واستقرار هذه الحقيقة فى ضمير الجماعة المسلمة الأولى هو الذى أنشأ هذه المجموعة الفريدة الممتازة فى تاريخ البشرية كله على الإطلاق ، وبدون استثناء . فقد عاشوا هذه الحقيقة . عاشوها حية فى نفوسهم . عاشوها ليل نهار ، وصباح مساء . عاشوها كما يعيشون حياتهم اليومية الواقعة . عاشوا مع الله . يحسون وجوده فى نفوسهم وفى حياتهم أعمق من حس اللمس والرؤية . عاشوا فى كنفه وفى رعايته . وعاشوا تحت عينه وفى رقابته . والتمسوا يده – سبحانه – تتدخل تدخلا مباشرا فى الصغير والكبير من أمورهم ، وتنقل خطاهم ، وترقبها ، وترشدهم ، وتعقب عليهم فى الصغيرة وفى الكبيرة .. ومن ثم كانوا هذا الذى كانوا : من الحساسية والطمأنينة معا . ومن التواضع والعزة بالله – ومن الخضوع والاستعلاء معا – الخضوع لله والاستعلاء على أعداء الله – ومن ثم صنع الله بهم فى هذه الأرض ما صنع من الصلاح والعمار ، ومن الرفعة والطهارة ، مما لم يسبق ولم يلحق فى تاريخ بنى الإنسان …
******
والصفحة الأخرى للإيجابية فى التصور الإسلامى هى إيجابية الإنسان فى الكون . وإيجابة المؤمن بهذه العقيدة فى واقع الحياة على وجه خاص .
إن هذا التصور ما يكاد يستقر فى الضمير ، حتى يتحرك ليحقق مدلوله فى صورة عملية ، وليترجم ذاته ، فى حاله واقعية . والمؤمن بهذا الدين ما يكاد الإيمان يستقر فى ضميره حتى يحس أنه قوة فاعلة مؤثرة . فاعلة فى ذات نفسه ، وفى الكون من حوله .
إن التصور الإسلامى ليس تصورا سلبيا يعيش فى عالم الضمير . قانعا بوجوده هناك فى صورة مثالية نظرية ! أو تصوفية روحانية ! إنما هو تصميم لواقع مطلوب مطلوب إنشاؤه ، وفق هذا ا لتصميم . وطالما هذا الواقع لم يوجد فلا قيمة لذلك التصميم فى ذاته ، إلا باعتباره حافزا لا يهدأ لتحقيق ذاته .
هذا ما يثيره التصور الإسلامى فى شعور المسلم … ومن ثم يجد دائما هاتفا ملحا فى أعماقه ، يهيب به إلى تحقيق هذا التصور فى دنيا الواقع ، ويؤرقه ، حتى يهب للعمل ، ويفرغ طاقته الإيمانية كلها فى هذا العمل الإيجابى البناء . وفى إنشاء واقع تتمثل فيه هذه العقيدة فى حياة الناس .
وحيثما ذكر الإيمان فى القرآن أو ذكر المؤمنون ، ذكر العمل ، الذى هو الترجمة الواقعية للإيمان . فليس الأمر مجرد مشاعر . إنما هو مشاعر تُفرغ فى حركة ، لإنشاء واقع ، وفق التصميم الإسلامى للحياة ، أو وفق التصور الإسلامى للحياة ..
إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله – ثم لم يرتابوا – وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله . أولئك هم الصادقون .
(الحجرات : 15)
وَعَدَ اللَّهُ الَّذöينَ آمَنُوا مöنْكُمْ وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö لَيَسْتَخْلöفَنَّهُم فöي الْأَرْضö كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذöينَ مöنْ قَبْلöهöمْ وَلَيُمَكّöنَنَّ لَهُمْ دöينَهُمْ الَّذöي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدّöلَنَّهُمْ مöنْ بَعْدö خَوْفöهöمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنöي لَا يُشْرöكُونَ بöي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلöكَ فَأُوْلَئöكَ هُمْ الْفَاسöقُونَ .
(النور : 55)
كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله .
(آل عمران : 110)
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنّöي لَا أُضöيعُ عَمَلَ عَامöلٍ مöنْكُمْ مöنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مöنْ بَعْضٍ فَالَّذöينَ هَاجَرُوا وَأُخْرöجُوا مöنْ دöيَارöهöمْ وَأُوذُوا فöي سَبöيلöي وَقَاتَلُوا وَقُتöلُوا لَأُكَفّöرَنَّ عَنْهُمْ سَيّöئَاتöهöمْ وَلَأُدْخöلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرöي مöنْ تَحْتöهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مöنْ عöنْدö اللَّهö وَاللَّهُ عöنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابö .
(آل عمران : 195)
وَالْعَصْرö(1)إöنَّ الْإöنسَانَ لَفöي خُسْرٍ(2)إöلَّا الَّذöينَ آمَنُوا وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö وَتَوَاصَوْا بöالْحَقّö وَتَوَاصَوْا بöالصَّبْرö(3) .
(سورة العصر)
فليس هنالك إيمان هو مجرد مشاعر فى الوجدان ، أو تصورات فى الذهن . لا ترجمة لها فى واقع الحياة . وليس هنالك إيمان هو مجرد شعائر تعدبية ، ليس معها عمل يكيف منهج الحياة ويخضعه لشريعه الله(1) .
ثم يحس المسلم – من وحى تصوره الإسلامى أنه - شخصيا – مطالب بأداء لهذا الدين ، لا يستريح ضميره ، ولا يطمئن باله ، ولا يستشعر أنه أدى حق نعمة الله عليه بالإسلام . وأنه يطمع – من ثم – فى النجاة من عذاب الله فى الدنيا والآخرة … إلا أن يؤدى هذه الشهادة كاملة ، بكل تكاليفها فى النفس والجهد والماء (2) .
وكذلك جعلناكم أمة وسطا ، لتكونوا شهداء على الناس ، ويكون الرسول عليكم شهيدا .
(البقرة : 143)
ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ؟ .
(البقرة : 140)
وهو يؤدى هذه الشهادة .. أولا .. فى ذات نفسه : بأن يطابق بين واقع حياته الشخصية ، فى كل جزئية من جزيئات نشاطه ، وبين مقتضيات التصور الذى يقوم عليه اعتقاده . فليست هنالك حركة واحدة من حركات حياته ، إلا وهو مطالب بأن يشهد فيها لهذا الدين . شهادة علمية . لا شهادة اللسان وحده ، ولا شهادة القلب معه كذلك . ولكن شهادة العمل المصدق للإيمان ، المجسم للعيان ، المنشئ لآثارة فى عالم الواقع وفى دنيا الناس .
وهو يؤديها – ثانية – فى دعوة الآخرين إلى هذا المنهج ، وبيانه لهم . مسوقا فى هذه الدعوة وهذا البيان بدوافع كثيرة أولها : دافع أداء الشهادة لينجو من الله ، وليؤدى حق نعمته عليه بهدايته إلى الإسلام .. وثانيها : حب الخير للناس ، وهدايتهم إلى هذا الخير الذى هُدى هو إليه ، والذى لا يحتجنه لنفسه ، ولا لأسرته ، ولا لعشيرته ، ولا لقومه ، ولا لجنسه . لأنه يتعلم من هذا التصور ذاته أن البشر كلهم إخوة ..
وثالثها : شعوره بأن تبعة ضلال الناس – إذا ضلوا – إنما تقع على عاتقه هو ، مالم يبين لهم – بعد ما عرف وتبين – وهى تبعة ثقيلة تنوء بضميره ، وتنوء بكاهله ، وقد علم أنها تبعة الرسل – صلوات الله وسلامه عليهم – وأنه هو مستخلف فيها عن الرسل ، ومسئول عنها بعدهم .
رسلا مبشرين ومنذرين ، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل .
(النساء : 165)
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا .
(الإسراء : 15)
وهو يؤديها .. أخيرا .. بالعمل على تحقيق منهج الله فى حياة الناس ، وإقامة النظام الذى ينبثق من ذلك التصور ، وإقامة حياة الجماعة الإنسانية على أساس هذا النظام . باعتبار أن هذا التصور هو تصميم لعالم واقعى ، يراد إخراجه وتحقيقه ، ليتحقق وجود الإسلام فى الأرض ، ولتخلص الألوهية لله ، إذ لا وجود للإسلام بدون قيام مجتمع يعيش بهذا النظام ، ويعترف لله وحده بالألوهية ، فلا يتلقى فى منهج حياته الأساسى إلا من الله . ثم ليستحق المسلمون نصر الله وتأييده الذى وعدهم إياه . وشرط له شرطا واضحا لا عوج فيه :
ولينصرن الله من ينصره ، إن الله لقوى عزيز . الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ، ولله عاقبة الأمور .
(الحج : 40،41)
وفى طبيعة التصور الإسلامى ذاته ما يحفز الإنسان لمحاولة الإيجابية ، لتحقيق هذا المنهج فى صورة واقعية . فالمسلم يعرف – من تصوره الإسلامى – أن الإنسان قوة إيجابية فاعلة فى هذه الأرض ، وأنه ليس عاملا سلبيا فى نظامها فهو مخلوق ابتداء ليستخلف فيها . وهو مستخلف فيها ليحقق منهج الله فى صورته الواقعية : لينشئ ويعمر ، وليغير ويطور ، وليصلح ، وينمى . وهو معان على هذه الخلافة : معان من الله سبحانه بجعل النواميس الكونية وطبيعة الكون الذى يعيش فيه معاونة له .
هُوَ الَّذöي أَنزَلَ مöنْ السَّمَاءö مَاءً لَكُمْ مöنْهُ شَرَابñ وَمöنْهُ شَجَرñ فöيهö تُسöيمُونَ(10) يُنْبöتُ لَكُمْ بöهö الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخöيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمöنْ كُلّö الثَّمَرَاتö إöنَّ فöي ذَلöكَ لَآيَةً لöقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(11)وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتñ بöأَمْرöهö إöنَّ فöي ذَلöكَ لَآيَاتٍ لöقَوْمٍ يَعْقöلُونَ(12)وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فöي الْأَرْضö مُخْتَلöفًا أَلْوَانُهُ إöنَّ فöي ذَلöكَ لَآيَةً لöقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ(13)وَهُوَ الَّذöي سَخَّرَ الْبَحْرَ لöتَأْكُلُوا مöنْهُ لَحْمًا طَرöيًّا وَتَسْتَخْرöجُوا مöنْهُ حöلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخöرَ فöيهö وَلöتَبْتَغُوا مöنْ فَضْلöهö وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(14)وَأَلْقَى فöي الْأَرْضö رَوَاسöيَ أَنْ تَمöيدَ بöكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(15)وَعَلَامَاتٍ وَبöالنَّجْمö هُمْ يَهْتَدُونَ .
(النحل : 10-16)
وهو مُعان من الله كذلك بما وهبه من القوى والاستعدادات الذاتية ، وهو يكلفه أمر الخلافه :
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون .
(النحل : 78)
وشرط هذه الخلافة عند المسلم معروف :
قلنا اهبطوا منها جميعا . فأما يأتينكم منى هدى ، فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .
(البقرة : 38-39)
وشعوره بأنه مكلف بالعمل ، ومعانّ عليه ، ينفى عنه الشعور بالسلبية فى نظام هذا الكون – سواء بالقياس إلى القوى الكونية ، أو بالقياس إلى قدر الله تعالى – فهنالك الاستعدادات الذاتية الموهوبة له ، وهناك تسخير القوى الكونية لمساعدته ، وهناك التوازن بين مشيئة الله المطلقة وحركة الإنسان الإيجابية . كما أسلفنا .
وانتفاء الشعور بالسلبية يهيئه للحركة والتأثير والفاعلية غير ان الإسلام لا يكتفي بان يدفع عن المسلم الشعور بالسلبية . بل هو يمده بدوافع الحركة الإيجابية كذلك . إذ يعلمه أن قدر الله ينفذ فيه والأرض من حوله ، عن طريق حركته هو ذاته :
إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
(الرعد : 11)
قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ، ويخزهم وينصركم عليهم ، ويشف صدور قوم مؤمنين ، ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء ، والله عليم حكيم .
(التوبة : 14-15)
لئن لم ينته المنافقون والذين فى قلوبهم مرض والمرجفون فى المدينة لنغرينك بهم ، ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا .
(الأحزاب ك 60)
ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين .
(البقرة : 251)
ظهر الفساد فى البر والبحر بما كسبت أيدى الناس ، ليذيقهم بعض الذى عملوا ، لعلهم يرجعون .
(الروم : 41)
كما يعلمه أن الله لا يرضى منه بالشعور فى الضمير ، والكلمة على اللسان . ولا يدعه حتى يترجم ذلك فى حياته واقعا ، يحاسبه عليه ، ويجازيه بحسبه .. حتى الهدى من الله إنما يناله جزاء على الجهد فيه :
والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، وإن الله لمع المحسنين .
(العنكبوت : 69)
أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ، ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين .
(آل عمران : 142)
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون . وستردون إلى عالم الغيب والشهادة بما كنتم تعلمون .
(التوبة : 105)
بهذا كله يستشعر المسلم أن وجوده على الأرض ليس فلتة عابرة ، إنما هو قدر مقدور ، مرسوم له طريقه ووجهته وغاية وجوده … وأن وجوده على الأرض يقتضيه حركة وعملا إيجابيا ، فى ذات نفسه . وفى الآخرين من حوله . وفى هذه الأرض التى هو مستخلف فيها ، وفى هذا الكون المحسوب حسابه فى تصميمه … وأنه لا يبلغ شكر نعمة الله عليه بالوجود ، ونعمه الله عليه بالإيمان ، ولا يطمع فى النجاة من حساب الله وعذابه ، إلا بأن يؤدى دوره الإيجابى فى خلافة الأرض ، وفق شرط الله ومنهجه ، وتطبيق هذا المنهج فى حياته وفى حياة غيره ، والجهاد لدفع الفساد عن هذه الأرض التى هو قيم عليها والفساد فى الأرض إنما ينشأ عن عدم تطبيق منهج الله فى عالم الواقع ، ودنيا الناس ، حياة الجماعات – وأن وزر هذا الفساد – حين يقع – واقع على عاتقه هو، ما لم يؤد الشهادة لله فى نفسه ، وفى غيره ، وفى الأرض كلها من حوله .
وتصور المسلم للأمر على هذا النحو ، لا جرم يرفع من قيمته فى نظر نفسه كما يرفع من اهتماماته . بقدر ما يشعره بضخامة التبعة الملقاة على عاتقه، وبثقل العبء الذى يحمله ، ويكدح فيه حتى يلاقى الله ربه ، وقد أدى الأمانة ، وأدى الشهادة ووفى بحق النعمة – فيما يملك من الطاقة – وطمع فى النجاة من عذاب الله ، وزحزح عن النار .