الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: خصائص التصور الإسلامي
المؤلف: سيد قطب
التصنيف: رمضان
 

التوازن

القسم الثاني

وما يؤمن بالله من لا يؤمن بأن الله لا يكلفه بشئ فوق طاقته ، ولا ينهاه عن شئ ليس فى مقدوره الانتهاء عنه .. وفى هذه الكفاية .

بهذا يتم التوازن فى الاعتقاد والشعور ، كما يتم التوازن فى النشاط والحركة فيثير التصور الإسلامى فى الضمير الرغبة فى الخير والاستقامة ، وفى الحركة والفاعلية . مع الاستعانة بالله الذى بيده كل شئ .

وبهذا يقطع التعطيل والإرجاء والسلب .. وقد علم أن الله لا يرضى لعبادة الكفر . وأنه لا يحب أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا . ولا يرضى أن يترك المنكر بلا جهاد ، ولا أن يترك الحق بلا نصره ، ولا أن تترك الأرض بلا خلافة . وقد علم أن الإنسان فى هذه الدنيا للابتلاء بالخير والشر ، وللامتحان فى كل حركة وكل حالة . وأنه مجزى على الحسنة وعلى السيئة فى دار الحساب والجزاء .. وأنه كذلك مستخلف فى هذه الأرض ، وأن له مكانه فى هذا الكون ، وله دوره فى ما يقع فى هذه الأرض من تغيير وتطوير . وأنه إما ناهض بهذه الخلافة - وفق منهج الله - فمثاب . وإما نأكل عن التبعة فمعاقب . ولو كان النكول خوفا من التبعة . وفرار من الابتلاء !

والتوازن يبن عبودية الإنسان المطلقة لله ومقام الإنسان الكريم فى الكون .. وقد سلم التصور الإسلامى فى هذا الصدد من كل الهزات والأرجحات التى تعاورت المذاهب والمعتقدات والتصورات .. ما بين تأليه الإنسان فى صوره الكثيرة . وتحقير الإنسان إلى حد الزراية والمهانة ..

إن الإسلام يبدأ فيفصل فصلا تاما كاملا بين حقيقة الألوهية ، وحقيقة العبودية . وبين مقام الألوهية ومقام العبودية . وبين خصائص الألوهية وخصائص العبودية . بحيث لا تقوم شبهة أو غبش حول هذا الفصل الحاسم الجازم :

الله ليس كمثله شئ .. فلا يشاركه أحد فى ماهية أو حقيقة .

والله هو الأول والآخر والظاهر والباطن فلا يشاركه أحد فى وجود .

وكل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام .. فلا يشاركه أحد فى بقاء .

والله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .. فلا يشاركه أحد فى سلطان .

و خالق كل شئ .. فلا يشاركه أحد فى خلق .

و الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر .. فلا يشاركه أحد فى رزق .

و والله يعلم وأنتم لا تعلمون .. فلا يشاركه أحد فى علم .

ولم يكن له كفوا أحد .. فلا يشاركه أحد فى مقام .

أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله؟ .. فلا يشاركه أحد فى التشريع للناس..

وهكذا فى كل خاصية من خصائص الألوهية .

عبد لا يشارك الله فى حقيقة ولا خاصية .. وليس كما تقول الكنيسة عن المسيح - عليه السلام - إن له طبيعة لاهوتية ناسوتية ، على اختلاف المذاهب والتصورات .

إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل .

(الزخرف : 59)

لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون .

(النساء : 172)

إن كل من فى السماوات والأرض إلا أتى الرحمان عبدا .

(مريم : 93)

ولكن الإنسان - بعبوديته هذه لله - كريم على الله . فيه نفخة من روح الله . مكرم فى الكون، حتى ليأمر الملائكة - وهم عبادة المقربون - أن يجدوا له سجود التكريم .

وإذ قال ربك للملائكة : إنى خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون . فإذا سويته ونفخت فيه من روحى فقعوا له ساجدين فسجد االملائكة كلهم أجمعين .

(الحجر : 28-30)

وهو مستخلف فى هذه الأرض ، مسلط على كل ما فيها ، مسخر له الأرض وما فيها ومحسوب حسابه فى تصميم هذا الكون قبل أن يكون :

وَإöذْ قَالَ رَبُّكَ لöلْمَلَائöكَةö إöنّöي جَاعöلñ فöي الْأَرْضö خَلöيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فöيهَا مَنْ يُفْسöدُ فöيهَا وَيَسْفöكُ الدّöمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبّöحُ بöحَمْدöكَ وَنُقَدّöسُ لَكَ قَالَ إöنّöي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30)وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائöكَةö فَقَالَ أَنْبöئُونöي بöأَسْمَاءö هَؤُلَاء إöنْ كُنتُمْ صَادöقöينَ(31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عöلْمَ لَنَا إöلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إöنَّكَ أَنْتَ الْعَلöيمُ الْحَكöيمُ(32)قَالَ يَاآدَمُ أَنْبöئْهُمْ بöأَسْمَائöهöمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بöأَسْمَائöهöمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إöنّöي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ .

(البقرة : 30-33)

وسخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعا منه .

(الجاثية : 13)

وألقى فى الأرض رواسى أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون .

(النحل : 15)

ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الأرض ، والفلك تجرى فى البحر لأمره . ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ؟ إن الله بالناس لرؤوف رحيم .

(الحج : 65)

والإنسان - كما أسلفنا - يكون فى أرفع مقاماته ، وفى خير حالاته ، حين يحقق مقام العبودية لله ، إذ أنه - فى هذه الحالة - يكون فى أقوم حالات فطرته ، وأحسن حالات كماله وأصدق حالات وجوده .

ومقام العبودية لله هو الذى وُصف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى مقام الوحى ومقام الإسراء والمعراج - كما ذكرنا من قبل - وهو الذى جعله الله غاية الوجود الإنسانى وهو يقول :

وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون .

كما أن قيام الناس فى هذا المقام ، هو الذى يعصمهم جميعا من عبودية العبيد للعبيد ، وهو الذى يحفظ لهم كرامتهم جميعا ، على اختلاف مراكزهم الدنيوية ، وهو الذى يرفع جباههم فلا تنحنى إلا الله وهو الذى يكفيهم - فى الوقت ذاته - عن الاستكبار فى الأرض بغير الحق ، والعلو فيها والفساد ، ويستجيش فى قلوبهم التقوى للمولى الواحد ، الذى يتساوى أمامه العبيد . ويرفض أن يدعى أحد العبيد لنفسه خصائصه الألوهية ، فيشرع للناس فى شؤون حياتهم بغير سلطان من الله ، ويجعل ذاته مصدر السلطان ، وإرادته شريعة البناء لبنى الإنسان žž.

ومن ثم فإنه لا تعارض - فى التصور الإسلامى - بين رفعة الإنسان وعظمته وكرامته وفاعليته، وبين عبوديته لله - سبحانه - وتفرد الله بالألوهية وبخصائصها جميعا .

ولا حاجة إذن - عندما يراد رفع الإنسان وتكريمه - أن تخلع عنه عبوديته لله ، أو تضاف إلى ناسوتيته لاهوتية ليست له ، كما احتاج رؤساء الكنيسة والمجامع المقدسة أن يفعلوا ، ليعظموا عيسى - عليه السلام - ويكبروه ž.

لَقَدْ كَفَرَ الَّذöينَ قَالُوا إöنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسöيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسöيحُ يَابَنöي إöسْرَائöيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبّöي وَرَبَّكُمْ إöنَّهُ مَنْ يُشْرöكْ بöاللَّهö فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهö الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لöلظَّالöمöينَ مöنْ أَنصَارٍ(72)لَقَدْ كَفَرَ الَّذöينَ قَالُوا إöنَّ اللَّهَ ثَالöثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مöنْ إöلَهٍ إöلَّا إöلَهñ وَاحöدñ وَإöنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذöينَ كَفَرُوا مöنْهُمْ عَذَابñ أَلöيمñ(73)أَفَلَا يَتُوبُونَ إöلَى اللَّهö وَيَسْتَغْفöرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورñ رَحöيمñ(74)مَا الْمَسöيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إöلَّا رَسُولñ قَدْ خَلَتْ مöنْ قَبْلöهö الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صöدّöيقَةñ كَانَا يَأْكُلَانö الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيّöنُ لَهُمْ الْآيَاتö ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ .

( المائدة 72-75)

وَإöذْ قَالَ اللَّهُ يَاعöيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لöلنَّاسö اتَّخöذُونöي وَأُمّöي إöلَهَيْنö مöنْ دُونö اللَّهö قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لöي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لöي بöحَقٍّ إöنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلöمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فöي نَفْسöي وَلَا أَعْلَمُ مَا فöي نَفْسöكَ إöنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبö(116)مَا قُلْتُ لَهُمْ إöلَّا مَا أَمَرْتَنöي بöهö أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبّöي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهöمْ شَهöيدًا مَا دُمْتُ فöيهöمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنöي كُنتَ أَنْتَ الرَّقöيبَ عَلَيْهöمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلّö شَيْءٍ شَهöيدñ(117)إöنْ تُعَذّöبْهُمْ فَإöنَّهُمْ عöبَادُكَ وَإöنْ تَغْفöرْ لَهُمْ فَإöنَّكَ أَنْتَ الْعَزöيزُ الْحَكöيمُ . . .

( المائدة : 116 – 118 )

لن يستنكف المسيح ن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون . ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا .

(النساء : 172)

كذلك لا حاجة إلى تصغير الله - سبحانه وتعالى - كلما أريد تعظيم الإنسان ، وإعلان رفعة مقامه فى هذه الأرض ، وسيطرته وفاعليته ، وكلما فتح الله للإنسان فتحا فى أسرار المادة . وكلما سخر له طاقة من طاقات الكون ž.

إن الله - سبحانه - والإنسان ليسا كفوين ولا ندين ž، ولا متصارعين ، ولا يرجح أحدهما ليشيل الآخر ، ولا يغلب أحدهما ليهزم الآخر .

لقد تركت الأساطير الإغريقية ، والأساطير العبرية ، هذا التصور القبيح التافه فى أذهان الأوربيون . فظل يسيطر على تصوراتهم حتى بعد ما دخلوا فى المسيحية .

الأسطورة الإغريقية التى تصور كبير الآلهة زيوس غاضبا على الإله برومثيوس لأنه سرق سر النار المقدسة (سر المعرفة) وأعطاه للإنسان ، وراء ظهر كبير الآلهة ، الذي لم يكن يريد للإنسان ان يعرف لئلا يرتفع مقامه فيهبط مقام كبير الآلهة ويهبط معه مقام الآلهة ، ومن ثم أسلمه إلى أفظع انتقام وحشى رعيب .

والأسطورة العبرانية التي تصور الإله خائفا من أن يأكل الإنسان من شجرة الحياة ، - بعد ما أكل من شجرة المعرفة - فيصبح كواحد من الآلهة ž، ومن ثم يطرد الإنسان من الجنة ، ويقيم دونه ودون شجرة الحياة حراسا شدادا ولهيب سيف متقلب .

والأسطورة التى أطلقها نيتشه وهو يتخبط خبط الصرع فى كتابه : هكذا قال زرادشت ليعلن موت الإله ومولد الإنسان الأعلى السوبرمان) .

كبرت كلمة تخرج من أفواهم إن يقولون إلا كذبا ..

إن الإنسان - فى الإسلام - يأخذ مكانه الحقيقى دائما فى هدوء ، وفى هوادة ، وفى طمأنينة. إنه عبد الله . وإنه بهذه العبودية أكرم خلق الله . وهو فى مقام العبودية فى أرفع مقام . وفى أسعد مقام. وفى أصلح مقام .

ويبقى أن نأخذ – من هذه الخاصية – أن التصورات الأوروبية التى كمنت فيها تلك التصورات الأسطورية المختلفة ، ودخلت فى صميمها ، بل دخلت فى مناهج تفكيرها .. أن هذه التصورات الأوربية ، وما قام عليها من مناهج التفكير ، وما نتج منها من مذاهب وأفكار .. كلها تصطدم – اطداما ظاهرا أو خفيا – مع التصور الإسلامى ، ومناهج الفكر الإسلامية ، وأن أى استعارة من تلك التصورات ، أو مناهج التفكير ، أو نتاجها من المذاهب والأفكار ، تحمل فى صميمها عداء طبيعيا للتصور الإسلامى ، وللفكر الإسلامى ، ولا تصلح بتاتا للاقتباس منها أو الاستعانة بها .. بل هى كالسم الذى يتلف الأنسجة ، ويؤذى الأعضاء ، ويقتل فى النهاية إذا كثر المقدار !!!

والتوازن فى علاقة العبد بربه ، بين مومحيات الخوف والرهبة والاستهوال ، وموحيات الأمن ولطمأنينة والأنس .. فصفات الله الفاعلة فى الكون ، وفى حياة الناس والأحياء ، تجمع بين هذا الإيحاء وذاك . فى توازن تام .

ويقرأ المسلم فى كتاب الله الكريم من صفات ربه ما يخلع القلوب ، ويزلزل الفرائص ، ويهز الكيان ، من مثل قوله تعالى :

واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ، وأنه إليه تحشرون .

(الأنفال : 24)

يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور .

(غافر : 19)

ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد .

(ق : 16)

واعلموا أن الله يعلم ما فى أنفسكم فاحذروه .

(البقرة : 235)

(واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب .

(البقرة : 196)

سنستدرجهم من حيث لا يعلمون . وأملى لهم إن كيدى متين .

(القلم : 44-45)

إن بطش ربك لشديد .

(البروج : 12)

والله عزيز ذو انتقام .

(آل عمران : 4)

وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة . إن أخذه أليم شديد .

(هود : 102)

وذرنى والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا . إن لدينا أنكالا وجحيما، وطعاما ذا غصة وعذابا أليما ، يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا .

(المزمل : 11-14)

وصور العذاب فى مشاهد القيامة رهيبة رهيبة(1).

ويقرأ المسلم كذلك من صفات ربه ، ما يملأ قلبه طمأنينة وراحة ، وروحه أنسا وقربا ، ونفسه رجاء وأملا . من مثل قوله تعالى :

وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب ، أجيب دعوة الداع إذا دعان .

(البقرة : 186)

أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض ؟ أإله مع الله ؟ .

(النمل : 62)

الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء ، والله يعدكم مغفرة منه وفضلا ، والله واسع عليم .

(البقرة : 268)

وما كان الله ليضيع إيمانكم : إن الله بالناس لرؤوف رحيم .

(البقرة : 143)

يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا .

(النساء : 28)

ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ؟ وكان الله شاكرا عليما .

(النساء : 147)

إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا .

(مريم : 96)

وهو الغفور الودود .

(البروج : 14)

والله رؤوف بالعباد .

(البقرة : 207)

ويبشر المؤمنين الذين عملوا الصالحات أن لهم أجرا حسنا ماكثين فيه أبدا .

(الكهف : 2-3)

وصور النعيم فى مشاهد القيامة رخية رخية!

ومن هذا وذاك يقع التوازن فى الضمير بين الخوف والطمع ، والرهبة والأنس والفزع والطمأنينة .. ويسير الإنسان فى حياته ، يقطع الطريق إلى الله، ثابت الخطوة ، مفتوح العين ، حى القلب ، موصول الأمل . حذرا من المزالق، صاعدا أبدا إلى الأفق الوضئ ، لا يستهتر ولا يستهين ، ولا يغفل ولا ينسى ، وهو فى الوقت ذاته شاعر برعاية الله وعونة ، ورحمة الله وفضله ، وأن الله لا يريد به السوء ، ولا يود له العنت ، ولا يوقعه فى الخطيئة ليتشفى بالانتقام منه.. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .

وحين توازن بين هذا التصور وتصور الإغريق لكبير آلهتهم ، القاسى الحسود الشهوان العربيد ، المضطغن الحقود ، أو تصور الإسرائيليين المنحرف لإلههم الغيور المتعصب ، البطاش المتهور .. أو تصور أرسطو لإلهة المترفع الذى لا يعنى نفسه بأمر الخلق على الإطلاق ، ولا يفكر إلا فى ذاته ، لأنها أشرف الذوات ، ولا يليق بالإله أن يفكر إلا فى أشرف ذات ! أو تصور الماديين لإلههم الطبيعة الصماء العمياء الخرساء ! .. عندئذ تبدو قيمة هذا الجانب المتوازن فى التصور الإسلامى ، وأثره الواقعى فى حياة البشر ، وأثره كذلك فى منهج حياتهم وأخلاقهم ونظامهم العملى ، (وسيأتى شئ من تفصيل هذا الإجمال فى الفصل التالى عن خاصية : الإيجابية) .

والتوازن بين مصادر المعرفة : من وراء الغيب المحجوب ، ومن صفحة الكون المشهود ، أو بتعبير آخر : من الوحى والنص ، ومن الكون والحياة .

وقد رأينا فى مطلع هذا البحث كيف تقلبت التصورات فى أوربة ، بين اتخاذ النص (أو الوحى) – وحده – مصدرا للمعرفة ، واتخاذ العقل – وحده – مصدرا ، واتخاذ الطبيعة – وحدها – مصدرا كذلك ! وتعسف كل فريق فى تأنيه مصدره ، ونفى المصادر الأخرى إطلاقا ، وإلغاء وجودها إلغاء !

فأما الإسلام فى شموله وفى توازنه ، وفى اعتباره لجميع الحقائق الواقعه ، دون تعسف ، ودون هوى ، ودون شهوة ، ودون غرض ، ودون جهل ، ودون قصور …

أما الإسلام – فى طمأنينته إلى الحق ، الكامل الشامل – فلم يغفل مصدرا واحدا من مصادر المعرفة لم يعطه اعتباره ، ولم يضعه فى مكانه الذى يستحقه ، ودرجته التى هى له فى الحقيقة ، فى دقة وتوازن وطمأنينة .

فالإسلام – كما سبق – يرد الأمر كله ابتداء إلى الله وإرادته وتدبيره ، ويرد الخلق كله إلى إرادة الله الواحد – ومن الخلق هذا الكون وما فيه ، وهذا الإنسان وعقله ومداركه – ومن ثم لا يجد تناقصا فى أن يكون للكون – أو للطبيعة كما يسميها الغربيون – وأن يكون للحياة وأوضاعها – وفيها الاقتصاد إله كارل ماركس – دور فى إمداد الإنسان بالمعرفة عن طريق العقل وسائر المدارك المودعة فيه باعتبار الجميع من صنع الله .. فهى من عنده . كما أن الوحى من عنده كذلك .

نعم إن الإسلام يعتبر مصدر الوحى المصدر الصادق ، الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ولا يخضع للهوى ، ولا يتأثر به ، ومن ثم فهو أعلى المصادر . ولكنه فى الوقت ذاته لا يلغى العقل – عندئذ – ولا يلغى المؤثرات والمعارف التى تتلقاها الكينونة الإنسانية كلها ، مما حولها فى الكون. فالكون كذلك كتاب الله المفتوح الذى يصب المعرفة فى الكينونة الإنسانية – كما يصبها الوحى – مع فارق واحد : هو أن المعرفة التى يتلقاها الإنسان بمداركه من هذا الكون ، قابلة للخطأ والصواب – بما أنها من عمل الإنسان – أما ما يتلقاه من الوحى فهو الحق اليقين ..

لقد خلق الله هذا الإنسان متوافقا فى فطرته وتكوينه مع هذا الكون ، ومع سائر الحياء . فكلهم من خلق الله ، وكلهم يتلقى من الله ، وكلهم يتمتع بهداه .

قال : ربنا الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى .

(طه : 50)

سبح اسم ربك الأعلى ، الذى خلق فسوى ، والذى قدر فهدى .

(الأعلى : 1-3)

ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون .

الذاريات : 49

وما من دابة في الأرض و لا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم

(الأنعام : 38)

الذى جعل لكم الأرض مهدا ، وسلك لكم فيها سبلا .

(طه : 53)

منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى .

(طه : 55)

سبحان الذى خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون .

(يس : 36)

فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا .

(الشورى : 11)

وفى التوافق والتناسق والتعاون بين خلق الله جميعا – وفيهم الإنسان – ترد نصوص قرآنية كثيرة . ذات إيحاء قوى بالوحدة والتضامن والتناسق فى طبيعة التكوين وفى الاتجاه العام ، نذكر منها القليل :

أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ مöهَادًا(6)وَالْجöبَالَ أَوْتَادًا(7)وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا(8)وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا(9)وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لöبَاسًا(10)وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا(11)وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شöدَادًا(12)وَجَعَلْنَا سöرَاجًا وَهَّاجًا(13) وَأَنزَلْنَا مöنْ الْمُعْصöرَاتö مَاءً ثَجَّاجًا(14)لöنُخْرöجَ بöهö حَبًّا وَنَبَاتًا(15)وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا .

(النبأ : 6- 16)

أأنتم أشد خلقا أم السماء : بناها . رفع سمكها فسواها . وأغطش ليلها وأخرج ضحاها . والأرض بعد ذلك دحاها ز أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها . متاعا لكم ولأنعامكم .

(النازعات : 27-33)

فلينظر الإنسان إلى طعامه : أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا . وعنبا وقضبا . وزيتونا ونخلا . وحدائق غلبا . وفاكهة وأبّا .. متاعا لكم ولأنعامكم .

(عبس : 24-32)

وَاللَّهُ أَنزَلَ مöنْ السَّمَاءö مَاءً فَأَحْيَا بöهö الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتöهَا إöنَّ فöي ذَلöكَ لَآيَةً لöقَوْمٍ يَسْمَعُونَ(65)وَإöنَّ لَكُمْ فöي الْأَنْعَامö لَعöبْرَةً نُسْقöيكُمْ مöمَّا فöي بُطُونöهö مöنْ بَيْنö فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالöصًا سَائöغًا لöلشَّارöبöينَ(66) وَمöنْ ثَمَرَاتö النَّخöيلö وَالْأَعْنَابö تَتَّخöذُونَ مöنْهُ سَكَرًا وَرöزْقًا حَسَنًا إöنَّ فöي ذَلöكَ لَآيَةً لöقَوْمٍ يَعْقöلُونَ(67)وَأَوْحَى رَبُّكَ إöلَى النَّحْلö أَنْ اتَّخöذöي مöنْ الْجöبَالö بُيُوتًا وَمöنْ الشَّجَرö وَمöمَّا يَعْرöشُونَ(68)ثُمَّ كُلöي مöنْ كُلّö الثَّمَرَاتö فَاسْلُكöي سُبُلَ رَبّöكö ذُلُلًا يَخْرُجُ مöنْ بُطُونöهَا شَرَابñ مُخْتَلöفñ أَلْوَانُهُ فöيهö شöفَاءñ لöلنَّاسö إöنَّ فöي ذَلöكَ لَآيَةً لöقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .

(النحل : 65-69)

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مöنْ بُيُوتöكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مöنْ جُلُودö الْأَنْعَامö بُيُوتًا تَسْتَخöفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنöكُمْ وَيَوْمَ إöقَامَتöكُمْ وَمöنْ أَصْوَافöهَا وَأَوْبَارöهَا وَأَشْعَارöهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إöلَى حöينٍ(80)وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مöمَّا خَلَقَ ظöلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مöنْ الْجöبَالö أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابöيلَ تَقöيكُمْ الْحَرَّ وَسَرَابöيلَ تَقöيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلöكَ يُتöمُّ نöعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلöمُونَ .

(النحل : 80-81)

وأمثال هذه النصوص كثير ، سنفصل الحديث عنه عند الكلام عن حقيقة الكون وحقيقة الإنسان فى التصور الإسلامى ..

والمهم الآن أن نقول : إن الإسلام بناء على تقريره أن هناك اتفاقا وتناسقا بين الكون والإنسان ، جعل الكون وجعل الحياة والأحياء من بين مصادر المعرفة لهذا الإنسان – أو عن كتاب الكون المفتوح – وعن الإنسان ذاته . فهو مصدر من مصادر التأمل والمعرفة لذاته !

فنجد فى التوجيه إلى المصدر الأول الأصيل الصادق ، المهيمن على كل مصادر المعرفة الأخرى .. أمثال هذه النصوص :

إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم .

(الإسراء : 9)

ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون.

(الجاثية : 18)

إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون . نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن ، وإن كنت من قبله لمن الغافلين .

(يوسف : 2-3)

وقلنا اهبطوا منها جميعا ، فإما يأتينكم منى هدى ، فنم تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .

(البقرة : 38-39)

وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور . خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا.

(البقرة : 93)

ثم نجد فى التوجيه إلى التلقى والمعرفة من كتاب الكون المفتوح ، ومن كتاب النفس المكنون ، الشئ الكثير .. الكثير :

وفى الأرض آيات للموقنين ، وفى أنفسكم . أفلا تبصرون؟ .

(الذاريات : 20-21)

سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق .

(فصلت : 53)

أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ؟ وإلى السماء كيف رفعت ؟ وإلى الجبال كيف نصبت ؟ وإلى الأرض كيف سطحت ؟ فذكر إنما أنت مذكر .

(الغاشية : 17-21)

ألم يروا إلى الطير مسخرات فى جو السماء ما يمسكهن إلا الله ؟ إن فى ذلك لآيات لقوم يؤمنون .

(النحل : 79)

إöنَّ فöي خَلْقö السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö وَاخْتöلَافö اللَّيْلö وَالنَّهَارö وَالْفُلْكö الَّتöي تَجْرöي فöي الْبَحْرö بöمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مöنْ السَّمَاءö مöنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بöهö الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتöهَا وَبَثَّ فöيهَا مöنْ كُلّö دَابَّةٍ وَتَصْرöيفö الرّöيَاحö وَالسَّحَابö الْمُسَخَّرö بَيْنَ السَّمَاءö وَالْأَرْضö لَآيَاتٍ لöقَوْمٍ يَعْقöلُونَ .

(البقرة : 164)

وفى التوجيه إلى استخدام العقل للمعرفة ، إما بتدبر آيات الله فى الكون ، وإما بتدبر حقائق الوحى وحقائق الحياة ، نجد كذلك فى القرآن نصوصا شتى:

قل : إنما أعظمكم بواحدة : أن تقوموا لله مثنى وفرادى ، ثم تتفكروا . ما بصاحبكم من جنة ، إن هو إلا نذير لكم ، بين يدى عذاب شديد .

(سبأ : 46)

أفلا يتدبرون القرآن ؟ ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .

(النساء : 82)

أفلم يسيروا فى الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ؟ أو آذان يسمعون بها ؟ فإنها لا تعمى الأبصار ، ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور .

(الحج : 46)

إöنَّ فöي خَلْقö السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö وَاخْتöلَافö اللَّيْلö وَالنَّهَارö لَآيَاتٍ لöأُولöي الْأَلْبَابö(190)الَّذöينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قöيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبöهöمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فöي خَلْقö السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطöلًا سُبْحَانَكَ .

(آل عمران : 190-191)

والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة .

(النحل : 78)

وهكذا تتوازن هذه المصادر .. كل بحسبه .. وتناسق فى إمداد الكائن الإنسانى بالمعرفة . ويتوازن التصور الإسلامى ، فلا يشط ولا يضطرب ولا يأرجح بين هذه المصادر ، ولا يؤله ما ليس منها بإله !

ومما يلاحظ بوضوح فى منهج التربية القرآنى كثرة توجيه الإدراك البشرى إلى ما فى الكون ، وما فى الأنفس ، من أمارات وآيات ، وتوجيه هذا الإدراك إلى مصاحبة صنعة الله فى الأنفس والآفاق . ذلك أن هذه المصاحبة – فوق أنها تنبه الإدراك البشرى إلى معرفة الصانع من صنعته ، وإجلاله بإدراك عظمته من عظمة صنعه ، وحبه بإدراك عظمة أنعمه – فهى فى الوقت ذاته تطبع الإدراك الإنسانى بخصائص تلك الصنعة : من دقة وتناسق وانتظام ، لا خلل فيه ولا تصادم ولا تفاوت . كما تطبعه بموحياتها كذلك من سنن وحقائق ومقررات .. وليس بالقليل مثلا أن ينطبع فى حس الإنسان وشعوره من متابعة التغير المستمر فى أحوال هذا الكون ، وفى أحوال البشر ، وفى أحوال النفس ، أن الدوام لله وحده ، الذى يغير ولا يتغير . وأن كل شئ حائل أو زائل ، إلا الحى الذى لا يموت . الصمد الثابت المقصود .. وليس بالقليل مثلا أن ينطبع فى حس الإنسان وشعوره من ملاحظة ثبات السنن التى تحكم ذلك التغير ، وثبات الناموس الذى يتم به التبدل والتحور ، أن الأمور لا تمضى جزافا ، وأن الحياة لم توجد سدى ، وأن الإنسان غير متروك لقى . وإنما هو التدبير والتقدير، والابتلاء والجزاء ، والعدل الصارم الدقيق فى تقدير المصير ..

وهكذا … وهكذا .. مما سنذكر منه الكثير .

ومن ثم يكثر التوجيه إلى هذه المصادر ، والظاهرة فى الكون والمكنونة فى النفس ، لتلقى المعرفة من كتاب الله المفتوح ، كتلقى المعرفة من كتاب الله المقروء . . فى تناسق وتوازن ، يجمع بين مصادر المعرفة كلها ، فى غير تصادم ولا تعارض ، وفى غير تأليه منها فى تاريخ الفكر الغربى الصغير !

ومن ثم لا يقتضى قيام الوحى – كمصدر أساسى للمعرفة – إلغاء الإدراك البشرى ، كما لا يقتضى وجود الكون إلغاء هذا العقل ، أو إلاء الله – جل وعلا وتنزه عن التصورات المطوسة البائسة ، التى يتعبد لها الغربيون ! وعبيد الغربيين !

والتوازن بين فاعلية الإنسان وفاعلية الكون . وبين مقام الإنسان ومقام الكون . وقد سلم التصور الإسلامى فى هذه النقطة من جميع الأرجحات ، وجميع التقلبات التى صاحبت الفكر البشرى ، كلما انحرف عن منهج الله .

وتتضح استقامة التصور الإسلامي تجاه الكون و الإنسان ، حين يراجع ركام الفلسفات والتصورات والمعتقدات المختلفة .

لقد كان أفلاطون يضع المادة فى الدرك الأسفل من القيمة والاعتبار . فالوجود فى مذهب أفلاطون طبقتان متقابلتان : طبقة العقل المطلق ، وطبقة المادة أو الهيولى . والقدرة كلها من العقل المطلق ، والعجز كله من اهيولى ، وبين ذلك كائنات على درجات تعلو بقدر ما تأخذ من العقل ، وتسفل بمقدار ما تأخذ من الهيولىفالهيولى مقاومة للعقل المجرد ، وليست موجدة بمشيئته من العدم (1) وأفلوطين – فى الأفلاطونية الحديثة – يجعل المادة فى الدرك نفسه .. فالواحد الأحد خلق العقل ، والعقل خلق الروح ، والروح خلقت ما دونها من الموجودات ، على الترتيب الذى ينحدر طورا إلى عالم الهيولى ، أو عالم المادة والفساد (2) .

والنصرانية – كما صنعتها الكنيسة – اعتبرت الشر كله ممثلا فى عالم الجسد – أى عالم المادة – والخير كل ممثلا فى عالم الروح . ومن ثم اقتضى الأمر احتقار كل ما هو مادى ، والهرب منه للنجاة من الشر والفساد .. وكذلك فعلت الهندوكية من قبل فى مذهب براهما …

وبينما عالم المادة ينبذ هذا النبذ فى بعض الفلسفات والمعتقدات ، يقوم فى القرن التاسع عشر ، من يجعل من الطبيعة إلها ، ويجعل من العقل البشرى مخلوقا من مخلوقات هذا الإله ! كما فعل كومت و نيتشه من زعماء المذهب الوضعى ، ومن يجعل جانبا من عالم المادة – وهو الاقتصاد – إلها ، يخلق العقول والأديان والفلسفات والآداب والأخلاق .. كما فعل كارل ماركس ! ويحط من قيمة الإنسان تجاه هذا الإله فيجعله عاملا سلبيا لا يقدم ولا يؤخر ، وإنما يتلقى فقط ويتأثر !

بين هذه الشخصيات المتأرجحة ، وبين هذا الغلو من هنا ومن هناك يقف التصور الإسلامى على قاعدة الحقيقة المستقرة الثابتة .. اله هو الخالق المبدع المهيمن المدبر .. والكون و الإنسان من إبداع الله ، وبينهما من التفاعل ، وبينهما من التناسق ، ما يجعل لكل منهما دورا فى حياة الآخر .. والإنسان هو الأكرم ، وهو الأكثر فاعلية وإيجابية . وهو المسلط على المادة ، يبدع فيها وينشئ ، ويغير فيها ويطور ،ويظهر من أسرارها ما أودعه الله ، ويتلقى من هذه الأسرار ما يؤدى إلى العظة والاعتبار .

وتكريم الوجود الإنسانى – مع عدم احتقار الوجود الكونى – يكفل لهذا الإنسان مقامه وكرامته ، ويجعل حياته ومقوماته أكرم من أن تمس فى سبيل توفير أية قيمة مادية أخرى . وذلك مع عدم الإخلال بالقيم المادية وبالإبداع فى علم المادة .

وهناك ألوان شتى من هذا التوازن فى التصور الإسلامى ، لا نملك تتبعها وعرضها هنا بالتفصيل – ولا حتى مجرد الإشارة – إنما نحن نثبت هذه النماذج، لتكون هى الإشارة التى يتبعها الناظر فى هذا المنهج ، إلى نهاية الطريق (1) …

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

في التاريخ... فكرة ومنهاج 

الإسلام ومشكلات الحضارة 

أفراح الروح 

معالم في الطريق 

هذا الدين 

خصائص التصور الإسلامي 

المستقبل لهذا الدين 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca