الفصل العاشر
في واجبي كل أمير
واجبا كل أمير: حسن السياسة مع من ولاه الله عليه، وتحقيق ما من أجله كانت الأمرة، وهذان واجبان على كل أمير سواء في ذلك الزوج مع زوجته، والأب مع أولاده، ومدير المدرسة في مدرسته، ومدير الدائرة في دائرته، والوزير في وزارته، والوالي في ولايته، والقائد مع جنده، وأمراء الجماعات الاسلامية مع اخوانهم، وأمير المؤمنين مع رعيته. والتفصيل في هذا الموضوع صعب، والاحاطة تكاد تكون مستحيلة وها نحن نتحدث حديثاً مختصراً عن كل من الواجبين:
الواجب الأول: حسن السياسة مع من ولاه الله عز وجل وهذا يقتضي أموراً كثيرة:
1- أن يكون وسطاً بين الافراط والتفريط في الشدة والرخاوة فالرخاوة لا تستقيم معها إمرة لأنها اعدام لمنصب الإمرة، والشدة باب الخروج على الإمرة.
2- أن يكون القدوة في كل ما يأمر وينهي، وهذا يقتضي أن يكون الأمير على الكمال في كل شيء: قال ابن الأزرق: "إن اصلاح السلطان نفسه بتنزيهه عن سفساف الأخلاق وترفعه عن صحبة ذوي البطالة والمجون هو الكفيل باصلاح الرعية لتمكين أثره في التمسك بالدين والمحافظة على المروءة، كالذي وفق اليه المأمون حين كان أخوه الأمين خلافه. وبذلك تمكن من خلعه، على ما هو معروف".
3- التودد الى الرعية بالاحسان اليها: قال ابن الأزرق: "التودد الى الرعية وخصوصاً بالاحسان، موجب للظفر بمحبتها، فالراجح ملك القلوب بها على ملك الأبدان، فعن بعض الحكماء: التودد من الضعيف تملق، ومن القوي تواضع، وكبير همة، فتودد الى العامة لتخلص لك محبتهم، وتنال الكرامة منهم".
4- العفة عن مال الرعية فقد قالوا: "الكف عن مال الرعية مع حسن التودد اليها أنصر جند وأقرب معين، وهو مما وردت به الوصية وتأكدت به العناية، فعن بعض الحكماء ينبغي للسلطان الا يتخذ الرعية مالاً وقنية، فيكونوا عليه بلاء وفتنة. ولكن يتخذهم أهلاً واخواناً يكونوا له جنداً وأعواناً".
5- تجنب الخصال التي تذم بها الرعية الأمير أو ما يسمى في عصرنا مراعاة الرأي العام الصالح.
6- التغاضي عن الهفوات العارضة، والمحاسبة اذا وجد الاصرار على الذنب والخطأ، وحسن النصيحة، واختيار الطريق الأصلح لمعالجة الخطأ اما بطريق مباشر أو غير مباشر.
7- الاكتفاء بظاهر الطاعة دون التنقير عن حقيقة باطنها الا في حق من سيكلف بمهمات خاصة تقتضي ثقة كبيرة.
8- انزال الناس منازلهم ومعاملة كل منهم بما يناسب ويستحق وقد قسموا الناس من حيثية الكرم واللؤم ثلاثة أقسام:
أحدهما: الكريم الفاضل، وسياسته بترفيعه وانصافه، اذ هو مأمون اذا شبع وقدر ومخوف اذا جاع وقهر، ولا يزيد مع الرفعة الا تواضعاً.
الثاني: اللئيم السافل، وضبطه بوضعه وحرمانه، اذ هو على عكس الأول. وقد قالوا: اتقوا صولة الكريم اذا جاع، وبطش الخسيس اذا شبع:
اذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
الثالث: المتوسط: ورعايته بمزج الرغبة بالرهبة، اذ هو مطيع خوفاً وطمعاً والحاصل أن اهانة الكريم فتح لباب ضر، واكرام اللئيم اقتضاء لمزيد شر، ومعاملة المتوسط بأحد الطرفين يخل بالطرف الآخر".
9- معرفة طبائع الناس واحسان التعامل مع كل منهم بما يناسب طبيعته، فالداهية له تعامله، والحاد الطباع له معاملته، والغادر له معاملته، والمرائي له معاملته، فلا يصح أن يسوس الأمير الناس سياسة واحدة بل عليه أن يعرف طبائع الناس وأن يعرف كيف يتصرف مع هذه الطبائع.
10- أن يختار الانسان الصالح للمكان الذي يناسبه بتوسيد الأمر الى أهله، وهذا يقتضي معرفة بالوظائف، ومعرفة بالصفات اللازمة في أصحابها كما يقتضي معرفة وحسن اختيار بالمباشرة أو بالوساطة وكل ذلك ينبغي أن يكون على ضوء موازين دقيقة.
11- التعرف على الصغيرة والكبيرة من أمور رعاياه، قال الجاحظ: "من أخلاق الملك البحث عن سائر خاصته وعامته، واذكاء العيون عليهم خاصة، وعلى الرعية عامة، ولا يكون شيء أهم ولا أكبر في سياسة وانتظام ملكه من الفحص عن ذلك، ومتى غفل عنه فليس له من التسمية بالملك الذي معناه مبالغة في الرعايا بذلك، الا بمجرد الذكر فقط". ثم استظهر على قوله بأمرين:
أحدهما: أن الرعية لا تسكن قلوبها بجلالة ملكها، ولو عبدته الجن والانس، ودانت له ملوك الأمم حتى يكون أعلم الناس بأفاعيلها، وأكثر بحثاً عن أسرارها.
الثاني: إنه يقال إن الملك لا تطول مدته الا اذا كانت فيه أربع خصال: ألا يرضى للرعية الا ما يرضاه لنفسه، وأن لا يعمل عملاً يخاف عاقبته، وأن يجعل ولي عهده من ترضاه رعاياه، لا لأمر تهواه نفسه، وأن يفحص عن الرعية فحص المرضعة عن منام رضيعها.
قال ابن الأزرق: "وقد تجد مصداق هذا ويشهد له أنا لم نر مدة طالت لملك عربي ولا عجمي، الا لمن فحص فيها عن الأسرار وبحث عن خفي الأخبار حتى يكون من أمور رعيته على مثل وضح النهار". ولكن لا بد من مراعاة الحكم الشرعي بالاقتصار من ذلك على ما تستدعيه الضرورة.
12- اقتضاء الحقوق بالمطالبة بما وجب فعله واجتناب ما وجب تركه في كل دائرة: دائرة الأسرة ودائرة الآداب الاجتماعية، ودائرة العلاقات التجارية، ودائرة العلاقات العامة، ودائرة حقوق الدولة والأمير، من خلال التعليم والتوجيه والمحاسبة والمراقبة والقانون والقضاء والقيام على الدستور.
الواجب الثاني: تحقيق ما من أجله كانت الإمرة:
وهذا يختلف باختلاف الإمرة، فامرة الزوج على زوجته مقتضياتها غير مقتضيات امرة الوالد على ولده، وإمرة الخليفة أوسع دائرة من امرة الولاة ومقتضياتها أوسع وهكذا قل في كل إمرة. وعلى هذا فكل أمير عليه أن يعرف حدود امرته وما تقتضيه هذه الأمرة منه وأن يؤدي حق ذلك. فامرة العلم إنما كانت لاعطاء العلم والتربية قالا وأفعالاً وأحوالاً، فاذا قصر العالم في اعطاء العلم أو قصر في التربية لا يكون قد أدى حق امرته، وامرة الزوج تقتضي رعاية ووقاية وتأديباً ونصحاً وايناساً، فاذا لم يفعل الزوج ذلك لا يكون قد أدى حق امرته، وامرة القائد العسكري تقتضي حسن التدريب والاعداد بما يناسب المعركة، ثم حسن ادارة المعركة بما يحقق النصر بأقل الخسائر فما لم يحقق ذلك لا يكون قد أدى واجب امرته.
وامرة الخليفة تقتضي اقامة أركان الحكم الاسلامي على مستوى دار الاسلام كلها فما لم يقمها لا يكون قد أدى حق الامرة. وامرة ولاة الأقطار تقتضي اقامة أركان الحكم على مستوى الأقطار فما لم يقيموها لا يكونون قد أدوا حق امرتهم. وامرة الجماعات الاسلامية تقتضي اقامة لأركان العمل الاسلامي الذي من أجله وجد التجمع فما لم يقم الأمير هذه الأركان لا يكون قد أدى واجبه. وامرة الدائرة أو الجهاز أو الوزارة تقتضي اقامة ما من شأنه أنشئت الوزارة أو الادارة أو الجهاز من أجله فما لم يقم الأمير ذلك لا يكون قد أدى حق الامرة وهكذا مما يشهد لما ذكرناه من أن واجب الأمير تحقيق ما من أجله كانت الامرة ما أخرجه أبو داوود وسكت عنه المنذري من قوله عليه الصلاة والسلام: أعجزتم اذ بعثت رجلاً فلم يمض لأمري أن تجعلوا مكانه من يمضي لأمري". ولما كانت أهم أنواع الأمرة ثلاثة:
امرة أمير المؤمنين الذي هو الأمير العام لمجموع الأمة الاسلامية.
امرة أمراء الولايات الذين بيدهم السلطة التنفيذية.
امرة أمراء الجماعات الاسلامية العاملة لتحقيق الأهداف الاسلامية.
فانه من الضروري أن نعرف بوضوح ماذا يدخل في الواجب الثاني من واجبي هؤلاء الأمراء، ومن حيث المبدأ قد لا يختلف مضمون الواجب الثاني كثيراً بالنسبة لأمراء الولايات عنه بالنسبة لأمير المؤمنين لأن أمراء الولايات لا يخرجون عن كونهم نوابه، وعلى هذا فالتوضيح ينبغي أن ينصب على الواجب الثاني في حق أمراء الحكم وعلى الواجب الثاني في حق أمراء الجماعات الاسلامية، ومن أجل ذلك نقول: إن الواجب الثاني في حق الأمراء هو اقامة ما من أجله كانت الامرة، وذلك في حق أمراء الولايات أو خليفة المسلمين يعني اقامة أركان الحكم على ضوء الشريعة الاسلامية بما يقام به الدين وتساس به الدنيا. قال الماوردي في تعريف منصب الامامة: "الامامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا". وكما أن الامام الأعظم هذه مهمته فكذلك أمراء الولايات هذه مهماتهم ومهما شئت أن تتحدث عن هذا الأمر فالحديث واسع فقد ذكر الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية" عشرين باباً كل منها حديث عن جانب من جوانب الحكم الاسلامي، وذكر ابن الأزرق عشرين ركناً للحكم، وأدخل في بعض الأركان أشياء كثيرة وتحدث في أمكنة أخرى من كتابه عن واجبات الأمير مما يدخل بعضه في باب الأركان ومما يمكن أن يعتبر بعضه أركاناً أخرى في الحكم، كما تحدث في كتابه عن سياسة المعيشة والناس وتحدث عن أشياء أخرى وكلها مما يدخل في الأركان التي ذكرها، أو يمكن أن يسمى اركاناً في الحكم، وقد لا يختلف الحديث عن أركان الحكم في عصر عنه في عصر آخر الا في ما زادته التجربة البشرية فأدخلته كزيادات مضطردة مستمرة على ما يدخل على أصل الركن والا فيما كان جزءاً من ركن فأصبح ركناً يرأسه بسبب اختلاف الأحوال أو وجود مستجدات. واذا كان الواجب الثاني في حق الخليفة ورؤساء الولايات هو اقامة أركان الحكم على ضوء الشريعة الاسلامية ثم التجربة البشرية، فان الواجب الثاني في حق أمراء الجماعات الاسلامية هو اقامة أركان العمل الاسلامي بما يحقق الوصول الى الأهداف الاسلامية المرحلية والدائمة أو بما يحقق تأكيد وجودها إن كانت موجودة سواء كان أمراء الجماعات الاسلامية شيوخاً لهم أتباعهم أو رؤساء فرزتهم جماعاتهم.
ولقد كنا تحدثنا كثيراً عن واجبات الجماعات الاسلامية التي هي في الحقيقة واجبات على أمرائها في سلسلة في البناء لذلك لا نرى ههنا حاجة لكلام كثير عن ذلك فالأستاذ البنا ذكر في مذكراته أن أركان الدعوة الجامعة هي العلم والتربية والجهاد، وذكر في رسالة التعاليم أن مراحل الدعوة ثلاث: التعريف والتكوين والتنفيذ، واستخلصنا من ذلك في كتاب "المدخل": أن الواجبين الدائمين للحركة الاسلامية هما تكميل الانسان واستكمال الأجهزة. ويمكن أن نعبر عن هذا كله ههنا بقولنا:
إن أركان العمل الاسلامي ثلاثة:
أ- الدعوة والتبليغ.
ب- التعليم والتثقيف والتربية.
ت- الحركة السياسية لتحقيق أهداف الاسلام وذلك يختلف من قطر الى قطر، وقد انصب كلامنا في "سلسلة في البناء" على توضيح هذه المعاني والتفصيل في شأنها والتفريع عليها، وذكر مستلزماتها، ولذلك فاننا لا نجد حاجة للتفصيل في هذا الموضوع حتى لا نكرر شيئاً قلناه، وإنما نجد ههنا ضرورة للحديث عن أركان الحكم وهو تفصيل للواجب الثاني في حق الحكام سواء كانوا أمراء ولايات أو آلت اليهم الامامة العظمى فليكن الفصل الحادي عشر في أركان الحكم.
واذا كان الفصل القادم دليلاً للحكام فانه في الوقت نفسه يمكن أن يستفيد منه الكثيرون من أمراء الجماعات الاسلامية إن في حاضر هذه الجماعات أو في التخطيط للمستقبل.