وكما يكون في أحكام الجوارح (اجتهاد) و (مذاهب): يكون في علم القلوب (اجتهاد) و (مذاهب) أيضا، وذلك أن المؤمن يظل يزداد تأملا في أحوال القلب حتى يدخل مرحلة (الاجتهاد الإيماني)، ربما، ويسعفه الإلهام والتوفيق، فيكون أقوى فراسة وأدق تمييزا وأكثر جمعا للمصالح. فمما لا يدركه كثير من الناس أن الاجتهاد كما يكون في أحكام فقه الحلال والحرام يكون في فقه الإيمان أيضا، فيفاضل بين منازل الأخلاق، أو يكون له ذوق في المزج بين منزلتين، أو تتابعهما، أو الفصل بينهما، مثلا. ومن أجمل وأبرع (الاجتهادات الإيمانية): اجتهاد البخاري رحمه الله - فيما يروى عنه في سيرته - بين الدعاء وتركه، وقوله أنه قد دعا الله تعالى مرتين فاستجاب له، فهو يستحي أن يستطرد في الدعاء، أو يخشى الاستدراج.
ولا يفهم الناس هذا التمنع، ويظنونه عدولا عن سنة، فإن الدعاء سنة إيمانية محكمة، بل هو مطلوب مندوب، وهو علامة ثقة المؤمن بربه وتعويله على إحسانه وكرمه، ولكن البخاري إنما ينتقل عبر هيبته تلك لله تعالى إلى سنة أخرى يراها في مذهبه واجتهاده أحكم وأبلغ في الإخبات والتواضع والتذلل بين يدي حكمة الله تعالى، وهي سنة (التفويض)، فإنه يكل الأمر إلى ربه يفعل به ما يشاء ويختار له الأصلح في دينه ودنياه، وهذا نوع آخر من الثقة بالله تعالى هو قسيم الثقة المحركة للدعاء، وتعبير آخر عنها، ويسع المجتهد في فقه الإيمان أن يفاضل بينهما.
ومما يزيد في توضيح معنى الاجتهاد الإيماني وإثبات وجوده أن تعلم ما ارتكبه بعض المسلمين من خطأ في السلوك باسم التصفية والتزكية والترويض والتربية ، مما كثر عند بعض المتصوفة، أو من خطأ في فهم العقيدة حتى استحال خطؤهم إلى بدع متتالية، وكل ذلك إنما هو (اجتهاد) لكنه خاطئ، و (مذهب) في التأويل، لكنه قاصر. وإذا كان هناك اجتهاد مثل هذا هو عن الصواب بمعزل، فإن ذلك يعنى إمكانية أن يكون هناك اجتهاد له من التوفيق والصحة نصيب.
وانظر في هذا ما يروى عن رابعة العدوية من عدول عن التعبد بنية الثواب أو خوف العقاب، مما هو عدول عن عبادة سنية محضة: يتضح لك مثل من أمثلة الخطأ في الاجتهاد الإيماني. وفي إرهاق النفس وفطمها عن المباحات مثل آخر فعله ويفعله آخرون خلاف السنة، وفي فعل الكرامية الذين يرتكبون القبائح لتكون توبتهم - بزعمهم - أوثق. ولكن بمقابل ذلك دارت اجتهادات أخرى في دائرة الممكن والسائغ والمقبول، كمفاضلة البعض بين الشكر والصبر أيهما أفضل وأعلى، مما هو مشهور في محاورات أصحاب القلوب، والتأمل في هذه الأمثال يفتح لك باب الفهم لمعنى الاجتهاد الإيماني.
ومن شعب هذا الإيمان: الاستسلام للقدر حين يرى العبد أن الأسباب الظاهرة المألوفة عند الناس ما عادت تجدي أو توصله إلى مبتغاه ومراده، فيدرك أن في الأمر سرا ربانيا وحكمة خفية، وأن الله سبحانه يريد به لطفا - ربما - حين يمنعه عن نيل ما يناله الناس، ربما حتى فاجرهم، بل كافرهم، فيطرح نفسه على باب ربه متذللا مفوضا، ويختط لنفسه مذهبا قدريا خاصا، فيفتي نفسه بأن يكون ريشة في مهب ريح القدر، وقد كان من قبل يصارع قدر الشر بقدر الخير على طريقة عبد القادر الكيلاني المشهورة الصحيحة السنية، وقد أتاها وحاول وأجهد نفسه وقواه ورصد الأسباب فسلكها وخاض الغمار وأوغل في العمق واحتال بكل الحيل، لكنه فشل، فيغمره إدراك حينئذ لموقعه، وأنه محروس، بلطف ورعاية إلهية، مما يظنه خيرا وهو شر له، أو هو معاقب ممنوع، من جبار منتقم بعدل، فيتميز له طريق التوبة إذ هو في حالة الإذعان المبالغ فيه والإخبات الذي يوصله إلى أدنى درجات المسكنة ونكران الذات والإزراء على نفسه وتوبيخها وردعها واتهامها ومنعها من الاعتذار والتأول، فيسد عليها مسارب التملص كلها، ويحملها المسؤولية كاملة، حتى يرهقها محاسبة، فعسى عندئذ أن يفتح له باب من التوفيق يلج من زاويته هاربا، أو يسلك في الدرب الذي بعده صاعدا، وهذا مذهب سني صحيح ليس له مع مذهب الابتداع القدري التقاء، وإنما يميزه قدماء أهل المعاناة فقط، ولن يؤذن لطارئ أن يقارب مغزاه، وهو شأن القلب وأحاسيس اللجج، لا شأن اللسان ودعاوى اللجاج.
فإذا استوى على أمواج القدر، وهتف به من جانب الأفق هاتف في صورة صاحب صلاة يتلو ويبشره أن { إن الله يدافع عن الذين آمنوا }، فليس في ذاك الأوان أسعد منه ولا أكثر منه وثوقا في المستقبل، فيدرك أن العاقبة للمتقين، وأنها محجوزة له محتكرة إذا استقام . وإذا قرأ { فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا } فإن قلبه يجد إلى الطمأنينة سبيلا، وكأنه يتناوش اليسر من مكان قريب أو يرمى به إليه هدية وعليها اسمه وعنوانه ملفوفة بوثيقة امتياز يؤهله لتصرف غير ذي حد ولا انتهاء، إلا أن يكون هو الناكل بعدما يتدخل حسد الشيطان، فينكبح، فتكون له قصة توبة ثانية ليست لذة الاستئناف فيها بأقل من لذة الرفل بتلك السكينة الأولى لو كان مستمرا.
أما إن سمع {وكفى بربك هاديا ونصيرا}، أو أحاطته معاني {ومن يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا} فإنه سيبلغ ذروة عالية، وكأن زمام الصعاب في يديه، فما من شوارد، ولا صوائل. ويظل يزداد ثقة إذا قرأ أمثال {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى}.
وفي القرآن الكريم مبشرات كثيرة أخرى، وفي الحديث الشريف، وفي شعر المؤمنين، وهي البشائر التي نقلها عمر بهاء الدين الأميري رحمه الله، حين وصف صاحب اليقين فقال:
ولا يرى من فزع رهن أسى *** يقينه كالطود في القلب رسا
يبصر في غور الخطوب قبسا *** من نصرة الله إذا ما استيأسا (1)
ثم استطرد شعراء الإيمان في جمعهم للمعاني الكبيرة في ألفاظ صغيرة تهز قلب المؤمن هزة التمحيض، لتتركه يستقر ثابتا عند ركن التفويض، أو طائفا حول محاور العمل على سنة الترويض، فهو يكفيه موعظة أن يذكره شاعر بأن عيون الناس قد نامت قاطبة، (لكن عين الله لم تنم)، فيحس معنى الحراسة الربانية، وأن له أن يستريح، وأن يسيح، خافقا بجناحيه مع الريح، لأنه في كلاءة الله تعالى ولطفه، تلحظه عين الرعاية أينما انقلب، فترد عنه العدو وصور الشر، فتكون له جرأة على الاقتحام في مواطن يتلكأ عنها الغافلون المحرومون من تحسس تلك الكلاءة، ويقدم على التحدي وهو رابط الجأش، بفؤاد متين، ثم يحس في انعطافة مباشرة معنى الرقابة الربانية أيضا، وأنه محاصر بها أينما ذهبت به حيل التفلت، فيدرك عجزه عن الاختباء في زاوية أو في قعر كهف أو بين جدران، فهو مفضوح مكشوف أينما ذهب، وليس له إلا أن يذعن ويستسلم ويضع نفسه في تيار التعبد الدائب، وهكذا يظل المؤمن الموقن بأن (عين الله لم تنم) متقلبا بين هذين الإحساسين الإيجابيين، فهو رافل بسكينة اللطف من جانب، متدرع، من جانب آخر، بطمأنينة إبراء الذمة فيما يظن، بعد أن قدم من العمل شيئا ولاذ بركن الرجاء، طامعا ببر رب هو عند حسن ظن عبده به.
ومن فروع هذا التفويض أيضا: قبول المؤمن لوقوع الظلم عليه من آخرين، بلا مقاومة أو انشغال بالرد، وبلا سعي إلى التقاضي ورفع الخصومة لدى المحاكم، أو الشكاية إلى أولي الأمر أو إلى ذي مكانة يستطيع أن يردع الظالم، بل يسكن، ويتعفف، ويرى أن مكانته الإيمانية أعز من أن يتساوى في الظاهر مع ذي العيوب الذي اعتدى عليه، ويرى أن المروءة تدعوه إلى أن يشمخ على الذي يبدي الإسفاف، وأن يترفع عن موقف يقوده إلى رفع صوت أو إثارة فضول الغرباء أو جدل أو لجاج، فيلوذ بالصمت، ويركن إلى معاني التوكل على الله: أنه هو سبحانه الذي سيعوضه خيرا مما سلب منه، إن كان مالا: فسيبارك له من مصدر آخر. أو كان ذما: فسيفتح قلوب الناس لمحبته ويحسن ذكره في الآفاق. أو كان حرمانا من منصب أو رئاسة: فسيهبه نقابة المؤمنين والصدارة في جماعة الخير. وأنا نفسي قد اخترت هذا النوع من التفويض في حياتي فوجدته لذيذا جدا، ووجدت الله كريما معي غاية الكرم، يعوضني الضعف إذا سلبني أحد دراهمي، ويبعث لي من يسمعني ألفاظا جميلة إذا تجاوز علي متجاوز فاستفزني، وهكذا صرت أتأول الخير وحسن العقبى حتى في صغار الأمور اليومية، كأن يأخذ أحد دوري في دخول محل أو ركوب حافلة، مثلا، أو حصول غش من بائع لي، فاستولت علي سجية الاسترسال مع رغبة المنافس أو الطامع، وبقلب بارد مطمئن إلى أن ما هو أحسن إنما هو في انتظاري، في حين أرى غيري يشتاط ويزمجر ويدخل المعارك في مثل ما أستقبله أنا بالتجمل.
ويتوسع الأمر السلمي ومفهوم الوداعة حتى يشكل سلسلة من الذوقيات الرفيعة التي وصفتها في تقريري الميداني المعروف، بل صغتها لأصحابي في قوانين تعاملية ذات حساسية مسرفة في التعفف والدماثة وهضم حقوق النفس في سبيل إرضاء الغير، مع حياء فيه مبالغة، وحرص على التشبه بأصحاب مكارم الأخلاق وتقليد النبلاء، وما زال يتوسع عدد الرهط الذين ارتضوا هذه القوانين، ولكن ما زال هناك من لا يصبر على اللأواء الظاهرية لهذه المسالمة، غير منتبه إلى ما في باطنها وعواقبها من لذائذ روحية حين يرى المسالم نفسه في الأماكن العوالي.
لكن هذا الباب إنما هو إزاء الحقوق الشخصية، أما الظلم السياسي فشأنه مغاير، وإنما شرع الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمثله، وتترجم معاني الإيمان إذا وقع هذا الظلم في صورة رفضه ومنازعته ومقاومته، لأن الظالم إنما سلب حقا إسلاميا عاما، واعتدى على شعيرة من شعائر الله، وقد ندب الله تعالى المؤمنين إلى أن يكونوا أعزة يعلمون الناس الإباء … والشوق إلى الحرية .