ثم إن الدعوة إلى (العلم الإسلامي) هي أبعد من مجرد دعوة تعميمية إلى علم إسلامي ملفق من أقوال علماء المسلمين بلا قاعدة تحدد الاختيار والانتقاء، وإنما هي دعوة تخصيصية للرجوع إلى علم شرعي على منهج الأصالة الذي تركته لنا واضحا جمهرة أئمة المذاهب الأربعة ومن قاربهم من السلف القديم، وهو علم وقاف عند النصوص الحديثية الصحيحة، مستنبط لما فيها من معان وفق قواعد فن أصول الفقه وضوابطه الدقيقة.
إنها إذن دعوة إلى العلم مرتبطة بمنهجية صارمة هي وحدها القادرة على أن تتكفل بتحجيم ( المنهجية العقلية ) التي رفعت رأسها مجددا على طريقة التوسع في التأول في إطار المدرسة الاعتزالية المعروفة، والتي ربما ستجلب مزايدات غير محدودة في الترخص والتسهيل والتجانس مع الحياة العلمانية السائدة تبعا لاختلاف عقول المشاركين في الإفتاء والتوصيف والتعليل، والدليل على ذلك أن من حاز علم الأصول من أصحاب هذه المدرسة لا زال أقل إغرابا من غيره وأسلم قولا.
نحن دعاة (الاجتهاد) والإبداع والنظر الشمولي، ولا فخر، ولنا في ذلك بحمد الله صولات، وتشهد لنا وثائق، ولسنا نقبل الجمود والتقليد وإلغاء العقل والوقوف عند أقوال الفقهاء الذين لا تسند النصوص ما ذهبوا إليه، ولكن الاجتهاد الذي نرومه إنما هو اجتهاد منضبط، ومحروس بسنن، وهو يتجول بحرية داخل العرصات الواسعة التي منحتها (القواعد الفقهية) للمتفقه والمفتي، بحيث يذهب مع المصالح والضرورات إلى أبعد مدى، لكن اجتهادنا قد ألزم نفسه أن يقترب ما أمكن من منطق الشاطبي في موافقاته، مثلما يقبس من جرأة ابن حزم في محلاه، متجنبا غرائبه القليلة، وأن يقترب من احتياطات ابن حجر في فتحه، ومن ترددات النووي بين التهيب وإحداث قول جديد في مجموعه، مثلما يساير ويماشي توسيعات ابن تيمية في فتاواه، وأمثال ذلك مما أتى به علم فطاحل آخرين كأن القدر جمع علم بعضهم إلى بعض لتكتمل صورة فقهية ناضجة تفرض نفسها علينا بقوة حججها ووضوح تقعيدها. وغاية اجتهادنا أن يستجيب للمستجدات التي أتت بها الحياة المعقدة المعاصرة من خلال الارتباط الوفي باجتهادات السلف الأولين، وليست غايته نبش وقلب صورة الفقه التي تكونت في قرون الفضل الأولى من خلال ظنون وتأولات تترك الناس في فوضى أمام زخم العقلانيات التي قد تكون متضادة بنفس حجم تضاد العقول البشرية والخلفيات التي ينطلق منها الخائضون، حتى أن رغبات السلاطين باتت تشكل إحدى أهم هذه الخلفيات التي تحاول التمرد، فتحيص حيصة مفضوحة كلما حاصرتها عوازم الفقه وجوازم الإيمان .
ثم يحرس اجتهادنا نفسه مرة أخرى بمظلة من العقيدة السنية النصية، في وفاء ثان لحدود عقيدة الإمام أحمد بن حنبل التي ميزها عن الاستطرادات البدعية التي أوغلت في التعطيل والتمثيل، ونحن ندرك أن المدرسة العقلية الفقهية التي يريدها الاعتزال الجديد ستقوده إلى نزعة عقلية في الاعتقاد ولا بد، لأن المحركات واحدة.
الشرط الثاني: إخبات بمحراب
كما قال بعض الصالحين: (ما فتح الله تعالى على عبد حالة سنية إلا باتباع الأوامر وإخلاص الطاعات ولزوم المحاريب) (1)، واستشهد بدعاء زكريا وكيف أن الله تعالى وهبه يحيى وبشره به وهو قائم يصلي في ا لمحراب.
والتأثير في الآخرين هو أسمى هذه الصور السنية التي نطمح لها، ولن تكون إلا من خلال المحاريب.
وإنما يحرك المحراب فينا معاني الرجاء والخوف معا، وهي أحوال قلبية وممارسات عملية معا.
أما الرجاء: فرجاء الكرامة والفوز والنجاة، وطريق هذه النعم معروف، بينته معادلة شرطية في القرآن في قوله تعالى : { وأوفوا بعهدي أوفö بعهدكم }.
قال النسفي: قال أهل الإشارة:
( أوفوا في دار محنتي، على بساط خدمتي، بحفظ حرمتي : أوف في دار نعمتي، على بساط كرامتي، بسرور رؤيتي) (2).
وأما الخوف: فمن فزع يومئذ، وأقل هذا الفزع ما صوره صالح المري لما قرأ قارئ: { وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع }.
فقطع صالح عليه القراءة وقال:
" كيف يكون لظالم حميم أو شفيع والمطالب له رب العالمين؟
إنك والله لو رأيت الظالمين وأهل المعاصي يساقون في السلاسل والأنكال إلى الجحيم، حفاة عراة مسودة وجوههم، مزرقة عيونهم، ذائبة أجسادهم، ينادون: يا ويلنا يا ثبورنا، ماذا نزل بنا؟ ماذا حل بنا؟ أين يذهب بنا، ماذا يراد منا؟ والملائكة تسوقهم بمقامع النيران، فمرة يجرون على وجوههم ويسحبون عليها منكبين، ومرة يقادون إليها مقرنين، من بين باك دما بعد انقطاع الدموع، ومن بين صارخ طائر القلب مبهوت. إنك والله لو رأيتهم على ذلك لرأيت منظرا لا يقوم له بصرك، ولا يثبت له قلبك، ولا تستقر لفظاعة هوله على قرار قدمك.
ثم نحب وصاح: يا سوء منظراه! يا سوء منقلباه! "
وبكى وأبكى الناس.
فقام فتى فقال: أكل هذا في يوم القيامة يا أبا بشر؟
قال: نعم والله يا ابن أخي، وما هو أكثر.
فصاح الفتى: إنا لله، واغفلتاه عن نفسي أيام الحياة، وا أسفا على تفريطي في طاعة الله، وا أسفاه على تضييعي عمري في دار الدنيا! ثم بكى، واستقبل القبلة فقال:
اللهم إني أستقبلك في يومي هدا بتوبة لا يخالطها رياء لغيرك، اللهم فاقبلني على ما كان في، واعف عما تقدم من فعلي، وأقلني عثرتي. ثم استقام حتى مات.
وهذا النمط من كلام صالح المري هو الأصل الذي وسعه سيد قطب في وصفه لمشاهد القيامة في القرآن.
وإنما تتاح لك مثل هذه الذكرى التي تنفعك وتنفع المؤمنين إذا طالعت كتب الرقائق والمواعظ وقصص أهل الصلاح وأصحاب المحاريب، وهي تجربة ابن الجوزي رحمه الله، التي يشدد عليها. قال:
(رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين، لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها. وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق، لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي وتكثير الأجزاء، وجمهور الفقهاء في علوم الجدل وما يغالب به الخصم، وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء؟
وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه، لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه: هديه وسمته، فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا، ليكون سببا لرقة قلبك) (1).
ولذلك حذرنا في مناسبة أخرى من طريقة الفقهاء في تجريد دراسة الأحكام، حين (جعلوا النظر جل اشتغالهم، ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرآن وسماع الحديث وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة والماء المتغير، وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة، ومسائل الخلاف وإن كانت من علم الشرع إلا أنها لا تنهض بكل المطلوب) (1).
وذلك لأن هذا النظر إنما يفتيك الفتاوى التي تحكم الجوارح والأبدان، وذلك نصف الإسلام، وأما نصفه الآخر فعلم يكشف لك أحوال القلوب ومكانتها من الإخلاص والتجرد والرضا والشكر والتوبة، في مائة منزل تنزلها قلوب السالكين إذ هي في مدارج الإيمان الصاعدة.