الفصل التاسع
في الترهيب من مخالطة أمراء الجور وصحبتهم
جعلنا هذا الفصل بعد الفصل الذي سبقه للتأكيد على أن ما أشرنا اليه من حقوق الأمراء إنما هو لأمراء العدل لأننا نفترض أن المسلم لا يخالط الا هذا النوع من الأمراء لما ورد من التحذير الشديد من مخالطة أمراء الجور وصحبتهم، فاذا ابتلي المسلم بالمخالطة لمصلحة أمته ودينه، أو لمصلحة شرعية فعليه أن يكون على غاية من الحذر في كلامه وتصرفاته فلا يقع في إثم ولا يكون سبباً في ايقاع الناس في اثم، كأن يكون سبباً في تحسين الظن بمن لا يجوز فيه الا سوء الظن. وأمراء الجور هم الذين يظلمون أنفسهم بفعل المنكرات أو يظلمون أمتهم بنشر المنكرات أو بالسكوت عنها أو يظلمون العالم كله بتعطيل شريعة الله فيه، أو الذين يعتدون على حقوق الناس أو الذين لا يقومون بما أوجب الله عليهم فهؤلاء وأمثالهم ورد الترهيب من مخالطتهم قال ابن الأزرق: "ولو بمجرد الدخول عليه اذا جار قال الغزالي: هي حالة مذمومة جداً، وفيها تغليظات وتشديدات، تواترت بها الأخبار والآثار". ففي الحديث الذي وصف فيه صلى الله عليه وسلم الأمراء الظلمة: (فمن نابذهم نجا، ومن اعتزلهم سلم، أو كاد أن يسلم، ومن وقع معهم في دنياهم فهو منهم). وعن سفيان الثوري أنه قال لمن طلب منه الوصية: إياك والأهواء، إياك والسلطان. وقال أبو ذر رضي الله عنه لسلمة: يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين، فانك لا تصيب من دنياهم شيئاً، الا أصابوا من دينك أفضل منه، وعن الحسن أنه قال: لا تجيبن أميراً وإن دعاك لتقرأ عنده سورة من القرآن، فانك لا تخرج من عنده الا شراً مما دخلت.
والمقصود بذلك أمراء الجور لأن أمراء العدل تجب طاعتهم {أطيعوا الله وأطعيوا الرسول وأولي الأمر منكم} وإنما ورد التغليظ في خلطة أمراء الجور لسببين:
أحدهما: معصية السكوت عن تغيير ما يرى من منكرات متعددة. وهو وان عذر بالخوف، فقد كان في غنى عن تعرضه بالمشاهدة، لتوجه الخطاب عليه بالتعيين، ثم سقوطه عنه بذلك العذر. قال الامام الغزالي: وعلى هذا القول من علم فساداً في موضع، لا يقدر على ازالته، لا يجوز له أن يحضر ليجري ذلك بين يديه وهو يشاهده ويسكت، بل ينبغي أن يحترز عن مشاهدته، قال ابن الأزرق: الا إن كان حضوره من أجل استجلاب مصلحة، ولا انفكاك له عن تلك المشاهدة، وله نظائر.
الثاني: احتمال وقوعه في المحظور شرعاً نتيجة الخلطة، كالدعاء والثناء على غير شرط ذلك، وكالتصديق في باطل تصريحاً أو تلويحاً، وكاظهار ما يدعيه من حبه والشوق الى لقائه، اذا الغالب أنه لا يقتصر في المقابلة على السلام، وفي كل من ذلك وعيد لحديث: (من دعا لظالم بالبقاء، فقد أحب أن يعصى الله في أرضه).
وفي حديث: (إن الله ليغضب، اذا مدح الفاسق).
وقد ذكر الغزالي عذرين يجوّزان الدخول على أمراء الجور:
"أحدهما: أن يكون من جهتهم أمر الزام لا اكرام، ولو أنه امتنع لأوذي، أو أفسد طاعة الرعية، واضطرب أمر السياسة، فتجب الاجابة مراعاة لمصلحة الخلق، حتى لا تضطرب الولاية.
الثاني: أن يدخل عليهم في دفع ظلم عن نفسه، أو عن مسلم سواه اما بطريق الحسبة، واما بطريق التظلم والتكلم بشرط ألا يكذب ولا يسيء ولا يدع نصيحة يتوقع لها قبولاً".