ويحدثهم عن الإنسان حديثا مستفيضا ، يتناول مصدره ومنشأة ، وطبيعته وخصائصه ، ومركزه فى هذا الوجود ، وغاية وجوده . وعبوديته لربه ومقتضيات هذه العبودية . ثم نواحى ضعفه وقوته ، وواجباته وتكاليفه ، وكل صغيرة وكبيرة تتعلق بحياته فى هذه الأرض ، ومآله فى العالم الآخر.
ولما لم يكن قصدنا فى هذه الفقرة إلا بيان خاصية الشمول فى التصور القرآنى ، لا بيان حقائق هذا التصور ومقوماته - فهذه له مكانها فى القسم الثانى من الكتاب - فإننا نكتفى بإثبات بعض الآيات عن حقيقة الإنسان كما أثبتنا بعض الآيات عن الحقيقة الإلهية وعن حقيقة الكون ، وحقيقة الحياة ، مرجئين الحديث المفصل عنها إلى موضعه فى القسم الثانى عن مقومات التصور الإسلامى .
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإöنْسَانَ مöنْ صَلْصَالٍ مöنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ(26)وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مöنْ قَبْلُ مöنْ نَارö السَّمُومö(27)وَإöذْ قَالَ رَبُّكَ لöلْمَلَائöكَةö إöنّöي خَالöقñ بَشَرًا مöنْ صَلْصَالٍ مöنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ(28) فَإöذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فöيهö مöنْ رُوحöي فَقَعُوا لَهُ سَاجöدöينَ(29)فَسَجَدَ الْمَلَائöكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ(30)إöلَّا إöبْلöيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجöدöينَ
(الحجر : 26-31)
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإöنسَانَ مöنْ سُلَالَةٍ مöنْ طöينٍ(12)ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فöي قَرَارٍ مَكöينٍ(13)ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عöظَامًا فَكَسَوْنَا الْعöظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالöقöينَ(14)ثُمَّ إöنَّكُمْ بَعْدَ ذَلöكَ لَمَيّöتُونَ(15)ثُمَّ إöنَّكُمْ يَوْمَ الْقöيَامَةö تُبْعَثُونَ
(المؤمنون : 12-16)
وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون . ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون . إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.
(الذاريات : 56-58)
وإذ قال ربك للملائكة : إنى جاعل فى الأرض خليفة . أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء . ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك . إنى أعلم ما لا تعلمون.
(البقرة : 30)
ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ، ورزقانهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا
(الإسراء : 70)
قلنا اهبطوا منها جميعا . فإما أن يأتينكم منى هدى ، فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون . والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون
(البقرة : 38-39)
والعصر إن الإنسان لفى خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر
(سورة العصر)
ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد .
(ق : 16)
لقد خلقنا الإنسان فى كبد
(البلد :4)
أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين؟ž
(يس : 77)
وكان الإنسان أكثر شئ جدلا
(الكهف : 54)
إن الإنسان خلق هلوعا . إذ مسه الشر جزرعا . وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين...
(المعارج : 19-22)
يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا
(النساء : 28)
وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما . فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ، …
(يونس : 12)
ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه ، إنه لميئوس كفور . ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن : ذهب السيئات عنى . إنه لفرح فخور
(هود : 9-10)
ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير . وكان الإنسان عجولا
(الإسراء : 11)
كلا إن الإنسان ليطغى . أن رآه استغنى
(العلق : 6-7)
ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها . قد افلح من زكاها . وقد خاب من دساها
(الشمس : 7-10)
لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم . ثم رددناه اسفل السافلين . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون
(التين : 4-6)
وهكذا يجد الإنسان من كثرة النصوص القرآنية وتنوعها حول هذه الحقائق الأساسية ما يشعره بالقصد إلى بيانها وتحديدها ، والتوسع فيها ، لتكون قاعدة كاملة شاملة للتصور الإسلامى المستقل ، الذى يستمد لبناته - كما يستمد تصميمه - من المصدر الربانى المضبوط ، الموثوق بصحته ، وبعلمه وخبرته ، فى غنى كامل عن الاستمداد من أى مصدر آخر جزئى المعرفة ظنى المعرفة ، يضرب فى التيه بلا دليل .
***
وصورة ثالثة من صور الشمول فى التصور الإسلامى . فهو إذ يرد أمر الكون كله . وأمر الحياة والأحياء ، وأمر الإنسان والأشياء .. إلى إرادة واحدة شاملة ..وإذا يتناول الحقائق الكلية كلها: حقيقة الألوهية - الحقيقة الأولى والكبرى والأساسية – وحقيقة الكون ، وحقيقة الإنسان بمثل ، ذلك الشمول الذى أشرنا إليه ..
هذا التصور إذا يتناول الأمور على هذا النحو الشامل – بكل معانى الشمول – يخاطب الكينونة الإنسانية بكل جوانبها ، وبكل أشواقها ، وبكل حاجتها ، وكل اتجاهات . ويردها إلى جهة واحدة تتعامل معها جهة واحدة تطلب عندها كل شيء وتتوجه إليها بكل شيء جهة واحدة ترجوها وتخشاها ، وتتقى غضبها وتبغى رضاها . جهة واحدة تملك لها كل شئ ، لأنها خالقة كل شئ ، ومالكة كل شئ ،ومدبرة كل شئ ..
كذلك يرد الكينونة الإنسانية إلى مصدر واحد ، تتلقى منه تصوراتها ومفاهيمها ، وقيمها وموازينها ، وشرائعها وقوانينها . وتجد عنده إجابة على كل سؤال يجيش فيها ، وهى تواجه الكون والحياة و الإنسان ، بكل ما يثيره كل منها من علامات الاستفهام ..
عندئذ تتجمع هذه الكينونة . . تتجمع شعورا وسلوكا ، وتصورا واستجابة . فى شأن العقيدة والمنهج . وشأن الاستمداد والتلقى . وشأن الحياة والموت . وشأن السعى والحركة . وشأن الدنيا والآخرة . فى تتفرق مزقا ، ولا تتجه إلى شنى السبل والآفاق ، ولا تسلك شتى الطرق على غير اتفاق !
والكينونة الإنسانية حين تتجمع على هذا النحو ، تصبح فى خير حالاتها ، لأنها تكون حينئذ فى حالة الوحدة التى هى طابع الحقيقة فى كل مجالاتها ,.. فالوحدة هى حقيقة الخالق – سبحانه – والوحدة هى حقيقة هذا الكون – على تنوع المظاهر والأشكال والأحوال – والوحدة هى حقيقة الحياة والأحياء – على تنوع الأجناس والأنواع – والوحدة هى حقيقة الإنسان على تنوع الأفراد والاستعدادات والوحدة هي غاية الوجود الإنساني وهي العبادة على تنوع مجالات العبادة وهيئاتها – وهكذا حيثما بحث الإنسان عن الحقيقة فى هذا الوجود .
وحين تكون الكينونة الإنسانية فى الوضع الذى يطابق الحقيقة فى كل مجالاتها ، تكون فى أوج قوتها الذاتية ، وفى أوج تناسقها – كذلك – مع حقيقة أن هذا الكون الذى تعيش فيه ، وتتعامل معه ، ومع حقيقة كل شئ فى هذا الوجود ، مما تؤثر فيه وتتأثر به .. وهذا التناسق هو الذى يتيح لها أن تنشئ أعظم الآثار ، وأن تؤدى أعظم الأدوار .
وحينما بلغت هذه الحقيقة أوجها فى المجموعة المختارة من المسلمين الأوائل ، صنع الله بها فى لأرض أدوارا ، عميقة الآثار فى كيان الوجود الإنسانى ، وفى كيان التاريخ الإنسانى ..
وحين توجد هذه الحقيقة مرة أخرى – وهى لابد كائنة بإذن الله – سيصنع الله بها الكثير ، مهما يكن فى طريقها من العراقيل . ذلك أن وجود هذه الحقيقة فى ذاته ينشئ قوة لا تقاوم : لأنها من صميم قوة هذا الكون ، وفى اتجاه قوة المبدع لهذا الكون أيضا ..
ومن مظاهر ذلك التجمع فى الكينونة الإنسانية ، أن يصبح النشاط الإنسانى كله حركة واحدة، متجهة إلى تحقيق غاية الوجود الإنسانى .. العبادة .. العبادة التى تتمثل فيها عبودية الإنسان لله وحده فى كل ما ينهض به من شئون الخلافة ..
وهذا لتجمع النفسى والحركى هو ميزة الإسلام الكبرى . بما يتناوله بالتفسير كل الحقائق التى تواجه النفس البشرية فى الكون كله ، ويتناول بالتوجيه كل جوانب النشاط الإنسانى . ففى الإسلام – وحده – يملك الإنسان أن يعيش لدنياه وهو يعيش لأخرته ، وأن يعمل لله وهو يعمل لمعاشه ، وأن يحقق كماله الإنسانى الذى يطلبه الدين ، فى مزاولة نشاطه اليومى فى خلافة الأرض ، وفى تدبير أمر الرزق . ولا يتطلب منه هذا إلا أمرا واحدا : أن يخلص العبودية لله فى الشعائر التعبدية وفى الحركة العملية على السواء . أن يتوجه إلى تلك الجهة الواحدة بكل حركة وكل خالجة وكل عمل وكل نية، وكل نشاط وكل اتجاه . مع التأكد من أنه لا يتجاوز دائرة الحلال الواسعة ، التى تشمل كل طيبات الحياة .. فالله خلق الإنسان بكل طاقاته لتنشط كلها ، وتعمل كلها ، وتؤدى دورها .. ومن خلال عمل هذه الطاقات مجتمعة ، يحقق الإنسان غاية وجوده ، فى راحة ويسر ، وفى طمأنينة وسلام ، وفى حرية كاملة منشئوها العبودية لله وحده .
وبهذه الخاصية صلح الإسلام أن يكون منهج حية شاملا متكاملا . منهجا يشمل الاعتقاد فى الضمير ، والتنظيم فى الحياة – لا بدون تعارض بينهما – بل فى ترابط وتداخل يعز فصله ، لأنه حزمة واحدة فى طبيعة هذا الدين ، ولأن فصله هو تمزيق وإفساد لهذا الدين .
إن تقسيم النشاط الإنسانى إلى عبادات و معاملات مسألة جاءت متأخرة عند التأليف فى مادة الفقه . ومع أنه كان المقصود به – فى أول الأمر – مجرد التقسيم الفنى ، الذى هو طابع التأليف العلمى ، إلا أنه – مع الأسف – أنشأ فيما بعد آثار سيئة فى التصور ، تبعته – بعد فترة – آثار سيئة فى الحياة الإسلامية كلها . إذ جعل يترسب فى تصورات الناس أن صفة العبادة إنما هى خاصة بالنوع الأول من النشاط الذى يتناوله فقه العبادات . بينما أخذت هذه الصفة تبعت بالقياس إلى النوع الثانى من النشاط ، الذى يتناوله فقه المعاملات ! وهو انحراف بالتصور الإسلامى لاشك فيه . فلا جرم يتبعه انحراف فى الحياة كلها فى المجتمع الإسلامى .
ليس فى التصور الإسلامى نشاط إنسانى لا ينطبق عليه معنى العبادة ، و يطلب فيه تحقيق هذا الوصف . والمنهج الإسلامى كله غايته تحقيق معنى العبادة ، أولا وأخيرا .
وليس هناك من هدف فى المنهج الإسلامى لنظام الحكم ، ونظام الاقتصاد ، والتشريعات الجنائية ، والتشريعات المدنية وتشريعات الأسرة … وسائر التشريعات التى يتضمنها هذا المنهج …
ليس هناك من هدف إلا تحقيق معنى العبادة فى حياة الإنسان .. والنشاط الإنسانى لا يكون متصفا بهذا الوصف ، محققا لهذه الغاية - التى يحدد القرآن أنها هى غاية الوجود الإنسانى - إلا حين يتم هذا النشاط وفق المنهج لربانى ، فيتم بذلك إفراد الله - سبحانه بالألوهية ، والاعتراف له وحده بالعبودية .. وإلا فهو خروج عن العبادة . لأنه خروج عن العبودية . أى خروج عن غاية الوجود الإنسانى كما أرادها الله ، أى خروج عن دين الله !
وأنواع النشاط التى أطلق عليها الفقهاء اسم العبادات وخصوصا بهذه الصفة - على غير مفهوم التصور الإسلامى - حين تراجع مواضعها فى القرآن تتبين حقيقة بارزة لا يمكن إغفالها . وهى أنها لم تجئ مفردة ولا معزولة عن أنواع النشاط الأخرى التى أطلق عليها الفقهاء اسم المعاملات .. إنما جاءت هذه وتلك مرتبطة فى السياق القرآنى ومرتبطة فى المنهج التوجيهى . باعتبار هذه كتلك شطرا من منهج العبادة التى هى غاية الوجود الإنسانى . وتحقيقا لمعنى العبودية ، ومعنى إفراد الله - سبحانه - بالألوهية .
إن ذلك التقسيم - مع مرور الزمن - جعل بعض الناس يفهمون أنهم يملكون أن يكونوا مسلمين إذا هم أدوا نشاط العبادات - وفق أحكام الإسلام - بينما هم يزاولون كل نشاط المعاملات وفق منهج آخر . لا يتلقونه من الله . ولكن من إله آخر ! هو الذى يشرع لهم فى شئون الحياة ، ما لم يأذن به الله !
وهذا وهم كبير . فالإسلام وحدة لا تنفصم . وكل من يفصمه إلى شطرين - على هذا النحو - فإنما يخرج من هذه الوحدة . أو بتعبير آخر يخرج من هذا الدين . .
وهذه هى الحقيقة الكبيرة ، التى يجب أن يلقى باله إليها كل مسلم يريد أن يحقق إسلامه ، ويريد فى الوقت ذاته ، أن يحقق غاية وجوده الإنسانى .
إن هذه الحقيقة ليست أهميتها فقط فى تصحيح التصور الإيمانى - وإن كل هذا التصحيح فى ذاته غاية ضخمة ، يقوم عليها بناء الحياة كله - يل إن أهميتها تتجلى كذلك فى حسن تذوق الحياة ، وبلوغ هذا التذوق أعلى درجات الكمال والتناسق .
فقيمة الحياة الإنسانية ذاتها ترتفع حين تصبح كلها عبادة الله ، وحين يصبح كل نشاط فيها - صغر أم كبر - جزءا من هذه العبادة ، أو كل العبادة ، متى نظرنا إلى المعنى الكبير الكامل فيه ، وهو إفراد الله - سبحانه - بالألوهية ، والإقرار له وحده بالعبودية .. هذا المقام الذى لا يرتفع الإنسان إلى ما هو أعلى منه ، ولا يبلغ كماله الإنسانى إلا فى تحقيقه . وهو المقام الذى تلقى الوحى من الله . وحالة الإسراء والمعراج أيضا :
تبارك الذى نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا .
(سورة الفرقان : 1)
سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باركنا حوله ، لنريه من آياتنا ، إنه هو السميع البصير
(الإسراء : )
ويتحدث الأستاذ المهتدى محمد أسد (ليوبولدفايس) فى كتابه : الإسلام على مفترق الطرق حديثا دقيا عن الفرق بين التصور الإسلامى والتصورات الأخرى فى هذا الشأن ، وعن أثر ذلك فى الشعور بجدية الحياة وأهمية كل حركة فيها ، باعتباره الوسيلة الوحيدة لبلوغ الإنسان أقصى الكمال الإنسانى فى هذه الحياة الدنيا . فيقول فى فصل بعنوان : سبيل الإسلام :
يختلف إدراك العبادة فى الإسلام عما هو فى كل دين آخر(1) .. إن العبادة فى الإسلام ليست محصورة فى أعمال من الخشوع الخالص ، كالصلاة والصيام مثلا ، ولكنها تتناول كل حياة الإنسان العملية أيضا . وإذا كانت الغاية من حياتنا على العموم عبادة الله فيلزمنا حينئذ ، ضرورة ، أن ننظر إلى هذه الحياة فى مجموع مظاهرها على أنها تبعة أدبية ، متعددة النواحى ، وهكذا يجب أن نأتى أعمالنا كلها - حتى تلك التى تظهر تافهة - على أنها عبادات ، وأن نأتيها بوعى، وعلى أنها تؤلف جزءا من ذلك المنهاج العالمى الذى بدعه الله .. تلك حال ينظر إليها الرجل العادى على أنها مثل أعلى بعيد . ولكن أليس من مقاصد هذا الدين أن تتحقق المثل العليا فى الوجود الواقع ؟
إن موقف الإسلام فى هذا الصدد لا يحتمل التأويل . إنه يعلمنا أولا أن عبادة الله الدائمة ، والمتمثلة فى أعمال الحياة الإنسانية المتعددة جميعها ، هى معنى الحياة نفسها . ويعلمنا ثانيا أن بلوغ هذا المقصد يظل مستحيلا ما دمنا نقسم حياتنا قسمين اثنين : حياتنا الروحية ، وحياتنا المادية .. يجب أن تقترن هاتان الحياتان فى وعينا وفى أعمالنا ، لتكون كلا واحدا متسقا إن فكرتنا عن وحدانية الله يجب أن تتجلى فى سعينا للتوفيق والتوحيد بين المظاهر المختلفة فى حياتنا .
هناك نتيجة منطقية لهذا الاتجاه . هى فرق ’خر بين الإسلام وسائر النظم الدينية المعروفة . ذلك أن الإسلام - على أنه تعليم - لا يكتفى بأن يأخذ على عاتقه تحديد الصلات المتعلقة بما وراء الطبيعة . فما بين المرء وخالقه فقط . ولكن يعرض أيضا - بمثل هذا التوكيد على الأقل - للصلاة الدنيوية بين الفرد وبيئته الاجتماعية ..إن الحياة الدنيا لا ينظر إليها على أنها صدفة عادية فارغة ، ولا على أنها طيف خيال للآخرة ، التى هى آتية لا ريب فيها ، من غير أن تكون منطوية على معنى ما . ولكن على أنها وحدة إيحابية تامة فى نفسها , والله تعالى وحدة لا فى جوهرة فحسب . بل فى الغاية إليه أيضا .. من أجل ذلك كان خلقه وحدة ربما فى جوهرة ، إلا أنه وحدة فى الغاية منه بكل تأكيد.
وعبادة الله فى أوسع معانيها - كما شرحنا آنفا - تؤلف فى الإسلام معنى الحياة الإنسانية .. هذا الإدراك وحده يرينا إمكان بلوغ الإنسان الكمال .. فى إطار حياته الدنيوية الفردية - ومن بين سائر النظم الدينية نرى الإسلام - وحده - يعلن أن الكمال الفردى ممكن فى الحياة الدنيا .. إن الإسلام لا يؤجل هذا الكمال إلى ما بعد إماتة الشهوات الجسدية ، ولا هو يعدنا بسلسلة متلاحقة الحلقات من تناسخ الأرواح على مراتب متدرجة - كما هو الحال فى الهندوكية - ولا هو يوافق البوذية التى تقول بأن الكمال والنجاة لا يتمان إلا بعد انعدام النفس الجزئية وانفصام علاقاتها الشعورية من العالم . كلا . إن الإسلام يؤكد فى إعلانه أن الإنسان يستطيع بلوغ الكمال فى حياته الدنيا الفردية . وذلك بأن يستفيد استفادة تامة من وجوه الإمكان الدنيوى فى حياته هو (1) .
*********************************
وبعد فإن هذا الشمول - بك صورة - فوق أنه مريح للفطرة البشرية ، لأنه يواجهها بمثل طبيعتها الموحدة ، ولا يكلفها عنتا ، ولا يفرقها مزقا .. هو فى الوقت ذاته يعصمها من الاتجاه لغير الله فى أى شأن وفى أية لحظة ، أو قبول أية سيطرة تستعلى عليها بغير سلطان الله ، وفى حدود منهج الله وشريعته . فى أى جانب من جوانب الحياة .
فليس الأمر والهيمنة والسلطان لله وحده فى أمر العبادات الفردية ولا فى أمر الآخرة - وحدهما - بل الأمر والهيمنة والسلطان لله وحده ، فى الدنيا والآخرة . فى السماوات والأرض . فى عالم الغيب وعالم الشهادة . فى العمل والصلاة .. وفى كل نفس ، وكل حركة ، وكل خالجة ، وكل خطوة ، وكل اتجاه :
وهو الذى فى السماء إله وفى الأرض إله …