القسم الثاني - دلالات النهوض
يقدم الأستاذ البنا دلالات أربعاً لنهوض الأمة، كما يلي:
الدلالة الأولى: الدلالة الاجتماعية
وفي هذه الدلالة النهضوية يقول الأستاذ البنا:
يقول علماء الاجتماع إن حقائق اليوم هي أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد. وتلك نظرة يؤيدها الواقع ويعززها الدليل والبرهان، بل هي محور تقدم الإنسانية وتدرجها مدارج الكمال، فمن ذا الذي كان يصدق أن يصل العلماء إلى ما وصلوا إليه من المكتشفات والمخترعات قبل حدوثها ببضع سنين، بل عن أساطين العلم أنفسهم أنكروها لأول عهدهم بها، حتى أثبتها الواقع وأيدها البرهان، والمثل على ذلك كثيرة، وهي من البداهة بحيث يكفينا ذلك عن الإطالة بذكرها (رسالة إلى أي شيء ندعو الناس).
الدلالة الثانية: الدلالة التاريخية:
يقول الأستاذ البنا في هذه الدلالة:
إن نهضات الأمم جميعها إنما بدأت على حال من الضعف يخيل للناظر إليها ان وصولها إلى ما تبتغي ضرب من المحال. ومع هذا الخيال فقد حدثنا التاريخ أن الصبر والثبات والحكمة والأناة وصلت بهذه النهضات الضعيفة النشأة القليلة الوسائل إلى ذروة ما يرجو القائمون بها من توفيق ونجاح.
ومن ذا الذي كان يصدق أن الجزيرة العربية وهي تلك الصحراء الجافة المجدبة تنبت النور والعفان، وتسيطر بنفوذ أبنائها الروحي والسياسي على أعظم دول العالم؟. ومن ذا الذي كان يظن أن أبا بكر وهو ذلك القلب الرقيق اللين، وقد انتفض الناس عليه وحار أنصاره في أمرهم، يستطيع أن يخرج في يوم واحد أحد عشر جيشاً تقمع العصاة وتقيم المعوج، وتؤدب الطاغي وتنتقم من المرتدين، وتستخلص حق الله في الزكاة من المعانين؟ ومن ذا الذي كان يصدق أن هذه الشيعة الضئيلة المستترة من بني علي والعباس تستطيع أن تقلب ذلك الملك القوي الواسع؟ ومن ذا الذي كان يظن أن صلاح الدين الأيوبي يقف الأعوام الطوال، فيرد ملوك أوروبا على أعقابهم مدحورين؟ ومن كان يظن أن الملك عبد العزيز آل سعود وقد نفيت أسرته وشرد أهله وسلب ملكه يسترد هذا الملك ببضعة وعشرين رجلاً؟ ومن كان يصدق أن ذلك العامل الألماني (هتلر) يصل إلى ما وصل إليه من قوة النفوذ ونجاح الغاية؟ (رسالة إلى أي شيء ندعو الناس).
وقس على ذلك النهضة اليابانية والصينية والهندية وكل الأجنة النهضوية المعاصرة كشواهد على هذه الحقيقة البسيطة.
الدلالة الثالثة: الدلالة المنطقية:
وعن هذه الدلالة، يقول الأستاذ البنا متأملاً:
وثم نظرتان سلبيتان تحدثان النتيجة بعينها، وتوجهان قلب الغيور إلى العمل توجيهاً قوياً صحيحاً.
- أولاهما: إن هذه الطريق مهما طالب فليس هناك غيرها في بناء النهضات بناء صحيحاً، وقد أثبتت التجربة صحة هذه النظرية.
- وثانيتهما: أن العامل يعمل لأداء الواجب أولاً، ثم للأجر الأخروي ثانياً، ثم للإفادة ثالثاً، وهو إن عمل فقد أدى الواجب، وفاز بثواب الله، ما في ذلك من شك، متى توافرت شروطهº وبقيت الإفادة وأمرها إلى الله، فقد تأتي فرصة لم تكن في حسابه تجعل عمله يأتي بأبرك الثمرات، على حين أنه إذا قعد عن العمل فقد لزمه إثم التقصير، وضاع منه أجر الجهاد، وحرم الإفادة قطعاً. فأي الفريقين خير مقاماً وأحسن نديا؟ وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في صراحة ووضوح في الآية الكريمة: (لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون (164) فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون) [الأعراف: 164-165] (رسالة إلى أي شيء ندعو الناس).
الدلالة الرابعة: الدلالة الدينية:
وفي النصوص والبشائر والتطمينات الربانية ما يقطع شك المشككين في إمكانية النهضة، وحديث البنا في مثل هذه الشواهد كثير، ولكن نسوق هنا شاهداً من شواهده وهو قصة موسى عليه السلام، حيث يشير عرض الأستاذ البنا لهذه القصة القرآنية على قدرته التجريدية في التوصيف المبسط. إذ يقول عن مراحل الصراع:
1- مرحلة الضعف والاستضعاف:
(نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (5) ونمكن لهم في الأرض) [القصص: 3-6].
2- مرحلة الزعامة المؤهلة:
(فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (16) أن أرسل معنا بني إسرائيل (17) قال ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19) قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين) [الشعراء: 16-21].
3- مرحلة الصراع والتدافع:
وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة لمتقين) [الأعراف: 127، 128].
4- مرحلة الإيمان والتحدي:
(فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خيرñ وأبقى) [طه: 72-73].
5- مرحلة الانتصار والنجاح:
فإذا رأينا كل ذلك، رأينا عاقبته في القسم الخامس وما أدراك ما هي؟ فوز وفلاح وانتصار ونجاح وبشرى تزف إلى المهضومين، وأمل يتحقق للحالمين، وصيحة الحق المبين تدوي في آفاق الأرض:
(يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم) [طه: 80] (رسالة إلى أي شيء ندعو الناس).
وعلى ذلك:
فالأدلة الاجتماعية
والأدلة التاريخية
والأدلة الدينية
تؤكد إمكانية النهوض والانطلاق
والسؤال الذي يطرح نفسه بعد هذا التأكيد هو: إذا كانت النهضة ممكنة، ما القوانين والقواعد التي تحكم عملية النهضة؟ هذا هو موضوع الفصل التالي.