الفصل الثامن
في أمراء العدل وحقوقهم
الأمير العدل هو من وصل الى الأمرة عن طريقها الشرعي بالانتخاب أو بالتعيين من أهله، وكانت له كمالات الأمير، وأحسن اقامة السياسة الشرعية على من ولاه الله أمرهم، وقام بحقوق ما من أجله كانت الأمرة، مثل هذا الأمير هو الأمير العادل، وله في عنق من ولاه الله عليهم حقوق، هذه الحقوق لخصها ابن الأزرق في كتابه القيم وجعلها عشرة هي: الطاعة، والنصيحة، ودفع حقوق المال اليه، ومساعدته اذا لم تكف هذه الحقوق والدعاء له، وألا يدعى عليه وألا يخرج عليه، وألا يطعن فيه، وألا يفتات بين يديه، وألا يكتم عنه ما يجب أن يصل اليه، وأن يحسن التأدب معه. فهذه عشر واجبات وهاك وقفة عند كل منها:
1- الطاعة:
إن الطاعة هي المظهر الأول لقبول الأمرة، كما ان التقوى والعبادة والطاعة هي مظاهر قبول الدخول في الاسلام، ولذلك دعا كل الرسل أقوامهم الى التقوى والطاعة {فاتقوا الله وأطيعون} [الشعراء: 108] {وأن اعبدوا الله واتقوه وأطيعوه} [نوح: 03]. ولقد قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59]. وقال عليه الصلاة والسلام: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني). عن أبي هريرة رضي الله عنه متفق عليه. وطاعة الأمراء تنصب على طاعتهم في تنفيذ الحكم الشرعي أولا بدليل قوله تعالى: {فان تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النساء: 59]. كما أنها تنصب على تنفيذ ما تطلبته المصالح التي وجدت من أجلها الامرة ومن هنا قالوا:
"اذا أمرك الأمير بمباح فقد اصبح هذا المباح في حقك واجباً" وهذا ليس على اطلاقه، فأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم نفسها بعضها يفيد الندب وبعضها يفيد الوجوب وبعضها يفيد الفرضية بل الأوامر القرآنية نفسها تفيد مثل ذلك، وإن كان الأصل في أوامر الله والرسول صلى الله عليه وسلم أنها للوجوب. فأوامر الأمير تدور بين ما هو تأكيد لحكم واجب أو مفروض فهذه لا تخرج عن كونها تأكيداً للحكم الشرعي وكذلك اذا أمر بمندوب أو مباح لا دخل للمصالح فيهما، ولا دخل للسياسة الشرعية فيهما، فعندئذ يبقى الحكم الشرعي على حاله، أما اذا كان الأمر له صلة بتحقيق مصلحة، أو له صلة بالسياسة الشرعية فعندئذ يصبح تنفيذ الأمر واجباً، فمن خالف قانون السير في دولة اسلامية استحق العقوبة الدنيوية وهو كذلك آثم شرعاً. وفي كل الأحوال تندب طاعة الأمير لأنه مظهر احترام الأمير، واحترام الأمير العدل واجب شرعاً، الا اذا أمر الأمير بمعصية فلا سمع ولا طاعة، أو أمر بما يراه أكثر المبتلين أنه لا مصلحة فيه فيخالف، قال فقهاء الحنفية: "وواجب عليهم طاعته لأن مخالفة الأمير حرام الا اذا اتفق الأكثر أنه ضرر فيتبع". والأصل أنه يجب على الأمير أن يستشير فاذا استشار أهل الشورى واتضح الرأي فعندئذ تجب طاعته. واذا كانت الطاعة هي مظهر وجود الأمرة وقبولها، فان طاعة الأمراء عادة تأتي من خلال الرغبة والرهبة والمحبة والديانة. "وطاعة الديانات أفضل من الجميع ولذلك قالوا: إن الدعوة الدينية تزيد الدولة قوة واقتداراً".
2- النصيحة:
قال عليه الصلاة والسلام: (الدين النصيحة). قلنا، لمن؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم). رواه مسلم. قال ابن الأزرق: نصح الامام ولزوم طاعته فرض واجب وأمر لازم لا يتم الايمان الا به، ولا يثبت الاسلام الا عليه. والنصيحة في حق الأئمة بالصبر على أذاهم، اذا لم يعدلوا، والتنبيه لهم اذا غفلوا، وترك الثناء عليهم بما ليس فيهم، والدعاء لهم بالصلاح عند فسادهم. أقول: إن من أسوأ ما تبتلى به أمة أو جماعة الا يتناصح أفرادها، وألا يناصح الأفراد امراءهم، إن واجب كل فرد اذا رأى خللاً أو قصوراً في أميره أو جماعته أو أمته أن ينصح، وأن يتابع النصيحة مع الأدب واللباقة، وأن يحتال لازالة الخلل والقصور، وأن يبذل كامل الجهد للاقناع.
3- دفع الحقوق المالية الى الأمير:
فالأصل أن الزكوات تدفع للأمراء وهم يضعونها في مستحقيها، فاذا لم يقم بذلك السلطان، فعلى أبناء الجماعات الاسلامية أن يدفعوها لصندوق الزكاة في الجماعة، وعلى أمير الجماعة ترتيب ذلك، إن كثيراً من الأعمال المشروعة يحتاج الى الأموال، وعلى مستوى الدولة هناك حقوق كثيرة في المال يجب أن يرتب الأمير أمر اقامتها وواجب على الناس أن يتجاوبوا في ذلك.
4- التجاوب المالي مع الأمير اذا عرض عارض:
قال ابن الأزرق: "معونته بما يقابل به الأضرار الفادحة عند نفاذ بيت المال". قال ابن العربي: ما ملخصه عند قوله تعالى {فهل نجعل لك خرجاً} [الكهف: 94]، فرض على الملك قيامه بحماية الخلق في حفظ بيضتهم، وسد ثغورهم من بيت مالهم، واذا نفذ جبر ذلك من أموالهم، بشرط أن لا يستأثر عليهم بشيء، وأن يبدأ بذوي الحاجات، وأن يسوي بينهم في العطاء على حسب منازلهم واذا عرض بعد ذلك ما لا يفي به المأخوذ منهم، بذلوا أنفسهم وأموالهم، فان لم يغن ذلك، أخذت منهم أموالهم بمقدار الحاجة". قال: والضابط أنه لا يحل أخذ مال أحد الا لضرورة، فيؤخذ جهراً وقد تقدم لا سراً، وينفق بالعدل لا بالاستثناء وبرأي الجماعة لا بالاستبداد. انتهى.
5- الدعاء له:
قال الطرطوشي: "من المروي عن السلف: لو كانت لنا دعوة صالحة مستجابة، ما جعلناها الا في السلطان". وعن الفضيل بن عياض: لو ظفرت ببيت المال لأخذت من حلاله، وصنعت أطيب الطعام، ثم دعوت الصالحين، وأهل الفضل، فاذا فرغوا قلت لهم: تعالوا ندع الله أن يوفق أميرنا وسائر من يلي علينا، وجعل اليه أمرنا. وروي أن رجلاً أنشده:
حتى متى لا أرى عدلاً أسر به ولا أرى لدعاء الخير أعواناً
فبكى: وقال: اللهم أصلح الراعي والرعية. واذا كان من حقه أن يدعى له فمن الواجب ألا يدعى عليه لما يترتب على ذلك من مضرة للمسلمين فمن دعا عليه دعا على نفسه وعلى غيره من المسلمين وذلك كله فيما كان الأمير عدلاً، وكذلك اذا كان فاسقاً فالأصل هو الدعاء له، أما اذا كان كافراً وينشر الكفر فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
6- عدم الخروج عليه:
الا إذا ترك اقامة الصلاة أو أظهر الكفر البواح فعندئذ يجب قتاله اذا أمكن ذلك، أما اذا فسق فانه يستحق العزل اذا لم يترتب على ذلك مفسدة أكبر من عزله، واذا كانت أفعاله مترددة بين المصلحة وعدمها فلا يصح الخروج والأصل هو الصبر على الأمراء: قال صلى الله عليه وسلم: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر عليه) قال الأبي: هو نص في عدم القيام على الأمراء. قال ابن الأزرق: ولا يخفى ما يشهد له مع وضوح المعنى فيه. قال: واذا دعا الامام الى قتال الخارجين عليه، فان كان لاقامة حق، وجب طاعته، والا لم تجب.
7- عدم الطعن عليه:
ولأن هذا يتنافى مع ما هو مطلوب في حق الأمير العادل من وجوب التجلة والاحترام، وذلك في العادة لا يكون الا اذا كان الأمير يستخرج بسلوكه من أهل الفضل الثناء عليه ففي الحديث: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم. قلنا يا رسول الله أفلا ننابذهم؟ قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة لا ما أقاموا فيكم الصلاة. الا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة). أخرجه مسلم عن عوف بن مالك. فاذا رأى مسلم من أميره شيئاً يستوجب الطعن فليناصحه، فاذا لم يستجب فليذاكر في شأنه من يعرفون الحقوق والواجبات، وما دام أميره مصلياً معترفاً لله بالحاكمية فعليه أن يوازن وأن يصبر وأن يدعو حتى يبعث الله فرجاً ومخرجاً.
8- عدم الافتيات عليه:
فلا يتعرض لكل ما هو منوط به، ولا يسبقه لما ينبغي أن يتبديء به، ولا يفعل ما يدل على عدم احترامه، فالأصل أن يتكلم الأمير وأن يستأذن في الكلام، والأصل أن يستشار في كل تصرف يدخل تحت اختصاص امرته، واذا تصرف أحد دون استشارة لضرورة فليعلم.
9- عدم كتمانه ما يجب أن يعلمه مما فيه مصلحة:
وقد قال النووي: إن التعريف بذلك للامام لا منع فيه، وأنه قد يكون واجباً أو مستحباً حتى عن انسان معين، أنه يرتكب كذا وكذا من المنكرات، ليستعان بذلك على التغيير عليه. قال الشاطبي: "الاستعانة على تغيير المنكر بالتعريف به لها شروط خمسة: أن يكون القصد صحيحاً يعني الاستعانة على التغيير، وأن يعلم الرافع أو يغلب على ظنه أن نصحه وحده ونهيه لا ينفع، وأن يعلم أو يغلب على ظنه الانتفاع بنصح المرفوع اليه أو تغييره لقدرته عليه، وأن يكون المرفوع اليه، لا يغير ذلك المنكر بمنكر آخر يرتكبه، وأن يكون الذاكر لذلك قد علمه من المذكور يقيناً لا بظن أو بتهمة". ومن ارتكب منكراً قلنا فيه: التستر عليه مع وعظه إن لم يكن مجاهراً أو معلناً ولم يصبح المنكر خلقاً له، وكان منكره يتجاوز ذاته فاذا أعلن أو أصر على المنكر فحكمه الكشف عنه إن رآه أردع له ولأمثاله. ويدخل في عدم كتمان الأمير العدل ما فيه مصلحة أمور كثيرة ضابطها: أن كل ما من أجله نصب الأمير اذا حدث فيه خلل ينبغي أن يكشف للأمير أو يكاشف به الأمير.
10- حسن التأدب مع الأمير:
وهو باب واسع فالآداب كثيرة، والمطلوب منها كثير، وأعظم الأدب التأدب مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والعلماء والأمراء، وأجل الآداب ذكرهم بكمال التوقير والاحترام وها نحن نذكر بعض آداب التعامل مع الأمراء:
1- حسن التلطف بالخطاب فقد أمر الله تعالى باللين في القول في مخاطبة العظماء، وإن كفروا، وذلك في حق المؤمن أوجب. قال الله تعالى: {فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى} [طه: 44].
2- الاصغاء لكلامه اذا تكلم فذلك من الحقوق فقد قالوا: من حق الأمير اذا حدث بحديث أن يصرف كل من حضره فكره وذهنه نحوه، وأدب الأمير أن يكون كلامه أميراً في الكلام.
3- ألا يأنف من خدمته وأن يصبر عليها وأدب الأمير ألا يقبل خدمة ممن خدمته تنقص الأمير عند الله أو عند الناس كاستخدام العلماء مثلاً.
4- أن يصحب الهيبة والوقار وألا يستعمل الاذلال عليه الا في سر وضمن حدود وذلك واجب الجميع مع الأمير حتى أولاده.
5- ألا يكون في تعامله مع الأمير طمع في مال أو جاه.
6- ومن جملة الآداب: الدعاء للسلطان عند الدخول عليه، والاسراع بالقيام عنه خاصة اذا شعر أنه يريد ذلك، التلطف في الشكر له، الاسراع في طاعته مع البشر، والكناية عن الاسم والصفة اذا وافق ذلك اسمه أو صفته، مجانبة من سخط عليه، الطاعة له في المعروف بما لا يخالف الشريعة، التلطف في القاء النصيحة اليه، مسايرته عند ركوبه بالمحل الذي لا يضطر الى التفاته نحوه، الدخول عليه بعد المهازلة دخول من لم يجر بينهما شيء، شدة الحذر بعد تقريبه وتمكينه بما يكون منه على حد السنان، واظهار الاستهانة له بما فضلت به عليه والتعجب بما فضل به عليك، ادعاء النقص عنه في قوة غير القوة التي ظهر لك فيها الفضل عليه لتخف على قلبه بحسب الامكان، تعلمه وكأنك تتعلم منه، وتشير عليه، وكأنك تستشيره.
7- وهناك خصال يتأدب مع الأمير بتركها وهي: "إفراط الدعاء له، ومناداته باسمه، ورفع الصوت بحضرته، وابتداء الحديث بمجلسه اذا كان هو المتكلم، والضحك من حديثه واظهار التعجب منه، واعادة الحديث عليه وإن طال العهد بالقائه عليه، رفع الرأس الى حرمه، رفع العين اليه اذا دخل عليه وقد كان مازحه، اعلامه أن له عليه حقاً، اظهار أن صواب قول أو فعل إنما كان منه، أن يدخل بينه وبين أهله وولده، أن يرى لنفسه أنه بموضع سره، الانقباض عنه، التهالك عليه، التهاون بالكذب بين يديه على وجه الهزل، المبادرة بالجواب اذا سأل غيره، أن يسار بمجلسه أحداً، أو يوميء اليه بالغمز، الالحاح عليه في المسألة، استبطاؤه اذا سأله، اضمار التعب عليه مخافة أن يبدو على وجهه، مصابرته في التحول عما يحب أو يكره، التملق له في كل ساعة، استيحاشه من اكرامه للأشرار لأجل الحاجة اليهم، الاكثار من غشيانه والصعود عنده، اظهار شرف نفسه اذا فضل عليه غيره، معاداة أحد من أهله.
8- ومن الآداب مع الأمراء ما ذكره الشعبي عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال لي أبي، إني أرى هذا الرجل يعني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يستدينك ويقدمك على الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني موصيك بخلال أربع: لا تفشين له سراً، ولا يجربن عليك كذباً، ولا تطو عنه نصيحة، ولا تغتابن عنده أحداً. قال الشعبي: فقلت لابن عباس: كل واحد خير من ألف. قال: أي والله خير من عشرة آلاف.
9- ومن الآداب التي يحبها الأمراء ما ذكره الرشيد الأصمعي: قال الأصمعي: "قال لي الرشيد أول يوم: يا عبد الملك، أنت أحفظنا، ونحن أعقل منك، لا تعلمنا في ملأ، ولا تسرع الى تدبيرنا في خلا، واتركنا حتى نبتديك بالسؤال، فاذا بلغت من الجواب قدر استحقاقه فلا تزد، واياك والبدار الى تصديقنا وشدة العجب بما يكون منا، وعلمنا من العلم ما نحتاج اليه على عتبات المنابر، وفي فواصل المخاطبات، ودعنا من رواية وحشي الكلام، ومن غرائب الأشعار، واياك واطالة الحديث الا أن نستدعي ذلك منك، ومتى رأيتنا صادين عن الحق فأرجعنا اليه من غير تعزير بالخطأ، ولا الاضجار بطول التردد. قال الأصمعي فقلت له: أنا الى حفظ هذا الكلام أحوج مني الى كثير من البر".