وشبهة رابعة تنفي القوة عنا حين ترى الحصار المحكم الذي فرضه الخصوم علينا حتى احتكروا أشكال القوة العرفية، وحصرونا في الزاوية الضيقة كدعوة خالية الغمد.
وليس هذا التعميم بصواب، لأن قوتهم مقترنة بغوغائية يقودها جهل، وتأسرهم أذواق فاسدة منحرفة عن الفطرة، وتسيرهم أخلاق مصلحية نفعية هي عن المكارم نائية، مع فوضى في التفكير، ومزاجية في القرار، وخيانة في الأداء، وانظر كيف اجتمعت كل هذه العيوب في حزب صدام مثلا .
بينما ننطلق نحن من منهجية رصينة يخسأ الضالون أن يقاربوها، ومن قاعدة معرفية عريضة تنضجها تخصصات متكاملة، حتى أصبح عملنا يمثل سلسلة من المقدمات الحضارية المدنية التي تفرض نفسها في الساحة وفق قاعدة البقاء للأصلح، وهذا هو مكمن القوة عندنا، وذلك لأن مرجع الناس في الآخر إلى تحكيم العقل، مهما طاشت بهم السكرات، وأوبتهم إلى موازين الفطرة في المآل، مهما انتكست الأذواق أيام الغفلات .
ولقد وضع الفيلسوفان الغربيان بيكون وهوبز قبل أكثر من قرنين معادلة صحيحة أوجزا فيها خبر التاريخ وتجارب الصراع، فقالا: ( إن المعرفة معناها : القوة ) (1)
وهو شعار جد صحيح، ونظرة عميقة لحركة الحياة، والبرهان على ذلك: النتيجة التفوقية التي وصل إليها الغرب لما سيره بيكون في طريق المعرفة أثناء رئاسته لوزراء بريطانيا، ثم لما واصل من بعده الاندفاع في هذا الطريق المعرفي، فكانت القوة والقيادة والسبق وفنون الإدارة والمخترعات والنهضة الصناعية وقهر الأمم الأخرى وامتصاص أموالها، وكانت التخطيطات الاستراتيجية البعيدة المدى وتنفيذهم لها بصبر وصمت وإحاطتها بسر دفين، وبقي غيرهم تخدعه العواطف والارتجال، وانظر إلى الحرب العالمية الأولى وإجهازهم على الدولة العثمانية، ثم انظر إلى تكامل تدبيرهم في عاصفة الصحراء كمثل أخير، واعتماد صدام على الزمجرات وهتاف الغوغاء، ثم انظر إلى مسلسل تركيع الاتحاد السوفييتي وتمزيقه، ولم يصل المشهد بعد إلى نهايته.
وهكذا، فإن مواصلة الدعوة الإسلامية سيرها المنهجي على قواعد الإدارة المتطورة في طريق المعرفة الشمولية والعلوم التطبيقية التخصصية والفنون المدنية إنما هو ردها الحاسم على القوة الطائشة في الأيادي الملوثة .