|| ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت\\
والخاصية الرابعة فى هذا التصور هى .. التوازن .. التوازن فى مقوماته ، والتوازن فى إيحاءاته . وهى تتصل بخاصية الشمول التى سبق الحديث عنها . فهو تصور شامل . وهو شمول متوازن .
وقد صانته هذه الخاصية الفريدة من الاندفاعات هنا وهناك ، والغلو هنا وهناك والتصادم هنا وهناك .. هذه الآفات التي لم يسلم منها أى تصور آخر . سواء التصورات الفلسفية ، أو التصورات الدينية التى شوهتها التصورات البشرية ، بما أضافته إليها ، أو نقصته منها ، أو أولته تأويلا خاطئا ، وأضافت هذا التأويل الخاطئ إلى صلب العقيدة !
وتتمثل هذه الخاصية فى عدة موازنات ، نذكر منها أبرزها :
****************************
هناك التوازن بين الجانب الذى تتلقاه الكينونة الإنسانية لتدركه وتسلم به وينتهى عملها فيه عند التسليم ، والجانب الذى تتلقاه لتدركه ، وتبحث حججه وبراهينه ، وتحاول معرفة علله وغاياته وتفكر فى مقتضياته العملية ، وتطبقها فى حياتها الواقعية .
والفطرة البشرية تستريح لهذا ولهذا ، لأن كليهما يلبى فيها جانبا أصيلا ، مودعا فيها وهى تخرج من يد بارئها . وقد علم الله أن الإدراك البشرى لن يتسع لكل أسرار هذا الوجود ، ولن يقوى على إدراكها كله ، فأودع فطرته الارتياح للمجهول ، والارتياح للمعلوم ، والتوازن بين هذا وذاك كيانها ، كالتوازن بين هذا وذاك فى صميم الوجود .
إن العقيدة التى لا غيب فيها ولا مجهول ، ولا حقيقة أكبر من الإدراك البشرى المحدود ، ليست عقيدة ، ولا تجد فيها النفس ما يلبى فطرتها ، وأشواقها الخفية إلى المجهول ، المستتر وراء الحجب المسدلة .. كما أن العقيدة التى لا شئ فيها إلا المعميات التى لا تدركها العقول ليست عقيدة ! فالكينونة البشرية تحتوي على عنصر الوعى والفكر الإنسانى لابد أن يتلقى شيئا مفهوما له ، له فيه عمل ، يملك أن يتدبره ويطبقه .. والعقيدة الشاملة هى التى تلبى هذا الجانب وذاك ، وتتوازن الفطرة ، وهى تجد فى العقيدة كفاء ما هو مودع فيها من طاقات وأشواق.
فإذا كانت ماهية الذات الإلهية . وكيفية تعلق إرادة الله بالخلق وحقيقة الروح .. من الحقائق التى لا سبيل إلى الإحاطة بها - كما أسلفنا - (1) فهناك خصائص الذات الإلهية : من وجود ووحدانية ، وقدرة ، وإرادة ، وخلق ، وتدبير وكلها مما يعمل الفكر البشرى فى إدراكه ، ومما يستطيع أن يدرك ضرورته ومقتضياته فى الوجود . و الإسلام يعرض هذه الخصائص ببراهينها المقنعة .. وهناك الكون وحقيقته ، ومصدر وجوده ، وعلاقته بخالقه ، وعبوديته له ، واستعداده لاستقبال الحياة ، وعلاقته بالإنسان وعلاقة الإنسان به .. وهناك الحياة بشتى أنواعها وأجناسها وأشكالها ودرجاتها ، ومصدرها ، وعلاقتها بطبيعة الكون ، وعلاقتها بمبدعه ومبدعها .. وهناك الإنسان وحقيقته ، وخصائصه ومصدره ، وغاية وجوده ، ومنهج حياته .. وكلها ترد فى منطق مفهوم واضح ، مريح للعقل والقلب . مدعم بالبراهين التى تتلقاها الفطرة بالقبول والتسليم :
أم خُلöقُوا من غير شئ ؟ أم هم الخالقون أم خَلقُوا السماوات والأرض بل لا يوقنون.
(الطور : 35-36)
أَمْ اتَّخَذُوا آلöهَةً مöنْ الْأَرْضö هُمْ يُنشöرُونَ(21)لَوْ كَانَ فöيهöمَا آلöهَةñ إöلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهö رَبّö الْعَرْشö عَمَّا يَصöفُونَ(22)لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(23) أَمْ اتَّخَذُوا مöنْ دُونöهö آلöهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذöكْرُ مَنْ مَعöي وَذöكْرُ مَنْ قَبْلöي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرöضُونَ
( الأنبياء : 21-24 )
أو ليس الذى خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ؟ بلى وهو الخلاق العليم . إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : كن فيكون
(يس : 81-82)
وضرب لنا مثلا ونسى خلقه . قال : من يحيى العظام وهى رميم ؟ قل : يحييها الذى أنشأها أول مرة ، وهو بكل خلق عليم .
(يس : 78-79)
أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مöنْ السَّمَاءö مَاءً فَأَنْبَتْنَا بöهö حَدَائöقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبöتُوا شَجَرَهَا أَئöلَهñ مَعَ اللَّهö بَلْ هُمْ قَوْمñ يَعْدöلُونَ(60)أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خöلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسöيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنö حَاجöزًا أَئöلَهñ مَعَ اللَّهö بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(61) أَمَّنْ يُجöيبُ الْمُضطَرَّ إöذَا دَعَاهُ وَيَكْشöفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضö أَئöلَهñ مَعَ اللَّهö قَلöيلًا مَا تَذَكَّرُونَ(62)أَمَّنْ يَهْدöيكُمْ فöي ظُلُمَاتö الْبَرّö وَالْبَحْرö وَمَنْ يُرْسöلُ الرّöيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتöهö أَئöلَهñ مَعَ اللَّهö تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرöكُونَ(63)أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعöيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مöنْ السَّمَاءö وَالْأَرْضö أَئöلَهñ مَعَ اللَّهö قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إöنْ كُنتُمْ صَادöقöينَ .
( النمل : 60 – 64 )
وَمöنْ آيَاتöهö أَنْ خَلَقَكُمْ مöنْ تُرَابٍ ثُمَّ إöذَا أَنْتُمْ بَشَرñ تَنتَشöرُونَ(20) وَمöنْ آيَاتöهö أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مöنْ أَنفُسöكُمْ أَزْوَاجًا لöتَسْكُنُوا إöلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إöنَّ فöي ذَلöكَ لَآيَاتٍ لöقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21)وَمöنْ آيَاتöهö خَلْقُ السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö وَاخْتöلَافُ أَلْسöنَتöكُمْ وَأَلْوَانöكُمْ إöنَّ فöي ذَلöكَ لَآيَاتٍ لöلْعَالöمöينَ(22)وَمöنْ آيَاتöهö مَنَامُكُمْ بöاللَّيْلö وَالنَّهَارö وَابْتöغَاؤُكُمْ مöنْ فَضْلöهö إöنَّ فöي ذَلöكَ لَآيَاتٍ لöقَوْمٍ يَسْمَعُونَ(23)وَمöنْ آيَاتöهö يُرöيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزّöلُ مöنْ السَّمَاءö مَاءً فَيُحْيö بöهö الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتöهَا إöنَّ فöي ذَلöكَ لَآيَاتٍ لöقَوْمٍ يَعْقöلُونَ(24)وَمöنْ آيَاتöهö أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بöأَمْرöهö ثُمَّ إöذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مöنْ الْأَرْضö إöذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
(الروم : 20-25)
وهكذا وهكذا من الحجج الملزمة ، والآيات المعروضة فى الأنفس والآفاق ، وهى معروضة للنظر والتدبر ، كما أنها معروضة للبرهنة والحجة .. والإدراك البشرى مطلق للنظر فيها ، والتلقى عنها ، ومناقشة حجيتها على القضايا المسوقة لإثباتها .. وكلها فى دائرة النظر ، وفى مستوى الإدراك .
وهكذا تجد الفطرة البشرية فى التصور الإسلامى ما يلبى أشواقها كلها : من معلوم ومجهول ، ومن غيب لا تحيط به الأفهام ولا تراه الأبصار ، ومكشوف تجول فيه العقول وتتدبره القلوب . ومن مجال أوسع من إدراكها تستشعر إزاءه جلال الخالق الكبير ، ومجال يعمل فيه إدراكها وتستشعر إزاءه قيمة الإنسان فى الكون وكرامته على الله .
وتتوازن الكينونة الإنسانية بهذا وذلك ، وهى تؤمن بالمجهول الكبير ، وهى تتدبر المعلوم الكبير..
والتوازن بين طلاقة المشيئة الإلهية وثبات السنن الكونية .. فالمشيئة الإلهية طليقة ، لا يرد عليها قيد ما ، مما يخطر على الفكر البشرى جملة . وهى تبدع كل شئ بمجرد توجهها إلى إبداعه . وليست هنالك . وليست هنالك قاعدة ملزمة ، ولا قالب مفروض تلتزمه المشيئة الإلهية ، حين تريد أن تفعل ما تريد :
إنما قولنا لشئ - إذا أردناه - أن نقول له : كن . فيكون .
(النحل : 40)
قال : رب أنى يكون لى غلام ، وقد بلغت الكبر وامرأتى عاقر ؟ قال : كذلك الله يفعل ما يشاء .
(آل عمران : 40)
قال : كذلك الله يخلق ما يشاء ، إذا قضى أمراً فإنما يقول له : كن ، فيكون. . .
( آل عمران : 47 )
وامرأته قائمة فضحكت . فبشرناها بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب . قالت : يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلى شيخا ؟ إن هذا لشئ عجيب ! قالوا : أتعجبين من أمر الله؟ .
(هود : 79-73)
إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ، خلقه من تراب ، ثم قال له : كن فيكون . الحق من ربك ، فلا تكن من الممترين .
( آل عمران : 59-60 )
وَرَسُولًا إöلَى بَنöي إöسْرَائöيلَ أَنّöي قَدْ جöئْتُكُمْ بöآيَةٍ مöنْ رَبّöكُمْ أَنّöي أَخْلُقُ لَكُمْ مöنْ الطّöينö كَهَيْئَةö الطَّيْرö فَأَنفُخُ فöيهö فَيَكُونُ طَيْرًا بöإöذْنö اللَّهö وَأُبْرöئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيö الْمَوْتَى بöإöذْنö اللَّهö وَأُنَبّöئُكُمْ بöمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخöرُونَ فöي بُيُوتöكُمْ إöنَّ فöي ذَلöكَ لَآيَةً لَكُمْ إöنْ كُنْتُمْ مُؤْمöنينَ .
(آل عمران : 49)
أَوْ كَالَّذöي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهöيَ خَاوöيَةñ عَلَى عُرُوشöهَا قَالَ أَنَّى يُحْيöي هَذöهö اللَّهُ بَعْدَ مَوْتöهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مöائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبöثْتَ قَالَ لَبöثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبöثْتَ مöائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إöلَى طَعَامöكَ وَشَرَابöكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إöلَى حöمَارöكَ وَلöنَجْعَلَكَ آيَةً لöلنَّاسö وَانظُرْ إöلَى الْعöظَامö كَيْفَ نُنشöزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلّö شَيْءٍ قَدöيرñ .
(البقرة : 259)
قالوا : حرقوه وانصروا آلهتكم ، إن كنتم فاعلين . قلنا : يا نار كونى برداً وسلاماً على إبراهيم . وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين
(الأنبياء : 68-70)
فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى : إنا لمدركون . قال : كلا . إن معى ربى سيهدين . فأوحينا إلى موسى : أن اضرب بعصاك البحر ، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم.
(الشعراء : 61-63)
… ولا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا .
(الطلاق : 1)
وهكذا . وهكذا مما يقرر طلاقة المشيئة الإلهية ، وعدم تقيدها بقيد ما ، مما يخطر على الفكر البشرى ، مما يحسبه قانونا لازما ، وحتمية لا فكاك منها …
وفى الوقت ذاته شاءت الإرادة الإلهية المدبرة ، أن تتبدى للناس - عادة - فى صورة نواميس مطردة ، وسنن جارية ، يملكون أن يرقبوها ، ويدركوها ، ويكيفوا حياتهم وفقها ، ويتعاملون مع الكون على أساسها .. على أن يبقى فى تصورهم ومشاعرهم أن مشيئة الله - مع هذا - طليقة ، تبدع ما تشاء ، وأن الله يفعل ما يريد ، ولو لم يكن جاريا على ما اعتادوا هم أن يروا المشيئة متجلية فيه ، من السنن المقررة والنواميس المطردة . فسنة كذلك - وراء السنن كلها - أن هذه المشيئة مطلقة، مهما تجلت فى نواميس مطردة وسنن جارية - ومن ثم يوجه الله الأبصار والبصائر إلى تدبر سننه فى الكون ، والتعامل معها والنظر فى مآلاتها - بقدر ما يملك الإدراك البشرى - والانتفاع بهذا فى الحياة الواقعية :
قال إبراهيم : فإن الله يأتى بالشمس من المشرق . فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر.
(البقرة : 258)
لا الشمس ينبغى لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار .
(يس : 40)
سنة الله فى الذين خلوا من قبل ، ولن تجد لسنة الله تبديلا .
(الأحزاب : 62)
قد خلت من قبلكم سنن ، فسيروا فى الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين .
(آل عمران : 137)
أو لم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون فى مساكنهم ؟ إن فى ذلك لآيات أفلا يسمعون! .
(السجدة : 26)
ولقد ارسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ، فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا . وكان حقا علينا نصر المؤمنين .
(الروم : 47)
ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا ، وجاءتهم رسلهم بالبينات ، وما كانوا ليؤمنوا . كذلك نجزى القوم المجرمين .
(يونس : 13)
ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ، ولكن كذبوا، فأخذناهم بما كانوا يكسبون .
(الأعراف : 96)
وبن ثبات السنن وطلاقة المشيئة ، يقف الضمير البشرى على أرض ثابتة مستقرة ، يعمل فيها، وهو يعلم طبيعة الأرض ، وطبيعة الطريق ، وغاية السعى ، وجزء الحركة . ويتعرف إلى نواميس الكون ، وسنن الحياة ، وطاقات الأرض ، وينتفع بها وبتحاربه الثابتة فيها بمنهج علمى ثابت . وفى الوقت ذاته يعيش موصول الروح بالله ، معلق القلب بمشيئته لا يستكثر عليها شيئا ، ولا يستبعد عليها شيئا ، ولا ييئس أمام ضغط الواقع أبدا . ويتصور أن مشيئة الله - سبحانه - محصورة فيها ! وهكذا لا يتبلد حسه ، ولا يضمر رجاؤه . ولا يعيش فى إلف مكروه !
والمسلم يأخذ بالأسباب ، لأنه مأمور بالأخذ بها . ويعمل وفق السنة ، لأنه مأمور بمراعاتها . لا لأنه يعتقد أن الأسباب والوسائل هى المنشئة للمسببات والنتائج . فهو يرد الأمر كله إلى خالق الأسباب ، ويتعلق به وحده من وراء الأسباب ، بعد أداؤه واجبه فى الحركة والسعى والعمل واتخاذ الأسباب .. طاعة لأمر الله .
وهكذا ينتفع المسلم بثبات السنن فى بناء تجاربه العلمية وطرائقه العملية ، فى التعامل مع الكون وأسراره وطاقاته ومدخراته . فلا يفوته شئ من مزايا العلوم التجريبية والطرائق العملية . وهو فى الوقت ذاته موصول القلب بالله ، حى القلب بهذا الاتصال . موصول الضمير بالمشاعر الأدبية الأخلاقية ، التى ترفع العمر وتباركه وتزكيه ، وتسمو بالحياة الإنسانية إلى أقصى الكمال المقدر لها فى الأرض ، وفى حدود طاقة الإنسان .
***
والتوازن بين مجال المشيئة الإلهية الطليقة ، ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة .. وهى القضية لمشهورة فى تاريخ الجدل فى العالم كله ، وفى المعتقدات كلها ، وفى الفلسفات والوثنيات كذلك باسم قضية القضاء والقدر أو الجبر والاختيار .
و الإسلام يثبت للمشيئة الإلهية الطلاقة – كما أسلفنا – ويثبت لها الفاعلية التى لا فاعلية سواها ، ولا معها – كما بينا ذلك فى خاصية الشمول وكما سيجئ فى خاصية الإيجابية – وفى الوقت ذاته يثبت للمشيئة الإنسانية ، الإيجابية – كما سنفصل ذلك فى خاصية الإيجابية – ويجعل للإنسان الدور الأول فى الأرض وخلافتها ، وهو دور ضخم ، يعطى الإنسان مركزا ممتازا فى نظام الكون كله ، ويمنحه مجالا هائلا للعمل والفاعلية والتأثير . ولكن فى توازن تام مع الاعتقاد بطلاقة المشيئة الإلهية ، وتفردها بالفاعلية الحقيقية ، من وراء الأسباب الظاهرة . وذلك باعتبار أن النشاط الإنسانى هو أحد هذه الأسباب الظاهرة . وباعتبار أن وجود الإنسان ابتداء ، وإرادته وعمله ن وحركته ونشاطه ، داخل فى نطاق المشيئة الطليقة ، المحيطة بهذا الوجود وما فيه ومن فيه (على نحو ما سنفصل فى خاصية الإيجابية) .
ويقرأ الإنسان فى القرآن الكريم :
ما أصاب من مصيبة فى الأرض ولا فى أنفسكم إلا فى كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير .
(الحديد : 22)
قل : لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون .
(التوبة : 51)
وإن تصبهم حسنة يقولوا : هذه من عند الله . وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك . قل : كل من عند الله . فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا .
(النساء : 78)
قل : لو كنتم فى بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم .
(آل عمران : 154)
أينما تكونوا يدرككم الموت ، ولو كنتم فى بروج مشيدة .
(النساء : 78)
ويقرأ كذلك فى الجانب الآخر :
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
(الرعد : 11)
ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
(الأنفال : 53)
بل الإنسان على نفسه بصيره ، ولو ألقى معاذيره .
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا .
(الشمس : 7-10)
ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه .
(النساء : 111)
ثم يقرأ بعد هذا وذلك :
كلا إنه تذكرة . فمن شاء ذكره . وما يذكرون إلا ان يشاء الله ، هو أهل التقوى وأهل المغفرة .
(المدثر : 54-56)
إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا . وما تشاءون إلا أن يشاء الله .
(الإنسان : 29-30)
أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم : أنّى هذا ؟ قل : هو من عند أنفسكم ، إن الله على كل شئ قدير . وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله.
(آل عمران : 165-166)
يقرأ الإنسان أمثال هذه المجموعات المنوعة الثلاثة ، فيدرك منها سعة مفهوم القدر فى التصور الإسلامى . مع بيان المجال الذى تعمل فيه المشيئة الإنسانية فى حدود هذا القدر المحيط .
لقد ضربت الفلسفات والعقائد المحرفة فى التيه - فى هذه القضية - ولم تعد إلا بالحيرة والتخليط . بما فى ذلك من خاضوا فى هذه القضية من متكلمى المسلمين أنفسهم .. ذلك أنهم قلدوا منهج الفلسفة الإغريقية ، أكثر مما تأثروا بالمنهج الإسلامى ، فى علاج هذه القضية .
فى التصور الإسلامى ليست هناك مشكلة فى الحقيقة ، حين يواجه الأمر بمفهوم هذا التصور وإيحائه :
إن قدر الله فى الناس هو الذى ينشئ ويخلق كل ما ينشأ وما يُخلق من الأحداث والأشياء والأحياء .. وهو الذى يصّرف حياة الناس ويكيّفها . شأنهم فى هذا شأن هذا الوجود كله .. كل شئ فيه مخلوق بقدر ، وكل حركة تتم فيه بقدر .. ولكن قدر الله فى الناس يتحقق من خلال إرادة الناس وعملهم فى ذات أنفسهم ، وما يحدثون فيها من تغيرات .
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
(الرعد : 11)
وكون مرد الأمر كله إلى المشيئة الإلهية المطلقة ، لا يبطل هذا ولا يعطله . فالأمران يجيئان مجتمعين أحيانا فى النص القرآنى الواحد ، كما رأينا فى المجموعة الثالثة من هذه النماذج .
ونحن إنما نفترض التعارض والتناقض ، حين ننظر إلى القضية بتصور معين نصوغه من عند أنفسنا ، عن حقيقة العلاقة بين المشيئة الكبرى ، وحركة الإنسان فى نطاقها . إلا أن المنهج الصحيح: هو ألا نستمد تصوراتنا فى هذا الأمر من مقررات عقلية سابقة . بل أن نستمد من النصوص مقرراتنا العقلية فى مثل هذه الموضوعات ، وفيما تقصه علينا النصوص من شأن التقديرات الإلهية ، فى المجال الذى لا دليل لنا فيه ، غير ما يطلعنا الله عليه منه ..
فهو قال :
فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ..
وهو قال :
وما يشاءون إلا أن يشاء الله ..
وهو قال :
بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيرة ..
وهو قال :
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد فى السماء .
(الأنعام : 125)
وهو قال فى الوقت نفسه :
وما ربك بظلام للعبيد .
(فصلت : 46)
فلابد إذن - وفق تصور المسلم لإلهه وعدله فى جزائه ، وشمول مشيئته وقدره - من أن تكون حقيقة النسب بين مدلولات هذه النصوص فى حساب الله ، من شأنها أن تسمح للإنسان بقدر من الإيجابية فى الاتجاه والعمل ، يقوم عليه التكليف والجزاء ، دون أن يتعارض هذا القدر مع مجال المشيئة الإلهية المطلقة ، المحيطة بالناس والأشياء والأحداث .
كيف ؟
كيفيات فعل الله كلها ، وكيفيات اتصال مشيئته بما يراد خلقه وإنشاؤه كلها .. ليس فى مقدور العقل البشرى إدراكها . والتصور الإسلامى يشير بتركها للعلم المطلق ، والتدبير المطلق - مع الطمأنينة إلى تقدير الله وعدله ورحمته وفضله - فالتفكير البشرى المحدود بحدود الزمان والمكان ، وبالتأثرات الوقتية والذاتية ، ليس هو الذى يدرك مثل هذه النسب وهذه الكيفيات ، وليس هو الذى يحكم فى العلاقات والارتباطات بين المشيئة الإلهية والنشاط الإنسانى . إنما هذا كله متروك للإرادة المدبرة المحيطة والعلم المطلق الكامل .. متروك لله الذى يعلم حقيقة الإنسان ، وتركيب كينونته ، وطاقات فطرته وعمله الحقيقى ، ومدى ما فيه من الاختيار ، فى نطاق المشيئة المحيطة . ومدى ما يترتب على هذا القدر من الاختيار من جزاء .
وبهذا وحده يقع التوازن فى التصور ، والتوازن فى الشعور ، والاطمئنان إلى الحركة وفق منهج الله والتطلع معها إلى حسن المصير .
كذلك الحال فيما يسمونه : مشكلة الشر والألم .
ليست هناك مشكلة من وجهة النظر الإسلامية للأمر .
إن الإسلام يقول : إن الدنيا دار ابتلاء وعمل . وإن الآخرة دار حساب وجزاء . والحياة فى هذه الأرض مرحلة محدودة فى المرحلة الطويلة . وما يقع للإنسان فى هذه الأرض ليس خاتمة الحساب ولا نهاية المطاف . إنما هو مقدمة لها ما بعدها . واختبار تقدر له درجته هناك فى دار الحساب .
بهذا يحل الإسلام الجانب الشعورى من هذه المشكلة فى الضمير البشرى ، ويكسب فيه الطمأنينة والاستقرار . فالألم الذى يلقاه الخير فى هذه الأرض من كراء وجود الشر والنقص فيها ، ليس هو كل نصيبه ، فهناك النصيب الذى يعادل بين كفتى الميزان فى شطرى الرحلة ، والشطران موصولان . تسيطر عليهما إرادة واحدة . ويحكم فيهما حكم واحد لا يند عن علمه شئ ولا يختل فى ميزانه شئ !
ثم هو يخاطب الحقيقة الشعورية التى يجدها الإنسان فى أعماق ضميره … وهى أن شعور المؤمن الخير الذى يحقق منهج الله فى حياته ، ويجاهد لتحقيقه فى حياة البشر ، يجد - وهو يعانى الألم من جانب الشر والأشرار - شعورا مكافئا من الرضى والسعادة فى هذه الدنيا ، قبل أن يجد جزاءه المدخر له فى الآخرة . شعورا ناشئا عن إحساسه بأنه يرضى الله فيما يفعل ، وأن الله يرضى عن جهاده الخير … وهى شهادة من ذات البينة الحية ، ومن طبيعة الفطرة البشرية ، على أن الله جعل التكوين الفطرى للإنسان ، يجد جزاءه الحاضر فى كفاح الشر والباطل ، ونصره الخير والحق ، وأن له من التذاذه الكفاح فى هذا الطريق ، جزاء ذاتيا من كيانه الداخلى ، فى ذات اللحظة التى يتحمل فيها الألم ، وهو يواجه الشر والباطل ، ويكافحهما ما استطاع . وأن العوض كامن فى ذات الفطرة وفى الاطمئنان إلى حسن الجزاء فى الدنيا والآخرة . ولهذا الاطمئنان أثره حتى قبل يوم الحساب الختامى فى دار الحساب .
الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله . ألا بذكر الله تطمئن القلوب .
(الرعد : 28)
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ؟ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك فى ضلال مبين .
(الزمر : 22)
إöنَّ الَّذöينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهöمْ الْمَلَائöكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشöرُوا بöالْجَنَّةö الَّتöي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(30)نَحْنُ أَوْلöيَاؤُكُمْ فöي الْحَيَاةö الدُّنْيَا وَفöي الْآخöرَةö وَلَكُمْ فöيهَا مَا تَشْتَهöي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فöيهَا مَا تَدَّعُونَ(31)نُزُلًا مöنْ غَفُورٍ رَحöيمٍ .
(فصلت : 30-32)
ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين .
(آل عمران : 139)
قل : هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا . فتربصوا إنّا معكم متربصون .
(التوبة : 52)
أما وجود الشر فى ذاته ، وما ينشأ عنه من الألم فى كل صورة . ولماذا يوجد . والله قادر على ألا يوجده ابتداء ، ولو شاء لهدى الناس جميعا ، ولو شاء لخلق الناس كلهم مهتدين ابتداء ؟؟؟ أما هذا السؤال فلا موضع له البتة فى التصور الإسلامى !
إن الله قادر طبعا على تبديل فطرة الإنسان - عن طريق هذا الدين أو عن غير طريقه - أو خلقه بفطرة أخرى . ولكنه شاء أن يخلق الإنسان بهذه الفطرة وأن يخلق الكون على هذا النحو الذى نراه . وليس لأحد من خلقه أن يسأله لماذا شاء هذا ؟ لأن أحدا من خلقه ليس الهآ ! وليس لديه العلم والإدراك - ولا إمكان العلم والإدراك - للنظام الكلى للكون . ولمقتضيات هذا النظام فى طبيعة كل كائن فى هذا الوجود ، وللحكمة الكامنة فى خلقه كل كائن بطبيعته التى خلق عليها .
والله وحده هو الذى يعلم ، لأنه وحده هو الذى خلق الكون ومن فيه وما فيه وهو وحده الذى يرى ما هو خير فينشئه ويبقيه ، وهو وحده الذى يقدر أحسن وضع لما خلق فينشئه فيه :
فتبارك الله أحسن الخالقين .
(المؤمنون : 14)
الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى .
(طه : 50)
ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ، ولكن ليبلوكم فيما آتاكم ، فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا ، فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون .
(المائدة : 48)
ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض . ولكن الله فضل على العالمين .
(البقرة : 251)
ونبلوكم بالشر والخير فتنة ، وإلينا ترجعون .
(الأنبياء : 35)
ولماذا ، - فى هذا المقام - سؤال لا يسأله مؤمن جاد ، ولا يسأله ملحد جاد .. المؤمن الجاد لا يسأله ، لأنه أكثر أدبا مع الله - الذى يعرفه من التصور الإسلامى بذاته وصفاته - ولأنه أكثر معرفة بمدى إدراكه البشرى الذى لم يهيأ للعمل فى هذا المجال .. والملحد الجاد لا يسأله كذلك . لأنه لا يعترف بالله ابتداء . فإن اعترف بألوهيته عرف معها أن هذا شأنه - سبحانه - وأن هذا مقتضى ألوهيته ، وأن اختياره هذا هو الخير قطعا .
ولكنه سؤال يسأله مكابر لجوج ، أو مائع هازل .. ومن ثم لا يجوز المضى معه فى محاولة تبرير هذا الواقع بمعايير عقليه بشرية ، لأنه بطبيعته أكبر من مستوى العقل البشرى ، وأوسع من المجال الذى يعمل فيه العقل . فإدراك أسبب هذا الواقع يقتضى أن يكون الإنسان إلها . ولن يكون الإنسان إلها . ولابد له من أن يسلم بهذه البديهية الواقعية ، ويسلم بمقتضياتها كذلك .(1)
فأما الباعث على الشر ، وتعرض الإنسان لضغطه - وهو ما يدفع إلى الشر والضلال والخطيئة - فالإسلام يقرر أنه أضعف من أن يكون مسلطا على الإنسان تسليط قهر وغلبه .. إنما هو تسليط امتحان وابتلاء . فهو يتمثل فى المعركة بين الإنسان والشيطان . ودون الشيطان والغلبة فى هذه لمعركة حاجز قوى من الإيمان وذكر الله والاستعاذة به ، واللياذ بكنفه .
قَالَ رَبّö بöمَا أَغْوَيْتَنöي لَأُزَيّöنَنَّ لَهُمْ فöي الْأَرْضö وَلَأُغْوöيَنَّهُمْ أَجْمَعöينَ(39)إöلَّا عöبَادَكَ مöنْهُمْ الْمُخْلَصöينَ(40)قَالَ هَذَا صöرَاطñ عَلَيَّ مُسْتَقöيمñ(41)إöنَّ عöبَادöي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهöمْ سُلْطَانñ إöلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مöنْ الْغَاوöينَ .
(الحجر : 39-42)
قَالَ اهْبöطَا مöنْهَا جَمöيعًا بَعْضُكُمْ لöبَعْضٍ عَدُوّñ فَإöمَّا يَأْتöيَنَّكُمْ مöنّöي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضöلُّ وَلَا يَشْقَى(123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذöكْرöي فَإöنَّ لَهُ مَعöيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقöيَامَةö أَعْمَى(124)قَالَ رَبّö لöمَ حَشَرْتَنöي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصöيرًا(125)قَالَ كَذَلöكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسöيتَهَا وَكَذَلöكَ الْيَوْمَ تُنسَى .
(طه : 123-126)
وقال الشيطان لما قضى الأمر : إن الله وعدكم وعد الحق ، ووعدتكم فأخلفتكم ، وما كان لى عليكم من سلطان . إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى . فلا تلومونى ولموا أنفسكم .
(إبراهيم : 22)
فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم .. إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون . إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون .
(النحل : 98-100)
إن كيد الشيطان كان ضعيفا .
(النساء : 76)
ثم إنه يبقى بعد ذلك أنه إذا كان الله - سبحانه - هو الذى يخلق كل إنسان . باستعدادات معينة ، هى التى تجعله يميل إلى الخير والهدى ، أو يميل إلى الشر والضلال ، فكيف يعذب الله الشرير الضال ، ويكافئ الخير المهتدى ، فى الدنيا أو فى الآخرة على السواء ؟
وهو سؤال خادع - فى صورته هذه - يقابله ويصححه ما يقرره القرآن من أن الله - سبحانه - خلق الإنسان فى أحسن تقويم ، وأنه لا يزول عن مكانه هذا إلا بغفلته عن الله . وأنه مبتلى بالخير والشر . وأن فيه الاستعداد للترجيح والاختيار - مع الاستعانة بالله ، الذى يعين من يجاهد لرضاه !
لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم . ثم رددناه أسفل سافلين . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات . فلهم أجر غير ممنون .
(التين : 4-6)
ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها . قد أفلح من زكاها . وقد خاب من دساها .
(الشمس : 7-10)
إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا .
(الإنسان : 2-3)
إن سعيكم لشتى .. فأما من أعطى واتقى ، وصدق بالحسنى ، فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى ، وكذب بالحسنى ، فسنيسره للعسرى .
(الليل : 4-10)
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين .
(العنكبوت : 69)
ويقابله كذلك ويصححه ما سبق تقريره من أن الله فى الناس يتحقق فيهم من خلال إرادتهم فى ذات أنفسهم ، وفى الحياة من حولهم .
ويرد الأمر فى النهاية إلى ما أسلفناه من الحديث عن قدر الله فى مطلع هذه الفقرة .
على أن التصور الإسلامي يعلم المسلم أن الله فرض عليه تكاليف واضحة ، ونهاه عن أمور كذلك واضحة . وهذه وتلك محددة لا شبهة فيها ولا غبش . مكشوفة للعلم الإنسانى لا غيب فيها ولا مجهول . وهذه وتلك هى التى يحاسبه عليها . أما أمر الغيب والقدر وما هو مخبوء وراء النظر ، فأمور لم يكلف الله المسلم بالبحث فيها ، ولم يأمره بشئ يتعلق بها ، غير الاعتقاد بقدر الله خيره وشره .
ومن ثم فطريق المسلم الواضح محدد مستقيم .. طريقه أن ينهض بالتكاليف الواضحة ما استطاع - وأن يجتنب النواهي المحددة كما نُهى . وأن يشتغل بمعرفة ما أمر الله به ، وما نهى عنه ، ولا يبحث فى شئ وراءهما من أمر الغيب المحجوب عن إدراكه المحدود .
وما كان الله - سبحانه - ليكلفه - شيئا يعلم أن لا طاقة له به ، أو أنه ممنوع بمانع قهرى عن النهوض به . وما كان الله - سبحانه - لينهاه عن شئ ، يعلم أن لا طاقة له بالامتناع عنه ، أو أنه مدفوع بدافع قهرى لا يقاوم لإتيانه !
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها . لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت .
(البقرة : 286)
وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها . قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون ؟ قل أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد .. وادعوه مخلصين له الدين . (الأعراف : 28-29)