
فصاحب السنة ظاهر مفاخر مشاور، والمحدث باطن شائن مائن. وذو الاتباع أبدا في العرصات علانية، والمبتدع يهرب أبدا إلى الدهاليز والأقبية والظلام، يتوارى.
وكأن هذه الاحساسات هي التي أنطقت الشاعر في تشبيهه للسماء، فقال:
وكأن النجوم بين دجاها *** سنن لاح بينهن ابتداع
قال السكاكي:
(فإنه حين رأى ذوي الصياغة للمعاني شبهوا الهدى والشريعة والسنن وكل ما هو علم بالنور، لجعل صاحبها في حكم من يمشي في نور الشمس فيهتدي إلى الطريق المعبد، فلا يتعسف فيعثر تارة على عدو قتِّال، ويتردى أخرى في مهواة مهلكة، وشبهوا الضلالة والبدعة وكل ما هو جهل بالظلمة، لجعل صاحبها في حكم من يخبط في الظلماء فلا يهتدي إلى الطريق، فلا يزال بين عثور وبين تردد: قصد في تشبيه هذا تفضيل السنن في الوضوح على النجوم، وتنزيل البدع في الإظلام فوق الدياجي) (2).