ولذلك كان الفقه الإيماني يرتكز كله على التفريق بين نفسين، والتحذير من اللهو أو السدر في السهو، ومقاربة أسباب الفتنتين، في دعوة للعلو، خوف الهبوط، وذلك هو الذي جعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يكثر التخويف، استنباطا من مثل قوله تعالى : { قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون } فيقول: (أي ساهون عن أمر الآخرة، فهم في غمرة عنها، أي فيما يغمر قلوبهم من حب الدنيا ومتاعها، ساهون عن أمر الآخرة وما خلقوا له . وهذا يشبه قوله : { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } .. فالغمرة تكون من اتباع الهوى، والسهو من جنس الغفلة . ولهذا قال من قال: السهو: الغفلة عن الشيء وذهاب القلب عنه. وهذا جماع الشر: الغفلة والشهوة.
فالغفلة عن الله والدار الآخرة: تسد باب الخير الذي هو الذكر واليقظة. والشهوة: تفتح باب الشر والسهو والخوف، فيبقى القلب مغمورا فيما يهواه ويخشاه، رائدا غير الله ، ساهيا عن ذكره، قد اشتغل بغير الله، قد انفرط أمره، قد ران حب الدنيا على قلبه) (2).
وواصل صاحبه ابن القيم رحمه الله طريقته، فيقول في مثل قوله تعالى: { قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها } :
(المعنى : قد أفلح من كبرها وأعلاها بطاعة الله وأظهرها، وقد خسر من أخفاها وحقرها وصغرها بمعصية الله.
وأصل التدسية: الإخفاء، ومنه قوله تعالى: { يدسه في التراب } ، فالعاصي يدس نفسه في المعصية، ويحمي مكانها، ويتوارى من الخلق من سوء ما يأتي به، قد انقمع عند نفسه، وانقمع عند الله، وانقمع عند الخلق . فالطاعة والبر تكبر النفس وتعزها وتعليها حتى تصير أشرف شيء وأكبره وأزكاه وأعلاه، و مع ذلك فهي أذل شيء وأحقره وأصغره لله تعالى، وبهذا الذل حصل لها هذا العز والشرف والنمو) (1) .
وهذه منهما مواصلة لمذهب الحسن البصري وطريقته الآنفة، وكان قد وصل بينهما وبين الحسن جيل أوسط كثير عدده، جزيل قوله، وكأن ابن الجوزي قد انتصب لهم إماما أو فوضوه وكيلا يترجم خلجات صدورهم، عبر كشف تلبيسات إبليس، أو خلال اصطياده لخواطره، وكان رحمه الله يرى أن:
(من نازعته نفسه إلى لذة محرمة فشغله نظره إليها عن تأمل عواقبها وعقابها، وسمع هتاف العقل يناديه: ويحك لا تفعل، فإنك تقف عن الصعود، وتأخذ في الهبوط، ويقال لك: ابق بما اخترت. فإن شغله هواه فلم يلتفت إلى ما قيل له: لم يزل في نزول) (2).
ثم رفع صوته ينادي : ( فالله الله في حريق الهوى إذا ثار، وانظر كيف تطفئه . فرب زلة أوقعت في بئر بوار، ورب أثر لم ينقلع، والفائت لا يستدرك على الحقيقة، فابعد عن أسباب الفتنة، فإن المقاربة محنة لا يكاد صاحبها يسلم ) (2)
فلئن كان الإجماع في فقه الأموال: إجماع الصحابة، أو إجماع جيل من أجيال المسلمين إذا وقعت بهم نازلة غريبة، فإن هاهنا في فقه الأحوال يتراكم إجماع الصحابة والتابعين وجميع الأجيال، وذلك سر شجاعتنا وعنادنا في الإصرار على هذا المذهب التربوي . وكان عبدالوهاب عزام رحمه الله، قبلنا بقليل، قد عرفه أيضا، حتى منحته معرفته الإيمانية ثقة، بها طفق يسيطر على نفسه ذات الخيارين - بإذن الله - حتى لكأن مفتاح التحويل القلبي بيده أسلس من مفاتيح الأبواب، ليس يحتاج إلا إلى لمسة ليستدرك أو يقصد الخير بعد كل ضياع، وروى تجربته في ذلك:
تسفل النفس بالصغائر حينا ***** وتضيق الحدود والآماد
فأحل القيود عنها فتسمو ****** فإذا بي الآزال والآباد (3)
وإنما يفهم قوله بمعاني المجاز وأبعاده.
فهو - بتمكين الله تعالى - مسيطر على ساحة المكان والزمان، يتجول في أعماقهما، بما وفقه الله إليه من فك الأسر وحل القيود.
وفي هذا تقرير لحقيقة إيمانية مهمة: أن مذهبنا في الخوف من الغفلات حق، ولكن هناك حقيقة أقوى من ذلك وأظهر وأجلى: أن الله يؤيد المؤمن بالعزائم، فتكون إرادته أقوى من نداء الشهوات، ومن هنا نستطيع أن نضع قاعدة في التربية الإسلامية: إن المؤمن يليق له أن يثق بنفسه، وأن يحسن الظن بها، وأنه مؤهل للأعمال الجليلة التي ندبه الله لها، من خلافة في الأرض، وإصلاح بين الناس، وتقويم كل اعوجاج، وما الخوف إلا طبيعة رقابية تتولى الحفظ والتنقية من الشوائب، لأن المحيط فيه غبار، الشيطان يثيره، ولأن الطريق فيه عثار، ابليس يمد رجله بين أرجل الراكضين ...