وللتفريط في عمل اليوم والليلة أسباب تؤدى إليه وبواعث توقع فيه نذكر منها :
(1) التلطخ أو التدنس بالمعصية :
بأن يكون المسلم غير محترس أو متحرز من المعصية لا سيما الصغائر تلك التي يستهين بها كثير من الناس ولا يولونها رعاية أو أهمية وحينئذ فلابد من العقاب ويكون العقاب بأمور كثيرة من بينها التفريط في عمل اليوم والليلة وصدق الله العظيم : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } وجاء عن الحسن البصري مرسلا قوله : لما نزلت هذه الآية { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود ولا اختلاج عرق ولا نكبة حجر ولا عثرة قدم إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر ) وقال صلى الله عليه وسلم ( لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر وقرأ : { وما أصابكم من مصيبة } ..
وقد وعى السلف مثل هذا السبب وأثره على عمل اليوم والليلة ونبهوا إليه كثيرا :
هذا الضحاك يقول : ما نعلم أحدا حفظ القرآن ثم نسيه إلا بذنب ثم قرأ الضحاك { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } ثم يقول الضحاك : وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن وهذا الحسن يسأله رجل قائلا : ( يا أبا سعيد إني أبيت معافى وأحب قيام الليل وأعد طهورى فما بالى لا أقوم ؟ فقال ذنوبك قيدتك ).
وهذا الثوري يقول : ( حرمت قام الليل خمسة أشهر بذنب أذنبته قيل : وما ذاك الذنب ؟ قال : رأيت رجلا يبكى فقلت في نفسي : هذا مراء ) ، وهذا كرز بن وبرة يدخل عليه بعض الناس وهو يبكى فيقول له : أتاك نعى بعض أهلك ؟ فيقول : أشد فيقول له : وجع يؤلمك ؟ فيقول : أشد فيقول له وما ذاك ؟ فيجيبه : بابي مغلق وسترى مسبل ولم أقرأ حزبي البارحة وما ذاك إلا بذنب أحدثته .
وهذا أبو سلمان الدارانى يقول : (لا تفوت أحدا صلاة الجماعة إلا بذنب ) وهذا عابد عالم يقول : ( كم من أكلة منعت قيام الليل وكم من نظرة منعت قراءة سورة وإن العبد ليأكل أكلة أو يفعل فعلة فيحرم بها قيام سنة وكما أن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر فكذلك الفحشاء تنهى عن الصلاة وسائر الخيرات ).
وقد بين الحافظ ابن القيم كيف يؤدى هذا السبب إلى مثل هذا التفريط فقال ( ومنها أي من آثار المعاصي حرمان الطاعة فلو لم يكن للذنب عقوبة إلا أن يصد عن طاعة تكون بدله وتقطع طريق طاعة أخرى فينقطع عليه بالذنب طريق ثالثة ثم رابعة وهلم جرا فينقطع عليه بالذنب طاعات كثيرة كل واحدة منها خير له من الدنيا وما عليها وهذا كرجل أكل أكلة أوجبت له مرضة طويلة منعته من عدة أكلات أطيب منها والله المستعان ).
( 2) التوسع في المباحات :
وقد يكون التوسع في المباحات من الطعام والشراب واللباس والمراكب ونحوها هو السبب في التفريط في عمل اليوم
والليلة ذلك أن هذا التوسع يورث الركون والنوم والراحة الأمر الذي يمكن أن يؤدى إلى مثل هذا التفريط وقد سبق أن بينا ذلك بالتفصيل عند الحديث عن آفة الإسراف وحسبنا هنا قول الغزالى :( لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتتحسروا عند الموت كثيرا ).
(3) عدم إدراك قيمة النعم وسبيل الدوام :
وقد يكون عدم إدراك قيمة النعم وسبيل الدوام هو السبب في التفريط في عمل اليوم والليلة ذلك أن من لم يدرك أن نعم الله على العباد الظاهر منها والباطن والمعلوم منها وغير المعلوم شئ لا يكون ولا يحصى { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها } { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة }
ومن غفل عن أن دوام هذه النعم إنما يكون بالشكر : { لئن شكرتم لأزيدنكم } ومن الشكر المواظبة على عمل اليوم والليلة من العبادات والطاعات من لم يدرك هذا كله وغفل عنه فإنه يقع منه لا محالة التفريط فيعمل اليوم والليلة وصدق الله { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون }.
قال الحسن البصري وأبوا العالية والسدى والربيع بن أنس :
(إن الله يذكر من ذكره ويزيده من شكره ويعذب من كفره ) .
وقال الحسن البصري أيضا في قوله { فاذكروني أذكركم }. قال :( اذكروني فيما أو جبت لكم على نفسي) .
وقال سعيد بن جبير :( اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي ) وفي رواية (برحمتي) .
(4) الغفلة عن الحاجة إلى عمل اليوم والليلة :
وقد تكون الغفلة عن الحاجة إلى عمل اليوم والليلة هي السبب في التفريط في هذا العمل فإن من غفل عن أنه بحوله وقوته ضعيف وإنه بحول الله وقوته قوى وأنه لابد له كي ينجح في أداء دوره والقيام بواجبه في هذه الأرض لابد من عون الله وتأييده ونصره وأن المواظبة على عمل اليوم والليلة هي التي تستجلب هذا العون وذلك التأييد والنصر :
{ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين }
ء{وتزودا فإن خير الزاد التقوى }.
{يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا إن لك في النهار سبحا طويلا }.
( وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها وإن سألني لأعطينه وإن استعاذنى لأعيذنه .....ِ}.
بل إنها هي التي تكون سببا في سكينة النفس وطمأنينة القلب :
{ ولقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا }
{ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن }.
{ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ....}
من غفل قلبه عن كل ما قدمنا فإنه سيفرط لا محالة في عمل اليوم والليلة .
5- ضعف أو تلاشى التصور الصحيح لحقيقة أجر المواظبة على عمل اليوم والليلة .
وقد يكون ضعف أو تلاشى التصور الصحيح لحقيقة أجر المواظبة على عمل اليوم والليلة هو السبب في هذا التفريط فإن الاستمساك بالشيء والعض عليه بالنواجذ مرتبط بالتصور الصحيح له وللمنافع أو الفوائد المرتبطة به.
وعليه فمن لم يكتمل عنده التصور الصحيح لحقيقة الأجر المرتبط بعمل اليوم أو الليلة من أنه نجاة من أهوال وشدائد يوم القيامة .
{ وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون }.
{ وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا }.
بل من أنه أي الأجر جنات فيها ما لاعين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وفوق هذا رؤية الله ، و التمتع بالنظر إلى وجهه الكريم :
{ وعد الله المؤمنين و المؤمنات جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم } ، { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } ، { وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة } ، { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون } .
من لم يكتمل عنده التصور لحقيقة هذا الأجر فإنه يستلذ النوم و الراحة ويضن بالتعب و المجاهدة في سبيل الله و بالتالي يفرط في عمل اليوم و الليلة .
وصدق العلامة ابن الجوزى حين قال :" من لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف ".
6- نسيان الموت وما بعده من أهوال وشدائد :
وقد يكون نسيان الموت وما بعده من أهوال وشدائد هو السبب في التفريط في عمل اليوم و الليلة ، ذلك أن من نسى أنه ميت لا
محالة وإن طال الأجل :
{ كل نفس ذائقة الموت ... }، { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون } .
وأن هذا الموت أقرب إليه من شراك نعله :
{ ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون }
وأنه سيكون بعد هذا الموت شدائد وأهوال يشيب من هولها الولدان وتنخلع لها القلوب ، ولا نجاة منها إلا بالمواظبة على عمل اليوم و الليلة :
{ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً السماء منفطر به كان وعده مفعولاً } ، { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد } ، { وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع }
من نسى ذلك كله كان منه هذا التفريط ولا شك .
وقد ألمح إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم إذ دخل مصلاه فرأى ناساً كأنهم يكتشرون فقال :" أما إنكم لو أكثرتم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى : الموت فأكثروا من ذكر هادم اللذات الموت فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول : أنا بيت الغربة ، و أنا بيت الوحدة ، وأنا بيت التراب ، وأنا بيت الدود ..... ".
7- ظن بلوغ الكمال :
وقد يكون ظن بلوغ الكمال هو السبب في التفريط في عمل اليوم و الليلة ، ذلك أن الإنسان قد ينسى نفسه وينسى أنه مهما عمل وأطاع بالليل و النهار ، فلن يستطيع شكر نعمة من نعم الله - تعالى - عليه ، ويحمله هذا النسيان مع عوامل أخرى على ظن بلوغ الكمال ، وحينئذٍ يقع منه التفريط في عمل اليوم و الليلة .
ولعل هذا هو ما نفهمه من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول :( الكيّöس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت و العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ) .
ومما جاء عن عمر بن الخطاب - رضى الله تعالى عنه - إذ كان يقول :" حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر ، وإنما يخف الحساب يوم القيامة على من حاسب نفسه في الدنيا " .
ومن قول لميمون بن مهران :" لا يكون العبد تقياً حتى يحاسب نفسه كما يحاسب شريكه من أين مطعمه وملبسه " .
8- كثرة الأعباء و الواجبات :
وقد تؤدى كثرة الأعباء و الواجبات إلى التفريط في عمل اليوم و الليلة ، ذلك أن الإنسان في زحمة العمل ، وفي إلحاح الأعباء
و الواجبات قد يهمل في عمل اليوم و الليلة بحجة ضيق الوقت وضرورة الفراغ من هذه الأعباء وتلك الواجبات ، ناسياً أو متناسياً أن زاده على الطريق للخروج من كل ما هو مطلوب منه إنما يكون بالمواظبة على عمل اليوم و الليلة ، إذ الوقت و الطاقات والإمكانات كلها ملك لله ، وبيده سبحانه ، وحين يرى من العبد إقبالاً عليه وتلذذاً بطاعته وذكره يمتن ويتفضل عليه بالبركة في الوقت و القوة في الإرادة و المضاء في العزيمة و السداد في الرأي :
{ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } ، { ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدراً } .
9- التسويف :
وقد يكون التسويف هو السبب في التفريط في عمل اليوم و الليلة ، ذلك أن من تعود التسويف أو التأجيل تتراكم عليه الواجبات أو الأعباء ، وحين يريد الخلاص أو الخروج منها تصبح ثقيلة أو شاقة عليه ، وحينئذٍ لا يكون منه إلا التفريط أو التضييع ولعل هذا هو المفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم :" بادروا بالأعمال الصالحات سبعاً ، هل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفنداً أو موتاً مجهزاً ، أو الدجال
فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ".
وقد وعى ذلك سلف الأمة - رضوان الله عليهم - فحرصوا على اقتناص الفرص واغتنام العمر قبل أن يضيع ، وحسبنا هنا مقالة عمر - رضى الله تعالى عنه - " القوة ألا تؤخر عمل اليوم إلى الغد ".
ومن وعظه صلى الله عليه وسلم لرجل بقوله :( اغتنم خمساً قبل خمس : شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك ).
10- مشاهدة بعض ذوى الأسوة على حال من التفريط :
وأخيراً ... قد يكون مشاهدة بعض ذوى الأسوة و القدوة على حال من التفريط هي السبب في عدم المواظبة على عمل اليوم و الليلة ، ذلك أن المسلم أحياناً ينظر إلى ذوى الأسوة و القدوة على أنهم نمط فريد من الناس ، لا يمكن أن يقع منهم تفريط أو تقصير ، وحين يطلع منهم أو من بعضهم على شئ من التفريط ، فإن هذه النظرة قد تحمله على محاكاتهم ، ناسياً أنه لا طاعة ولا محاكاة في المعصية ، وإنما في المعروف فقط .
ولعل هذا السبب هو المفهوم من تشديد الإسلام على عدم المجاهرة بالإثم ، إذ يقول صلى الله عليه وسلم :( كل أمتي معافى إلا المجاهرين ، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول : يا فلان : عملت البارحة كذا وكذا ، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه ).