ِ الشعور بالقضاء والقدر معناه الشعور بأن الله لا يسأل عما يفعل ((لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ))()، فالله أراد أن يخلق الكون والناس والآخرة بما أراد وكيف أراد، ولا يسأل لماذا ؟، فلا يحاسبه أحد، فالشعور بالتسليم بدون السؤال (لماذا ؟) يعني الشعور بالرضا بقضاء الله وقدره، كما أن الشعور بقضاء الله وقدره معناه الشعور بأن كل الأمور وكل شئ يخضع لهيمنة الله وسيطرته خضوعا كاملا وسيطرة كاملة، فأنت وكل شئ خاضع لهيمنة الله وسيطرته الكاملة، كما أن الشعور بقضاء الله وقدره معناه الشعور بالرضا بما أراد الله وقدر لكل واحد من رزق وأجل، ومما يحدث في حياته وبعد موته، وأيضا الشعور بالرضا بأنه على الناس تنفيذ مراد الله منهم، والله لا يسأل عما يفعل ولا يحاسبه أحد، لماذا هذا ولماذا هذا ؟، كما أن الله هو الذي خلق عقولنا وأفهامنا التي نفهم بها وخلق الأسباب التي نفهم بها، والله فوق الأسباب والناس مقهورون تحت سلطانه، ولا يفهمون إلا ما أفهمهم الله، ولا يعلمون إلا ما علمهم الله، إذن فالشعور بالرضا بالقضاء والقدر معناه كمال الخضوع لله، فمَنْ لم يشعر بكمال الخضوع والإستسلام لله، فهو لا يشعر بالرضا بسلطان الله علي كل شئ وتحكمه في كل شئ وهيمنته علي كل شئ وأي شئ، أي لا يشعر بالرضا بقضاء الله وقدره، وإن كان مقتنعا تماما بقضاء الله وقدره سبحانه.
ِ إن الشعور بهيمنة الله تعالى على كل شئ يؤدي إلى أن يخضع العقل والقلب لله، فمقياس الصواب والخطأ ليس العقل وإنما الله من خلال شرعه وأمره، ومقياس ما يجعل الإنسان يفرح أو يحزن هو ما وافق أو خالف أمر الله، أما مَنْ لا يشعر بالخضوع لهيمنة الله تعالي فمقياس الصواب والخطأ عنده هو عقله ورأيه فهو يعبد عقله، ومقياس ما يجعله يفرح أو يحزن هو شهواته ودنياه فهو يعبد هواه: ((أَرَأيتَ مَنö اتَّخَذَ إöلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأنت تَكُونُ عَلَيْهö وَكöيلاً))().
ِ الفرق بين الإقتناع بالقضاء والقدر وبين الشعور والرضا به: إن مفهوم القضاء والقدر يعني أن كل شئ مكتوب في اللوح المحفوظ ، وأن العبد له مشيئة مقيدة، فمشيئة العبد وارادته واختياره هي جزء من قدَرöööööööٍٍٍٍٍٍٍ الله الذي كتبه، وأعمالنا مخلوقة وكل ما نصنعه وما نبنيه هو مخلوق لله ((وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ))()، وهذا يعني الشعور بالإستسلام والإنقياد والخضوع لله والشعور بالرضا والصبر والشعور بعظمة الله في هيمنته وتحكمه في كل شئ، فكل شئ سواء كان أو سيكون فهو وفق مشيئته، فالله بيده الأمر كله، وكل الناس علي اقتناع تام بالقضاء والقدر، أما في لغة المشاعر فلا تجد الشعور بالإستسلام والإنقياد والخضوع لله والشعور بالرضا والصبر، وقد يحدث للإنسان مصيبة فيقول الحمد لله ولكن قلبه ساخط غير راضي وإن قال: أنا راضي، وهو على إقتناع تام بالقضاء والقدر، وعلى إقتناع تام بأنه راضي!!، وتجده يقول (الحمد لله) لكنه من باب الروتين والتعود في الكلام، وفي الحقيقة قلبه ساخط، ونحن قد ندعي الصبر، فما ورد في القرآن هو الصبر الجميل وهو حبس القلب عن التسخط وحبس اللسان عن الشكوى، و هو أن تتجرع المر وأنت مبتسم في منتهي الأريحية والإنبساط، فيتقبل الإنسان المصيبة برضا، وهو سكون القلب تحت مدار الأحكام وإطمئنان للعاقبة وإنتظار للفرج وإحتساب للأجر.
ِ الشعور بأن الله هو المالك يؤدي إلى الشعور والرضا بالقضاء والقدر: إن الذي يشعر بأن الله هو المالك لكل النعم فإنه يصبر علي سلب النعمة لأنها ليست ملكا له وليست حقا له ويرضى بذلك، فقد جاء في تفسير قوله تعالي: ((الَّذöينَ إöذَا أَصَابَتْهُمْ مُصöيبَةñ قَالُوا إöنَّا لöلَّهö وَإöنَّا إöلَيْهö رَاجöعُونَ))() شرح ابن كثير معنى (إنا لله): ((علموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء))()، فمالك الشئ يفعل به ما يشاء، فلا ضير أن يفعل الله بما يملك ما يشاء، فلو قطعك إربا إربا فإنك ترضي لأنك نفسك ملكا له خاضعا له، ومالك الشئ له الحق في أن يفعل بما يملك ما يشاء، بل إن الله لو عذب جميع الخلق لعذبهم وهو غير ظالم لهم لأنه مالكهم له الحق أن يفعل بما يملك ما يشاء: ((وَلöلَّهö مُلْكُ السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö يَغْفöرُ لöمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذّöبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحöيماً))()، ((لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ))()، إن الذي يشعر بأن حياته وكل شئ ملك لله وإنما هي نعم وعارية يستردها مالكها فعند الموت يكون راضيا لأن الله يأخذ ما يملكه ويكون شاكرا لله لأنه أعطاه هذه النعم طوال هذه المدة تنعم بها بغير إستحقاق فتخرج الروح سهلة، لكن الإنسان قد يشعر أنه هو الذي جلب النعمة لنفسه من عقله وكده وتعبه كما قال قارون: ((إöنَّمَا أُوتöيتُهُ عَلَى عöلْمٍ عöنْدöي))() كالمال والمسكن والعمل والجاه والسلطان فيظن أنها ملكا له وأنه مستحق لها، لذلك عند الموت فلا يريد أن يترك النعم كالمال والمسكن والزوجة والأولاد والجاه والسلطان أو نعم كالعين والأنف والصحة...الخ، ولأنه يظن أنها ملكا له ولا يحق لأحد أن يأخذها وإلا كان ظالما ولذلك عند الموت تخرج روحه بصعوبة لتعلقها بهذه النعم، ويكره مَنْ يقبض روحه ولا يعرف أنها أمانة أو عارية يستردها صاحبها (وهو الله سبحان)، فعندما يأتيه الموت يكره هذا القدر.
ِ الشعور بالآخرة يؤدي إلى الشعور والرضا بالقضاء والقدر: الشعور بالآخرة يؤدي إلى الشعور بضآلة الدنيا وفناءها فلا يهم أي شئ فيها فحلوها مثل مرها: ((لöكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بöمَا آتَاكُمْ))()، ((الَّذöينَ إöذَا أَصَابَتْهُمْ مُصöيبَةñ قَالُوا إöنَّا لöلَّهö وَإöنَّا إöلَيْهö رَاجöعُونَ)) أي فلا يهم لأنهم ملك لله، ولأنهم راجعون إلى الحياة الحقيقية.
ِ الفرق بين الإقتناع بالموت وبين الشعور والرضا به: إن كل شئ وكل المصائب هي من أقدار الله، والموت هو مصيبة من المصائب: ((فَأَصَابَتْكُمْ مُصöيبَةُ الْمَوْتö))()، وهو أعظم المصائب، فالموت قدر الله علي كل انسان فهو مصيبة معلومة مسبقا وقضاء وقدر معروف مسبقا، إن كل إنسان عنده إقتناع تمام وبلا أدنى شكك أنه سيموت ويترك كل شئ، لكن بلسان الشعور والرضا فإنه لا يشعر ولا يرضي بذلك فكأنما يقول بلسان الشعور والرضا: لن أموت أو لا أريد أن أموت: ((وَلَتَجöدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسö عَلَى حَيَاةٍ وَمöنَ الَّذöينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بöمُزَحْزöحöهö مöنَ الْعَذَابö أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصöيرñ بöمَا يَعْمَلُونَ))() ففي لغة المشاعر فهذا هراء ولا يمكن أبدا!، خاصة إذا كان صاحب جاه ومنصب ودنيا وممتلكات فكون أنه يموت ويكون تحت التراب فهذا في لغة المشاعر هراء ولا يمكن ابدا!، إن الإنسان لو شعر فعلا بالموت لشعر بالخوف والقلق وشعر بمدي ضعف الإنسان وشعر بأن هناك قوة أعلي من الإنسان تفعل به ما تشاء، وشعر بالخضوع لهذه القوة، ولتغير حاله تماما، كما أن الناس لو شعروا بالموت لما نظروا إلى أصحاب الجاه والمناصب والممتلكات نظرة تعظيم، فإن الموت في مشاعره كلمة عادية روتينية فلا يشعر بما تعنيه الكلمة من خطر، حيث كلمة الموت في لغة المشاعر تعني فقدان كل شئ وتعني ذهاب عن الدنيا بلا رجعة وتعني، ولماذا يأمرنا الرسول (ص) بالذهاب إلى المقابر؟ هل لنعرف ونقتنع اننا سنموت ام لنشعر بذلك ونتصوره ؟، إن الانسان علي اقتناع تام بالموت لكنه يحاول التغافل والهروب عن الحقيقة والمصير القادم، لكنها أيام قصيرة وغدا اللقاء رضي ام لم يرضي شعر بذلك ام لم يشعر وقد سبقه الكثير إلى هناك ولكن ليس عنده مشاعر يحس بها ((إöنَّ فöي ذَلöكَ لَذöكْرَى لöمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبñ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهöيدñ))()، وإنه غدا تنتهي الحياة فماذا أنت صانع ؟، إن الشعور بالموت يؤدي إلى شعور بضآلة الدنيا وغباء مَنْ يسعى لها، فأيهما يفضل الأنسان ويريد ؟ حياة الدنيا أم حياة الآخرة ؟: ((فَأَمَّا مَنْ طَغَى، وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، فَإöنَّ الْجَحöيمَ هöيَ الْمَأْوَى))()، كما أن الذي يشعر بالموت لا يهمه كل مصائب الدنيا لأنها أقل من مصيبة الموت، ولأن مصائب الدنيا تعني ترك جزء مما تملك من صحة أو مال أو ممتلكات.. إلخ، وفي النهاية تترك الكل سواء مرة واحدة، فهذا يعني عدم الإكتراث وعدم السخط والغضب علي مصائب الدنيا.
ِ من الناس من يمل من الحديث عن الموت لأنه لا يشعر بخطورته وأنه مصيره، وغدا سوف يفاجئون بيوم القيامة كأنها مفاجأة لم يكونوا يعرفونها.
ِ أثر الشعور والرضا بالقضاء والقدر: المؤمن لا يتعب نفسيا أبدا لأنه غير مهموم بهموم الدنيا تماما فهو يرضي بالقضاء والقدر، والرضا راحة عظيمة، ويقنع بما آتاه الله لأنه يعلم أن رزقه لن ينقص شيئا، فلا يخاف علي الرزق أو الأجل وليس عنده طول أمل، وفي الحديث: ((... وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوö اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بöشَىْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إöلاَّ بöشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوö اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بöشَىْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إöلاَّ بöشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفöعَتö الأَقْلاَمُ وَجَفَّتö الصُّحُفُ))()، ففي هذا راحة البال، فلا ينشغل بأي أحد أو أي شئ غير الله.