لكن أهم ما يجب أن ننتبه له إذ نحن ننتظر وصفة العلاج: أن الجواب لا يمكن أن يكون نظريا بحتا أو أن يوضع من وراء حجاب، بل لا بد من معاينة وتشخيص من خلال التعامل، وإلا كنا مثل طبيب المجلات، يسأله القارئ، ويجيب عن بعد، دون أن يعد نبضات قلبه، أو يقيس ضغطه وحرارته، أو يتفرس في وجهه ويميز صفرته من حمرته، وجواب مثل هذا يكون الخطأ فيه كبيرا.
ومن هنا فإن مهمة مثل هذا الكلام أن يضع الموازين والقواعد لا أن يشخص الحالات، وسبب ذلك أن النفوس مختلفة، لكل نفس هويتها الخاصة التي لا تكاد أن تشابهها نفس أخرى، حتى لأنها مثل بصمات الأصابع في دلالتها على هوية الشخص، لا تتكرر أبدا، وإن كانت تتقارب، فهناك لكل شخص (هوية نفسية) يجب أن نفحصها ونتعرف عليها قبل أن نحكم عليه في قضية يتعلق الحكم فيها بهذه الهوية ويتأثر بنوعيتها، وقضية الفتور في العمل الدعوي من ضمن هذه القضايا.
وإنما تنشأ اختلافات النفوس من حقيقة أن كل نفس هي عبارة عن (خلطة) أو (مزيج) أو (تركيبة) من صفات شتى متضادة، صفات خير، وصفات شر.
فمن جانب توجد الشجاعة، ويوجد الكرم والحلم والصبر، وبقية الصفات الإيمانية الحسنة، ومن جانب آخر يوجد الجبن والبخل والحسد وسوء الظن وبقية الصفات السيئة، ويختلط مقدار من هذه وهذه في بوتقة واحدة وبمقادير معينة، فتكون نفس فلان، وبمقدار آخر، فتكون نفسية أخرى، في تعدد وتنوع لا حصر لهما يجاريان كثرة الاحتمالات الرياضية للتوافيق والتباديل بين الصفات الجزئية .. وكما أن جميع معادلات الرياضيات نشأت من الأرقام العشرة، الصفر إلى التسعة، فإن جميع النفوس نشأت من تلك الصفات، فنفس فيها 10% من الكرم، ونفس فيها 90% منه، وبينهما درجات.
إن هذا الفهم للتركيب النسبي للنفوس هو أحد أهم القواعد في التعامل مع النفوس في كل أحوالها، وهو وإن ظهر للوهلة الأولى أنه البديهية التي لا يحتاج أحدنا إلى أن يذكر بها، إلا أن التجربة التربوية تشير إلى أن هذا الفهم كان كثيرا ما يغيب عن بال المربين وواصفي العلاج.
بل أكثر من هذا، فإن (الخلطة) الواحدة التي تتكون منها نفس شخص ما ليست دائمة، بل لها تغير كبير واضح في كل حقبة، وأصغر منه في كل سنة، وأصغر منه في كل موسم، وأصغر منه في كل يوم، ولو كانت النفوس جامدة لا تقبل التغير لما كان للوعظ دور، ولا للتربية معنى، لكن أغلب هذا التغير إنما يكون بالتطبع وقسر النفس على الظهور بمظاهر معينة والقيام بأعمال ثقيلة عليها، وإن كان طول التطبع قد ينسي النفس طبعها القديم وتتحول المغالبة إلى عادة ميسورة.
من هنا ينتفي صواب وصفة مطلقة للعلاج، بل لا بد من دراسة ميدانية للظواهر العامة وتشخيص أسبابها وتاريخ ظهورها، ولا بد من إقامة علاقة ثنائية مباشرة قبل الإفتاء في الظواهر الفردية الخاصة تتيح اكتشاف جذورها .